شواهد أخرى
وما دمنا نقترب قليلاً قليلاً من نهايات البحث ، بعد أن ذكرنا طائفة من الدلائل والشواهد التي من شأنها أن تساهم الى حد كبير في تكوين الانطباع المشروع والواعي عن حقيقة : ان الشرع والدين منسجم تماما مع مقتضيات الفطرة ومتطباتها ، وأنه يعتبر نفسه مسؤولاً عن المحافظة عليها ، وتنمية قدارتها الذاتية ، مع حفظ التوازنات الضرورية في روافدها ... من أجل ضمات سلامة الانسان وسعادته ، وتقدمه المطّرد في مدارج المجد والكمال المنشودين .
فمن المناسب هنا أن نعرض لبعض الشواهد الأخرى ، التي ربّما يقال إنها ليس لها ذلك الوضوح ، الذي يؤهلها للاعتماد عليها وحدها ، ولكنّها ـ على الأقل تستطيع أن تحتل موقع المؤيد والمناصر ، الذي يقوى تازة ويضعف أخرى .
فإلى الشواهد التالية :
هذا ... وإذا كنا نعلم : أن من أصيب بمصيبة ، ثم عفّى عليها الزمن وتقادم عهدها فإنه سوف ينساها ، أو على الأقل لا تبقى لها في قلبه تلك الحرقة ... فإذا مرت بخاطره ، فيمكن أن لا يعيرها أيّ اهتمام يذكر ، ولا يحتاج إلى القيام
1 ـ فإننا مع ذلك نجد الرواية عن فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها الحسين بن علي ( رض ) قال : قال رسول الله (ص) : « من أصيب بمصيبة ، فذكر مصيبته ، فأحدث لها استرجاعا ، وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب » 1 .
فلربما يستفاد من ذلك : ان هذا معناه جواز تجديد الذكرى للأموات مهما تقادم عهدهم شرط أن يفعل ما فيه الثواب والأجر ، لا ما يوجب العقاب والوزر ،
2 ـ ذرية 2 ، خادمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قالت : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، إذا كان يوم عاشوراء دعا مراضيع الحسين ، ويقول لهن : تسقون شيئاً مرّاً ، هذا إشارة إلى ما وقع في أولاد يوم عاشوراء . 3
فنجده عليه السلام يتحرّى الناسبة ، ويأمر بذلك . فإنكار تحرّي يوم في السنة لإظهار الحزن فيه ، أو الفرح ؛ ليس في محلّة ... والنصوص الدّالة على مطلوبية البكاء على الحسين ومصائب أهل البيت ( ع ) كثيرة ، فعن الربيع بن المنذر ، عن أبيه ، قال : كان الحسين بن علي يقول : « من دمعت عيناه فينا دمعة بفطرة ، أعطاه الله تعالى الجنّة » وبمعناه غيره . 4
وفي نص آخر : عن الصادق عليه السلام : « من ذكرنا عنده ، أو ذكرنا ، فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفرالله له ذنوبه » الخ . 5
وعنه ( ع ) : « ان يوم عاشوراء أحرق قلوبنا ، وأرسل دموعنا وأرض كربلا ، أورثتنا الكرب والبلاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإنّ البكاء عليه يمحو الذنوب أيّها المؤمنون » 6 ولسنا هنا في صدد استقصاء ذلك .
3 ـ عن النبي (ص) : « ما من قوم اجتمعوا يذكرون فضائل آل محمد ، إلاّ
وليراجع حول إقامة المآتم في عاشوراء كتاب : دعوة الحسينية ، ومقتل الحسين للمقرم ، وسيرتنا وسنتنا وغير ذلك .
قال ابن الحاج : « ... تقدم ما في قوله عليه الصلاة والسلام للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين ، فقال ( ص ) : ذلك يوم ولدت فيه .
ولما ان صرح ( ص ) بقوله في يوم الاثنين ذلك يوم ولدت في علم بذلك سأله عن صوم يوم الاثنين ، فقال ( ص ) : ذلك يوم ولدت فيه .
ولما ان صرح ( ص ) بقوله في يوم الاثنين ذلك يوم ولدت فيه علم بذلك ما اختص به يوم الاثنين من الفضائل ، وكذلك الشهر الذي ظهر فيه ( ص ) .
فان كان يوم الجمعة فيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم ، يسأل الله تعالى شيئا إلاّ أعطاه أإيّاه وقد قال الامام ابوبكر الفهري المشهور ، بالطرطوشي رحمه الله تعالى ، معظم العلماء والاخيار : إنها بعد صلاة العصر الى غروب الشمس ، وقوّى رحمة الله ذلك بحديث قال في كتابه : « رواه مسلم في الصحيح ، وذكر فيه : أن آدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، ما بين العصر إلى اللّيل الخ » . 2
إلى أن قال : « إذ ان المعنى الذي فضّل الله به تلك الساعة في يوم الجمعة هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام ، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد الأولين والآخرين ( ص ) ... إلى أن قال : ووجه آخر : أن يوم الجمعة فيه اهّبط آدم وفيه تقوم الساعة . ويوم الاثنين خير كلّه وأمن كله ، فلله الحمد والمنّة » . 3
وقال أيضا : « ... لكن أشار عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام للسائل ، الذي سأله عن صوم يوم الاثنين ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « ذلك يوم ولدت فيه » . 4
فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه ، فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضّله بما فضّل الله الأشهر الفاضلة ... »
إلى أن قال : « لما قد علم أنّ الأمكنة والأزمنة ، لا تتشرف لذاتها ، وإنما يحصل لها التشريف بما خصّت به من المعاني ... »
إلى ان قال : فينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم : أن يكرّم ويعظّم ، ويحترم الاحترام اللاثق به ، وذلك بالاتباع له ( ص ) في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخصّ الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البرّ فيها ، وكثرة الخيرات الخ ... »
ثم يذكر : « أنه ( ص ) أراد التخفيف على أمته ، فلم يلزمهم في هذا الشهر بشيء 1 ، فيكون بدعة .
