(201)
من مواقف القيامة المهولة
موقف الميزان ووزن الأعمال
قال الله تعالى في أوائل سورة الاعراف:
(والوزن يومئذِ الحقّ فمن ثقلت موازينه (1)فاولئك هم المفلحون* ومَن خفّت موازينه فاُولئك الذين خسروا انفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) (2).
وقال تعالى في سورة القارعة:
(القارعة* ما القارعة* وما ادراك ما القارعة* يوم يكون الناس كالفَراش المبثوث* وتكون الجبال كالعهن المنفوش* فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية* واما من خفّت موازينه* فامه هاوية * وما ادراك ماهية* نارحامية) (3).
(1) قال المؤلّف عليه الرحمة في الحاشية:
(قال المفسرون: انّ السبب في ذكر الله تعالى الميزان بصيغة الجمع ذلك لأن لكل نوع من أنواع الطاعات ميزان فيقام لكل منها هناك ميزان ، وكذلك انّه جمع موزون يعني وَزن اعماله).
(2) سورة الاعراف: الآية 8 و 9.
(3) سورة القارعة: وقد ترجم المؤلف في المتن الآيات الشريفة، ولم يذكر من السورة المباركة الّا قوله تعالى (القارعة ما القارعة... الى آخر الآيات) هكذا اثباتها في المتن.
فارتأينا أن نثبت السورة المباركة وننقل ما أورده في تفسير معاني الآيات الشريفة القارعة: يعني القيامة لانّها تقرع القلوب بالفزع والخوف.
يوم يكون الناس كالفراشات المبثوثة، وتكو الجبال مثل القطن الذى ندف ونفش. ç



(202)
*واعلم أن لا يوجد عمل لأجل تثقيل ميزان الأعمال مثل الصلوات على محمّد وآله صلوات الله عليهم أجمعين ، ومثل حسن الخلق.
وأنا اُزيِّن الكتاب بذكر روايات هنا في فضل الصلوات، وثلاث روايات مع عدّة حكايات في حُسن الخُلُق.
    
أما الأخبار في فضل الصلوات
* الأول: روى الشيخ الكليني رحمة اللهُ بسند معتبر عن الامام محمّد الباقر أو الامام الصادق عليهِما السَّلام.
قال:
((ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد وانّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فَيُخرِج صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فيرجح به (1).
* الثاني: عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله قال:
((أنا عند الميزان يوم القيامة، فمن ثقلت سيئاته على حسناته جئت بالصلاة عليّ حتّى أثقل بها حسناته)) (2).
è فأما الذين جاؤوا بموازين ثقيلةـ يعني حسناتهم وخيراتهم ـ فهم في عيشة راضية.
وأما الذين جاؤوا بموازين خفيفة، فانّ مأواهم الهاوية.وما ادراك ما الهاوية: تلك نار حامية وحارقة جداً.
(1) رواه الكليني في الكافي : ج 2، ص494، باسناده عن علي بن ابراهيم عن أبه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن محمّد بن مسلم عن احد هما عليهما السَّلام ... والحديث صحيح السند. وأما توقف المؤلّف رحمة اللهُ في القطع بصحته فناشىء من تصحيح (ابراهيم بن هاشم) أبو (علي بن ابراهيم) كما هو ديدن بعض الاجلة من الماضين والذين قالوا بحسنه لعدم وجود توثيق له في كتب الرجال ولكن الصحيح انّ توثيق علي بن ابراهيم في تفسيره لكل من يروي عنهمخ يكفي في اثبات الصحة.
(2) رواه الصدوق في ثواب الأعمال: ص 186، (ثواب الصلاة على النبي صَلَى اللهُ عليه)، ح 1 ، وفي : جامع الأخبار للشعيري: ص 61 الفصل 28طبعة النجف، ونقله في البحار: ج 7، ص 304، ح 72، وفي : ج 94، ص 56، ح 31،وفي ج 94، ص 65، ح 52.



