أخرج البخاري في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والحميدي والموصلي في الجمع بين الصحيحين وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم عن ابن عباس في حديث طويل أسموه بحديث السقيفة ، قال فيه عمر : إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرَّها... مَن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايَع هو ولا الذي بايعَه تغرَّة أن يُقتَلا (1).
وفي رواية أخرى : ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقى الله المؤمنين شرَّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.
وذكر هذا الحديث من علماء أهل السنة : السيوطي في تاريخ الخلفاء ، وابن كثير في البداية والنهاية ، وابن هشام في السيرة النبوية ، وابن الأثير في الكامل ، والطبري في الرياض النضرة ، والدهلوي في مختصر التحفة الاثني عشرية ، وغيرهم (2).
قول عمر : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة.
قال ابن منظور في لسان العرب : يقال : كان ذلك الأمر فلتة ، أي فجأة إذا لم يكن عن تدبّر ولا تروّ ، والفلتة : الأمر يقع من غير إحكام (3).
وقال ابن الأثير في تفسير ذلك : أراد بالفلتة الفجأة... والفلتة كل شيء
وقال المحب الطبري : الفلتة : ما وقع عاجلاً من غير تروٍّ ولا تدبير في الأمر ولا احتيال فيه ، وكذلك كانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه ، كأنهم استعجلوا خوف الفتنة ، وإنما قال عمر ذلك لأن مثلها من الوقائع العظيمة التي ينبغي للعقلاء التروي في عقدها لعظم المتعلق بها ، فلا تبرم فلتة من غير اجتماع أهل العقد والحل من كل قاصٍ ودانٍ ، لتطيب الأنفس ، ولا تَحمل من لم يُدْعَ إليها نفسُه على المخالفة والمنازعة وإرادة الفتنة ، ولا سيما أشراف الناس وسادات العرب ، فلما وقعت بيعة أبي بكر على خلاف ذلك قال عمر ما قال. ثم إن الله وقى شرَّها ، فإن المعهود في وقوع مثلها في الوجود كثرة الفتن ، ووقوع العداوة والإحن ، فلذلك قال عمر : وقى الله شرَّها (2) .
أقول : إذا كانت بيعة أبي بكر فلتة ، قد وقعت بلا تدبير ولا تروّ ، ومن غير مشورة أهل الحل والعقد ، فهذا يدل على أنها لم تكن بنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا نص صريح كما ادّعاه بعض علماء أهل السنة ، ولا نص خفي وإشارة مُفهِمة كما ادّعاه بعض آخر ، لأن بيعته لو كانت مأموراً بها تصريحاً أو تلميحاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لَكانت بتدبير ، ولَما كان للتروي ومشاورة الناس فيها مجال بعد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها.
ثم إن وصف هذه البيعة بالفلتة مشعر بأن أبا بكر لم يكن أفضل صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنَّ كل ما رووه بعد ذلك في أفضليته على سائر الصحابة إنما اختُلق لتصحيح خلافته وخلافة مَن جاء بعده ، ولصرف النظر عن أحقيَّة غيره ، وإلا لو كانت أفضليّته معلومة عند الناس بالأحاديث الكثيرة التي رووها في ذلك ، لَما كان صحيحاً أن تُوصف بيعة أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهاوقعت بلا تروّ وتدبير ، لأن التروي والتدبير إنما يُطلَبان للوصول إلى
وقول عمر : « إلا أن الله وقى شرّها » يدل على أن تلك البيعة فيها شرّ ، وأنه من غير البعيد أن تقع بسببها فتنة ، إلا أن الله سبحانه وقى المسلمين شرَّها.
والشرّ الذي وقى الله هذه الأمة منه هو الاختلاف والنزاع ، وإن كان قد وقع النزاع والشجار في سقيفة بني ساعدة ، وخالف أمير المؤمنين عليه السلام وأصحاب فامتنعوا عن البيعة كما مرَّ البيان ، لكن هذا الخلاف لم يُشهر فيه سيف ، ولم يُسفك فيه دم.
