(241)
خاتمة
في ذِكر عِدّة أخبار في شدّة عذاب جهنّم
(أعاذنا الله تعالى منها)
وجملة من قصص الخائفين
وبعض الأمثال من ((بلوهر ويوزاسف))
وغيره ممّا ينبّه المؤمنين



(242)



(243)
أما الأخبار
* الأول: روي بسند صحيح (1)عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليهِ السَّلام قال:
قلت له: يابن رسول الله خوفني فانّ قلبي قدقسى.
فقال: يا أبا محمّد استعدّ للحياة الطويلة ، فانّ جبرئيل جاء الى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله وهو قاطب، وق كان قبل ذلك يجيء وهو مبتسم، فقال رسول الله صّلَّى اللهُ عليهِ وآله : يا جبرائيل جئتي اليوم قاطباً؟
فقال: يا محمّد قد وُضعت منافخ النار.
فقال: وما منافخ النار يا جبرئيل؟
فقال : يا محمّد انّ الله عزوجلّ أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتّى اسودت فهي سوداء مظلمة.
لو انّ قطرة من الضريع قَطَرت في شراب أهل الدنيا لمات اهلها من نتنها.
ولو انّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها.
(1) السند هو: علي بن ابراهيم عن محمّد بن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السَّلام فالسند بحسب الاصطلاح صحيح عال.


(244)
ولو انّ سربالاًَ من سرابيل أهل النار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الدنيا من ريحه.
قال: فبكى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله ، وبكى جبرئيل ، فبعث الله إليها ملكاً ، فقال لهما: انّ ربّكما يقرؤكما السلام ويقول: قد أمنتكما أن تذيبا ذنباً اعذبكما عليه.
فقال أبو عبد الله عليهِ السَّلام : فما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله جبرئيل مبتسماً بعد ذلك ثمّ قال: انّ أهل النار يعظمون النار وانّ أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم ، وانّ جهنم اذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد، والعيدوا في دركها ، فهذا حالهم ، وهو قول الله عزّوجلّ: (كلما ارادوا أن يخرجوا منها من غمّ اعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) (1) .
     ثمّ تبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم.
قال: أبو عبد الله عليهِ السَّلام: حسبك؟
قلت: حسبي، حسبي (2).
* الثاني: وروي في حديث عن الامام الصادق عليهِ السَّلام (3)انّ رسول الله صَلَّى الله عليه واللهُ ال في خبر المعراج:
... حتّى دخلت سماء الدنيا، فما لقيني ملك إلاّ كان ضاحكاً مستبشراً حتّى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقاً منه كريه المنظرن ظاهر الغضب. فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلاّ انّه لم يضحك ولم أر فيه من الاستبشار، وما رأيت ممن ضحك من الملائكة.
فقلت: مَن هذا يا جبرئيل ؟ فانّي قد فزعت.
فقال: يجوز أن تفرع منه، وكلنا نفزع منه، وهذا مالك خازن النار، لم يضحك
(1) سورة الحجّ: الآية 22.
(2) تفسير القمّي : ج 2، ص 81،وعنه المجلسي في البحار: ج 8، ص 280.
(3) روى الشيخ الجليل علي بن ابراهيم عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليهِ السَّلام... والسند صحيح عال ـ بحسب الاصطلاح.



(245)
قط، ولم يزل منذ ولاّه الله جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيظاً على ِأعداء الله وأهل معصيته، فينتقم الله به منهم ، ولو ضحك الى أحد قبلك، أو كان ضاحكاً لأحد بعدك، لضحك إليك ، ولكنه لا يضحك.
فسلمت عليه فرضَّ علي السلام، وبشرني بالجنة.
فقلت لجبرئيل ـ وجبرئيل بالمكان الذي وصفه الله ـ (مطاع ثّمَّ أمين)(1) ألا تأمره أن يريني النار؟
فقال له جبرئيل : يا مالك! أر محمّداً النار.
فكشف عنها غطاءها، وفتح باباً منها، فخرج منها لهب ساطع في السماء، وفارت فارتعدت حتّى ظننت ليتناولني مما رأيت.
فقلت له : يا جبرائيل ! قل له ، فليرد عليها غطاءها.
فأمرها. فقال لها : ارجعي.
فرجعت الى مكانها الذي خرجت منه (2).
* الثالثُ: روي بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السَّلام:
قال: ما خلق الله خلقاً إلاّ جعل له في الجنة منزلاً، وفي النار منزلاً ، فإذا سكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار؟ نادى مناد: يا أهل الجنة اشرفوا.
فيشرفون على النار، وترفع لهم منازلهم في النار.
ثمّ يقال لهم: هذه منازلكم التي لو عصيثتم ربّكم دخلتموها.
قال: فلو انّ أحداً مات فرحاً ، لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحاً لما صرف عنهم من العذاب.
ثمّ ينادي منادٍ يامعشر أهل النار ارفعوا رؤوسكم، فانظروا الى منازلكم في الجنة.
فيرفعون رؤوسهم، فينظرون الى منازلهم في الجنة ، وما فيها من النعيم.
(1) سورة التكوير: الآية 21.
(2) تفسير القمّي : ج 2: ص 5، وعنه في البحار: ج 8، ص 291.