(203)
*الثالث: روى الشيخ الصدوق رَحمَةاللهُ عن الامام الرضا عليهِ السَّرم انّه قال:
((مَن لم يقدر على ما يُكَفِّر به ذنوبه فليكثرمن الصلاة على محمّد وآله، فانّها تهدم الذنوب هداماً)) (1).
* الرابع: روي في دعوات الراوندي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله قال:
((مَن صلّى عليّ كل يوم ثلاث مرّات، وفي كل ليلة ثلاث مرّات حبّاً لي وشوقاً لي كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن يغفر له ذيوبه تلك الليلة وذلك اليوم)) (2).
* الخامس: وروى عنه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله انّه قال:
((رأيت فيما يرى النائم عمي حمزة بن عبد المطلب وأخي جعفر بن أبي طالب وبين ايديهما طبق من نبق فأكلا ساعة ، فتحول النبق عنباً فكلا ساعة، فتحول العنب لهما رطباً ، فأكلا ساعة ، فدوت منهما، فقلت لهما: بأبي أنتما أي الأعمال وجدتما أفضل؟)) (3)
قالا: فديناك بالآباء والامهات وجدنا أفضل الأعمال الصلاة عليك، وسقي الماء، وحب علي بن أبي طالب عليهِ السّلام قال:
* السادس: وروي عنه صَلَّى اللهُ عليه وآله قال:
((مَن صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب)) (4).
* السابع: روى الشيخ الكليني عن الامام الصادق عليه السّلام انّه قال:
((اذا ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله فاكثروا الصلاة عليه فانّه مَن صلّّى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله صلاة واحدة صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صفّ من الملائكة ولم يبق
(1) رواه الصدوق في الأمالي: ص 68، المجلس 17، ح 444، ورواه في عيون اخبار الرضا عليه السَّلام: ج 1، ص 294، باب، 28، ح 28، ونقله المجلسي في البحار: ج 94، 47، ح 2، وفي : ج 94، ص 63، ح 52.
(2) الدعوات للراوندي: ص 89، الباب، 224 (صلوات النبي والأئمة) ح 226.
(3) الدعوات القطب الراوندي: ص 90، باب 224 (صلوات النبي والائمة) ح 227.
(4) منية المريد: ص 178، الباب 4 (في آداب الكتابة والكتب التي هي آله العلم)، المسألة 13، ونقله في البحار، ج 94، ص 71، ح 65.



(204)
شيء مما خلق اله الاّ صلى على العبد لصلاة الله عليه ، وصلاة ملائكته. فمن لم يرغب في ثذا فهو جاهل مغرور قد برئ الله منه ورسوله وأهل بيته)) (1).
يقول الفقير: روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار عن الامام الصادق عليهِ السَّرم في معنى ((انّ الله وملائكته يصلون على النبي)) الآية، انّه عليهِ السّلام قال:
((الصلاة من الله عزّ وجلّ رحمة ومن الملائكة تزكية ومن الناس دعاء )) (2). وروي في هذا الكتاب أن الراوي قال: فكيف نصلي على محمّد وآله؟
قال:(( تقولون: صلوات الله وصلوات ملائكته وانبيائه ورسله وجميع خلقه على محمّد وآل محمّد والسلام عليه وعليهم ورحمه الله وبركاته)).
قال: فقلت: فما ثواب مَ، الذيوب والله كهيئة يوم ولدته امه)) (3).
* الثامن: روى الشيخ أبو الفتوح الرازي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وآله انّه قال:
((اسري بي ليلة المعراج الى السماء فرأيت ملكاً له ألف يد، لكل يد ألف اصبع وهو يحسب ويعد بتلك الأصابع فقلت لبرائيل: مَن هذا الملك ، وما الذي يحسبه؟
قال جبرائيل: هذا ملك موكل على قطر المطر يحفظها كم قطرة تنزل من السماء الى الأرض.
فقلت للملك: هل تعلم مذ خلق الله الدنيا كم قطرة نزلت من السماء الى الأرض؟
فقال: يا رسول الله! فوالله الذي بعثك بالحقّ الى خلقه غير انّي اعلم كم قطرة نزلت من السماء الى الأرض اعلم تفصيلاً كم قطرة نزلت على البحر ، وكم قطرة نزلت في الرن وكم قطرة نزلت في العمران، وكم قطرة نزلت في البستان ، وكم قطرة
(1) الكافي: ج 2، ص 492.
(2) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص 368، الطبعة الحديثة.
(3) معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص 368.