إلا أن فتنة الخلاف في الخلافة باقية إلى اليوم ، وما افتراق المسلمين إلى شيعة وسُنّة إلا بسبب ذلك.
ومَن يتتبَّع حوادث الصدر الأول يجد أن الظروف التاريخية ساعدت أبا بكر وعمر على تولّي الأمر واستتبابه لهما ، مع عدم أولويتهما بالأمر واستحقاقهما له ، وذلك يتَّضح بأمور :
1 ـ إن انشغال أمير المؤمنين عليه السلام وبني هاشم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال دون ذهابه إلى السقيفة ، واحتجاجه على القوم بما هو حقّه. كما أن غفلة عامة المهاجرين وباقي الأنصار عما تمالأ عليه القوم في السقيفة ، وحضور أبي بكر وعمر وأبي عبيدة دون غيرهم من المهاجرين ، جَعَل الحجّة لهم على الأنصار ، إذ احتجوا عليهم بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة من قريش.
ولأنه لم يكن من قريش في السقيفة غيرهم ، فالخلافة لا بد حينئذ من أن تنحصر فيهم ، لأن القوم كانوا عقدوا العزم على اختيار خليفة من بين مَن حضروا في السقيفة ، لا يثنيهم عن ذلك شيء.
وقد سارع في تحقّق البيعة لأبي بكر ما كان بين الأوس والخزرج من المشاحنات المعروفة ، وما كان بين الخزرج أنفسهم من الحسد ، ولذلك بادر
فقال له الحباب بن المنذر (2) : يا بشير بن سعد ، عقَقْتَ عقاق ، ما أحوجك إلى ما صنعت ؟ أنفستَ على ابن عمك الإمارة ؟ (3)
قال الطبري في تاريخه ، وابن الأثير في الكامل : ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد بن حضير ، وكان أحد النقباء : والله لئن وَلِيَتْها الخزرج عليكم مرة ، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم نصيباً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم (4).
فكان نظر أبي بكر وعمر أن الخلافة لا يصح أن تكون إلا في قريش ، وكان لا بد من الإسراع في بيعة رجل من قريش لئلا تُجعل في غيرهم.
قال المحب الطبري : وخشي ـ يعني أبا بكر ـ أن يخرج الأمر عن قريش ، فلا تدين العرب لمن يقوم به من غير قريش ، فيتطرق الفساد إلى أمر هذه الأمة ، ولم يحضر معه في السقيفة من قريش غير عمر وأبي عبيدة ، فلذلك دّلَّ عليهما ،
ولأجل هذا المعنى اعتذر عمر بن الخطاب نفسه في حديث السقيفة عن مسارعتهم في بيعة أبي بكر ، وعدم تريّثهم لمشاورة باقي المسلمين ، فقال :
وإنَّا والله ما وجَدْنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقْنا القوم ولم تكن بيعة ، أن يُبايِعوا رجلاً منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضى ، وإما نخالفهم فيكون فساد.
وأشار أبو بكر إلى ذلك في خطبته في المسجد بعد ذلك ، معتذراً للناس عن قبوله البيعة لنفسه ، فقال :
والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قط ، ولا كنت راغباً فيها ، ولا سألتها الله في سِرّ ولا علانية ، ولكن أشفقت من الفتنة (2).
وأخرج أحمد في المسند أن أبا بكر قال : فبايَعوني لذلك ، وقبلتُها منهم ، وتخوَّفتُ أن تكون فتنة تكون بعدها رِدَّة (3) .
2 ـ إن ما أُصيب به الإسلام والمسلمون من المصيبة العظمى والداهية الكبرى بفقد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وما تبعه من حوادث ، جعل كثيراً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتجنَّبون الخِلاف والنزاع. فبعد أن علموا أن البيعة تمَّت لأبي بكر في السقيفة ، رأوا أنهم إما أن يرضوا بما وقع ، وفيه ما فيه ، أو يُظهروا الخلاف فيكون الأمر أسوأ والحالة أشد ، والمسلمون أحوج ما يكونون إلى نبذ الفرقة ولم الشمل ، فبايعوا أبا بكر ، وكانت بيعتهم من باب دفع الأفسد في نظرهم بالفاسد.
