* وروى الفيض الكاشاني رحمه الله : لما سئل بعض أئمتنا عليهم السلام من عموم الآية المذكورة فقال : «جزناها وهي خامدة»(1).
    واما اذا لم يقطع الانسان تلك المنازل في الاُولى فانّه مضطر لا محالة الى قطعها بعد تجرّد روحه وموته وانقطاعه عن الجسم العنصري ، لأنه حين انكشاف ما غطّي عليه ، ويرى كل ما كان يسمع به كما قال تعالى : (فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد)(2) فعندما تقوم قيامته الصغرى وقيامته الكبرى فسوف يرى تلك المنازل ـ التي لم يقطعها ولم يتعرف عليها أو لم يصدّق بها ـ رأي العين ، وعليه أن يقطعها ولكنه يتحمل صعوبة ومشاق كسله في الاُولى ، أو جهله ، أو عناده وكفره ، فسوف يمرّ عليها جاهلاً ويقع فيها مظلماً ، لأنه لم يهيّىء لسفره هذا نوراً يمشي به وفيه عندما يدخل الآخرة فلذلك تجده أعمى بلا هادي ولا دليل كما قال تعالى : (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)(3).
    وقال تعالى : (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة اعمى * قال ربّ لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)(4).
    وقال تعالى : (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)(5).
    والعرفاء الصالحون اعتبروا قطع تلك المنازل في الاُولى السبب الاساس لقطع تلك المنازل في الآخرة بيسر وسهولة ، لأنهم رأوا من أخبر به النص الشريف من ضرورة الاعداد لسفر الآخرة ومنازله وموافقه ، ولا يتم ذلك الاعداد إلاّ بمعرفة السفر ومعرفة مراحله ومنازله وأخذ العدة لكل مرحلة ولكل منزل ثمّ يسير تلك المنازل منزلاً فمنزلاً وموقفاً فموقفاً وقطعها في الاُولى بالمجاهدات والرياضات كما أخبر به الهادي ، وانّ اتباع الهادي في الاُولى سوف يؤمن وجوده في الآخرة
(1) علم اليقين : ج 2 ، ص 971 ، المقصد الرابع ، الباب 9 ، الفصل 2 (في معنى الصراط).
(2) سورة ق : الآية 22.
(3) سورة الاسراء : الآية 72.
(4) سورة طه : الآية 123 ـ 126.
(5) سورة النور : الآية 40.

( 25 )
ويقطع تلك المراحل بهديه وهدايته وبنوره وحضوره كما دلّ عليه العقل والنص الشريف المتواتر عند جميع طوائف المسلمين بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وآله والائمة الاثني عشر من بعده عليهم السلام.
    وليس معنى ذلك أنه لا يوجد عذاب القبر ولا يوجد حساب القبر وضغطته والبرزخ وغير ذلك ، بل العكس تماماً فعلى المؤمن أن يؤمن بالموت الحقيقي وعذاب القبر ومساءلة منكر ونكير والمعاد الجسماني.
    قال الشيخ الصدوق رحمه الله : «اعتقادنا في المساءلة في القبر انّها حقّ»(1).
    وقال الشيخ المفيد رحمه الله : «جاءت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله انّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم»(2).
    ولكن لكل واحد من تلك الامور مقامات وحالات تختلف باختلاف مقامات وحالات الانسان نفسه الذي يمرّ بها.
    وطريقة العرفاء بمعرفة أحوال الموت وما بعده انّما هي شرح للأحاديث الشريفة المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين عليهم السلام ، وليس فيها أكثر من ذلك . واذا وجد في كلام أحد منهم ـ اعوذ بالله تعالى ـ غير ذلك فهو غير صحيح قطعاً وانّما هو من تخيلاته.
    فانّك تجد المعارف الجليلة التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام مشروحة عند من رزقه الله تعالى تلك المعارف . ولا يصح لأي عارف أن يحصل على تلك المعارف والعلوم إلاّ من طريق أهل البيت عليهم السلام «من أتاكم نجى ومن لم يأتكم هلك الى الله تدعون وعليه تدلون وبه تؤمنون وله تسلمون وبامره تعملون والى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون ، سعد من والاكم ، وهلك من عاداكم وخاب من جحدكم ، وضل من فارقكم ، وفاز من تمسك بكم وأمن من لجأ إليكم ، وسلم من صدقكم ، وهدي من اعتصم بكم ، من اتبعكم فالجنة مأواه ، ومن خالفكم فالنار مثواه ، ومن جحدكم كافر ومن حاربكم مشرك ، ومن رد عليكم في اسفل
(1) تصحيح الاعتقاد : ص 77.
(2) المصدر السابق.