(205)
نزلت في السبخة، وكم قطرة نزلت في القبور.
فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وآله: فتعجبت من حفظه وتذكره حسابه.
فقال: يارسول الله! حساب لا أقدر عليه بما عندي من الحفظ والتذكر والأيدي والأصابع.
فقال: أي حساب هو؟ فقال: قوم من امتك يحضرون مجمعاً فيذكر فيه اسمك عندهم فيصلون عليك فأنا لا أقدر على حصر ثوابهم)) (1).
* التاسع: روى الشيخ الكليني في ذيل هذه الصلوات التي تقرأ عصر يوم الجمعة:
(اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الاوصياء المرضيين بأفضل صلواتك وبارك عليهم بأفضل بركاتك والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته).
انّ مَن قالها سبع مرّات ردّ الله عليه من كل عبد حسنة، وكان عمله في ذلك اليوم مقبولاً، وجاء يوم القيامة وبين عينيه نورٌ) (2).
* العاشر: وروي: (مَن قال بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة الظهر اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجل فرجهم ، لم يمت حتّى يدرك القائم من آل محمّد عليهم السَّلام) (3).
(1) روى الشيخ أبو الفتوح الرازي، ج 4، ص 443 وهو باللغة الفارسية، وذكره النوري رضي اللهُ عَنهُ عنه في المستدرك، ج 5، باب 35، ص 355، ح 6072، الطبعة الحديثة ، ويبدو انّه قام بترجمته حين نقله للحديث.
(2) أقول رواه ثقة الاسلام الكليني في فروع الكافي : ج 3، ص 429.
وروى أيضاً في حديث قبلة: (اذ صَليت يوم الجمعة فقل ...ـ ثمّ ذكر الصلاة المذكورةـ فانّه مَ، قالها في دبر العصر كتب الله له مائة الف حسنة ومحا عنه مائة ألف سيئة وقضى بها مائة ألف حاجة ورفع له بها مائة ألف درجة.
(3)جنة الأمان الواقية، الشيخ الكفعمي: ص 65 ـ 66، الطبعة الحجرية ـ ونقله عنه في البحار ـ ج 86، ص 77، ح 11، وفي سفينة البحار للقمّي ، ج 5، ص 170، الطبعة الحديثة ، وفي ، ج 2، ص 49، الطبعة الحجرية.



(206)
و أما الروايات التي وردت في حُسن الخُلق
*الرواية الاُولى: روي عن انس بن مالك انّه قال:
((كنت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله، وعليه برد غليظ الحاشية ، فجبذه اعرابي بردائه جبذة شديدة حتّى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله ثمّ قال:
يا محمّد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذين عندك، فانّك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك.
فسكت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله ، ثمّ قال المال مال الله، وأنا عبده.
ثمّ قال: ويقاد منك يا اعرابي ما فعلت بي.
قال: لا. قال: ولم؟
قال: لانّك لا تكافئ بالسيئة السيئة.
فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر (1). يقول المؤلّف: انّ ذكري لهذه الروايات في هذا المقام انّما هو للتبرك والتيمن وليس لبيان حسن خلق الرسول الأكرم صَلَّى اللهُ وعَليهِ وآله، أو أئمة الهدى عليهمِ السَّلامُ، وذلك لانّ الذي يذكّر الله تعالى في القرآن الكريم بخلقه العظيم ، ويكتب علماء القريقين كتباً في سيرته وخصاله الحميدة ومع ذلك فلم يحصوا معشار عشره.. حينئذٍ فما اكتبه هنا في هذا الباب انّما يعدّ تسامحاً.
ولقد أجاد من قال:
محمدٌ سيد الكونين والثقلين فاق النبيين في خلق وفى خلقٍ ٌ وكلهم من رسول الله ملتمس والفريقين من عرب ومن عجمِ ولم يدانوه في علم ولا كرمِ غرفاً من البحر أو رشفامن الدّيمِ

(1) سفينة البحار: ج 1، ص 412، والرواية عامية تجدها في : الوفا بأحوال المصطفى: ج 2، ص 421، وفي كتاب أخلاق النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وآله وآدابه، لابين حيان الصبهاني: ص 80، ونقله المؤلّف في كحل البصر في سيرة سيد البشر: ص 59 عن القاضي عياض في كتابه (الشفاء).