وكان كثير من الصحابة يتجنّبون الخلاف حتى مع علمهم بالخطأ ، ويرون فعل الخطأ مع الوفاق ، أولى من فعل الحق مع الخلاف.
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود في السنن عن عبد الرحمن بن يزيد قال : صلّى عثمان بمنى أربعاً ، فقال عبد الله : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين. زاد عن حفص : ومع عثمان صدراً من إمارته ، ثم أتمَّها... ثم تفرَّقت بكم الطرُق ، فلَوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين... فقيل له : عِبْتَ على عثمان ثم صلَّيتَ أربعاً ؟ قال : الخلاف شر (1) .
ورواه أحمد في المسند عن أبي ذر (2). ورواه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن مسعود ، وفيه أنه قال : ولكن عثمان كان إماماً ، فما أخالفه ، والخلاف شر (3) .
وكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً ، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (4) .
3 ـ أن عمر بن الخطاب كان يعضِّد أبا بكر ويقوّيه ، وعمر معروف بالشدة والغلظة ، فلذلك خاف قوم من مخالفة أبي بكر وعمر في هذا الأمر ، وأُجبر قوم آخرون على البيعة (5) ، فاستتبَّ الأمر بذلك لأبي بكر.
فإذا كانوا قد كشفوا بيت فاطمة لأخذ البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام (1) ، ولم يراعوا لبيت فاطمة الزهراء عليه السلام حرمة ، فعدم مراعاة غيرها من طريق أولى ، وإن قهْرهم لعلي عليه السلام لأخذ البيعة منه (2) ، مع ما هو معلوم من شجاعته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يجعل غيره لا يمتنع عن البيعة.
ومن شدة عمر في هذا الأمر أنه كان من الذين نَزَوا على سعد بن عبادة يوم السقيفة وكادوا يقتلونه ، وقد ذكر ذلك عمر في حديث السقيفة ، فقال :
| وقولــــة لعلـي قالها عمر | * | أكرم بسامعها أعظم بملقيهـــا |
| حرقت دارك لا أبقي عليك بها | * | إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها |
| ما كان غير أبي حفص بقائلها | * | أمام فارس عدنان وحاميهـــا |
وهو الذي ضرب يد الحباب بن المنذر يوم السقيفة فندر السيف منها.
قال الطبري في تاريخه : لما قام الحباب بن المنذر ، انتضى سيفه وقال : أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب... فحامله عمر ، فضرب يده ، فندر السيف فأخذه ، ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد (1).
وزبدة المخض أن أكثر الصحابة ـ المهاجرين منهم والأنصار ـ أعرضوا عن النصوص المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة الخلافة ، وصدرت منهم اجتهادات خالفوا بها النصوص الثابتة ، ثم التمسوا لهم الأعذار فيها ، والتمس مَن جاء بعدهم لهم ما يصحِّح اجتهاداتهم تلك.
ويدلّ على ذلك أن الأنصار اجتمعوا في السقيفة وهم كثرة ، ليختاروا منهم خليفة للمسلمين ، مع أنهم يعلمون ـ كما في حديث السقيفة ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « الأئمة من قريش » ، فتجاوزوا هذا النص الصريح الواضح في هذه المسألة حرصاً منهم على الإمارة ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فَنِعْمَ المرضعة ، وبئس الفاطمة (2).
وكان ذلك مصداقاً لما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم
وفي رواية أخرى ، قال : ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها (2).
وبالجملة فإن قلنا : إنه يشترط في الخليفة أن يكون قرشياً فلا يجوز للأنصار أن يبايعوا رجلاً منهم ، وإن قلنا : إن اختيار الخليفة لا بد أن يكون بالشورى ، فحينئذ لا يحق لِمَن حضر في السقيفة أن يختاروا خليفة منهم دون مشورة باقي المسلمين ، ولا سيما أنه لم يحضر من المهاجرين إلا ثلاثة نفر : أبو بكر وعمر وأبو عبيدة.
