(251)
نارجهنم، ولا أراني إلاّ سيأخذني بها، ولا يغفر لي أبداً.
فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وآله هل أشركت بالله شيئاً؟
قال: أعوذ بالله أن أشرك بربي شيئاً.
قال: أقتلت النفس التي حرم الله؟
قال: لا.
فقال النبي صَلَّى الله ُ عليه ِ وآله: يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرواسي.
قال الشباب: فانّهم أعظم من الجبال الرواسي.
فقال النبي صَلَّى الله عليه وآله : يغفر الله لك ذيوبك وإن كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق.
قال: فانّها أعظم من الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها ومن الخلق.
فقال: النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ومثل العرش والكرسي.
قال: فانّها أعظم من ذلك.
قال: فنظر النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله كهيئة الغضبان ، ثمّ قال، ويحك يا شاب اذنوبك أعظم ، أم ربك؟
فخرّ الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان الله ربي، ما شيء أعظم من ربي، ربي أعظم يا نبي الله من كل عظيم.
فقال النبي صَلَّى الله عليه وآله فهل يغفر الذنب العظيم إلاّ الرب العظيم؟
ثمّ سكت الشاب: فقال النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحدمن ذنوبك؟
قال : بلى، اخبرك، انّي كنت أنبش القبور سبع سنين ، أخرج الأموات ،وانزع الأكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار، فلما حملت الى قبرها ودفنت


(252)
وانصرف عنها أهلها ،وجنّ عليهم الليل أتيت قبرها، فنبشتها، ثمّ استخرجتها ، ونزعت ما كان عليها من أكفانها، وتركتها متجردها على شفير قبرها، ومضيت منصرفاً ، فأتاني الشيطان ،فأقبل يزينها لي ويقول: أما ترى بطنها وبياضها، أما ترى وركيها، فلم يزل يقول لي هذا ، حتّى رجعت عليها، ولم أملك نفسي حتّى جامعتها ، وتركتها مكانها ، فإذا بصورت من ورائي يقول: يا شاب!ويل لك من ديّان يوم الدين، يوم يقفني وإياك ، كما تركتني عريانة في عساكر الموت ، ونزعتني من حفرتي ، وسلبتني أكفاني، وتركتني أقوم جنبة الى حسابي، فويل لشبابك من النار.
     فما اظنّ انّي اشمّ ريح الجنة أبداً، فما ترى لي يا رسول الله؟
فقال النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله تنح عني يا فاسق، انّي أخاف أن احترق بنارك، فما أقربك من النار.
ثمّ لم يزل صَلَّى اللهُ عليهِ وآله يقول، ويشير إليه حتّى أمعن من بين يديه.
فذهب فأتى المدينة، فتزود منها ، ثمّ أتى بعض جبالها ، فتعبد فيها ، ولبس مسحاً، وغلّ يديه جميعاً الى عنقه ونادي : يا رب هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول يا ربّ أنت الذي تعرفني ،وزل مني ما تعلم سيدي يا ربّ انّي أصبحت من انادمين ، وأتيت نبيك تائباً فطردني، وازادني خوفاً، فاسألك باسمك وجلالك، وعظمة سلطانك أتن لا تخيب رجائي : سيدي ولا تبطل دعائي، ولا تقنظني من رحمتك فلم يزل يقول مذلك أربعين يوماً وليلة تبكي له السباع والو حوش . فلما تمت له أربعون يوماً وليلة رفع يديه لاى السماء وقال اللهمّ ما فعلت في حاجتي، إن كنت استجبت دعائي، وغفرت خطيئتي ، فاوح الى نبيك . وإن لم تستجب لي دعائي ،ولم تغففر لي خطيئتي ، واردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني ، وأو عقوبة في نالدنيا تهلكني، وخلصني من فضيحة يوم القيامة.
فانزل الله تبارك وتعالى على نبيّه صَلَّى اللهٌُ عليهِ وآله :والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسصهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون* اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنّات تجري من تحتها