( 26 )
درك من الجحيم...»(1).
    وكذلك : «من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم..»(2).
    نعم انّ طريقة أهل المعرفة تختلف عن طريقة الفلاسفة والأخلاقيين بفهم الحقائق ، لأنهم يعتمدون على المشاهدة الصحيحة التي تحصل بعد المجاهدات السلوكية فتنكشف لهم الحقائق ويرونها بالضبط كما وردت عن الشارع الحكيم سلام الله عليه ، وهي نفس النتائج التي يحصل عليها الفيلسوف عندما يستخدم القوانين العقلية والاُسس المنطقية ، ولكن الفرق بينهما هو في الاقتناع العقلي والمشاهدة العقلية والتي تسمّى بالمشاهدة القلبية أيضاً . وألطف بيان لهذه الحقيقة
(1) لا تغفل ان توحيد الحقّ تعالى الصرف لا يتوفر إلاّ لمحمّد وآل محمّد عليهم السلام كما ورد في الروايات المستفيضة . منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله : «يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت ، وما عرفني إلاّ الله وأنت ، وما عرفك إلاّ الله وأنا» . مختصر بصائر الدرجات للشيخ حسن الحلي : ص 125.
    وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : «يا علي ، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك ، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري» . مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب : ج 3 ، ص 267 ـ 268 ، في (فصل : في المفردات) . ونقله المجلسي في البحار : ج 39 ، ص 84.
    وانتبه وتدبّر واعرف واعلم انّ أركان التوحيد هي معرفتهم صلوات الله عليهم جميعاً كما ورد في الروايات المستفيضة منها : ما رواه الصدوق بسند صحيح في معاني الأخبار عن أبي حمزة الثمالي عن سيد العبادين علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل قال فيه : «ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سره».
    وروى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن الامام الرضا عليه السلام : «فإنهم معادن كلماتك وأركان توحيدك ..» مصباح المتهجد : ص 366.
    ورواه السيّد ابن طاووس في جمال الاسبوع : ص 506 ـ 511 ، الطبعة الحجرية . وفي : ص 512 ـ 519. ورواه الكفعمي في المصباح : ص 548 الطبعة الحجرية.
(2) راجع الزيارة الجامعة المروية عن الامام الهادي عليه السلام في التهذيب للشيخ الطوسي : ج 6 ، ص 98 . وفي من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق : ج 2 ، ص 372 . ورواها الصدوق في عيون أخبار الرضا : ج 2 ، ص 274. ونقلها المجلسي في البحار : ج 102 ، ص 129 ، 130.

( 27 )
ما نقل عن ابن سينا وأبي سعيد (انّ الرجلين تلاقيا في موضع ، فلما افترقا ، سئل كلّ منهما عن صاحبه ، فقال الشيخ أبو سعيد : ما أنا اراه هو يعلم . وقال الشيخ أبو علي : ما اعلمه هو يراه...)(1) . وأما اختلاف طريقة أهل المعرفة عن طريقة الأخلاقين انّ اولئك يشرحون أحوال الانسان وسلوكه وفق ما جاء به التنزيل وطبق قوانين السير والسلوك النظري والعملي بتكميل قلب الانسان ليصل بالأحوال والمقامات بحيث يكون قادراً على تلقي الفيوضات الالهية والمعارف الكلية لتطهير روحه وقلبه وعقله من كل غريب ونجس واخلاص نفسه للتوحيد الصرف ولقاء الحقّ عزّ وجلّ ، وعرفوا قوانين الوجود التكونينية ورأوا رأي العين وادركوا خفاياها وأسرارها ، وكلها خفايا وأسرار . والعرفان فلسفة كاملة فيها جميع الاجوبة الثبوتية عن كل شيء ولا يوجد العرفان في ورق ولا في كتاب وانّما هو في قلب العبد المؤمن كما ورد في النص الشريف في الحديث القدسي : «لم تسعني سمائي ولا أرضي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن»(2).
    كما أن العرفان العملي هو المدرسة السلوكية للانسان الطالب أو السالك أو الواصل لايصاله الى غايته الاُولى والقصوى ، ولا يتمّ له ذلك بالنظري قطعاً وانّما لابدّ من العمل والكدح كما ورد في الروايات المستفيضة عن الامام الصادق عليه السلام : «العلم مقرون الى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان اجابه وإلاّ ارتحل عنه»(3).
    وعن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : «انّ العالم اذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا»(4).
    وعن الامام السجاد عليه السلام انّه قال : «مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم
(1) روضات الجنات : 3 ، ص 184.
(2) راجع المحجة البيضاء : ج 5 ، ص 26 ، وفيه (أرضي ولا سمائي) . البحار : ج 58 ، ص 39.
(3) الكافي : ج 1 ، ص 44 ، (باب استعمال العلم) ، ح 2.
(4) المصدر السابق.

