|
|||
|
(16)
الضعيف ، أن أعرّفكم بما هو أهم ، وهو طريقي الذي أسلكني الله فيه وقادني به إلى الاستبصار واتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ).
لقد مرّ عليّ زمن استغرق عقدين من السنين أحاول خلالهما أن أتعرف على وجه الحق في أساس الاعتقاد في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان منطلقي في بداية البحث هو نشأتي الريفية التي جُبلت على حب أهل البيت وإعطائهم الولاء القلبي الكامل. ولمّا شغلت منصب القضاء في مصر في عام 1965م و1966م و 1967م ـ أي على مدى أعوام ثلاث ـ إتفق لي أن أتولى الفصل في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين ، وكذلك في قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين ، في إحدى مدن الصعيد وهي مدينة « كوم امبو » ، من أعمال محافظة أسوان ، وفي هذه المدينة يتعايش المسلمون والمسيحيون في سلام اجتماعي واحترام متبادل ، وقد اتفق لي أن عرضت عليّ قضية طلاق بين مسيحي ومسيحية ، وكان مبنى الدعوى التي أقامها الزوج على الزوجة هي الزنا!! وهو السبب الوحيد لفصم العروة الزوجية عند الأقباط الأرثودكس. وأود أن أشرح للمستمع وللمشاهد أنه : قبل ثورة يوليو 1952م التي فجرها جمال عبد الناصر ، كان القضاء في الأحوال الشخصية للمسيحيين يعود الى محاكم محلّية خاصّة بهم في (17)
كنائسهم ، فلمّا وحّد جمال عبد الناصر القضاء جعل الفصل في هذه القضايا للقضاء العادي ـ بما فيه من قضاة مسلمين أو مسيحيين ـ وكان القانون ينصّ على أن القاضي عند نظره للدعاوى التي بين المسيحيين يجب أن يحضر معه رجل الدين المسيحي ـ وهو القسيس ـ كخبير وليس كقاضي.
وكان القسيس الذي حضر معي الجلسة يبدو عليه التوتر والإنزعاج والقلق ممّا يرمي به المدّعي ـ الزوج ـ زوجته المدّعى عليها! فأشفقت عليه ممّا يعانيه وأردت أن أداعبه مخفّفاً عنه ، فقلت له : هلاّ فكرتم بالبحث عن طريق لتخفيف الإنغلاق في مسألة الطلاق ، بحيث يستطيع الزوج عندكم أن يطلق من غير حاجة الى إتهام زوجته بالزنا؟! فجاء ردّ الرجل سريعاً ومنفعلا وقال : أتريد أن تجعل الطلاق عندنا مثل ما عند المسلمين « طَقَّتْ حَنَكْ » ؟! ومعناها كلمة طائرة يتفوّه بها الرجل فتطلّق المرأة من غير ضوابط ، لقد شدتني هذه العبارة! وفي اليوم التالي كنت أجلس للقضاء في الأحوال الشخصية بين المسلمين ، فتقدّمت مني إمرأة مسلمة ترفع دعوى بطلب نفقة زوجية من زوجها لامتناعه من الإنفاق عليها ، فلمّا طلبت من الزوج الجواب على الدعوى ، كان جوابه : إني طلقتها منذ عام (18)
وليس لها نفقة في ذمّتي.