(253)
الأنهار خالدين فيها ونعم اجر العاملين) (1)
.
فلما نزلت هذه الآية على رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وآله خرج وهو يتلوها ويبتسم. فقال لأصحابه:
من يدلني على ذلك الشاب التائب؟
فقال معاذ يا رسول الله بلغنا انّها في موضع كذا وكذا ، فمضى رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وآله بأصحابه حتّى انتهوا الى ذلك الجبل، فصعدوا إليه يطلبون الشاب ، فإذا هم بالشاب قائم بين خصرتين مغلولةً يداه الى عنقه ، وقد اسود وجه، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء، وهو يقول: سيدي قد أحسنت خلقي، وأحسنت صورتي، فليت شعري ماذا تريد بي أفي النار تحرقني ، أم في جوارك تسكنني؟
اللهمّ انّ خطيئتي أعظم من السماوات والأرض ومن كرسيك الواسع وعرشك العظيم ، فليت شعري تغفر خطيئتي، أم تفضحني بها يوم القيامة.
فلم يزل يقول نحو هذا ، وهو يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وقد أحاطت به السباع، وصفت قوقه الطير، وهم يبكون لبكائه. فدنا رسول الله صَلَّى الله عليهِ وآله فأطلق يديه من عتقه، ونفض التراب عن رأسه وقال:
يا بهلول! أبشر فانّك عتيق الله من النار.
ثمّ قال صَلَّى اللهُ عَليهِ وآله لأصحابه: هكذا تداركوا الذنوب، كما تداركها بهلول.
ابشر فانّك عبيق الله من النار.
ثمّ تلا عليه ما انزل الله عزّوجل فيه، وبشره بالجنة) (2).
(1) سورة آل عمران : الآية 135 ـ 136. وفي المصدر وردت ألفاظ الآيتين الشريفتين مع التفسير، ويبدو انّ التفسير من الراوي، وقد تركه المؤلف رحمه الله تعالى ،وبما انّ التفسير ورد عن غير المعصومين عليهم السَّلامُ رأينا تركه أسلم.
(2) رواه الصدوق في لاأمالي: ص 45 ـ 47، المجلس 11، ح 3. ورواه عنه المجلسي في البحر: ج 6، ص 23 ـ 26.



(254)
*يقول المؤلّف: قال العلاّمة المجلسي رَحمَه الله في (عين الحياة) في ذيل هذا الخبر ما ملخصه:
ليعلم انّ للتوبة شروطاً ودوافع:
الأول: من الأشياء التي تحرك الانسان للتوبة هو أن يفكر في عظمة الله تعالى الذي عصاه وكذلك في كبر تلك المعاصي التي ارتكبها ،وفي عقوبات تلك الذنوب وآثارها السيئة في الدنيا والآخرة التي وردت في الآيات والأخبار، ومن ثمّ سوف يكون هذا التفكير باعثاً لندامته، وسوف تصير هذه الندامة باعثاً له على ثلاثة أشياء تتركب منها التوبة:
الأول منها: مرتبطة بحاضره وهو أن يترك تلك الذيوب التي ارتكبها بالحال. الثاني: متعلق بالمستقبل وهو أن يعزم جازماً على لا يعود الى تلك الذنوب الى آخر العمر.
والثالث: متعلق بالماضي ،وهو أن يندم على ما مضى ويتدارك ما فات منه اذا كان مما يتدارك.
واعلم انّ الذنوب التي يتاب منها على عدّة أقسام :
الأول : أن يكون ذنباً لا يستلزم حكماً آخر غير العقوبة الاخروية كلبس الحريز ولبس خاتم الذهب للرجل فانّه يكفي للتوبة منها نفس الندم والعزم على عدم العود وبهما يدفع العقاب الاخروي.
الثاني: أن يستلزم حكماً آخر وهو على عدّة أقسام: فأما أن يكون حقاً لله ، أو حقّاً للخلق.
وأما حقّ الله، فهو إما ماليّ: مثل أن يذنب ما يلزمه عتق رقبة فانّه اذا كان قادراً عليه، فلا يرفع عنه العذاب بمجرد الندم، بل يجب عليه أن يؤدي تلك الكفارة.
أو حقّ غير ماليّ: مثل الصلاة أو الصيام الذي يفوته فانّه يجب عليه أن يقضي ما فاته.


(255)
أو أن يعمل عملاً قد شرع الله تعالى له حدّاً مثل شرب الخمر، فما لم يثبت عند الحاكم الشرعي فهو مختار إن شاء ستره بينه وبين الله ولا يظهر ذلك لأحد.
وإن شاء أن يقرّ عند الحاكم ليقيم عليه الحدّ، وعدم الاظهار أحسن (1).
(1) أقول روى الشيخ الكليني رحمه الله تعالى في الكافي الشريق عن امير المؤمنين عليه السّلام ، انّه أتاه رجل بالكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين انّي زنيب فطهرني.
قال : ممّن أنت؟
قال: من مزينة.
قال: اتقرأمن القرآن شيئاً؟
قال: بلى.
قال: فاقرأ.
فقرأ، فاجاد.
فقال: أبك جنّة؟
قال: لا.
قال: فاذهب حتّى نسأل عنك.
فذهب الرجل، ثمّ رجع إليه بعد، فقال: يا أمير المؤمنين عليه السّلام فذثب وقال: حتّى يسأل عنك. فبعث الى قومه فسأل عن خيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين صحيح العقل.
فرجع إليه الثالثة، فقال له مثل مقالته.
فقال: له اذهب حتّى نسأل عنك.
فرجع إليه الرابعة، فلما أقرَّ قال: أمير المؤمنين عليهِ السَّلام لقنبر: احتفظ به. ثمّ غضب، ثمّ قال: ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أفلا تاب في بيته ، فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ ... الحديث.
الكافي الشريف: ج 7، ص 188، ح 3.
وروى أيضاً عن رسول الله صَلَّى في رجل أقر على نفسه الزنا في حديث قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم في ذيله: ( لو استتر ثمّ تاب كان خيراً له). ç



