(83)
احتياطه بالرواية :
    كان غالباً يأخذ الكتاب معه عندما يرتقي المنبر ليقرأ منه على المستمعين الحديث الذي يريد أن ينقله لهم ، أو يقرأ التعزية(1).
    وقد نقل عن بعض علماء طهران انّه قال : حضرت تحت منبر الشيخ عباس في بعض أيّام شهر رمضان بمشهد فقال ذات يوم خلال حديثه : انّي رأيت في المنام كأني آتي بالمفطر في شهر رمضان وفسرته بانّي قد اشتبه في نقل الحديث فازيد وانقص غفلة ، ولذلك اصطحبت الكتاب معي في هذا اليوم لاقرأ فيه(2).
    فمع اطلاعه الواسع ومعرفته بتاريخ النبي صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومين عليهم السلام لكنه ولشدة احتايطه يقرأ الأحاديث والتعزية في الكتاب.

احترامه لأسماء المعصومين عليهم السلام :
    وقيل انّه كان لا يذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله أو أحد المعصومين عليهم السلام إلاّ وهو على طهر ووضوء ويعتبر أن ذكر اسمائهم بغير طهارة ووضوء من سوء الأدب ، ويعتبر الاكتفاء بوضع علامة (ص) بعد اسم النبي صلى الله عليه وآله ، أو (ع) بعد اسم أحد المعصومين عليهم السلام نوع حرمان من السعادة الالهية.
    قال في منتهى الأمال عند ذكره أحوال الامام الصادق عليه السلام ، فنقل عن الشيخ الصدوق عن مالك بن انس ـ مؤسس المذهب المالكي أحد المذاهب الأربعة ـ في وصفه للامام الصادق عليه السلام انّه قال : (فاذا قال ـ أي الامام الصادق عليه السلام ـ قال رسول صلى الله عليه وآله اخضرّ مرّة واصفّر اُخرى حتّى ينكره من يعرفه ...) وعقب الشيخ القمّي على الخبر بما تعريبه : (تأمّل جيداً في حال الامام الصادق عليه السلام وتعظيمه واجلاله لرسول الله صلى الله عليه وآله كيف يتغير حاله عند نقله الحديث عنه صلى الله عليه وآله وذكره اسمه الشريف صلى الله عليه وآله مع انّه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وقطعة من بدنه : فتعلم ذلك واذكر اسم
(1) مردان علم در ميدان عمل : ص 97.
(2) راجع (شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت).

( 84 )
الرسول صلى الله عليه وآله بغاية التجليل والاحترام وصلّي عليه بعد ذكر اسمه المبارك ، وإذا كتبت اسمه الشريف في مكان فاكتب الصلوات بشكلها الحروفي ولا تكتفي بالرمز والاشارة فتكون كبعض المحرومين من الرحمة الذين يكتفون برمز (ص) أو (صلعم) ونحو ذلك . بل لا تذكر اسمه المبارك صلى الله عليه وآله ولا تكتبه اذا لم تكن على وضوء وطهارة ، ومع ذلك كله طلب العذر منه صلى الله عليه وآله لأنك قصرت باداء حقّه صلى الله عليه وآله(1).

حبّه لأهل البيت عليهم السلام :
    والحب لهم صلوات الله عليهم أجمعين علامة الايمان وطهارة المولد ، وكان القمّي كباقي الصالحين من عشاقهم عليهم السلام وممن يحيي أمرهم ، ويعتبر التوسل بهم الوسيلة التي تقربه الى الله عزّوجلّ وبهم تقضى له حاجاته.
    ونقل عن القمّي انّه كان كثير البكاء في مجالس مصائبهم عليهم السلام وتجد ذلك واضحاً فيما ألّفه من الكتب النفيسة التي تعكس علاقته وتعلقه بهم عليهم السلام.

احترامه للذرية الطاهرة :
    كان يعظم السادة من ذرية النبي صلى الله عليهم وآله ويحترمهم أشد الاحترام ، فقد نقل عنه انّه كان يتأدب أمام أي سيّد من السادة ويقدّمه على نفسه حتّى لو كان طفلاً بحيث لم ير المحدّث القمّي يوماً قد بسط رجليه أمام سيّد سواءاً كان جالساً في غرفة أو بيت أو ساحة(2).
    والقصة المتقدّمة عن سلطان الواعظين الشيرازي تؤيد هذه الحقيقة(3).
    * وذكر أيضاً : قبل وفاته بساعات جيء له بعصير تفاح ليشرب ، وكانت في منزله طفلة علوية من السادة ، فقال المحدّث : اعطوا العصير للطفلة العلوية لتشرب أولاً وبعد ذلك آتوني بالباقي.
(1) منتهى الآمال : ج 2 ، ص 138 ـ 139.
(2) محدث قمّي : ص 43.
(3) تقدّمت القصّة في ص 78.

