مع ثبوت السُنَّة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأحاديث الثابتة عند أهل السنة ، إلا أنهم في بعض الأحكام الشرعية بدا لهم أن يتعمَّدوا تجنّبها من أجل مخالفة الروافض.
قال ابن تيمية : ومن هنا ذهب مَن ذهب مِن الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم [ أي للشيعة ] ، فإنه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك ، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم ، فلا يتميَّز السُّني من الرافضي ، ومصلحة التميُّز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب. وهذا الذي ذُهب إليه يُحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب (2).
وهي موارد عديدة ، منها التختم باليمين ، وتسطيح القبور ، والصلاة على الآل ، وغيرها.
قال ابن حجر في فتح الباري : اختُلف في السلام على غير الأنبياء ، بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي ، فقيل : يشرع مطلقاً ، وقيل : بل تبعاً ، ولا يُفرد لواحد ، لكونه صار شعاراً للرافضة. ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.
وقال أيضاً : قال ابن القيم : المختار أن يُصلَّى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وآله وذرّيّته وأهل طاعته على سبيل الإجمال ، وتكره في
وقال الزمخشري في الكشاف : القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى ( هو الذي يصلي عليكم ) وقوله تعالى ( وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم ) وقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم صلِّ على آل أبي أوفى. ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك ، وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك : ( صلى الله على النبي وآله ) فلا كلام فيها ، وأما إذا أُفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يُفرد هو فمكروه ، لأن ذلك صار شعاراً لذِكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأنه يؤدّي إلى الاتهام بالرفض (3).
قال مصنّف كتاب الهداية وهو من الأحناف : المشروع التختم في اليمين، لكن لمَّا اتّخذته الرافضة عادة جعلنا التختم في اليسار (4).
وذكر الغزالي في الذخيرة والماوردي وهما من الشافعية أن تسطيح القبورهو المشروع ، ولكن لما اتّخذته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه إلى التسنيم (5).
وقال محمد بن عبد الرحمن الدمشقي في كتابه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة : السُّنَّة في القبر التسطيح ، وهو أولى من التسنيم على الراجح من
وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية إسدال طرف العمامة : فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد ، أو الأيمن لشرفه ؟ لم أرَ ما يدل على تعيين الأيمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني ، وبتقدير ثبوته فلعله كان يرخيها من الجانب الأيمن ، ثم يردّها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم ، إلا أنه صار شعار الإمامية ، فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم (2).
وقال عبد الله المغربي المالكي في كتابه ( المعلم بفوائد مسلم ) : إن زيداً كبَّر خمساً على جنازة ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكبِّرها. وهذا المذهب الآن متروك ، لأنه صار علَماً على القول بالرفض (3).
وفي التذكرة : قال الشافعي وأحمد والحكَم : المسح على الخفّين أولى من الغسل ، لما فيه من مخالفة الشيعة (4).
وقال إسماعيل البروسوي في تفسيره ( روح البيان ) عند ذِكر يوم عاشوراء : قال في عقد الدرر واللئالي (5) : ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال ، وبالشيعة الروافض والخوارج أيضاً ، يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم ، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبَّه بيزيد
إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
لقد صدرت من أعلام أهل السنة وأئمة مذاهبهم فتاوى غريبة ، وأحكام عجيبة ، صارت محل تندّر وتفكّه من غيرهم ، حتى نظمها الشعراء في أشعار ساخرة ، وقصائد لاذعة.
فقال ابن الحجاج :
| الشافعيُّ مـن الأئمــةِ قائــلٌ | * | اللعْبُ بالشطرنـجِ غيــرُ حـرامِ |
| وأبو حنيفةَ قالَ وهـو مصــدَّقٌ | * | فيما يبلِّغُــه منَ الأحــكـــامِ |
| شُرْبُ المثلّثِ والمنصَّفِ جائــزٌ | * | فاشربْ على طرَبٍ من الأيـــامِ |
| وأباحَ مالكٌ الفُقـاعَ تطـرّقـــاً | * | وبه قوامُ الديـنِ والإســـلامِ (3) |
| والحَبْرُ أحمدُ حلَّ جَلْـدَ عميرة (2) | * | وبذاك يُستغنى عـن الأرحـــامِ |
| فاشربْ ولُط وازنِ وقامرْ واحتجِجْ | * | في كل مسألـةٍ بقــول إمـــامِ |
وقال الزمخشري :
| إذا سألوا عن مذهبـي لم أبُــحْ به | * | وأكتمُـهُ كتمانُــهُ لي أســلَـمُ |
| فإن حنفيًّاً قلــتُ قالـوا بأننــي | * | أبيح الطلا وهو الشـرابُ المحرَّمُ |
| وإن مالكيًّاً قلـتُ قالـوا بأنـنــي | * | أبيحُ لهم أكلَ الكــلابِ وهمْ هـمُ |
| وإن شافعيًّاً قلتُ قالــوا بأننــي | * | أبيحُ نكاحَ البنتِ والبنتُ تحــرمُ |
والفتاوى الغريبة عندهم كثيرة جداً ، إلا أنا نذكر اليسير ، ومن أراد المزيد فلينظر في أقوالهم ، وليتتبَّع فتاواهم فسيجد الكثير.