( 28 )
ما لا تعلمون ولمّا تعملوا بما علمتم ، فإن العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً ولم يزدد من الله إلاّ بعداً»(1).
    وأما طريقة الأخلاقيين فانّها تعتمد على الأساليب الوعظية والتنبيهية ويستفيدون من القصة كاسلوب خطابي يشد السامع أو القارىء الى تذكر الله عزّ وجلّ ، كما انّهم يستشهدون بالروايات والآثار والمنقولات والمسموعات لأجل تلك الغاية الكريمة.
    وطريقة الأخلاقيين مفيدة جداً للعامّة لتقويمهم وارجاعهم الى الطريق المستقيم وتعريفهم بالصحيح والخطأ ، ولكنها غالباً ما تكون مؤقتة بزمان الموعظة وما بعدها بفترات محدودة باختلاف حالات السامعين والقارئين ، لأن طريقة الأخلاقيين لا تدخل الى عمق الانسان وتعرف مقامه ثمّ ترقيه مرقاة فمرقاة وتزيل الملكات الظلمانية وتحييه بالملكات النورانية وترقيه في مدارج الكمال كما تفعله الطريقة العرفانية . اضف الى ذلك أن الأخلاقين غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً في الوعظ لمجاميع مختلفين في الأحوال والملكات والمقامات بل غالباً ما يستخدمون اسلوباً واحداً مع الانسان في جميع أحواله وملكاته بينما أن لكل انسان واردات واحوال ومقامات تختلف باختلاف مجاهداته.
    وعلى كل حال فانّنا لا نريد هنا أن نبين جميع خصوصيات الطريقة العرفانية وطريقة الأخلاقيين ، وانّما أردنا أن نوضح انّ هناك فوارق عدة بين الطريقتين ، وكليهما مفيدة بل أن العرفاء وأهل السير والسلوك لا يستغنون عن استخدام الاسلوب الاخلاقي في تكميل النفوس خصوصاً في مخاطباتهم للعامة ، فأنّه أجدى لمثل ذلك المقام عند الخطاب لعامّة الناس وأنفع .
    ولكن هناك مؤاخذة اُخرى على الاسلوب الاخلاقي لفهم قضايا الموت والعالم الآخر اضافة للملاحظة السابقة بانّه يهتم بالجانب التحذيري والتخويفي بذكر الأهوال ، والمصاعب التي سوف يلاقيها الانسان ابتداءاً من سكرات الموت
(1) المصدر السابق.
( 29 )
فما بعدها ، مما يولد عند الانسان السامع أو القارىء حالة من الرهبة والخوف فتعكس على شخصيته فتؤدي في أحيان كثيرة الى حالة تشاؤمية وقد توقعه بالانعزال عن الحياة العامّة وتعميق الشعور الفردي والإنزوائي واللاابالية عنده فيخرج من قانون السلوك المتوازن الى حالة التطرف الواحدي.
    وبالتأكيد فانّ أي باحث موضوعي لا يمكنه أن يطرح الأحكام بشكل قطي وعمومي في مثل هذه الحالات التي تتعرض لموضوع واسع وشائك ، فإن الاسلوب الأخلاقي يختلف من شخص لآخر ، وقد تكون الملاحظة المتقدمة ظاهرة عند أغلب الأخلاقيين ولكنها لا تصلح أن تبقى بلا استثناء ، مع انّي أظنّ انّ الملاحظة لم تخلو من مبالغة وتضخيم وإن كانت بشكل عام لم تخلو من واقعية ، بل انّ الاسلوب التخويفي للانسان المكلف ضروري لتقويمه واعادته لجادة الصراط المستقيم ، وقد رأينا الكتاب الكريم قد هدد العباد وحذّرهم وأوعدهم بما يجري عليهم بعد هذه العوالم منها قوله تعالى : (وايّاي فارهبون)(1).
    وقال تعالى : (ويحذركم الله نفسه والى الله المصير)(2).
    وقال تعالى : (قل اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم )(3).
    وكذلك كان موقف السنّة المطهرة فقد روى الكليني رحمه الله في الكالفي الشريف بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : «من خاف الله أخاف منه كلّ شيء ، ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شيء»(4).
    وروى أيضاً بإسناده عن اسحاق بن عمار قال : قال أبو عبدالله عليه السلام :
    «يا اسحاق خف الله كأنك تراه وان كنت لا تراه فانّه يراك ، فانّ كنت ترى انّه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم انّه يراك ثمّ برزت له المصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك»(4).
(1) سورة البقرة : 40.
(2) سورة آل عمران : الآية 28.
(3) سورة الانعام : الآية 15.
(4) الكافي : ج 2 ، ص 68 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب (الخوف والرجاء) ، ح 3.
(5) المصدر السابق.