( 85 )
    وقد فعل من حوله ذلك فاعطوه للطفلة العلوية فشربت منه مقدراً ثمّ جاؤوا بالباقي فشربه المحدّث ، وقال انّي قصدت من وراء ذلك الاستشفاء(1).
    وقد جاءت في الرويات الكثيرة عن أهل بيت العصمة والطهارة لزوم احترام الذرية الطاهرة ، منها :
    روى الصدوق باسناده عن دعبل الخزاعي عن الامام الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي عليه السلام قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة : المكرم لذريتي من بعدي ، والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي لهم في امورهم عند اضطرارهم ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه»(2).
    وروى الطوسي بأماليه بإسناده عن الامام موسى بن جعفر عن أبائه عليهم السلام عن فاطمة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهما قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ايّما رجل صنع الى رجل من ولدي صنيعة فلم يكافئه عليها فأنا المكافيء له عليها»(3).
    وفي صحيفة الامام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : «قال علي بن أبي طالب عليه السلام من اصطنع صنيعة الى واحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها في الدنيا ، فأنا اجازيه غداً اذا لقيني يوم القيامة»(4).
    وروى الشيخ المفيد في أماليه بإسناده عن محمّد بن الحنفية قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويعرف حقّنا»(5).

خطابته ووعظه :
    الوعظ والخطابة والارشاد من المهمات الكبيرة التي قام بها الأنبياء
(1) عن (حاج شيخ عباس قمّي مرد تقوى وفضيلت) ص 64.
(2) عيون أخبار الرضا : ج 1 ، ص 253 ـ 254 ، ونقله عنه في البحار : ج 96 ، ص 220 ، ح 10.
(3) الأمالي للطوسي : ج 1 ، ص 365 ، وعنه في البحار ج 96 ، ص 225 ، ح 23.
(4) الصحيفة المنسوبة للامام الرضا عليه السلام : ص 2. عيون أخبار الرضا للصدوق : ج 1 ، ص 259، ونقله في البحار : ج 96 ، ص 231 ، ح 231.
(5) الأمالي للمفيد : ص 17 ـ 18، طبعة النجف . ونقله في البحار : ج 96 ، ص 231.

( 86 )
والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين ، ولكن لظروف لم تعرف اصولها ، تقلصت هذه المهمّات من مساحة التبليغ واعتبرت ضمن أعراف حوزوية معينة بانّها مهنة اُناس يحترفونها ، ولابدّ للاجلاّء من العلماء أن يتنزهوا عنها لانّها لا تليق وشأنهم ، وقد أخذت هذه الأفكار غير الصائبة تنزوي وتزول خصوصاً بعد انتصار الثورة الاسلامية المباركة حينما تصدى للخطابة والوعظ كبار العلماء والمجتهدين وعلى راسهم إمام الاُمّة (قدس الله روحه الطاهرة).
    ونجد إيمان القمّي وتقواه وحبّه لهداية المؤمنين قد تصدى لهذه المهمّة الكبيرة من موقع الوظيفة الشرعية بدون أن يحترفها(1) ، وقد سار أثر خطى استاذه النوري رحمه الله.
    وكانت لمواعظه أثرها الكبير في النفوس لأنه كان يتحدّث بما يعتقد به وبما عمل به قبل أن يتحدّث عنه(2).
    وقد روى الطوسي في أماليه بالإسناد عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : (من تعلّم لله عزّوجلّ وعمل لله وعلّم لله ، دعي في ملكوت السماوات عظيماً ، وقيل تعلم لله ، وعلم لله)(3).
    وروى البرقي بإسناده عن الامام الباقر عليه السلام قال : في ضمن رواية : «أشدّ الناس حسرة يوم القيامة الذين وصفوا العدل ثمّ خالفوه»(4).
    وقد نقل عن بعض حضّار مجلسه انّه قال : لقد كان كلام الشيخ القمّي يجعل الانسان بعيداً وممتنعاً عن السيئات والأعمال والذنوب لمدة اسبوع على الأقل ويكون متوجّهاً الى الله تعالى والى العبادة(5).
(1) وكشاهد على ذلك القصة التي تقدمت في ص 80.
(2) محدث قمّي : ص 57.
(3) الأمالي للطوسي : ج 1 ، ص 170 ، المجلس 6 ، ح 32.
(4) المحاسن للبرقي : ص 120 ، (كتاب عقاب الأعمال) ، باب 64 ، ح 1.
(5) مردان علم در ميدان عمل : ص 97.