وهي عدة طوائف :
1 ـ صلاة أبي حنيفة : قال ابن خلكان في وفيات الأعيان : ذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سمَّاه ( مغيث الخَلْق في اختيار الأحق ) أن السلطان محمود [ بن سبكتكين ] كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في خلده حكة ، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرْو ، والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يُصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ، وعلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، لينظر فيه السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلّى القفال المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجه الكمال والتمام ، وقال : هذه صلاة لا يجوِّز الإمام الشافعي رضي الله عنه دونها ، ثم صلَّى ركعتين على ما يجوِّز أبو حنيفة رضي الله عنه ، فلبس جلد كلب مدبوغاً ، ولطَّخ ربعه بالنجاسة ، وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوؤه منكساً منعكساً ، ثم استقبل القبلة
، وأحرم للصلاة من غير نيَّة في الوضوء ، وكبَّر بالفارسية : دو برك سبز (2) ، ثم
=
2 ـ أفتى بجواز شرب المثلَّت، وهو أن يُطبخ عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى الثلث ويشتد ، ويسكر كثيره لا قليله ، ويسمَّى ( الطلا ) (2).
قال ابن حزم : ولا خلاف عن أبي حنيفة في أن نقيع الدوشات عنده حلال وإن أسكر ، وكذلك نقيع الرُّب وإن أسكر. والدوشات من التمر ، والرُّب من العنب (3).
3 ـ وأفتى بأن رجلاً لو تزوّج امرأة في مجلس ، ثم طلّقها فيه قبل غيبته عنهم ، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد ، لحقه الولد ، وكذا لو تزوج رجل في المشرق بامرأة في المغرب ، ثم مضت ستة أشهر ، وأتت بولد ، فإنه يلحق به ، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومضي مدة الحمل ، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء (4).
=
4 ـ وأفتى بأنه لو تزوج رجلان امرأتين ، فغلط بهما عند الدخول ، فزُفَّت كل واحدة إلى زوج الأخرى ، فوطأها وحملت منه ، لحق الولد بالزوج لا بالواطئ ، لأن الولد للفراش (1).
5 ـ وأفتى بأنه لو ادَّعى مسلم وذمّي ولداً ، وأقام كل منهما بيِّنة ، فإن الولد يُلحق بالمسلم وإن كان شهود الذمي مسلمين ، وشهود المسلم من أهل الذمة. معلِّلاً بأن ذلك موجب لإسلام الولد (2).
6 ـ قال ابن تيمية : إذا آجر الرجل الدار لأجل بيع الخمر واتخاذها كنيسة أو بيعة ، لم يجز قولاً واحداً ، وبه قال الشافعي ، كما لا يجوز أن يكري أمته أو عبده للفجور. وقال أبو حنيفة : يجوز أن يؤاجرها لذلك (3).
7 ـ وأفتى أبو حنيفة بأن الرجل إذا استأجر المرأة للوطء ، ولم يكن بينهما عَقد نكاح ، فليس ذلك بزنا ، ولا حدّ فيه. والزنا عنده ما كان مطارفة (4) ، وأما ما فيه عطاء فليس بزنا (5).
هذا وقد عقد ابن أبي شيبة في كتابه ( المصنَّف ) باباً لمخالفات أبي حنيفة للأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أسماه : كتاب الرد على أبي حنيفة. وقال : هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر فيه 125 مورداً ، فراجعه (6).
وروى ابن عبد البر في كتاب الانتقاء ، والخطيب في تاريخ بغداد عن وكيع بن الجراح قال : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
وروى الخطيب عن يوسف بن أسباط أنه قال : ردَّ أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر (2).