وقد تقدم : ان هذه الارادة لم تثبت ، ولا يصح الاستدلال بها ، فلا نعيد .
كما أن البعض قد علّق على ما روي عنه ( ص ) : « فيه ولدت وفيه أنزل عليّ » بقوله :
« ... هذا في معنى الاحتفال به ، إلاّ أن الصورة مختلفة ، ولكن المعنى موجود ، سواء كان ذلك بصيام ، أو إطعام ، أو اجتماع على ذكر ، أو صلاة على النبي ( ص ) ، أو سماع شمائله الشريفة 2 » .
كما أن ابن رجب قد قرر استحباب صوم يوم المعالد ، استناداً إلى هذه الرواية . 3
وقال ابن العماد في حوادث سنة 389 هـ . وكذا قال غيره أيضا :
« تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيّهم ، بعمل عاشوراء ، باللّطم والعويل ، والزينة ، وشعار الأعياد يوم الغدير ، فعمدت غالية السّنة ، وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير يوم الغار وجعلوه بعد ثمانية أيّام من يوم الغدير ، وهو السادس
وهذا جهل وغلط ، فإن أيّام الغار إنّما كانت بيقين في صفر ، وفي أول شهر ربيع الأول .
وجعلوا بأزاء يوم عاشوراء ، بعده بثمانية ايام يوم مصعب بن الزبير ، وزاروا قبره يومئذ بمسكن ، وبكوا عليه ، ونظروه بالحسين ، لكونه صبر وقاتل حتى قتل ، ولأن أباه ابن عمة النبي ... إلى أن قال : ودامت السنّة على هذا الشعار القبيح مدة سنين .
قاله في العبر ... 1 » .
لكن ابن الجوزي ذكر أن عادة الشيعة جرت في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب ، وتعليق الثياب ، وإظهار الزينة في يوم الغدير ، وإشعال النار في ليلته ، ونحر جمل في صبيحته « فأرادت الطائفة الأخرى أن تعمل في مقابلة هذا شيئا ، فادّعت الخ 2 ... » الكلام السابق ...
قال ابن كثير في حوادث سنة 363 :
« فيها ، في يوم عاشوراء عملت البدعة الشنعاء ، على عادة الروافض ، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين السنّة و الرافضة . وكلا الفريقين قليل عقل ، أو عديمه ، بعيد عن السداد .
وذلك أنّ جماعة من أهل السنّة أركبوا امرأة ، وسمّوها عائشه ، وتسمّى بعضهم بطلحة ، وبعضهم بالزبير ، وقالوا : نقاتل أصحاب عليّ . فقتل بسبب ذلك
وفي الختام .. فإنّنا نأمل أن يكون ذلك الذي ذكرناه كافياً في إعطاه لمحة عن هذا الموضوع ، الذي كنا نرى : أنه من الواضحات ، والبديهيات ، التي لا تحتاج إلى إقامة الأدلّة والبراهين ، ولا إلى حشد الشواهد والدلائل ...
وكنا نتمنّى أن يصرف هذا الوقت الذي استغرقه منّا هذا البحث ، فيما هو اهم ، ونفعه أعمّ .
ولكن قاتل الله العصبيّات الجاهلية ، والتعصّبات المذهبية ، التي فرضت على البعض أن يستميتوا في سبيل المنع من المجالس التي يذكر فيها محمد وأهل بيته ، ومصائبهم ، وما جرى عليهم ، وكذلك من زيارة مشاهدهم المشرفة في أوقات مخصوصة ، والتبرّك بآثارهم صلوات الله وسلامه عليهم .
فكان أن ظهروا علينا بتلك النظريات السخيفة ، والاستدلالات الضعيفة ، ثم تبع ذلك رمي هذه الطائفة بالكفر ، وتلك بالشرك ، ثم مارسوا ضد هؤلاء وأولئك أساليب القهر والقمع والتحقير والإهانة إلى غير ذلك من أساليب ظالمة وحاقدة ليمنعوا الناس من العمل وفق قناعاتهم بأمن وحرية . هذا كله ... عدا من التعدّي على الحرمات ، وارتكاب العظائموالجرائم في حق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ، وفي حق أهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وفي حق شيعتهم الميامين بل وجميع المسلمين .
فإنّا الله ... وإنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، وسيعلم الذين ظلموا محمداً وأهل بيته ، وشيعتهم ، والمسلمين النبلاء جميعاً أيّ منقلب ينقلبون ، والعاقبة للمتقين .
ايران قم المشرفة .
جعفر مرتضى الحسيني العاملي
حرر بتاريخ 12 ربيع الثاني
سنة 1407 هـ . ق | 24 آذر سنة 1365 هـ . ش