( 30 )
    وروى أيضاً بسند صحيح عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال : «المؤمن بين مخافتين : ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك فهو لا يصبح إلاّ خائفاً ولا يصلحه إلاّ الخوف»(1).
    وأجاد العلاّمة المازندراني في شرح معنى الخوف الذي ورد في هذه الروايات الشريفة حيث قال :
    (الخوف حالة نفسانية موجبة لتألمها بسبب توقع مكروه سببه ممكن الوقوع أو توقع فوات أمر مرغوب فيه ، ولو كان وقوع سببه معلوماً ، أو منظونا ظنّاً غالباً يسمّى ذلك انتظار المكروه أيضاً كما يسمى خوفاً ، والتألم فيه أزيد.
    وأما الخوف والتألم بسبب توقع مكروه علم قطعاً عدم وقوع شيء من أسبابه فذلك وسواس وماليخوليا...
    وسبب الخوف من الله معرفته ، ومعرفه جلاله ، وعظمته ، وكبريائه ، وغنائه عن الخلق ، وغضبه ، وقهره ، وكمال قدرته على الخلق ، وعدم مبالاته بتعذيبهم واهلاكهم ، ومعرفة عيوب نفسه ، وتقصيره في الطاعات والأخلاق ، والآداب مع التفكر في أمر الآخرة وشدائدها.
    كلما زادت تلك المعارف زاد الخوف وثمرته في القلب والبدن والجوارح ، اذ بالخوف يميل القلب الى ترك الشهوات ، والندامة على الزلات ، والعزم على الخيرات ، ويخضع ويراقب ، ويحاسب ، وينظر الى عاقبة الامور ، ويحترز من الرذائل كالكبر والحسد والبخل ، ويذبل البدن ، ويصفر اللون من الغم والسهر ، وتشتغل الجوارح بوظائفه ويحصل له بترك الشهوات العفّة والزهد ، وبترك المحرمات التقوى ، وبترك ما لا يعني الورع والصدق والاخلاص ، ودوام الذكر والفكر ، ويترقى منها الى مقام المحبة ، ثمّ منه الى مقام الرضا...)(2).
(1) المصدر السابق ص 71.
(2) شرح اصول الكافي وروضته للعلاّمة محمّد صالح المازندراني المتوفي سنة 1081 هـ أو 1086 هـ : ج 8 ، ص 205 ـ 206.

( 31 )
    (والخوف غير القنوط)(1).
    وانّ الاشكال المتقدم انّما هو على القنوط وليس على الخوف ، لأن الخوف لم يترك الأمل وهو الرجاء ، بل يقف الى جانبه يوازنه ، لأن الأمل ـ الرجاء ـ بلا خوف معناه الغرور والحماقة.
    وعلى كل حال فالخوف اسلوب مطلوب لتأديب النفس ولكنه لابدّ وأن يلازمه الرجاء ليتوازن ميزان النفس فلا افراط ولا تفريط ، فكلما ازداد الخوف ازداد الرجاء والأمل.
    وعلى السالك أن ينتبه الى حالة الخوف أن لا تكون ملكة نفسانية عنده ، وكذلك الرجاء ، بحيث يكونا الداعي الى عبادته تعالى ، كما يلزم المرشد أن ينتبه في وعظه وارشاده وهدية أن لا يكون تأكيده على الخوف والرجاء بحيث تكونا ملكة عند من يرشده ويعظه . فانّ حالة الخوف وحالة الرجاء مع أهميتهما لاستقامته ولكنهما ليستا غايتين تامتين ، وانّما الغاية التامّة أن يكون السالك يعبد الحقّ لغاية اسمى وهي ارادته للحقّ عزّ وجلّ ومعرفة معنى العبودية والمعبود والعابد والعبادة ليتمّ معنى الشكر كما في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام : «الهي ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا طمعاً في ثوابك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»(2).
    وفي رواية اُخرى عنه عليه السلام : «ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنتك ، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك»(3).
    في نهج البلاغة عنه عليه السلام قال : «انّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وانّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وانّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»(4).
* * *

(1) المصدر السابق.
(2) راجع البحار : ج 41 ، ص 14.
(3) راجع البحار : ج 7 ، ص 186 ، وفي : ص 197. وفي : ص 234. وفي : ج 72 ، ص 278.
(4) نهج البلاغة شرح محمّد عبده : ج 4 ، ص 53.

( 32 )
وعلى كل حال فقط أصاب بعض الباحثين عندما جمع بين الطرق الثلاثة ـ الفلسفية والعرفانية والأخلاقية ـ في عرض تلك العوالم المهمّة من حياة الانسان ، فانّ لكل طريقة خصوصياتها المتميزة التي تساعد الانسان للتعرف عليها.