وإذا بالمرأة تصرخ وتستجير وتواجه دعوى زوجها عليها وتصفها بالكذب ، وأنّه كان معها في معاشرة زوجية منذ أيام فقط!! كان لهذا التخاصم وقع كوقع الصاعقة عليّ ، فقد أعاد الى ذهني كلمة القسيس عن الطلاق الخالي من الضوابط ، حيث أن الطلاق في الراجح على مذهب أبي حنيفة يمكن أن يتم غيابياً وبلفظ صريح أو بكناية أو معلّق. فوجدت أن الأمر يحتاج الى مراجعة من هو أعلم مني بشؤون الشريعة والأحوال الشخصية ، فذهبت لزيارة فضيلة المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة ـ وكان أستاذاً لي في كلّية الحقوق ـ وشكوت إليه قواعد الطلاق في مذهب أبي حنيفة التي تجيز وقوع مثل هذه المأساة بحيث تطلق الزوجة في غيبتها ومن دون علمها ومن دون شهود على ذلك ، ثمّ يبقى زوجها معاشراً لها بغياً وعدواً!! فكان جواب الشيخ أبي زهرة لي : يا ولدي لو كان الأمر بيدي ما جاوزت في القضاء والفتيا مذهب الإمام الصادق ( عليه السلام ). ووجهني إلى أن أعود الى سورة الطلاق وإلى شروح مذهب أهل البيت حول أحكام الطلاق. ولما عدت إلى السورة وإلى شروح الأحكام ، تبيّن لي أنّ (19)
الطلاق لا يقع صحيحاً في كتاب الله إلاّ في طهر لم يمسسها الزوج المطلق فيه ، وبلفظ صريح ، وبشاهدي عدل ، فقلت : سبحان الله! كيف غاب هذا عن فقهاء تركوا مذاهب يدين بها الناس وتتأثر بها العلاقات ويصبح بها الحلال حراماً والحرام حلالا؟
كانت هذه أوّل محطة جادّة وضعتني في مواجهة مع نفسي ، إذ أنّ الأمر جدٌّ لا هزل فيه ، فقلت في نفسي : إبحث وتقصى واستعصم بما تعلم أنه الحق. ثمّ اتفق لي أن قرأت كتاباً مطبوعاً على نفقة وزارة الأوقاف المصرية ، في عهد وزيرها العالم الجليل المرحوم الشيخ أحمد حسن الباقوري ، كتاب طبعته وزارة الأوقاف المصرية عام 1955م عن الفقه الإمامي الشيعي عنوانه « المختصر النافع في فقه الإمامية » للمحقّق الحلي ، فزاد يقيني من أن الفقه الشيعي كما وصفه الشيخ الباقوري في مقدمة الكتاب : باعدتنا عنه الأهواء وحجبتنا عنه السنون ، رغم أنّ فيه العلاج الأمثل لكثير من عللنا الاجتماعية. كانت قراءتي لهذا الكتاب متزامنة مع قراءتي للفتوى التي أصدرها فضيلة الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الجامع الأزهر (20)
الأسبق ـ حيث أفتى جواباً على سؤال ورد إليه : « إنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية ، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً ».
ومن يومها بدأت رحلتي في التعبّد بمذهب الإمامية ، مؤملا أن يزيدني الله إطلاعاً واستبصاراً على كتب أخرى. وهيأ الله لي أن أعكف على القرآن الكريم الذي حفظت الكثير منه صغيراً ، أتنسم في آياته البيّنات معالم أهل البيت ، وبدأت أرجع إلى التفاسير المعتمدة عند العامة ، فهالني ماوجدت من مواقف قرآنية قطعية تبيّن أنّ هذا القرآن الذي أنزله الله بين محكم ومتشابه لابدّ لفهمه من أن يكون هناك دليل هاد يقود العقل بين آياته قيادة مبرّأة من الجهل والهوى ، وأن هذه القيادة التي يقتضيها المنطق القرآني ومنهجه قد تمت الدلالة عليها في وقائع الحياة اليومية لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فها هو المنهج الإسلامي يتنزّل به الوحي على أمة أمية مضى عليها حين من الدهر تعبد اللات والعزى ومناة ، ووصفها الله عزّ وجلّ بأنّها أمة كانت في ضلال مبين ، وحينما فتحت المدرسة المحمدية كان أول من وفد على ساحتها بفطرة نقية صبي مجتبى تربى في (21)
حجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشرب كل مشاربه ، علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، أقبل على هذه المدرسة وهو غير محمّل بأية آثار أو أوزار أو شبهات من العهد الوثني ، فكرّم الله وجهه عن السجود لصنم ، وقد اتفقت الأمة السنية على اختصاصه بهذا الوصف من بين كل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
فقد تعلّمنا في المدارس منذ الصغر أن يوصف علي وحده بأنّه كرّم الله وجهه ، وهذا التكريم كان بداية الإعداد لولاية أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ولمنصبه الإلهي في البيان بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بحيث يكون بيانه مطابقاً لمراد الله تعالى تماماً كبيان رسول الله ، واستبان لي البرهان في هذه القضية ـ قضية بيان أمير المؤمنين وأنّه عين بيان رسول ربّ العالمين ، بيان علي ( عليه السلام ) كبيان محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ بدلالة ما وقع عند نزول سورة براءة ، وفي شرح سورة براءة وما حدث قبل وبعد نزولها! لقد استفاضت كتب التفسير عند السنة (1) أنّه في العام التاسع 1 - أنظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير : 2 / 346 ، التفسير الكبير للفخر الرازي : 15 / 523 ـ 524 ، تفسير روح المعاني للآلوسي : 5 / 240 ، الدر المنثور للسيوطي : 3 / 209. (22)
للهجرة الشريفة وبعد فتح مكّة بعام واحد ندب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الناس للحج ، فبدأوا يتهيّأون له ، ولا يرون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتهيّأ مثل تهيّوئهم إذ أنّ البيت يحج به المشرك ويطوف به العريان والكاسي ، وهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يحج حتى يتطهّر البيت من طواف المشرك والعريان ، وأمّر على الحجيج أبا بكر بن أبي قحافة.