(256)
وأما لو كان حقاً للناس:
فإن كان حقاً مالياً فيجب عليه أن يوصله لصاحب الحقّ ، أو وارثه.
وأما اذا لم يكن حقاً مالياً، فإن كان قد أضلّ انساناً فيجب عليه هدايته.
وإن كان حدّاًَ مثل قول الفحش فإن كان ذلك الشخص عالماً باهانته له، فعليه أن يمكّنه من الحدّ من نفسه.
وإن لي يكن عالماً ففيه خلاف بين العلماء، ويرى الأكثر إن كان اخباره يوجب أذاه واهانته، فلا يلزم الإخبار لذلك. وكذلك الحكم اذا استغاب انساناً، انتهى (1).
è الكافي : ج 7، ص 185، ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب: ج 10، ص 8، ح 22.
(1) أقول: من المناسب في هذا المقام جداً أن انقل الرواية الشريفة التي رواها السيّد الرضي رضي الله تعالى عنه في (نهج البلاغة) في باب المختار من قصار كلماته عليهِ السلام : ج 4 ، تحت رقم 402، ص 97، شرح محمّد عبده.
وقال عليه السَّلام لقائل قال بحضرته، استغفر الله ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار؟!
الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معانٍ:
أولها : الندم على مامضى. والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.
والثالث: أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تَبِعَةٌ.
والرابع: أن تَعمِدَ الى كل فريضة عليك ضَيَّعتَها فتؤدي حقها.
والخامس: أن تَعمِدَ الى اللحم الذي نبت على السُّحت فتذيبه بالأحزان حتّى تُلصِقَ الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
والسادس: أن تذيق الجسم أَلم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول استغفر الله.
وقد عقد الميرزا العارف الكامل العامل آية الله الشيخ جواد الملكي التبريزي ـ قدس الله روحهه الطاهرة ـ فصلاً جليلاً في كتابه الشريف (السير الى الله) حول المعصية، نحيلك عليه لما حوى ذلك الفصل من الآداب المهمّة والمطالب الجليلة.
السير الى الله، تأليف الميرزا الملكي التبريزي ، ترجمة وشرح صاحب هذه السطور: ص 1ي47 ـ 177، الطبعة الاُولى ، دار التعارف بيروت.
كذلك يستحسن مراجعة ما كتبه الشيخ السالك العارف الواصل الشيخ البهاري ç



(257)
*القصة الثالثة:
روى ابن بابويه قال:
بينما رسول الله صَلَّى الهُ عليهِوآله مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحرّ، اذ جاء رجل فنزع ثيابه، ثمّ جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرّة ، وبطنه مرّة ، وجبهته مرّة، ويقول:
يا نفس! ذوقي فما عند الله عند عزّوجلّ أعظم مما صنعت بك ، ورسول الله ييظر الى ما يصنع، ثمّ انّ الرجل لبس ثيابه، ثمّ اقبل، فأومأ إليه النبي صَلَّى الله عليهِ وآله بيده، ودعاه ، فقال له: ياعبدالله ! لقد رأيتك صنعت شيئاً ما رأيت أحداً من الناس صنعه، فيما حملك على ما صنعت ؟!!
فقال الرجل : حملني على ذلك مخافة الله عزّوجلّ، وقلت لنفسي: يانفس ذوقي، فما عند الله أعظم مما صنعت بك.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله لقد خفت ربّك حقّ مخافته، وانّ ربّك ليباهي بك أهل السماء . ثمّ قال لأصحابه: يامعاشر من حضر ادنوا من صاحبكم حتّى يدعولكم.
فدنوا منه ، فدعا لهم ،وقال لهم: ((الّلهمّ اجمع أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا والجنة مآبنا)) (1).
     *القصة الرابعة:
     روي عن الامام محمّد الباقر عليه السَّلام قال:
خرجت امرأة بغيّ على شباب من بني اسرائيل فأفتنتهم . فقال بعضهم ك لو كان العابد فلاناً رآها افتنته.
è الهمداني قدس الله روحه الطاهرة في كتابه (تذكرة المتقين).
ويستحسن أن تقرأ ما كتبه الخواجه نصير الدين الطوسي في كتاب ( أوصاف الأشراف).
فراجعها واستفد.
(1) رواه الصدوق رَحمَه الله في الأمالي : ص 279 ـ 280، المجلس 54، ح 26، ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 70، ص 378، ح 23.