(246)
فيقال لهم : هذه منازلكم التي لو اطعتم ربّكم دخلتموها.
قال: فلو انّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار ذلك اليوم حزناً.
فيورث هؤلاء منازل هؤلاء، وهؤلاء منازل هؤلاء! وذلك قول الله عزّوجلّ: (يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (1) (2).
* الرابع: وروي عنه عليهِ السَّلام:
ينادي منادٍ من عند الله وذلك بعدما صار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار: ياأهل الجنة! ويا أهل النار! هل تعرفون الموت في صورة من الصور؟
فيقولون: لا.
فيؤتى بالموت في صورة كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار، ثمّ ينادون جميعاً: اشرفوا ، وانظروا الى الموت.
فيشرفون، ثمّ يأمر الله به فيذبح. ثمّ يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت أبداً. ويا أهل النار! خلود فلاموت أبداً. وهو قوله (وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الأمر وهم في غفلة)(3).
أي قضي على أهل الجنة بالخلود . وعلى أهل النار بالخلود فيها (4).
(1) المؤمنون: الآية: 11.
(2)أقول روى هذا الخبر الشريف الشيخ القمّي بالسناده عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة ، عن أبي بصير. في تفسير الآية الشريفة: ج 2، ص 89.
ورواه أيظاً الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال: ص 307 ـ 308، بإسناده عن أبيه، عن سعد ابن عبد الله عن أحمد بن الحسين أبي سعيد عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السَّلام . والسنتد معتبر على كل حال غاية الأمر إما صحيح مع عدم ثبوت وقف عثمان بن عيسى وعدم ثبوت وقف سماعة بن مهران. إما موثّق على القول بوقف سماعة او القول بوقف عثمان ـ كما عليه الأكثر ـ بعكس سماعة فانّ الأكثر قائلين بعدم وقفه بل لا دليل على وقفه إلاّ ما ذكره الصدوق قدس الله نفسه.
(3) سورة مريم: الآية 39.
(4) تفسير القمّي : ج 2 ، ص 51. بإسناده عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد الحناط عن أبي عبدالله عليهِ السَّلام قال: سئل عن قوله (وانذرهم يوم الحسرة) الآية ، قالك ينادي مناد من عند الله ... الحديث ، ونقله عنه المجلسي في البحار: ج 8، ص 346، ح 4.



(247)
* الخامس: روي عن أمير المؤمنين عليهِ السَّلام أنه قال:
وأما أهل المعصية فخلدوا (1)في النار، وأوثق منهم الاقدام، وغل منهم الأيدي الى الاعناق، وألبس اجسادهم سرابيل القطران ، وقطعت لهم منها مقطعات من النار، وهم في عذاب قد اشتد حرّه ، ونار قد اطبق على أهلها، فلا يفتح عنهم أبداً ولايدخل عليهم ريح أبداًَ، ولا ينقضي منهم عمر أبداً، العذاب أبتداً شديد، والعقاب أبداً جديد، لا الدار زائله فتفنى، ولا آجال القوم تقضى ، ثمّ حكى نداء أهل النار، فقال:(ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك)قال: أي نموت، فيقول مالك(انكم ماكثون) (2) (3).
* السادس: روي بسند معتبر (4)عن الامام الصادق عليهِ السَّلام:
انّ في النار لناراً (5) يتعوذ منها أهل النار ما خلقت إلاّ لكل متكبر جبار عنيد ، ولكل شيطان مريد، ولكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب،ولكل ناصب العداوة لآل محمّد.
وقال: انّ أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجل في ضحضاح من نار عليه نعلان من نار، وشراكان من نار، يغلي منها دماغ كما يغلي المرجل، ما يرى انّ في النار أحداً أشدّ عذاباً منه، وما في النار أحد أهون عذاباً منه (6).
(1) هكذا في المصدر،وأما في البحار: (فخذلهم) وفي نسخة بدل منه (فخلّدهم)، وأما المؤلّف فترجم العبارة (فخدّلهم ) . وعلى كل حال فالعبارة لم تخلو من التصحيف.
(2) سورة الزخرف: الآية 77.
(3) تفسير القمّي: ج 2، ص 289. وعنه في بحار الأنوار: ج 8، ص 292، ح 34. (4)رواه القمّي في تفسيره : ج 2: ص 257 بإسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي عبد الله عليهِ السَّلام.
ومنشأ القول بالاعتبار ما وقع في حال منصور بن موسى فانّ الشيخ اتهمه بالوقف وروى الكشي في رجاله رواية تنص على وقفه ورواها أيضاً الصدوق في (عيون أخبار الرضا). ومع ذلك فالكلام في وقفه محل تأمّل بل كلام.
(5) هكذا في المصدر وفي البحار ولكن المؤلّف رَحم اللهُ ترجم العبارة (انّ في جهنّم لبئراً..).
(6) تفسير القمّي : ج 2، ص 257 ـ 258.
ورواه المجلسي في البحار: ج 8: ص 295 ح 44، والإسناد إما صحيح أو موثق. فهو معتبر على كل حال.