ونزلت الآيات العشر من سورة براءة مستهلة بقوله عز شأنه : « بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى اللَّذِينَ عَاهَدتُمْ مِنَ المُشرِكينَ * فَسِيحُوا في الأرْضِ أربَعَةَ أشهُر وَاعلَمُوا أنّكُمْ غَيرُ مُعْجِزي اللهِ وَأنَّ اللهَ مُخزي الكافِرينَ * وَأذانٌ منَ اللهِ وَرَسولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهَ بريءٌ مِنَ المُشرِكينَ وَرَسُولُهُ ... » (1) . فسورة براءة تعني أن هذا العام الذي يحجّ فيه أبو بكر بن أبي قحافة أميراً على الحجيج هو آخر عام يحجّ فيه الناس بين مشرك ومسلم ، وأنّه لا يجوز للمشركين ، « إنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْربُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا » (2) . فلمّا نزلت الآيات أرسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علياً ( عليه السلام ) ليبلّغ هذه السورة ، ورجع أبو بكر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال : لا ولكن جبريل جاءني فقال : لن يؤدّي عنك إلاّ أنت 1 - التوبة : 1 ـ 3. 2 ـ التوبة : 28. (23)
أو رجل منك.
فهذا الأمر الإلهي كشف عن أن عليّاً ( عليه السلام ) من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو الذي عبّر عنه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث صحيح بقوله : « إنّ عليّاً منّي وأنا منه » (1) . وذهب علي يتلو على الناس سورة براءة نائباً عن رسول الله نيابة النفس عن النفس ونيابة الجزء عن الكلّ. هذا الحادث دليل قطعي على منصب إلهي ، اجتبى الله فيه عليّاً ( عليه السلام ) ، ومن قبله أحداث ومن بعده أحداث ، فمن قبله فتح خيبر وما أدراك ما فتح خيبر؟! والمروي في كتب السنة وفيما يعدّ عندهم من الصحاح في المسميات ـ البخاري ومسلم ـ أنّه في يوم فتح خيبر واللفظ لمسلم : « عن أبي هريرة ، أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال يوم خيبر : لأعطينّ هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه » . قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ. 1 ـ الخصائص للنسائي : 87 و 98 ، مستدرك الحاكم : 3 / 111 ، كما أخرجه البخاري بلفظ آخر : 3 / 168. (24)
قال : فتساورت لها رجاء أن أدعى لها.
قال : فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علي بن أبي طالب فأعطاه إيّاها ، وقال : إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك .. (1) . ومضى أمير المؤمنين بالراية مشهوداً له بأنّه يحبّ الله ورسوله ، مثنياً عليه بأنّ الله ورسوله يحبّانه ; قائماً بعمل نكص عنه غيره ، وكم من أعمال جسام نكص عنها غيره فأدّاها؟! أي دليل أبلغ من هذا على اختصاصه بالمنزلة الرفيعة؟ وختمت مشاهد الغزوات النبويّة بغزوة تبوك في عام العُسرة ، والتي ندب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيها الناس للغزو ، فلمّا همّ علي بالخروج مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمره رسول الله بالبقاء في المدينة ، فقال : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟! ـ خاتمة العُسرة والحاجة ماسّة لبطولة علي ( عليه السلام ) ، إذ يأمره الرسول بالبقاء في المدينة ـ فجاء التفسير النبوي : « إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك » (2) . فاستبقاه في المدينة ، لأنّ بقاءه فيها كبقاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ). 1 ـ صحيح مسلم : 7 / 121 ، كما ذكر هذه الحادثة بألفاظ وأسانيد أُخرى. 2 ـ أنظر : المناقب لابن المغازلي الشافعي : 33. (25)
وختمت المشاهد قبيل وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسرية أُسامة ، لمّا ثقل المرض على رسول الله وأمر بإنفاذ سرية أُسامة بن زيد ، أمر بخروج جيش أمّر عليه أُسامة ـ وهو أصغر من في سريته سناً ـ وألحق بسريته شيوخ الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر ولم يستبق معه في المدينة إلاّ عليّاً.