( 87 )
    * ونقل عن بعض علماء النجف : كانت طريقة الشيخ عباس عندما يرتقي المنبر ويبدأ حديثه ينقل في البداية الخبر ثمّ يذكر سند الحديث ورجال السند ثمّ يتحدّث عن حياتهم وحالهم في الوثاقة وغيره ، فإذا وصل به الحديث الى المعصوم عليه السلام فانّه يتغير ويتخيل السامع انّه يرى المعصوم عليه السلام رأي العين.
    * ونقل عن أحد كبار علماء مشهد في وقته اغا بزرك الحكيم انّه كان يجب اثنين من العلماء أكثر من غيرهم أحدهما آية الله السيّد حسين القمّي والآخر الشيخ عباس القمّي وكان يقول : من يريد أن يستنير بكلام أهل البيت عليه السلام فليحضر منبر الشيخ عباس.
    * ونقل عن أحد العلماء انّه كان للمرحوم (بلور فروش) القمّي مجلس عزاء سنوي في أيّام الفاطمية الاُولى في البيت الذي سكنه آية الله البروجردي 16 سنة ، وكان لا يدعو للخطابة غير الشيخ عباس القمّي ، وكان المجلس يعدّ أحسن مجلس في قم المقدّسة يحضره جميع الطبقات وبالخصوص العلماء ، وكان الناس ينتظرون أيّام الفاطمية ليحظو بمجلس الشيخ القمّي.
    * وقد أدخل المؤسس آية الله الشيخ الحائري رحمه الله في ايران احياء مصائب سيّدة نساء العالمين عليها السلام في الفاطمية الثانية وكان يحضر للمنبر الشيخ عباس القمّي وكان المجلس يكتظ بالعلماء والفضلاء وطلبة العلوم الدينية وسائر الناس.
    وكان المرحوم الهسته اي الاصفهاني يخطب أولاً فإذا اتمّ مجلسه ارتقى المنبر الشيخ القمّي بعده ولشدة تعلّق الناس بالشيخ القمّي دون أن يتفرقوا.
    * وكان يرتقي المنبر في النجف الأشرف في (مسجد الهندي) المعروف صباح كل يوم من العشرة الأولى لمحرم ، وكان مجلسه يزدحم بالناس أكثر من جميع مجالس النجف مع انّه كان يتحدّث لمدة لا تقل عن ساعتين.
    وكان في يوم العاشر لا يقرأ إلاّ المقتل ولا يتحدّث عن مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام ومظلوميته. وكان يضج المجلس بالبكاء ويبكي العلماء
( 88 )
والفضلاء بكاءاً شديداً.
    * ووصف نجله الشيخ محدث زاده مجلسه ووعظه ما تعريبه ملخصاً : وكان الناس في أوقات فراغه ، وبالخصوص في أيّام اقامة العزاء يستفيدون منه بمواعظه الطيبة ، وخطبه النافعة . والحقّ فانّ لخطاباته آثاراً خاصّة وذات جذابية تكسب إليها كل القلوب(1) فقد كان واعظاً متّعظاً يرقى المنبر ، ويلقي على سامعيه الأحاديث المنقولة عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام مع تحفظ على ضبطها ودقة في قراءة ألفاظها.
    ويعظ الناس ودموعه منهمرة تسيل على لحيته الكريمة ، وربما منعته من الاستمرار في حديثه ، وخاصّة عند ذكر مصائب المعصومين عليهم السلام، وما ورد عليهم من الآلام والفجائع على أيدي اعدائهم وغاصبي حقوقهم)(2).

تقواه وزهده وتواضعه :
    قال زميله الطهراني : (كنا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف ونعيش سوية ، ونتعاون على قضاء لوازمنا وحاجاتنا الضرورية حتّى تهيئة الطعام وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا ... وقد عرفته خلال ذلك جيداً ، فرأيته مثال الانسان الكامل ومصداق رجل العلم الفاضل.
    وكان يتحلى بصفات تحببه الى عارفيه ، فهو حسن الأخلاق جمّ التواضع ، سليم الذات ، شريف النفس ، يضمّ الى غزارة الفضل تقىً شديداً ، والى الورع زهداً بالغاً ، وقد أنسب بصحبته مدة وامتزجت روحي بروحه زمناً..)(3).
    وقال الشيخ حرز الدين رحمه الله في وصفه : (... عالم كامل ثقة عدل متتبع ، بحاثة عصره ، أمين ، مهذب ، زاهد ، عابد ، صاحب المؤلّفات المفيدة..)(4).
    وقال نجله الشيخ محدث زاده : (وكان باخلاقه وزهده وتقواه وطهارته
(1) مقدمة منتهى الآمال : ص 5.
(2) مقدمة نفس المهموم للحسيني : ص 6.
(3) نقباء البشر : ج 3 ، ص 999.
(4) معارف الرجال : ج 1 ، ص 401.