ثم إن احتجاج أبي بكر وعمر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم وهم عشيرته ، ولا يصلح لخلافته رجل من غيرهم (3) ، يستلزم أن يكون الخليفة من بني هاشم ، ومن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخصوص.
ولذلك احتج أمير المؤمنين عليهم بما احتجوا به على غيرهم ، فقال فيما نُسب إليه :
وأما إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الخليفة من بعده كما هو الصحيح ، فالمخالفة حينئذ تكون أوضح.
ومن ذلك كله يتضح أن أهل السقيفة ـ المهاجرين منهم والأنصار ـ خالفوا النصوص الصحيحة الواردة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة الخلافة.
وهذا يستلزم ألا يكون شيء مما قرَّروه في السقيفة مُلزِماً لغيرهم ، أو حجَّة عليهم ، بل لا يمكن أن يُصَحَّح بحال.
وأما اجتهاد باقي الصحابة ورغبتهم في ترك الخلاف ببيعة أبي بكر من أجل رأب الصدع وعدم إحداث الفرقة ، فهذا اجتهاد منهم لا يُلزِم غيرهم أيضاً ، ولا يصحِّح بيعة أبي بكر مع ثبوت النصوص الصحيحة الدالة على خلافة علي عليه السلام التي سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
ذكر علماء أهل السنة بعضاً من الأحاديث والحوادث التي استدلوا بها على خلافة أبي بكر ، ونحن سنذكر أهمها ، وسنبيِّن ما فيها.
منها : ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما عن جبير بن مطعم ، قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمرها أن ترجع إليه ، فقالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول : الموت. قال : إن لم تجديني فأتي أبا بكر (2).
استَدل به على خلافة أبي بكر : ابن حجر في صواعقه ، وشارح العقيدة
وهذا الحديث على فرض صحة سنده لا نصَّ فيه على الخلافة ، بل ولا ظهور فيه أيضاً ، إذ لعل تلك المرأة جاءت لأمر يتعلق بها يمكن لأي واحد من المسلمين أن يقضيه لها ، فأمرها بأن ترجع لأبي بكر فيه ، إما لأنه سينجزه لها عاجلاً ، أو لأنها من جيرانه وهو يعرفها ، فإن أهله بالسُّنْخ (2) وهي كذلك ، أو لغير ذلك.
هذا مضافاً إلى أن الأمر الذي جاءت له تلك المرأة لم يتّضح من الحديث ، ومن الواضح أنه ليس أمراً لا يقوم به إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو خليفته من بعده كأمر الحرب أو ما شابهه ، بل هو أمر بسيط متعلّق بامرأة عادية.
ومنها : ما أخرجه الترمذي وحسّنه وابن ماجة والحاكم وصحَّحه وأحمد وغيرهم عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتدوا باللذَين من بعدي : أبي بكر وعمر (3) .
استدل به على خلافة أبي بكر : الإيجي في المواقف (4) ، وابن حجر في صواعقه (5) ، وشارح العقيدة الطحاوية (6) ، وأبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (7) وغيرهم.
وهو على فرض صحة سنده لا يدل على خلافة أبي بكر وعمر أيضاً ، لأن الاقتداء بينه وبين الخلافة عموم وخصوص من وجه ، فقد يكون خليفة عند أهل السنة ولا يجوز الاقتداء به ، وقد يكون مقتدىً به وليس بخليفة ، وقد يكون خليفة ومقتدى به. وعليه فالأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر لا يدل على خلافتهما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ الحديث بعد ذلك : واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد ابن مسعود (1).
فإنهم لم يقولوا بدلالة هذا الحديث بهذا اللفظ على خلافة عمار من بعدهما ولا ابن مسعود ، مع أن الأمر بالاهتداء بهدي عمار ، أقوى دلالة على الخلافة من الاقتداء ، لأن الله جل شأنه وصف الأئمة في كتابه بأنهم هداة إلى الحق ، فقال عز من قائل ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) (2) . وقال ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (3).