فإذا بمن أمرهم الله تعالى بالنفير يتقاعسون ويقعدون! وفي أسماعهم وعيد الله « إلاّ تَنْفِرُوا يُعذِّبكُمْ عَذَاباً ألِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكُمْ » (1) وأبوا أن يستجيبوا للخروج ببعث أسامة حتى لحق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بربّه فاهتبلوها فرصة ، ليكون منهم يوم السقيفة للنكث والإنقلاب وتبديل ما أمر الله به وتغيير ما عاهدوا عليه رسول الله يوم الغدير بولاية أمير المؤمنين علي. لمّا وقعت على هذه الحقائق واطمأن قلبي إليها من مصادر السنّة قبل مصادر الشيعة ، لاح الحقّ معها جليّاً ، فاستعنت بالله عزّ وجلّ مستبصراً وطالباً المزيد من البيان والأدلّة والمزيد من الإطلاع 1 - التوبة : 39. (26)
على فقه أهل البيت ( عليهم السلام ).
فمنّ الله عليّ وأكرمني بأن أعارتني وزارة العدل المصرية عام 1969م كمستشار قانوني لوزارة الداخلية السعودية ، ويسّر الله لي بأسباب هي أقرب إلى الكرامة ـ بحمد الله ـ أن أطّلع على عدد من كتب المذهب الشيعي ـ كانت محمولة مع الحجاج الإيرانيين القادمين عن طريق البر إلى السعودية ـ وكانت قد تمّت مصادرة هذه الكتب وأصبحت في حوزة وزارة الداخلية. وحتى لا أطيل عليكم ، فقد تمّ اطلاعي عليها ، فوجدتها تشرق بكلّ ما في كتاب الله من دلالات ، أيّ أنّ منطلقي إلى الاستبصار والتشيّع كان من كتاب الله أوّلا ، ومن مصنّفات الشيعة التي وجدتها لا تعدوا كتاب الله ولا تصادمه ثانياً. وفي هذه الخصوصية ، خصوصية الموقف من كتاب الله بين السنة والشيعة ، أذهلني ما يفتريه جهلاء أهل السنة ـ لا أعمم ففيهم العقلاء ـ على الشيعة من الزعم بأنّ الشيعة لا يدينون بالقرآن الذي بين أيدي المسلمين ، وأنّ لهم قرآناً آخر ، فإذا باطلاعي على كتاب (27)
البيان للعلاّمة الخوئي ( رحمه الله ) ، أجد أن الحديث واضحاً وقطعيّاً ومسنداً وجليّاً على أن الشيعة هم أوّل من يسلّم بأنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف المتداول في عالمنا اليوم هو كتاب الله عزّ وجلّ بغير زيادة ولا نقصان ، وأنّه ليس عندهم شيء من تحاريف أو تخاريف بعض جهلاء أهل السنة :
مثل قول عائشة فيما ترويه كتب السنة : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن (1) . ومثل قول عمر : فكان ممّا أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها (2) ، وبقي حكمها ، وهي على زعمه آية : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » (3) . فكل هذه الدعاوي عند أهل السنة التي تخدش العصمة للكتاب الكريم وتوهم بوقوع التحريف فيه ، يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلا ، ويصونون الكتاب الكريم بأحداق عيونهم وأفئدتهم وبحسن تطبيقهم لأحكامه. 1 ـ الإتقان في علوم القرآن : 2 / 40 ، الدر المنثور : 5 / 180 ، وانظر : تفسير القرطبي : 14 / 113. 2 ـ صحيح البخاري : 8 / 26 ، وانظر : الدرّ المنثور : 5 / 180. 3 ـ سنن ابن ماجة : 2 / 854 ، السنن الكبرى : 8 / 211 ، مجمع الزوائد : 6 / 6 ، فتح الباري : 9 / 54 ، الدر المنثور : 5 / 180. (28)
وحسبك في احترامهم للنصوص القرآنية ما قدّمت به حديثي : من أنّهم يعتمدون سورة الطلاق في مذهبهم بنصّها ، ولا يجيزون الخروج عليها ، بينما أهل السنة أجازوا الخروج عليها ، بل هدمها بقول لعمر!