( 89 )
وبدون مبالغة ـ مرشداً وداعياً للمجتمع ، بل يمكن أن يقال انّه كان نموذجاً للصالحين والعظماء في عصره..)(1).
    * وقد تحدّث الكثير عن زهده فقالوا : انه كان يلبس ملابساً بسيطة فكانت ملابسه عبارة عن قباء كرباس نظيف جداً ومطيّب ، ومرّ عليه الشتاء والصيف عدة مرّات وهو لابس ذلك القباء الكرباسي ، فلم يكن ابداً يفكر في الملابس والكماليات.
    * وكان فراش بيته من البسط العاديّة التي تمسى بـ (گليم).
    * وكان لا يصرف على نفسه من (سهم الامام عليه السلام) ، وكان يقول انّي لا استحقه .
    * وكان محتاطاً في طعامه أيضاً ، فمع انّه كان مبتلى بمرض الربو (ضيق التنفس) ، ولم يكن ينسجم مع صحّته أي طعام وانّما لابدّ وأن لا يكون فيه ضرر على صحّته ، ومع ذلك كله فانّه كان لا يهتم الى نوع الغذاء وكميته ، وكان يأكل أي طعام قدم له ، وبأي مقدار ممكن.
    * وفي مرّة من المرّات عندما كان الشيخ في النجف الأشرف قدمت له امرأتان كانتا تسكنان في مدينة (بمبي) ومن أقرباء (آقا كوچك) من وجهاء النجف الأشرف ، والتمستا منه أن يتقبل منهما في كل شهر (75) روبية ليدفعه مقداراً في معيشته . وكان مصرف عائلته شهرياً لا يتجاوز (50) روبية.
    ولكن الشيخ امتنع عن قبول هذا المبلغ ، فاصر الميرزا محسن محدّث زاده ـ ولده الصغير ـ أن يقبل ذلك المبلغ ، ولكنه لم يستجب الى أن يئست المرأتان وخرجتا ، فحينما ذهبتا قال الولد للوالد : انّني سوف لا اقترض من السوق شيئاً لمصرف البيت فيما بعد.
    فقال الحاج الشيخ عباس : اسكت . فانّي لا ادري بماذا اجيب الله تعالى
(1) تتمة المنتهى : ص 5.
( 90 )
وصاحب الزمان (سلام الله عليه) يوم القيامة عن هذا المقدار الذي اصرفه فكيف تريدني أن أثقل حملي أكثر من هذا ؟
    * وكان أحد الأشخاص من تجار طهران يقدم له مبلغاً متواضعاً من المال الى آخر عمره ، وكان هو يقتصد جداً بمعيشته . وقد جاءه في أواخر عمره شخص من همدان الى النجف الأشرف والتقى به في بيته ، وفي أثناء الحديث سأله عن وضعه الداخلي ، فأجابه الشيخ بكل ما هو موجود : فحينما أراد ذلك الشخص أن يخرج قدّم له مبلغاً من المال ، ولكن المحدّث القمّي لم يتقبله ، ومع شدة اصراره فانّه لم يقبله منه.
    فعندما ذهب سأله ابنه الكبير : يا أبتي ، لماذا لم تقبله؟
    فأجاب : أن رقبتي رقيقة وبدني ضعيف ، فلا طاقة لي يوم القيامة على الجواب ، ثمّ نقل لهم قصدة أمير المؤمين عليه السلام في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان وبكى ثمّ أخذ بوعظ أهل بيته.

تواضعه :
    فكان كثير التواضع للآخرين كباراً وصغاراً في البيت أو في المدرسة ، وكان يظهر الاحترام والأدب لكلّ من يلاقيه في الطريق سواء كان من العلماء أو من غيرهم خصوصاً إذا كان من حملة الحديث وأخبار أهل البيت عليهم السلام ، وكان يعدّ نفسه صغيراً أمامهم . وكان إذا دخل مجلساً لا يجلس في صدر المجلس أبداً ، ولا يقدّم نفسه على الآخرين . وكان يحذر جداً من الزهو والاعتداد بالنفس ، أو ياخذه الغرور.