(207)
وهو الذي تم معناه وصورتُهُ منزهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ فمبلغ العلم فيه انّه بشٌر ثمّ اصطفاه حبيباً بارئُ النسم فجوهر الحسن فيه غيرُ منقسمِ وانّه خير خلق الله كلهم (1)
*الرواية الثانية: روي عن عصام بن المصطلق انّه قال:
دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي عليهِما السَّلام فاعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ماكان يخفيه صدري لأبيه من البفض ، فقلت له : أنت ابن أبي تراب؟
فقال: نعم.
فبالغت في شتمه وشتم أبيه..
فنظر اليّ نظرة عاطف رؤوف ، ثمّ قال:
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم.
(خذ العقو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين* واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انّه سميع عليم *انّ الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيظان تذكروا فاذا هم مبصرون *واخوانهم يمدونهم في الغي ثمّ لا يقصرون)(2).
ثمّ قال لي: خفّض عليك، استغفر الله لي ولك ، انّك لو استعنتنا لا عناك ،ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشد تنا لرشدناك.
قال عصام: فتوسم مني الندم على ما فرط مني.
فقال:(لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)(3) أمن أهل الشام أنت؟
قلت :نعم.
فقال: (شنشنة اعرفها من اخزم) (4)حيّانا الله وايّاك، انبسط إلينا في حوائجك،
(1) سفينة البحار: ج 1، ص 411.
(2) سورة الاعراف: الآيات 199 ـ 202.
(3) سورة يوسف: الآية 92.
(4) قال ابن الاثير في النهاية ج 2، ص 504: (الشنشنة: السجية والطبيعة. وقيل القطعة المضغة من اللحم. وهو مثل ، وأول مَن قاله أبو اخزم الطائي وذلك: انّ اخزم كان عاقلاً لأبيه، فمات ç



(208)
وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنّك إن شاء الله تعالى.
قال عصام: فضاقت عليّ الأرض بما رحبت وودتُ لو ساخت بي، ثمّ سللتُ منه لواذاً (1)وما على الأرض أحبّ إليّ منه ومن أبيه (2).
يقول المؤلّف: يقل صاحب الكشاف في ذيل الآية الشريفة: لا تثريب عليكم اليوم)(3) التي تمثل بها سيّد الشهداء رواية في حسن خلق يوسف الصديق، من المناسب ذكرها هنا، والرواية هي:
(انّ اخوته لما عرفوه وارسلوا إليه: انّك تدعونا الى طعامك بكرةً وعشياً، ونحن نستحي منك لما فرط (4)منا فيك.
فقال يوسف: انّ أهل مصر وإن ملكتُ فيهم، فانّهم ينظرون اليّ بالعين الاُولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنّكم اخوتي وانّي من حفدة ابراهيم (5).
     *وروي أيضاً انّه لما اجتمع يعقوب مع يوسف عليهِما السَّرم قال:
((يا بني حدثني بخبرك؟
فقال له : يا ابت لا تسألني عمّا فعل بي اخوتي ، واسألني عمّا فعل الله بي)) (6).
*الرواية الثالثة: روى الشيخ المفيد وغيره:
((انّ رجلاً من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليهِ السَّلام، ويسبه اذا رآه ، ويشتم علياً فقال بعض حاشيته يوماً: دعنا نقتل هذا
è وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وادموه فقال:
انّ بنيّ زمَّلوني بالدم شِنشِنَةٌ أعرِفُها من أَخزَمِ
(1) ويستخدم (لواذاً) لشدة الاستخفاء والاستتار.
(2) سفينة البحار: ج 1، ص 421. وفي: ج2، ص 705، الطبعة الحديثة.
(3) سورة يوسف: الآية 92.
(4) في سفينة البحار للمؤلف بدل (لما فرّطنا قبل).
(5) تفسير الكشاف للزمخشري: ج2، ص 503، طبعة مصر.
(6) سفينة البحار: ج 1، ص 412 الطبعة الحجرية. وفي ج 2، ص 683، الطبعة الحديثة.