كتاب منازل الآخرة والمطالب الفاخرة

    ويدخل كتاب (منازل الاخرة) للعلاّمة الثقة المحدّث الشيخ عباس القمّي قدس سره في ضمن الكتب الأخلاقية المهمّة التي تحدثت عن العوالم التي سوف يلاقيها الانسان بعدما ينتهي من هذه الحياة الدنيا التي عاشها ، وقد أجاد المؤلّف رحمه الله في استقصائها بشكل منظم ومرتب ابتداءاً من سكرات الموت ، وانتهاءاً بدخول الجنة أو النار ، خصوصاً انّه اعتمد فيها على ما جاء عن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، وقد حاول جاهداً أن يبتعد عن ما نقله الآخرون من خرافات الصوفية أو قصص الاسرائليات والوضاعين التي شحنت بها الكتب الأخلاقية المؤلفة بهذا المجال كتكاب الاحياء وغيره.
    كما أن المؤلّف القمّي رحمه الله أجاد عندما لم يطنب بالتخويف بل أوجز بما يؤدي الغرض الوعظي والتأدبي وانّه أحسن كثيراً عندما أضاف (المنجيات) من تلك المصاعب والأهوال الى جنب الأهوال التي سوف يقع بها الانسان في الآخرة.
    وانّ المؤلّف رحمه الله قد استخدم الاسلوب الصحيح في موعظته حينما استفاد من الخوف والرجاء الذي ورد في الروايات وأكدت عليه الأحاديث الشريفة بضرورة توفرهما جميعاً بقلب المؤمن ليحصل على النجاة بسلوكه الرباني منها : ما رواه الكليني رحمه الله في الكافي الشريف بإسناده عن الامام الصادق عليه السلام قال : «كان أبي عليه السلام يقول : انه ليس من عبد مؤمن إلاّ في قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ،
( 33 )
لو وزن هذا لم يزد على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا»(1).
    وروي الكليني أيضاً في الكافي الشريف بإسناده عن الحسن بن أبي سارة قال :
    «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً ، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو»(2).
    قال المجلسي رحمه الله : (لابدّ أن يكون العبد دائماً بين الخوف والرجاء لا يغلب أحدهما على الآخر اذ لو رجّح الرجاء لزم الأمن لا في موضعه ، وقال تعالى : (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون)(3).
    ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك كما قال سبحانه : (انه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون)(4).
    وقيل : يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذ انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحن الرحيم ، ويحب الرجاء.
    وقيل ثمرة الخوف : الكف عن المعاصي ، فعند دنو الأجل زالت تلك الثمرة فينبغي غلبة الرجاء.
    وقال بعضهم : (الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة ، وانّما هو من الامور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي ، وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل . وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه.
    وأما الرجاء فإنه باق أبداً الى يوم القيامة لا ينقطع ، لأنه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشدّ لأنّ خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص..)(5).
(1) الكافي : ج 2 ، ص 67.
(2) الكافي : ج 2 ، ص 70.
(3) سورة الاعراف : الآية 99.
(4) سورة يوسف : الآية 87.
(5) مرآة العقول للعلاّمة المجلسي : ج 8 ، ص 32.

( 34 )
وقد علّق المجلسي رحمه الله بقوله : (والحقّ أن العبد ما دام في دار التكليف لابدّ له من الخوف والرجاء . وبعد مشاهدة امور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها)(1).
    * ولكن مع ذلك فإن المؤلّف رحمه الله قد خالف طريقته حيث ركز في آخر الكتاب على الخائفين وامثلتهم ، ولم يذكر من أحال الرجاء والجنّة ووصفها شيئاً ليتوازن الخوف بالرجاء ، ولذلك ارتأينا ان نذكر مقتطفات من المأثور في الرجاء والجنّة ليكون قلب القارىء مستقيماً في ميزانه . خصوصاً انّك قد قرأت قبل قليل ما نقله العلاّمة المجلسي رحمه الله عن بعضهم انه كان يقول : (يستحبّ أن يغلب في حالة الصحّة الخوف ، فاذا انقطع الأجل يستحبّ أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحبّ إليه اذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء... الخ)(2).
    وقد رأينا انّ الأنسب أن نلحق تلك الروايات حول الجنّة بفصل في آخر الكتاب تحت عنوان (ذكر عدة أخبار في وصف الجنّة ونعيمها).

هل للآخرة منازل ؟
انّ للآخرة منازل تبتدىء من منزل الموت ثمّ القبر وأحواله والبرزخ والحشر والنشور والحساب والعرض والصراط والميزان والشفاعة ومنازل النيران ومنازل الجنّة وما الى ذلك.
    وقد فصّل العلاّمة السيّد هاشم البحراني المتوفى سنة 1107 أو 1109 هـ. ق الحديث عن جميع تلك المنازل وغيرها في كتابه معالم الزلفى.
    أما المؤلّف القمّي فانّه اختصر تلك المنازل في كتابه الكريم (منازل الآخرة) ، وأجاد بجمعها وعرضها بما يمكن لكل انسان أن يقرأ ويتعرف على تلك العوالم
(1) المصدر السابق.
(2) راجع نهج البلاغة : ج 2 ، ص 183 ، تحقيق محمّد عبدة ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 11 ، ص 5 ، الارشاد للشيخ المفيد : ج 1 ، ص 234، الطبعة المحققة . ونقله المجلسي في البحار : ج 73، ص 106 ، ح 102 . وفي : ج 73 ، ص 134 ، ح 138.

( 35 )
ويستفيد منها بشكل مختصر مفيد.
    وقد استلهم المؤلف رحمه الله عنوانه هذا من الروايات الشريفة التي تحدثت عن تلك العوالم ، منها ما ذكره هو في مقدمة هذا الكتاب عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم للمنام ، بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس «تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل ، واقلوا العرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد فانّ مامكم عقبة كؤوداً ومنازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود [المرر . خ . ل] عليها والوقوف عندها [عليها . خ . ل]».
    والمنزل جمعه منازل وهو مكان النزول ويطلق على الدار أيضاً ، وقد سمّت أماكن نزول القوافل والمسافرين منازل أيضاً ، كما انّها تطلق على مسافة معينة من الطريق.