حلاوة معشره :
    ولا يتوقع من القضايا السابقة التي نقلت عنه رحمه الله انّه كان فظّاً مع الآخرين ضعيف العاطفة ، بل بالعكس فانّ أولئك الذين صاحبوه ونقلوا عنه تلك القضايا الجميلة لم ينسوا ذكر فضيلته الاُخرى بعلاقته مع الآخرين فقد وصفوه بانّه كان
( 91 )
حلو اللسان طيب الحديث ، لم يمنعه أنسه بالكتاب من أن يظهر المحبة للآخرين ، بل كان حتّى في سفره منشرح الوجه مبتسم الثغر مع رفقائه مع قليل من المزاح واللطافة. بل كان يهتم في سفره برفقاء طريقه ويتلطف معهم أكثر من المعتاد.
    فكان أصحابه يحبونه كثيراً لحسن خلقه وسلوكه وتعامله اضافة الى تقواه وزهده وغير ذلك من الصفات الجميلة التي اجتمعت في شخصيته(1).

قالوا فيه :
    * قال السيّد الأمين : (عالم فاضل صالح محدّث واعظ عابد زاهد)(2).
    * وقال العلاّمة الطهراني : (وقد عرفته خلال ذلك جيداً فرأيته مثال الانسان الكامل ، ومصداق رجل العلم الفاضل ، وكان يتحلى بصفات تحببه الى عارفيه فهو حسن الأخلاق ، جم التواضع ، سليم الذات ، شريف النفس ، يضمّ الى غزارة الفضل تقى شديداً ، والى الورع زهداً بالغاً...
    وكان دائم الاشتغال ، شديد الولع في الكتابة والتدوين والبحث والتنقيب لا يصرفه عن ذلك شيء ولا يحول بينه وبين رغبته فيه واتجاهه إليه حائل ...)(3).
    *وقال خير الدين الزرگلي: ( باحث إمامي، من العلماء بالتراجم والتاريخ، مولده ووفاته بالنجف عاش مدة طويلة في طهران...) (4). * وقال المدرس : (من أفاضل علماء عصرنا الحاضر ، عالم فاضل كامل ، محدث ، متتبع ، ماهر ، وهو مقصود المؤلّف من (الفاضل المحدّث المعاصر) في هذا الكتاب)(5).
    * وقال الأميني : (وهو من نوابغ الحديث والتأليف في القرن الحاضر ، وأياديه المشكورة على الامة لا تخفى)(6).
(1) المصدر السابق.
(2) أعيان الشيعة : ج 70 ، ص 425.
(3) نقباء البشر : ج 3 ، ص 999.
(4) الاعلام : ج 3 ، ص 265.
(5) ريحانة الأدب : ج 4 ، ص 487 ـ 488.
(6) الغدير : ج 1 ، ص 157.

( 92 )