(248)



(249)
في ذِكر قصص الخائفين
*القصة الاُولى:
     روى الشيخ الكليني بسند معتبر (1) عن الامام علي بن الحسين عليهِ السّلام :
انّ رجلاً ركب البحر بأهله فكسر بهم ، فلم ينج ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل، فانّها نجت على لوح من ألواح السفينة حتّى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجلٌ يقطع الطريق، ولم يدع لله حرمة إلاّ انتهكها ، فلم نعلم إلاّ والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها ، فقال: إنسية أم جنية؟
فقال: إنسية.
فلم يكلما كلمة حتّى جلس منها مجلس الرجل من أهله ، فلما إن همّ بها، اضطربت، فقال لها: مالك تضطربين؟
فقالت: أفرق من هذا ـ وأومأت بيدها الى السماء.
قال: فصنعت من هذا شيئاً؟
(1) الكافي: ج 2، ص 69 بإسناده عن علي بن ابراهيم عن أحمد بن محمّد بن خالد عن الحسن بن الحسين عن محمّد بن سنان عن أبي سعيد المكاري عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عن محمّد بن سنان عن أبي سعيد المكاري عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما (قال): ... الحديث والسند صحيح على الظاهر فانّ الحسن بن الحسين هن اللؤلؤي الوحيد البهبهاني وغيره ، وقد خدش به البعض ولهذا توقف المؤلّف في تصحيح السند واكتفى باعتباره.


(250)
قالت: لا ، وعزّته ، قال: فأنت تفقي منه هذا القرق ولم تصنعي من هذا شيئاً، وانّما استكرهك استكراهاً، فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف، وأحق منك.
قال: فقام، ولم يحدث شيئاً ، ورجع الى أهله ، وليست له همّة إلاّ التوبة والمراجعة فبينما هو يمشي اذ يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس.
فقال الشباب: ما اعلم انّ لي عند ربي حسنة فاتجاسر على أن أسأله شيئاً.
قال: فادعو أنا، وتؤمّن أنت، قال: نعم.
فأقبل الراهب يدعو والشابّ يؤمنّ، فما كان بأسرع من أن اظلتهما غمامة، فشيا تحتها ملياً من النهار، ثمّ تفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة، وأخذ الراهب في واحدة ، فإذا السحابة مع الشاب ، فقال الراهب: أنت خير مني، لك استجيب ولم يستجب لي، فاخبرني ما قصتك؟
فأخبره بخبر المرأة، فقال: غُفر لك ما مضى ، حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل (1).
* القصة الثانية:
روى الشيخ الصدوق:
دخل معاذ بن جبل على رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وآله باكياً فسلم ، فرد صَلَّى اللهُ عليهِ وآله ثمّ قال:
ما يبكيك يا معاذ؟
فقال: يا رسول الله انّ بالباب شاباًَ طري الجسد نقي اللون، حسن الصورة يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها يريد الدخول عليك.
فقال النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله : ادخل عليّ الشباب يامعاذ.
فادخله عليه، فسلّم فرد صَلَّى اللهُ عليهِ وآله ثمّ قال: ما يبكيك يا شاب؟
قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عزّوجلّ ببعضها ادخلني
(1) الكافي : ج 2 ص 69.