1 ـ أفتى بطهارة الكلاب والخنازير ، وسؤرهما (3) طاهر يُتوضَّأ به ويُشرب، وإن ولغا في طعام لم يحرم أكله ، وعنده أن الأمر بغَسل الإناء من ولوغ الكلب فيه مجرد تعبّد (4).
2 ـ وأفتى بجواز أكل الحشرات كالديدان والصراصير والخنافس والفئران والجراذين والحرباء والعضاء ، والحيّة حلال إذا ذُكِّيت (5).
3 ـ وأفتى بحِلِّية الزواج من بنته من الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه وأخته من الزنا ، مستدلاً بأنها أجنبية منه ، ولا تنتسب إليه شرعاً ، ولا يجري التوارث بينهما ، ولا تعتق عليه إذا ملكها ، ولا تلزمه نفقتها، فلا يحرم عليه نكاحها كسائر الأجانب (6).
وسيأتي قريباً هذا القول للشافعي أيضاً.
4 ـ وذهب الإمام مالك إلى أن أقصى مدة الحمل سبع سنين ، فلو طلَّق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح زوجاً آخر ، ثم جاءت بولد بعد سبع
1 ـ أفتى الشافعي بحِلِّية الزواج من بنته من الزنا ، ومن أخته وبنت ابنه ، وبنت بنته ، وبنت أخيه وأخته من الزنا ، مستدلاً بنفس دليل الإمام مالك في هذه المسألة كما مرّ آنفاً (2).
وهذه المسألة ذكرها الفخر الرازي في مناقب الشافعي مسلِّماً بها ومدافعاً فيها عنه (3).
وإليها أشار الزمخشري في الأبيات المتقدمة بقوله :
2 ـ وأفتى بحليّة الذبيحة التي لم يُذكر اسم الله عليها ، لأن التسمية مستحبة عنده غير واجبة ، لا في عمد ولا في سهو (4) ، وهذا القول مروي أيضاً عن أحمد بن حنبل ، مع أن الله تعالى يقول ( ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) (5).
1 ـ إذا ادَّعى اثنان ولداً فإن لم يكن لأحدهما بيِّنة ، أو كان لكل منهما بيِّنة تعارض الأخرى ، فهنا يُعرض على القافة (6) ، فإن ألحقه القافة بأحدهما
قلت : بهذه الفتوى يكون له أبوان أو ثلاثة آباء أو أكثر ، مع أن المقطوع به أنه ابن لواحد فقط ، ثم إن مسألة الميراث الأمر فيها سهل ، ولكن إلى مَن ينتسب هذا المولود ، فإن الانتساب إلى أكثر من واحد لا يتأتى.
قال ابن حزم : لا يجوز أن يكون ولد واحد ابن رجلين ، ولا ابن امرأتين (3).
2 ـ ذهب الأمام أحمد إلى أن أقصى مدة الحمل أربع سنين ، فلو طلَّق الرجل امرأته أو مات عنها ، فلم تنكح زوجاً آخر ، ثم جاءت بولد بعد أربع سنين من الوفاة أو الطلاق ، لحقه الولد ، وانقضت العدة به (4).
1 ـ أفتى ابن حزم وداود الظاهري بأن الرجل الكبير البالغ له أن يرتضع من امرأة فيكون ابنها من الرضاعة ، فيحل له بعد ذلك ما يحل لابنها من الرضاعة ، وهذا الحكم يثبت له وإن كان المرتضع شيخاً. وهذا هو مذهب عائشة (5) ، وسنذكر قريباً بعض الأحاديث في ذلك.
2 ـ وذهب الزهري إلى أن الجنين قد يبقى في بطن أمة سبع سنين ، وقال أبو عبيد : ليس لأقصاه وقت يُوقف عليه (6).
3 ـ وأفتى المالكيون بحلية أكل لحوم السباع ، ومن ضمنها الكلاب
قال ابن حزم في معرض الرَّد عليهم : ثم قد شهدوا على أنفسهم بإضاعة المال والمعصية في ذلك ، إذ تركوا الكلاب والسنانير تموت على المزابل وفي الدُّور، ولا يذبحونها فيأكلونها ، إذ هي حلال ، ولو أن امرءاً فعل هذا بغنمه وبقره لكان عاصياً لله تعالى بإضاعة ماله (1).
4 ـ وأفتى محمد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ أبي حنيفة ـ بأن ما أسكر كثيرُه مما عدا الخمر مكروه وليس بحرام (2).