وأما الأمر بالاقتداء فورد في آية واحدة من كتاب الله ، وهي قوله تعالى ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) , وهي مع ذلك اشتملت على ذِكر الهدى ، فكل من كان على الهدى جاز الاقتداء به ، ولا عكس ، إذ يجوز أن يقتدى بشخص عند أهل السنة في الصلاة مع كونه فاسقاً فاجراً ، أو في أي طريقة في أمور الدنيا نافعة مع كونه كافراً ، كالاقتداء بحاتم في كرمه ، وبالسموأل في وفائه ، أو ما شاكل ذلك.
هذا مع أن بعض مفسّري أهل السنة قالوا بأن قوله تعالى ( أولئك ) شاملة للأنبياء وغيرهم من المؤمنين.
قال ابن كثير : ( أولئك ) يعني الأنبياء المذكورين مع من أُضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه (1) .
ومنه يتضح أن الآباء والذرية والإخوان إنما يُقتدى بهم لإيمانهم ، لا لكونهم خلفاء ولا أئمة ، وعليه فلا دلالة للاقتداء في الحديث على الخلافة أو الإمامة.
هذا مع أن هذا الحديث لم يسلم سنده من كلام ، فإن الترمذي أخرجه في سننه بطريقين ، أحدهما سكت عنه فلم يصحّحه ، والآخر وإن حسّنه ، إلا أنه قال : وكان سفيان بن عيينة يدلِّس في هذا الحديث (2) ، فربما ذكره عن زائدة عن عبد الملك بن عمير ، وربما لم يذكر فيه زائدة.
وذكر له طريقاً آخر من جملة رواته سفيان الثوري ، وهو أيضاً مدلّس (3).
وأما الحاكم فإنه صحَّح رواية حذيفة بشاهد صحيح لها عنده ، وهو رواية ابن مسعود ، إلا أن الذهبي في التلخيص ضعَّف هذا الشاهد ، فقال : سنده واه.
وعلى كل حال ، فأكثر أسانيد هذا الحديث مروية عن السفيانيَّين ، وهما مدلّسان كما مرَّ آنفاً ، فكيف يقبل خبَرهما في مسألة الخلافة التي هي أهم المسائل.
ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم ، عن أبي سعيد الخدري في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخوة الإسلام ومودَّته (1).
استَدل به على خلافة أبي بكر : ابن حجر في صواعقه (2) ، وشارح العقيدة الطحاوية (3) ، وأبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (4) وغيرهم.
ولو سلّمنا بصحة هذا الحديث فأكثر ما يدل عليه هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتّخذ أبا بكر خليلاً ، ولو أراد أن يتّخذ خليلاً لاتّخذ أبا بكر ، والخُلة : هي الصداقة ، والخليل هو الصديق (5) .
وعليه ، يكون معنى الحديث : لو أردتُ أن أتّخذ صديقاً لاتّخذت أبا بكر.
وهذا لا دليل فيه على أفضليته على غيره فضلاً عن خلافته ، لأنه يحتمل أن يكون اتخاذه خليلاً للِين طبعه ، أو حُسن أخلاقه كما وصفوه به ، أو لقِدَم صُحبته ، أو لكونه مِن أتراب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقاربين له في السن ، أو لمصاهرته ، أو لغير ذلك من الأمور التي تُراعى في اتخاذ الصديق ، وإن كان غيره خيراً منه ، وربما يتخذ الرجل الحكيم خليلاً ، إلا أنه لا يعتمد عليه في القيام بأموره المهمة ، بل يسندها إلى غيره ، وهو واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
ومنها : ما أخرجه مسلم ومسلم وأحمد وغيرهم عن عائشة ، قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه : ادعي له أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً ، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ، ويقول قائل : أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر (1).
استَدل به على خلافة أبي بكر : ابن حجر في صواعقه (2) ، وشارح العقيدة الطحاوية (3) ، وأبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (4).