دوره في محاربة مؤامرة رفض الدين :
    سبق وأن أشرنا الى انّ العصر الذي عاش فيه الشيخ القمّي من أشدّ العصور الحرجة التي مرّت بها امتنا الاسلامية ، فقد اتّحد الشرق والغرب العلماني والمسيحي على قلع الجذور الدينية الاسلامية من بلاد المسلمين بعدها ظهر الضعف في الأنظمة التي حكمت البلاد الاسلامية وبالخصوص الدولة العثمانية والدولة القاجارية.
    ولا يسع المقام في هذا المقال شرح كل خيوط المؤامرة الاستكبارية وسبب انحطاط المسلمين وانهيار قوتهم وظهور العجز الكبير في وجودهم السياسي وغيره.
    ولكننا لابدّ وأن نثبت هنا حقيقة مهمّة وهي أن الاستعمار الشرقي والغربي استطاع أن يصرف الكثير من المسلمين عن الأسباب الحقيقية للانهيار ، وخداعهم بأنّ السبب الرئيسي هو نفس الدين يعتنقونه.
    وقد مؤّهوا عليهم بأنّ أوربا لم تستطع أن تحصل على النهضة السياسية والاقتصادية والفكرية إلاّ بعد التخلص من هيمنة الكنيسة وعزل الدين عن السياسة، وابعاد (رجال الدين) عن مقدرات الامة وتضييق دائرة حركتهم السياسية والاجتماعية . ولذلك فعلى الامّة الاسلامية اذا أرادت أن تتخلص من الانهيار الحضاري الذي اعتراها بالعصر الحاضر فعليها أن تخطو نفس الخطوات التي سلكتها الدول الصناعية الكبرى برفض الدين والتحجير على رجاله وتضييق دائرة حركتهم واطلاق الحريات للجميع يمارسونها كيفما يشاؤوا.
    وبالواقع فانّ اولئك الذين خططوا للقضاء على الامة الاسلامية كانوا يعون ما يقولون ويتحركون ضمن خطط دقيقة مسبقة ، وكانوا يحسون أن نقطة الخطر أمام الاستعمار تكمن في شخصية الانسان المسلم ، وما لم يتمكن الغرب والشرق من مسخ شخصية الانسان المسلم وابدالها بشخصية غريبة عن تاريخ الامة وتقاليدها ، فانّهم لا يستطيعون أن ينفذوا شئياً من خيوط المؤامرة ، وخصوصاً
( 93 )
فانّهم يريدون منها أن تكون قاضية وتستمرّ الى آخر الدنيا بدون امل لنهضة العالم الاسلامي مرّة اُخرى ، فانّهم يحسبونه المارد الذي حطم كبرياءهم في يوم سابق من أيّام التاريخ.
    وكانت بداية التجربة في تركيا واستطاعوا أن ينجّحوا المؤامرة هناك لأسباب متعددة لسنا الآن بصدد بيانها.
    والمحطة الثانية للمخطط كانت ايران ، وأمّلوا من قزمهم المدعوا بـ (رضا بهلوي) أن يقوم نيابة عنهم بتنفيذ المخطط التآمري.
    وكان شديداً جداً بالتنفيذ وعنيفاً بما لا يتصور ، خصوصاً انّه قد عُلِّمَ بأنّ العائق أمام نجاح أعماله يتمثل بقوتين أولاهما النظرية والاُخرى التطبيق ، فأما التطبيق فقوة العلماء الشيعة والحوزات العلمية ، فعليه اذا أراد أن ينتصر بمعركته ، فعليه أن يكسر عدة أبراج مهمّة في واقع الامة ، أولها الموقع القيادي للعلماء وهيبتهم في نفوس الامة وطاعة الناس لهم ، وقد قسموا هذا الوجود الى قسمين : أولهما بما يتعلق بهيئة العلماء فانّه نفذ المؤامرة في خلال الاعتداء شخصياً على العلماء بمحاربة الحوزات العلمية ومنع لبس الزي العلمائي ومنع النشاط العلمائي كإقامة مجالس العزاء والوعظ والارشاد الديني ، اضافة الى عدم احترامهم والتجاسر على المجتهدين وقتل بعضهم ونفي البعض الآخر وما الى ذلك من الأعمال الاجرامية.
    وأما القسم الثاني فيتم بابعاد الناس عن الدين والتدين وقد نفذ المؤامرة بعدّة أنشطة اجرامية أحدها منع الحجاب والسفور الالزمي ، والمدارس المختلطة ، ونشر أماكن الدعارة والخمور والتشجيع على الفحشاء ، ونشر مؤضة اللادينية بكل ابعادها ، وهو المخطط الثاني المتعلق بالخطة النظرية للقضاء على الدين.
    وأهم اسلوب انحرافي استخدمه الاستعمار من خلال عملائه المرتطبين بالشرق والغرب() اعتبار الدين لا ينسجم مع تطورات العصر ورقيّه وانّما كان
(1) إن الفرق بين العميل الشرقي والغربي الدوافع التي تكمن وراء ارتباط العميل فانّ ç
( 94 )
له قوة الحركة والتحريك في العصور الماضية ، ولذلك فانّه ضعف في نفوس معتنقيه ولم يقدر يقاوم لأجل البقاء كلما تطورت المجتمعات وظهرت الثورات الصناعية والزراعية وغيرهما.
    وقد سعى اولئك جاهدين أن يدخلوا بعض المفاهيم التي انتشرت في أوربا تحت عنوان (الحريات) و(الثورة الفرنسية) وقوانين السياسة والقوانين المدنية والفكر الماركسي وما الى ذلك.
    وابتغوا من ذلك ملء الفراغ الذي سوف يولده انسحاب الفكر الديني من نفوس اتباعه المسلمين.
    وفي البداية سعوا لابدال الدين بالدين ، أي المسيحية بالاسلام ، فلم يتمكنوا لأسباب موضوعية تعود الى عمق الارتباط الديني والاسلامي أولاً ، والى نشوء تناقض بين ما يطرحون من فكر (تقدمي) وبين الدين (الذي يمثل العائق للتطور كما يزعمون).
    وبذلك رجعوا الى طرحهم السابق برفض الدين وابعاده عن الدولة والمجتمع والانسان.
    وحملت تلك الهجمة عناوين (التحديث) والتقدم والتحرر والوطنية والمفاهيم الاُخرى المستوردة.
    1 ـ ومع أن تلك المفاهيم نشأت تحت ظروف خاصّة عاشتها اُوربا في عصورها الوسطى وما بعدها.
    2 ـ وأن المفاهيم التي تتولد نتيجة ظروف وملابسات معينة لا يمكن نقلها الى
è الدوافع التي تحرك العميل الغربي بالغرب انّما هي دوافع ماديّة أكثر منها فكرية ، ونقصد بالماديّة الاعم من الارتباط العضوي المادي ـ بأخذ الهبات والرواتب وغيرها ـ فتشمل الانسياب وراء الشهوات الجنسية والاباحية والتخلص من القيود الدينية وما الى ذلك.
    بينما العميل الشرقي تبع أصحابه منخدعاً بما يسمى بالفكر العلمي المادي المبتنى على اسس مفاهيم الشيوعية الماركسية.