سفر القيامة والاستعداد له :
    ولأن الانسان مسافر في حياته(1) الى الله تعالى فعليه انّ يعدّ مؤنة السفر
(1) فأما أن الانسان مسافر في هذه الدنيا الى الآخرة بسفر القيامة فقد تظافرت الروايات الشريفة في ذلك فمنها :
    * في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال : «مَن تذكر بُعد السفر استعدّ» (نهج البلاغة : ج 4 : ص 68 ، شرح محمّد عبدة).
    * وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال : «قام فينا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً ، فقال : يا أيها الناس انّكم في دار هدنة ، وانتم على ظهر سفر ، والسير بكم سريع ، فعدّوا الجهاز لبعد المسافة» (كنز العمال للمتقي الهندي : ج 16 ، ص 136 ، رقم الحديث العام 244163).
    * وروي الشيخ الصدوق رحمه الله بإسناده الى سفيان بن عيينة انّه قال : رأى الزهري علي بن الحسين عليه السلام ، ليلة باردة مطيرة ، وعلى ظهره دقيق وحطب وهو يمشي ، فقال له «يابن رسول الله ما هذا ؟ ! قال : اُريد سفراً عدّ له زاداً حمله الى موضع حريز . فقال الزهري : فهذا غلامي يحمله عنك ، فابى ، قال : أنا احمله عنك ، فإني ارفعك عن حمله . فقال علي بن الحسين : لكني لا أرفع نفسي عمّا ينجيني في سفري ، ويحسن ورودي على ما اراد عليه ، اسألك بحق الله لمّا مضيت لحاجتك ، وتركتني . فانصرفت عنه فلما كان بعد أيّام ، قلت له : يا بن رسول الله ç

( 36 )
ويهتم بها خصوصاً أن السفر طويل ولا عودة منه ولا محالة من قطعه.
    وقد اهتمّ علماء الآخرة لهذا السفر الشريف فابتدأوه بارادتهم قبل أن يحل في ساحتهم ، وطووا كثيراً من منازله وما زالت أبدانهم تعيش في هذه الحياة الدنيا، وقد انكشف لهم كثير من تلك المنازل وتعرفوا على عوالم عظيمة منها ولا يمكن لأحد ان يعلمها أو يشاهدها أو يدركها إلاّ بعد مجاهدات سلوكية ومقامات سيرية.
    وقد ثبتوا بعضاً من تلك المنازل والمقامات والأحوال تحت عنوان (السير والسلوك) ولعل افضلها ما ثبت في رسالة «السير والسلوك» المنسوبة لأية الله العظمى السيّد محمّد مهدي بحر العلوم قدس سره.
    وسواء جاهد الانسان واختار آخرته وهو بعد في الدنيا ولم يرحل منها ، أو ترك الامور تجري عليه ضمن قوانين القدر المحتوم والقضاء المبرم ، فأنّه سوف يلاقي يومه الذي وعد به ، ويحل عليه السفر الطويل ويرى تلك المنازل رأي العين عندما يتحقق قوله تعالى : (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)(1)
    وذلك اليوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تؤمن من قبل ولم تهيّىء لسفرها عدته ، ونجى المخفون.
    ولذلك أكدت الروايات الكثيرة جداً على ضرورة الاعداد لسفر الآخرة(2).
è لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً ؟ قال : بلى يا زهري ، ليس ما ظننته ، ولكنه الموت ، وله كنت استعد ، انّما الاستعداد للموت تجنب الحرام ، وبذل الندى والخير» (علل الشرائع : ص 231 ، ح 5 . ونقله المجلسي في البحار : ج 46 ، ص 65 ، ح 27 . والبحراني في العوالم : مجلد أحوال الامام زين العابدين عليه السلام : ص 106).
(2) سورة ق : الأية 22.
(3) وأما الاستعداد للموت فمن تلك الروايات:
    * روى الصدوق عليه السلام في أماليه عن الامام العسكري عليه السلام عن آبائه عليهم السلام انّه قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : ما الاستعداد للموت ؟ قال : «اداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والاشتمال على المكارم ، ثمّ لا يبالي أوقع على الموت ، ام وقع الموت عليه» (الأمالي للصدوق : ç

( 37 )