وهذا الحديث لا يصدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه مروي عن عائشة ، وأمر الخلافة لا يصح إيكاله للنساء ، لارتباطها بالرجال ، فإخبارهم بذلك هو المتعين ، دون عائشة أو غيرها من النساء.
ومع الإغماض عن ذلك فهذا من شهادة الأبناء للآباء ، أو ما يسمَّى بشهادة الفرع للأصل ، وهي غير مقبولة عندهم (5) ، ولذا صحَّحوا ردّ أبي بكر
=
وعليه فلا مناص من رد شهادة عائشة لأبيها في هذه المسألة بالأولوية ، لأن مسألة الخلافة أعظم وأهم من فدك.
ثم إن عائشة كان بينها وبين أمير المؤمنين عليه السلام جفوة ، وربما صدر منها ما يصدر من النساء في عداواتهن مع غيرهن ، ولذا أعرضتْ عن ذِكر اسم علي عليه السلام لَمَّا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه معتمداً عليه وعلى العباس فيما أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة وغيرهم (1).
فإذا أخفت اتَكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام ، فما يتعلّق بالخلافة أولى بالإخفاء. فكيف يصح قبول قولها في مسألة كهذه ؟!
ثم أين هذا الكتاب الذي أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عائشة أن تدعو أباها وأخاها ليكتبه لهم ؟ وما فائدة كتابة كتاب في أمر خطير كالخلافة لا يعلم به أحد من الناس إلا عائشة وأبوها وأخوها ؟
ثم إن الحديث لا نصَّ فيه على الخلافة ، بل أقصى ما يدل عليه الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب كتاباً لأبي بكر ، حتى لا يتمنى متمنٍّ شيئاً. أما
وأما قوله : « ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر » فمعناه : أنني إذا كتبتُ له كتاباً بالمتاع أو الأرض أو الإمرة على سرية أسامة من بعده ، فإن الله لا يرضى إلا بما كتبته ، وكذا المؤمنون. والله العالم.
ومنها : ما أخرجه البخاري عن عمر بن العاص : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل ، فأتيته فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ فقال : عائشة. فقلت : من الرجال ؟ فقال : أبوها. قلت : ثم مَن ؟ قال : عمر بن الخطاب. فَعَدَّ رجالاً (1) .
استدل به على خلافة أبي بكر : شارح العقيدة الطحاوية (2) ، وأبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (3) وغيرهما.
وهذا الحديث معارَض بحديث آخر رواه الترمذي وحسَّنه ، والحاكم في المستدرك وصحَّحه عن عمير التيمي ، قال : دخلتُ مع عمّتي على عائشة ، فسُئِلتْ : أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : فاطمة. فقيل : مِن الرجال ؟ قالت : زوجها ، إن كان ما علمتُ صوَّاماً قواماً (4).
=
وأخرج الحاكم في المستدرك ، والنسائي في الخصائص عن بريدة ، قال : كان أحب النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة ، ومن الرجال علي (1).
وعن عمر أنه دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا فاطمة والله ما رأيت أحداً أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك (2).
فإن قالوا بدلالة الأحاديث الأول على خلافة أبي بكر ، فالأحاديث الأخر تدل على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وإلا فلا دلالة في الكل.
ثم إن حديث البخاري مروي عن عمرو بن العاص ، وهو من أعداء أمير المؤمنين عليه السلام ، فلا يُقدَّم على حديث عائشة ، وهو واضح.
ثم إن تلك الأحاديث أيضاً معارضة بما أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر : استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسامة ، فقالوا فيه ، فقال النبي : قد بلغني أنكم قلتم في أسامة ، وإنه أحب الناس إلي (3).
وبما أخرجه مسلم ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله قال وهو على المنبر : إن تطعنوا في إمارته ـ يريد أسامة بن زيد ـ فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله إن كان لخليقاً لها ، وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي ، وأيم الله إن هذا لخليق لها ـ يريد أسامة بن زيد ـ ، وأيم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده (4).