5 ـ وأفتى عطاء ومجاهد ومكحول والأوزاعي والليث بأنه لو ذبح النصارى لكنائسهم أو ذبحوا على اسم المسيح أو الصليب ، أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم فذبيحتهم لا يحرم الأكل منها (3).
6 ـ وأفتى ابن حزم بجواز الاستمناء ، ونقل الفتوى بذلك عن الحسن البصري وعمرو بن دينار وزياد بن أبي العلاء ومجاهد (4).
7 ـ قال ابن حزم : أباح الأحناف لمن طالت يده من الفسَّاق أو قصُرت أن يأتي إلى زوج أي امرأة عشقها ، فيضربه بالسوط على ظهره حتى ينطق بطلاقها مكرهاً ، فإذا اعتدَّت المرأة أكرهها الفاسق على أن تتزوّجه بالسياط أيضاً ، حتى تنطق بالقبول مكرهة ، فيكون ذلك عندهم نكاحاً طيّباً ، وزواجاً مباركاً ، ووطءً حلالاً ، يُتقرَّب به إلى الله تعالى (5).
8 ـ وأفتى ابن تيمية أن إنشاء السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير جائز ، ويعد معصية. وقد وصف زيارته صلى الله عليه وآله وسلم بأنها غير واجبة باتفاق المسلمين ، بل ولم
9 ـ وأفتى محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح بأن لبن البهيمة ينشر الحرمة ، فلو شرب اثنان أو أكثر من لبن شاة واحدة صاروا إخوة أو أخوات من الرضاعة.
قال السرخسي في المبسوط : ولو أن صبيّين شربا من لبن شاة أو بقرة لم تثبت به حرمة الرضاع ، لأن الرضاع معتبر بالنسب ، وكما لا يتحقق النسب بين آدمي وبين البهائم فكذلك لا تثبت حرمة الرضاع بشرب لبن البهائم. وكان محمد بن إسماعيل البخاري صاحب التاريخ رضي الله عنه يقول : تثبت الحرمة. وهذه المسألة كانت سبب إخراجه من بخارا ، فإنه قدم بخارا في زمن أبي حفص الكبير رحمه الله ، وجعل يفتي فنهاه أبو حفص رحمه الله ، وقال : لست بأهل له. فلم ينته ، حتى سُئل عن هذه المسألة فأفتى بالحرمة ، فاجتمع الناس وأخرجوه (2).
الأحاديث الصحيحة التي تثير الدهشة عند أهل السُّنّة كثيرة جداُ ، واستقصاؤها يستدعي الإطالة ، ونحن نكتفي بذكر خمسة أحاديث صحيحة عجيبة :
1 ـ إرضاع الكبير (3) : أخرج مسلم في صحيحه ـ واللفظ له ـ، وأبو داود
وفي رواية أخرى : فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة. فرجَعَتْ فقالت : إني قد أرضعته ، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة (2).
وفي رواية ثالثة : قالت : إنه ذو لحية. فقال : أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة (3).
وعند أبي داود : فأرضعته خمس رضعات ، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
وعند النسائي : فأرضعته وهو رجل.
2 ـ وضع مشين يُنزَّه عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أخرج البخاري ومسلم في
وفي رواية أخرى : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين ، مستقبلاً بيت المقدس لحاجته (2).
وفي رواية عند الترمذي : عن جابر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يُقْبَض بعام يستقبلها (3).
3 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبول قائماً : أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما ، والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي في سُننهم ، وأحمد في المسند وغيرهم عن حذيفة ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم سُباطة قوم ، فبال قائماً ، ثم دعا بماء ، فجئته بماء فتوضّأ (4).
=
هذا مع أنهم رَوَوا عن عائشة أنها قالت : مَن حدَّثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدِّقوه ، ما كان يبول إلا جالساً (1).
4 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدَّم لغيره طعاماً ذُبح على الأنصاب : أخرج البخاري في صحيحه ، وأحمد في المسند وغيرهما عن سالم أنه سمع عبد الله يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بَلْدَح ، وذاك قبل أن يُنَزَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فقدَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها ، وقال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه (2).
5 ـ أن النبي أبدى عورته أمام الناس : أخرج البخاري ومسلم ـ واللفظ له ـ عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له العباس عمُّه : يا ابن أخي ، لو حللتَ إزارك فجعلته
وأخرج الترمذي عن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، فأتاه فقرع الباب ، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرياناً يجر ثوبه، والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده ، فاعتنقه وقبَّله (2).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا يسعها المقام ، فراجع إن شئت ما كتبناه في كتابنا ( كشف الحقائق ) ، ففيه المزيد.