(258)
وسمعت مقالتهم ، فقالت: والله لا أنصرف الى منزلي حتّى أفتنه.
فمضت نحوه تفي الليل، فدقّت عليه.
فقالت: آوي عندك، فأبي عليها.
فقالت: انّ بعض شباب بني اسرائيل راودوني عن نفسي ، فإن ادخلتني ، وإلاّ لحقوني وفضحوني. فلمّا سمع مقالتها فتح لها، فلمّا دخلت عليه ، رمت بثيابها، فلما رأى جمالها، وهيئتها وقعت في نفسه.
فضرب يده عليها، ثمّ رجعت إليه نفسه، وقد كان يوقد تحت قدر له ، فأقبل حتّى وضع يده على النار.
فقالت: أي شيء تصنع؟
فقال: احرقها لأنها عملت العمل.
فخرجت حتّى أتت جماعة بني اسرائيل ، فقالت ، الحقوا فلاناً ،فقد وضع يده على النار.
فاقبلوا ، فلحقِِهوه وقد احترقت يده (1).
* القصة الخامسة:
     روى ابن بابويه عن عروة بن الزبير انّه قال:
كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله فتذكرنا أعمال أهل بدر، وبيعة الرضوان.
فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اخبركم بأقل القوم مالاً، وأكثرهم ورعاً، وأشدهم اجتهاد في العبادة؟
قالوا: من؟
(1)رواه الراوندي في قصص الأنبياء: ص 183، الباب 9، الفصل 3، ح 222، ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 14، ص 11، وفي ج 70، ص 387، ح 52.


(259)
قال: علي بن أبي طالب عليه السَّلام.
قال: فو الله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثمّ أنتدب له رجل من الأنصار؟ فقال له: يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.
فقال أبو الدرداء: يا قوم انّي قائل ما رأيت، وليقل كل قوم منكم مارأوا.
شهدت علي بي أبي طالب عليه السَّلام بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممن يليه ، واستتربمغيلات النخل فافتقدته ،وبعد علي مكانه، فقلت لحق بمنزله. فإذا أنا بصورة حزين، ونغمة شجيّة، وهو يقول:
إلهي كم من موبقة حلمت عني فقابلتها بنعمتك ،وكم منم جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك.
الهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤملٌ غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك.
فشغلي الصوت ، واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب عليهِ السَّلام بعينه، فاستترت له، وخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فزع الى الدعاء والبكاء ، والبث والشكوى ، فكان مما به الله ناجى ان قال:
الهي افكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ اذكر العظيم منم اخذك فتعظم عليّ بليتي.
ثمّ قال:
آه إن انا قرأت في الصحف سيئة أنا سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول خذوه، فباله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته يرحمه الملأ إذا أُذن فيه بالنداء.
ثمّ قال:
آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرةٍ من ملهبات لظى.


(260)
قال: ثمّ انغمر في البكاء فلم أسمع له حساً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اوقظه لصلاة الفجر.
قال أبو الدرداء: فأتيته ، فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك ، وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب عليهِ السَّلام.
قال: فاتيت منزله مبادراً انعاه إليهم.
فقالت فاطمة عَليهما السَّلام : يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ، ومن قصته؟
فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله ـ يا أبا الدرداء ـ الغشية التي تأخذه من خشية الله.
ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق ،ويظر اليّ وأناأبكي، فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟
فقلت: مما اراه تنزله بنفسك.
فقال: يا أبا الدرداء! فكيف لو رأيتني، ودعي بي الى الحساب ، وايقن أهل الجرائم بالغذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد اسلمني الاحباء، ورحمني أهل الدنيا لَكُنت َ أشدّ رحمة لي بين يدي مَن لا تخفى عليه خافية.
فقال أبو الدراداء : فو الله ما رايت ذلك لأحد من أِخ=صحاب رسول الله صَلَّى الله عليهِ وآله (1).
يقول المؤلّف: رأيت من المناسب أن انقل هذه المناجاة عنه عليهِ السَّلام بنفس الفاظها التي كان يقرأها ، ليقرأها من شاء في قلب الليل في وقت التهجد ، كما عمل ذلك شيخنا البهائي رَحمَه اللهُ في كتاب (مفتاح الفلاح).
*وهذه المناجاة الشريفة هي:
((اِلهي كَم مِن موبِقَةٍ حَلُمتَ عَن مُقابَلَتهِا بِنِقمَتِكَ (2)وَكَم مِن جَريَرةٍ تَكَرَّمتَ عَن
(1) رواه الصدوق بالإسناد الى عروة بن الزبير في الأمالي: ص 72 ـ 73، المجلس 18، ح 9، ورواه عنه المجلسي في البحار: ج 41، ص 11 ـ 12، ح 1، وفي : ج 87، ص 194، ح 2.
(2) بنعمتك: خ ، ل.