مع أنهم لا يقولون بأن فيها أدنى إشارة إلى خلافة أسامة بن زيد ، مع أن
على أنَّا لو صحَّحنا تلك الأحاديث وسلَّمنا بأن أبا بكر كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهم لا يسلِّمون بأن الحب يرتبط بالأهلية للخلافة فضلاً عن الأولوية والأفضلية ، وذلك لأنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إن الله أمرني بحب أربعة ، وأخبرني أنه يحبّهم. قيل : يا رسول الله سمِّهم لنا. قال : « علي منهم » يقول ذلك ثلاثاً « وأبو ذر والمقداد وسلمان ، أمرني بحبّهم ، وأخبرني أنه يحبهم » (1).
ومع ذلك رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يولِّ أبا ذر إمارة لأنه رجل ضعيف ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر ، قال : قلت : يا رسول الله ، ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا مَن أخذها بحقّها ، وأدَّى الذي عليه فيها (2) .
ومنها : ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء (3) .
استدل به على خلافة أبي بكر : الإيجي في المواقف (4) ، وابن حجر في صواعقه (5) ، وشارح العقيدة الطحاوية (6) وغيرهم.
بتقريب أن خلافة أبي بكر خلافة نبوة فهي صحيحة وشرعية ، وإلا لما صحَّ وصفها بذلك.
وقد تحدّثنا فيما تقدَّم حول هذا الحديث مفصَّلاً ، وأوضحنا بما لا مزيد عليه أن المراد بخلافة النبوة هي خلافة مَن استخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصوص الثابتة ، وهي خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد استمرت ثلاثين سنة ، من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى وفاته عليه السلام ، فراجعه.
وعليه ، فهذا الحديث لا يصلح أن يتمسّكوا به لتصحيح خلافة مَن تقدَّم على أمير المؤمنين عليه السلام كلاً أو بعضاً.
ومنها : ما رووه من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس ، وهذا دليل على أنه كان أفضل صحابته صلى الله عليه وآله وسلم ، فيتعين أن يكون هو الخليفة من بعده.
واستَدل به على خلافة أبي بكر : الإيجي في المواقف (1) ، وابن حجر في صواعقه (2) ، وشارح العقيدة الطحاوية (3) ، والصابوني في عقيدة السلف (4) ، وأبو نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة (5) وغيرهم.
وصلاة أبي بكر بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو سلَّمنا بوقوعها فهي لا تدل على الأفضلية ، فضلاً عن دلالتها على الأولوية بالخلافة ، وذلك لأنهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : يؤم القوم أقرأُهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة ، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمّهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمّهم
وفي بعضها : فإن كانوا في الهجرة سواء فأعلمهم بالسنة...
وعند مسلم : أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدكم ، ثم ليؤمّكم أكبركم (2) .
فلعل أبا بكر أمَّ الناس لأنه أقدمهم هجرة ، أو لـمَّـا تساووا في تلك الأمور وكان أبو بكر أكبرهم سنّاً أمره النبي بالصلاة بالناس.
ثم إنهم لم يجعلوا مسألة الإمامة في الصلاة مرتبطة بالخلافة الكبرى في غير هذا المورد ، ولهذا لما ضُرب عمر أمَرَ صهيباً الرومي أن يصلّي بالناس (3) ، ولما ضُرب أمير المؤمنين عليه السلام أمَرَ جعدة بن هبيرة أن يصلي بالناس ، ولم يرَ الناس ذلك نصاً منهما على خلافة أو إمرة ، فكيف صارت صلاة أبي بكر نصَّاً فيها ؟؟
ومنها : ما ذكره بعضهم من أن مَن لم يرَ صحة خلافة أبي بكر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، إذ نسَبَهم إلى أنهم تمالأوا على الباطل ، وهم أنصار دين الله وحمَلة شريعته ، ونسبة ذلك إليهم لا تجوز.