ضرورة ذكر الموت :
    اضافة الى أن طريقة أهل البيت عليهم السلام ألزمت المؤمن ـ كما توضحه الروايات الشريفة ـ أن يعيش الموت ويديم ذكره له ليعدّ ليومه ذلك الذي ينتظره لا محالة ، فانّ انحراف الانسان عن الجادة المستقيمة ينشأ من الطغيان الذي يعتريه ، وقد يصل به الى مستوى بحيث يعمى عن كل الحقائق وما يحيط به ، ولا تنفعه لتخفيف نسبة طغيانه وغروره كل النصائح والتوجيهات لأن طغيانه قد يكبر عليها ولكنه يصطدم بصخرة تتكسر عليها كل مراتب الطغيان والغرور وهي صخرة الموت وما بعد الموت ، وقد صور كتاب الله المجيد هذه الحقيقة بقوله تعالى : (ان الانسان ليطغى * ان رآه استغنى * ان الى ربك الرجعى)(1).
    فمهما اعتور الانسان الموحد(2) من الطغيان والغرور والانحراف عن الأوامر
è ص 97 ، المجلس 23 ، ح 8 . ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 263 ، ح 1).
    * وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في خطبة خطبها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتسعة أيّام : «وانّ من عرف الأيّام لم يغفل عن الاستعداد ، لن ينجو من الموت غني بماله ، ولا فقير لاقاله...» (الامالي للصدوق : ص 263 ـ 264 ، المجلس 52 ، ح 9 . ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 263 ، ح 2).
    * وروى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن أبي اسحاق الهمداني قال : لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام محمّد بن أبي بكر مصر واعمالها كتب له كتاباً ، وامره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصّاه به فيه ... وكان من جملة ما جاء فيه : «يا عباد الله انّ الموت ليس منه فوت ، فاحذروه قبل وقوعه ، واعدوا له عدته ، فانّكم طرد الموت ، إن اقمتم له اخذكم ، وإن فررتم منه ادرككم ، هو الزم لكم من ظلكم ..» (الأمالي للطوسي : ص 27 . ونقله عنه في البحار : ج 71 ، ص 264 ، ح 6.
(1) سورة العلق : الآية 6 ـ 8.
(2) أما الانسان الملحد فإن رؤيته لله وللآخرة لا تقل عن رؤية الموحدين لأنه يحس بفطرته وجود عالم آخر بعد انتهائه من رحلته في عالم الدنيا كما أن جميع القوانين العقلية تنص عليه .
    ومهما أنكر الملحد بطغيانه حقائق الوجود والعلة فانّه يعترف أن لحياته نهاية ، ولكنها نهاية لمشوار قطعه وعرف شيئاً من مجرياته ، وبقيت الغازه واسراره تحتاج الى توضيح وشرح وهو يقرّ بباطن نفسه أن لتلك الالغاز والاسرار اجوبه ، ولا يوجد لغز أو سرّ يبقى في الكتمان وانما لابدّ له من يوم يظهر ويعرف ، ولذلك فهو يقرّ بقرارة نفسه أن هناك يوماً ç

( 38 )
الالهية فهو يعلم جازماً انّه لا محالة من موته ورجوعه الى الحقّ عزّوجلّ وسوف يحاسبه على جميع القضايا التي صدرت منه سواءاً كانت كبيرة أو صغيرة ؛ فلذلك ورد في الحديث الشريف : «كفى بالموت واعظاً»(1).
    وحباً بالانسان ورأفة بعد فقد جاءت الأخبار المتظافرة ناصحة الانسان الموحد أن يديم ذكر الموت ، منها:
    * روى الحسين بن سعيد الاهوازي : بسند صحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : جعلت فداك حدثني بما انتفع به.
    فقال : «يا أبا عبيدة ، اكثر ذكر الموت فما اكثر ذكر الموت انسان إلاّ زهد في الدنيا»(2).
    * وروى الصدوق بإسناده الى أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال في حديث الأربعمائة :
    «اكثروا ذكر الموت ، ويوم خروجكم من القبور ، وقيامكم بين يدي الله عزّوجل تهون عليكم المصائب»(3).
    * وروي في مصباح الشريعة عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال :
è تنكشف فيه تلك الحقائق.
    فليس الموت نهاية الانسان ، وانّما فيه اسرار وألغاز سوف تنكشف له بعد موته.
    وهذا التصوير يفسر الدليل العقلي الذي يقيمه علماء الكلام على ضرورة وجود الآخرة والمعاد ، فإن الظلم في الدنيا لابدّ له من حكم عدل وإن مات الظالم على ظلمه فليس من العدل استدال الستارة على ظلمه الى الابد ، وانما يحكم العقل بضرورة وجود ذلك اليوم.
(1) رواه الكليني في الكافي : ج 3 ، ص 275 ، ح 28 . وقريب منه في : ج 2 ، ص 85 ح 1 ، والطوسي في الامالي : ج 1 ، ص 27 ، المجلس 1 ، ح 31 . ونقله المجلسي في البحار في عدة مواضع منها : ج 6 ، ص 132 ، ح 30 . وفي : ج 33 ، ص 454 ، ح 720 . وفي : ج 64 ، ص 29 ، ح 8 . وفي ج 71 ، ص 209 ، ح 21 . وفي : ج 71 ، ص 264 ، ح 4 ، وفي ج 71 ، ص 325 ، ح 20. وفي 73 ، ص 342 ، ح 25 ، وفي 77 ، ص 139 ، ح 1 . وفي ج 77 ، ص 390 ، ح 11.
(2) كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي : ص 78 ، باب 14 ، ح 210 . وعنه في البحار : ج 6 ، ص 126 . وفي : ج 71 ، ص 266.
(3) الخصال : ص 616 . ونقله عنه في البحار : ج 6 ، ص 132.