(209)
الفاجر . فنهاهم عن ذلك أشدّ النهي، وزجرهم ، وسأل عن العمري، فذكر انّه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه، فوجده في مزرعة له ، فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا.
فتوطاه عليهِ السَّلام بالحمار حتّى وصل إليه، ونزل ، وجلس عنده، وباسطه وضاحكه وقال له: ((كم غرمت على زرعك هذا؟
قال: مائة دينار.
قال: فكم ترجو أن تصيب؟
قال: لست أعلم الغيب.
قال له: انّما قلت: كم ترجو أن يجيئك فيه؟
قال: ارجو أن يجيء مائتا دينار.
قال: فاخرج له أبو الحسن عليهِ السَّرم صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: هذا زرعك على حاله، والله يرزقك فيه ما ترجو.
قال: فقام العمري فقبل رأسه، وسأله أن يصفح عن فاطه.
فتبسم إليه أبو الحسن، وانصرف.
قال: وراح الى المسجد، فوجد العمري جالساً ، فلمّا نظر إليه، قال(( الله اعلم حيث يجعل رسالته)).
قالك فوثب أصحابه إليه ، فقالوا له : ما قضيتك قد كنت تقول غير هذا؟!
قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلتُ الآن.
وجعل يدعو لآبي الحسن عليهِ السَّلام فخاصموه وخاصمهم، فلمّا رجع أبو الحسن الى داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: ايّما كان خيراً، ما أردتم ، أم ما أردت؟! انّني أصلحت أمره بالمقدار الذين عرفتم وكفيت به شرَّه)) (1).
(1) البحار: ج 48، ص 102 ـ 103. ورواه الشيخ المفيد في الارشاد: ص 297، اعلام الورى، الطبرسي: ص 316، 307.


(210)
وأما الحكايات في حُسن الخُلق
* حكاية:
حكي انّ مالك الأشتر رحمَه اللهُ كان مجتازاً بسوق وعليه قيسص خام، وعمامة منه، فرآه بعض السوقة فأزرى بزيّه، فرماه ببندقة تهاوناً به، فمضى ولم يلتفت.
فقيل له: ويلك أتعرف لمن رميت ؟!
فقال: لا.
فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين عليهِ السَّلام.
فاتعد الرجل، ومضى إليه، وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلي فلما انفتل انكب الرجل على قدميه يقبلهما.
فقال: ما هذا الأمر؟
فقال: اعتذر إليك بما صنعت.
فقال: لا بأس عليك، والله ما دخلت المسجد إلاّ لاستغفر لك (1).
يقول المؤلّف:
انظر كيف كسب هذا الرجل الأخلاق من أمير المؤمنين عليهِ السَّرم ، فمع انّه من اُمراء جيش أمير امير المؤمنين، وكان شجاعاً ، وشديد الشوكة وانّ شجاعته بلغت درجة بحيث قال ابن أبي الحديد:
(لو انّ انساناً يقسم انّ الله تعالى ما خلق في العربي ولا في العجم أشجع منه إلاّ استاذه علي بن أبي طالب عليهِ السَّلام لمّا خشيت عليه الاثم، ولله درّ القائل، وقد سئل عن الأشتر:
ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام ، وهزم موته أهل العراق.
وقال أمير المؤمنين عليهِ السّلام في حقه: كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وآله (2).
(1) سفينة البحار: ج 1، ص 686، ورواه المجلسي َحمَه اللهُ في البحار: ج 42، ص 157، ورواه الشيخ ورام بن أبي فراس في تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ج 1، ص 2، طبعة قم.
(2) سفينة البحار: للمؤلف رحمه اللهُ : ج1، ص 687، الطبعة الحجرية، شرح نهج البلاغة ـ لا بن أبي الحديد: ج 2، ص 214 تحقيق محمّد أبي الفضل ابراهيم.