قال النووي وحكاه عنه ابن حجر في الصواعق : مَن قال : إن علياً كان أحق بالولاية فقد خطَّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ، وما أراه يرتفع له مع هذا عمَل إلى السماء (4) .
والجواب عن ذلك : أن تخطئة أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار لا غضاضة فيها مع موافقة الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه لا دليل على وجوب التعبّد بأقوال أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار في شيء من أمور الدين والدنيا أصلاً.
وعليه ، فهل يجوز لمؤمن أن يترك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحيح الثابت عنه إلى قول أبي بكر وعمر ؟
ولهذا بادر أبو بكر إلى تخطئة كل الأنصار المجتمعين في السقيفة ، الذين عقدوا العزم على بيعة رجل منهم ، بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة من قريش. وبذلك أيضاً يجوز تخطئة غيرهم.
ثم إن أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار إذا لم يكن لديهم نص في مسألة الخلافة كما تقدم النقل عنهم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستخلف ، فاستخلافهم لأبي بكر إنما كان عن اجتهاد منهم ، فلا يجب على غيرهم أن يقلِّدهم في اجتهاداتهم في الوقائع غير المنصوصة ، فضلاً عما إذا ثبت النص.
وأما مسألة الإزراء بالمهاجرين والأنصار فهذا من الخطابيات التي لا قيمة لها ، وذلك لأن تخطئتهم في بيعة أبي بكر لا يستلزم الإزراء بهم بالضرورة ، إذ لا يجب على المسلمين أن يصحِّحوا اجتهادات الصدر الأول في الوقائع ، وإلا لكان علينا أن نقول بعصمتهم ، وهو باطل بالاتفاق.
ثم إنا لا نُزري بالمهاجرين والأنصار كلهم بهذه البيعة ، بل نقول : إن مَن بايع أبا بكر من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان مُكرَهاً ، أو أراد أن يبايع أمير المؤمنين عليه السلام فلم يتمكن فهو معذور ، وأما من كان يريد أن يحوزها لنفسه بغير حق ، أو أراد أن يزحزحها عن أمير المؤمنين عليه السلام حسداً ، أو ضغناً ، أو خشية من أن يستأثر بها بنو هاشم ، أو كيداً للدين ، فهو آثم لا شك في ذلك ولا ريب ، ولا حرمة له عندنا ولا كرامة.
ثم إن قولهم هذا معارَض بمثله ، فنقول : إن مَن حكم بخطأ أمير المؤمنين
والنتيجة المتحصَّلة من كل ما تقدَّم أن تلك الأحاديث التي استدلّ بها بعضهم على خلافة أبي بكر وإن كانت مروية من طرق أهل السنّة ، ولا يصح الاحتجاج بها على غيرهم ، فهي مع ذلك لا دلالة فيها على ما أرادوه كما أوضحناه مفصَّلاً.
ولذلك ذهب مشهور أهل السنّة إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينص على أبي بكر ، ولو كانت خلافته منصوصاً عليها لاحتجّ أبو بكر أو عمر على أهل السقيفة بالنص عليه ، واستغنى به عن الاحتجاج بحديث : « الأئمة من قريش» ، ولَمَا قال عمر : إنها فلتة. ولَمَا قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستخلف. مع أنه كان أحوج ما يكون لإثبات النص على خلافة أبي بكر لتصحيح خلافته هو.
أما النصوص الدالة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام فهي كثيرة جداً ، ولا يسعنا ذكرها كلها ، لأن ذلك يستدعي الإطالة ، وسنكتفي بخمسة أحاديث مشهورة :
1 ـ حديث الثقلين : وسيأتي الكلام فيه مفصَّلاً في الفصل الآتي ، وهو يدل على لزوم اتّباع أهل البيت عليهم السلام دون غيرهم ، وأمير المؤمنين عليه السلام أفضل أهل البيت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيتعيَّن للخلافة دون غيره ، لأن اتّباع غيره من سائر الناس بمقتضى دلالة الحديث لا يُنجي من الوقوع في الضلال ، وهو واضح.