فعمر عندما يجترىء على أحكام الطلاق فيحرّفها عن مراد الله ، ويمضي الطلقات الثلاث في المجلس الواحد باللفظ الواحد ، غافلا ومتغافلا ومجترءاً على قول الله في كتابه : « الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ » (1) بما يعني اختلاف الزمان بين طلقة وطلقة ، لكنه اجترأ فطلّق الطلقات الثلاث بلفظ واحد! وليس محدّثكم هو الذي يقول عن عمر اجترأ ، بل يقول ذلك واحد من أشد أتباع عمر ـ حتى في نصبه من أشد النواصب ـ ابن تيمية! فقد إستهول فعلة عمر في عبثه بأحكام الطلاق حيث قال : لا يصحّ لديّ ما قال به عمر من وقوع الطلاق ثلاثاً في المجلس الواحد ، بل لابدّ من التفريق بين الطلقات (2) . وعند هذه النقطة أحيط المشاهد والمستمع الكريم بالعلم : 1 - البقرة : 229. 2 ـ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية : 33/44 ، 54 ـ 57. (29)
أن مصر كانت حريصة قدر جهدها على أن ترد الأحكام الشرعية إلى صحيح القرآن ، فعدلت عن قول عمر في مسألة الطلاق ، وهو الذي عليه قول المذاهب الأربعة ـ عدا ابن تيمية ـ فالمذاهب الأربعة تقول بقول عمر بوقوع الطلاق بائناً باللفظ ثلاثاً في المجلس الواحد ، ولكن مصر عدلت عن ذلك ، فأخذت في أحكام الطلاق أوّلا بمذهب ابن تيمية في وجوب اعتبار الطلقات الثلاث في المجلس الواحد بمثابة طلقة واحدة.
ثمّ أبشّر المشاهد والمستمع الكريم أنّ مصر خطت خطوة أكبر في العدول عن مذهب أهل السنّة في الطلاق مطلقاً ، حيث صدر القانون المصري المعروف بقانون الخلع في يناير عام 2000م والذي من ضمن أحكامه أن لا يقع الطلاق إلاّ في حضرة القاضي وبشاهدين عدلين. الخلاصة من حديثي معكم : إنّ من التمس الحقّ وجده ، ومن أراد أن يستبصر بصّره الله ، ومن أراد أن يستنير نوّر الله قلبه. ولذا أناشد كل مسلم ، بل كل إنسان : بأن يراجع موقفه من ربّه ونبيّه وإمامه ، فيسرع إلى عقد الولاء لآل محمّد صلوات الله عليهم ، وتصحيح عبادته باتباع مراجعهم الذين يأخذون من أنوار آل محمّد (30)
صلى الله عليهم فقههم واجتهادهم وفتاواهم.
وأُناشد كل مسلم : بأن يعمل على تحرير رقبته من النار ، وأن لا يستمسك بالمقولة التي تجعله عبداً في التقليد ، فيندرج فيمن قال الله تعالى فيهم « إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّة وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ » (1) ، فإنّي أقول لهم بقول الله عزّ وجل : « أوَلَوْ جِئتُكُمْ بِأهدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَليهِ آبَاءَكُمْ » (2) . أقول من هذا المنبر راجياً أن يصل قولي إلى كلّ من هيّأه الله لاتّباع الحق : لقد جئتكم بأهدى ممّا وجدتم عليه آباءكم ، يا أهل السنّة في مشارق الأرض ومغاربها ، هلاّ استجبتم لأمر الله وخلعتم اتّباع الطاغوت وهرعتم وأسرعتم الى اتّباع منهج آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ). أقول قولي هذا منيباً ومستغفراً ومستجيراً ومستمسكاً ومتوسّلا ومستشفعاً بمحمد وآل محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أن يغفر الله لي هناتي وسقطاتي ، وأن يرفع عني وزري وإصري. وصلّى الله على عبده ورسوله محمد وآله الطاهرين. 1 ـ الزخرف : 23. 2 ـ الزخرف : 24. |
|||
|