إن الأسباب الداعية إلى ضياع الأحكام وتحريفها كثيرة ، وحيث أن المقام لا يستدعي بسط الكلام في هذه المسألة ، فإننا سنذكر أمرين مهمّين كان لهما بالغ الأثر في حصول ذلك :
الأمر الأول : عدم اتِّباع أهل البيت عليهم السلام والتمسّك بهم.
وقد تقدّم مفصَّلا بيان أن التمسك بأهل البيت عليهم السلام سبب للنجاة من الضلال والأمن من الوقوع في الهلكات في الفصل الثالث. وبما أن أهل السنة أعرضوا عنهم عليهم السلام واتّبعوا غيرهم ، فإن النتيجة التي لا مفرّ منها هي الوقوع في الضلال ، الذي يتمثّل في ضياع الأحكام وتحريف الشريعة المقدسة.
الأمر الثاني : اتّباع كل مَن هبَّ ودَرَجَ من الصحابة.
فإن أهل السنّة لما قالوا بعدالة كل الصحابة وقداستهم ، ورأوا أن كل مَن رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو ثقة عدْل ، تؤخذ منه أحكام الدين وشرائع الإسلام ،
هذا وقد سُئل أمير المؤمنين عليهم السلام عما في أيدي الناس من الأحاديث فقال عليهم السلام :
إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً. وقد كُذِب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده حتى قام خطيباً ، فقال : « مَن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقامه من النار » ، وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ، ليس لهم خامس :
رجل منافق مُظهِر للإيمان ، متصنِّع بالإسلام ، لا يتأثَّم ولا يتحرَّج ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعمّداً ، فلو علِم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، ولم يصدِّقوا قوله ، ولكنهم قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رآه وسمع منه ، ولَقِف عنه ، فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ، ووصَفهم بما وصفهم به لك ، ثم بقوا بعده ، فتقرَّبوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والبهتان ، فولَّوهم الأعمال ، وجعلوهم حُكَّاماً على رقاب الناس ، فأكلوا بهم الدنيا ، وإنما الناس مع الملوك والدنيا ، إلا من عصم الله ، فهذا أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه ، فوَهِمَ فيه ، ولم يتعمَّد كذباً ، فهو في يديه ، ويرويه ويعمل به ، ويقول : أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلو علم المسلمون أنه وَهِمَ فيه لم يقبلوه منه ، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر به ، ثم إنه نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنه منسوخ لَرَفَضَه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفاً من الله ، وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يَهِم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه ، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنَّب عنه ، وعرف الخاص والعام والمحكم والمتشابه ، فوضع كل شيء موضعه ، وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان ، فكلام خاص وكلام عام ، فيسمعه مَن لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ، ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيحمله السامع ويوجِّهه على غير معرفة بمعناه وما قُصِد به ، وما خرج من أجله ، وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَن كان يسأله ويستفهمه ، حتى إن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا ، وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته. فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعِلَلِهم في رواياتهم (1).
أقـول : بهذا كله يُعلَّل اختلاف الحديث عند أهل السنة ، وما تبع ذلك من اختلاف فتاواهم في أكثر الفروع الفقهية ، حتى صار كل مذهب يحتج على ما ذهب إليه بأحاديث يرويها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى المسائل التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكرِّرها كل يوم أمام الناس مرات ومرات كالوضوء والصلاة وغيرهما ولم تسلم أيضاً من الخلاف والاختلاف.
لقد اتضح من كل ما تقدَّم أن أهل السنة لم يبق عندهم شيء من أحكام الدين مما كان على زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا حُرِّف وبُدِّل ، حتى الصلاة لم تسلم من التغيير والتحريف كما نصَّت عليه الأحاديث الصحيحة عندهم ،
فلينظر أهل السنة ـ هداهم الله ـ بعد هذا بمَ يأخذون ، وأي مسلك يسلكون ، وأي نهج ينهجون ، فإن السُّبُل واضحة ، والأمور منكشفة ، وسُفُن النجاة معلومة ، فلا يغرَّنهم الشيطان ، ولا يأخذنَّهم التعصب ، ويستحوذ عليهم العناد ، فإنهم يوم القيامة مسؤولون ، وعلى أعمالهم محاسَبون ، فليبادروا إلى التمسّك بأهل البيت عليهم السلام الذين أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأتباعهم ، قبل فوات الفوت وحلول الموت.