( 95 )
أماكن اُخرى لم تظهر فيها مثل تلك الظروف.
    3 ـ فانّهم أرادوا بالحيلة مرّة وبقوة السلاح والنار مرّة اُخرى أن يرغموا الامة الاسلامية على قبول هذا الاستيراد الغريب بكل معنى الكلمة.
    وكانت المعركة بأشدها في البداية ، وهو أمر طبيعي ، ولذلك عانى اولئك الذين عاشوا بداية المعركة أشد المصائب والمحن ، ولاقوا الامرّين، وكان جهادهم يعادل جهاد جميع الذين جاؤوا من بعدهم . وكان من اولئك الشيخ القمّي رحمه الله.
    أما كيف عالجوا مشكلة التحديث التي اطلقت على ذلك المخطط الجهنمي وبشكل مختصر مجتنبين التفصيل محيلينه الى محل آخر . وهناك عدّة أساليب حاولت أن تقاوم المؤامرة وقد فشلت بعضها ولم تستطع المقاومة بينما حظيت أساليب اُخرى بالنجاح.
    ولا نقصد بذلك القواعد الشعبية والجمهور والتاريخ الذي صنعه المؤمنون الأبطال في مقاومة الكفر بثوبه الجديد.
    وانّما نقصد الفكر الذي قاوم (الموضة اللادينية) والفكر العلماني والاتهامات الاستعمارية للاسلام ، والهالة الكاذبة التي اعطيت للفكر المستورد.
    1 ـ فهناك من تأثّر بالطروحات الجديدة ، ولكنه حاول أن يغير شيئاً بالشعارات واللافتات ، فعزل الدي عن السياسة ، واعطى السياسة وحق العمل السياسي لأولئك الذين ابتعدوا عن الدين ورجاله.
    2 ـ وهناك من ناقش في التراث الديني ودعى الى تطويره بما يتلائم مع متطلبات العصر.
    3 ـ والأخطر من اولئك جميعاً دعاة التحديث الذين يحسبونهم على رجال الدين ومن هم على شاكلتهم والذين اطلقوا على انفهسم عناوين مختلفة مثل المتنورين وغيرهم فانّهم ادعوا بأنّ الأبحاث العقائدية والفقهية والأخلاقية مسائل أكل الدهر عليها وشرب وانّها انقضت ولابدّ من الاهتمام بالمسائل الاقتصادية
( 96 )
والسياسية العصرية.
    وقد وجد اتجاه معاكس وكأنما نشأ من ردود الفعل فانّه رفض التحديث بشكل كلي واصرّ على القديم تحت شعار (عليك بالقديم لا بالمحدثات) ، وقد رام هؤلاء أن يدافعوا عن اصولهم الدينية ولكنهم اخطأوا المرمى ، بل بالعكس فانّهم وقفوا حجر عثرة في بعض الحالات امام المجاهدين.
    كما اخطأ اولئك بفكرة التحديث فانّ الدين نزل من الحقّ تعالى وانّ حلال محمّد حلال الى يوم القيامة وحرام محمّد حرام الى يوم القيامة . وانّ الفكر الديني هو الوحيد الذي يملك القدرة على رقي الانسان وبناء الحضارات السليمة والانسان الصالح.
    كما أن القوانين الدينية الثابتة غير قابلة للمساومة والتبديل ، نعم انّ الأساليب في التبليع والارشاد وطريقة الطرح في بعض المسائل المرتبطة بالعرض امور موكولة الى أهل الدين عليهم أن يستفيدوا من الطرق التي تلائم كل مجتمع وكل انسان وتدخل تحت عنوان (ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
    وليس معنى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، يقولوا ما يشاؤوا وما تبدعه اذهانهم من آراء ونسبتها الى الدين والاسلام.
    فانّ هذا انحراف خطير ، فانّ الانسان ـ وأي انسان ـ لا يمكنه أن ينسب شيئاً الى الدين إلاّ اذا كان أهلاً لفهم الاصول الدينية ومصادر العقيدة والتشريع ، يعني واصلاً الى قدرة الاستنباط للمسألة الشرعية سواء كانت كلية أو فرعية.
    وانّ ذلك الانحراف هو الذي أوقع اصحابه في دعوى عدم وجود حاجة الى الفقه والأبحاث الأخلاقية والأبحاث الدينية الاُخرى . بل على العكس انّ الانسان في العصر المادي والمعركة المادية أحوج ما يكون الى المدد الروحي والى الروحانية الدينية ليقاوم بها الفكر المادي بكل اشكاله وحتّى ذلك الفكر المادي الذي حسب نفسه على الدين ، اعوذ بالله تعالى.
    ومن هذه النتيجة نعرف سرّ نجاح الشيخ القمّي بحركته الأخلاقية فية عصر
( 97 )
عنفوان المعركة ضد الدين والروحانية . فانّه تمكن من عرض الدين بجانبه الروحاني باسلوب ليّن محبب الى الجمهور لأنه كان يحس بالمعركة ويعرفها ويواجهها بقوة ولكن بطريقته الخاصّة وكان يعرف انّ العدو عندما يريد أن يقضي على روحانية الدولة والمجتمع والانسان المسلم فلابدّ من التأكيد على عودة الروحانية الى الدولة والمجتمع والانسان المسلم.
    والحق فانّ حركة الشيخ القمّي لا يمكن لأحد أن يفصلها عن حركة آية الله السيّد حسين القمّي ، كما انّها لا يمكنها أن تفصل عن حركة آية الله الحائري كما أن جميع هذه الحركات متمّمة لحركة آية الله السيّد حسن المدرس ... وهكذا جميع اولئك الذين تصدوا للعدوان.
    وجميع أوجه النشاط الديني الذي قام به سلفنا الصالح يعبر عن حقيقة واحدة هي المقاومة للعدوان المادي الذي أراد أن يقلع الدين من الدولة والمجتمع والانسان.

القدوة في حياة القمّي:
    لا اظنني احتاج الى تفصيل القدورة في حياة شيخنا القمّي وانّما يمكن أن نرجع الى كل تلك العناوين المتقدّمة فانّها تصلح أن تكون محفزاً للآخرين للاقتداء بالرجل الصالح في مختلف المواقف.
    وانّي على يقين أن أيّ قارىء لتلك القضايا التي نقلت عن المحدّث القمّي سوف يجد فيها شاهداً روحانياً في طريق تكامله الانساني ؛ وإن كان القلم ـ وللأسف الشديد ـ لم يستطع أن يحفظها بجمالها المعنوي في اطار الجمال اللفظي فانّي أقرّ بأنّ القصور الأدبي في التعبير قد اخفى كثيراً من صور الجمال لتلك الوقائع ولكن عن غير قصد ، فالقاصر معذور على كل حال.

وفاته ومدفنه :
    لقد سبق وانّ بيّنا بأنّ الشيخ القمّي رحمه الله كان قد ابتلى بمرض الربو (ضيق
( 98 )
النفس) ويشتد عليه بصيف كل سنة ، ولذلك فهو يسافر الى الأماكن التي تخف فيها الحرارة كمشهد المقدّسة ، ولكنه وبسبب الأوضاع الصعبة فانّه لم يعزم على السفر الى مشهد المقدّسة ، وكان قد اعتاد بعد رحلته الأخيرة الى النجف الأشرف أن يقضي الصيف في سورية ولبنان ، ولكنه بسبب الخلاف السياسي بين العراق وسورية آنذاك لم يستطع السفر الى سورية وبقي في النجف الأشرف يصارع مرضه الذي لم يكتف بثقله الجاثم على الشيخ المريض وانّما استعان عليه بمرض آخر فابتلي الشيخ بمرض الاستسقاء ولمدة ثلاثة أشهر. وقد أخذ منه كثيراً من قوته البدنية بحيث لم يستطع الصلاة من قيام وانّما كان يؤديها من جلوس حتّى توفي في النجف الأشرف بعد النصف من ليلة الثلاثاء ، الثالث والعشرين من شهر ذي الحجّة الحرام من سنة 1359 هـ وقد عم البلاد الحزن والألم والتفجع على هذه الخسارة الكبرى بموت هذا العالم الجليل ، ففي الخبر «اذا مات العالم ثلم في الاسلام ثلمة».
    وحمل على الأكتاف الى الصحن العلوي الشريف وقد صلى عليه المرحوم آية الله العظمى السيّد أبو الحسن الاصفهاني ودفن عند رجلي الشيخ النوري في الايوان الثالث على يمين الداخل من الباب القبلي الى الصحن الغروي(1) وكان ذلك بوصية منه على ما قيل.
***

(1) مصفى المقال| اغا بزرك الطهراني : ص 215. وفيات العلماء : ص 232 . نقباء البشر : ج 3 ، ص 1000. تاريخ قم لناصر الشريعة : ص 274. معارف الرجال لحرز الدين : ج 1، ص 402. ريحانة الأدب للمدرسي : ج 4 ، ص 488 . وغيرها من المصادر.