( 39 )
«ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقطع منابت الغفلة ، ويقوي القلب بمواعد الله ، ويرقّ الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفىء نار الحرص ، ويحقر الدنيا ، وهو معنى ما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فكر ساعة خير من عبادة سنة ، وذلك عندما تحلّ اطناب خيام الدنيا ، وتشدّها في الآخرة ، ولا شك [ولا يسكن نزول على ذكر . خ . 7] بنزول الرحمة على ذاكر الموت بهذه الصفة . ومن لا يعتبر بالموت ، وقلة حيلته ، وكثرة عجزه ، وطول مقامه في القبر ، وتحيّره في القيامة ؛ فلا خير فيه».
    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «اذكروا هادم اللذات».
    فقيل : وما هو يا رسول الله ؟
    فقال صلى الله عليه وآله وسلم : الموت .
    فما ذكره عبد على الحقيقة في سعة إلاّ ضاقت عليه الدنيا ، ولا في شدة إلاّ اتسعت عليه .
    والموت أول منزل من منازل الآخرة ، وآخر منزل من منزل الدنيا ، فطوبى لمن اُكرم عند النزول بأوّلها ، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها.
    والموت أقرب الأشياء من بني آدم وهو يعدّه أبعد ، فما أجرأ الانسان على نفسه وما أضعفه من خلق.
    وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين ، ولذلك اشتاق من اشتاق الى الموت ، وكره من كره.
    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «من أحبّ لقاء الله احبّ الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»(1).
    * وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال :
    «أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت . وأفضل العبادة ذكر الموت . وأفضل التفكر ذكر الموت ، فمن اثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنّة»(2).
* * *

(1) مصباح الشريعة : ص 171 ـ 172 . ونقله في البحار : ج 6 ، ص 133.
(2) جامع الاخبار : ص 165 ، الفصل 131 . ونقله عنه في البحار : ج 6 ، ص 137 ح 41.

( 40 )
    وفي نفس الوقت فانّ الحقّ تعالى يطلب من الانسان التوازن في تفكيره ، وحياته ، وشخصيته ، وفهمه لجميع الأشياء الكونية . فهو يأمر الانسان بتعمير الأرض والسعي الجاد ، قال تعالى : (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً انّي بما تعملون عليم)(1).
    وقال تعالى : (ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً)(3).
    وقال تعالى : (انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً)(4).
    وقال تعالى : (انا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)(5).
    وقال تعالى : (ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش)(6).
    وقال تعالى : (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله)(7).
    وقال تعالى : (وجعلنا النهار معاشاً)(8).
    * وروى الكليني في الكافي ، والطوسي في التهذيب بإسنادهما عن المعلى بن خنيس قال : «سأل أبو عبدالله عليه السلام عن رجل وأنا عنده ، فقيل له قد اصابته الحاجة . قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.
    قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربّه عزّوجلّ.
    قال : فمن أين قوته ؟ !
    قيل : من عند بعض اخوانه .
    فقيل أبو عبدالله عليه السلام : والله للذي يقوّته أشدّ عبادة منه»(9).
(1) سورة التوبة : الآية 105.
(2) سورة المؤمنون : الآية 51.
(3) سورة هود : الآية 7.
(4) سورة الكهف : الآية 7.
(5) سورة الكهف : الآية 30.
(6) سورة الاعراف : الآية 10.
(7) سورة الجمعة : الآية 10.
(8) سورة النبأ : الآية 11.
(9) التهذيب : ج 6 ، ص 324 ، باب 22 ، ج 10 . الكافي : ج 5 ، ص 78 ، ح 4.

( 41 )
    * وروى الصدوق في الفقيه عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
    «عليكم بالطلب ، ثمّ قال : انّي لأبغض الرجل فاغراً فاه الى ربّه يقول : ارزقني ، ويترك الطلب»(1).
    * وروى الكليني في الكافي بإسناده عن الامام الباقر عليه السلام قال :
    «انّي لأبغض الرجل ، أو أبغض للرجل أن يكون كسلانا عن أمر دنياه ، ومن كسل عن أمر دنياه فهو عن آخرته أكسل»(2).
    * وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
    «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم الفسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم الساعة حتّى يغرسها فليغرسها»(3).
    *وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال : «من غرس غرساً فأثمر أعطاه الله من الأجر قدر ما يخرج من الثمرة»(4).
    *وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال : «إن الله حين اهبط آدم الى الارض أمره أن يحرث بيده فيأكل من كده..»(5).
    ومع اهتمام الرؤية الاسلامية من خلال نصوص الشريعة بتعمير الأرض والعمل لبناء الحضارة والمدنية الانسانية الصالحة ، فانّ الاسلام يؤكد على تعمير الآخرة وبنائها كما تقدمت بعض النصوص الشريفة المؤكدة لهذه الحقيقة ، لأنها تكشف أن الحياة الحقيقيّة هي الحياة الخالدة والتي تكون بعد الموت ، ولذلك فانّ عمران الدنيا لابدّ وأن ينسجم بالتوازي مع عمران الآخرة مع ملاحظة أخذ الشرط
(1) الفقه : ج 3 ، ص 192 ، ح 3721.
(2) الكافي : ج 5 ، ص 85 ، ح 4.
(3) مستدرك الوسائل للشيخ النوري : ج 13 ، ص 460 كتاب المزارعة والمساقاة باب : 1 ، ح 5 وعنه في جامع أحاديث الشيعة : 18 ، ص 431 ، أبواب المزارعة والمساقاة باب : 1 ح10.
(4) مستدرك الوسائل : ج 13 ، ص 460 ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب 1 ، ح 4. وعنه جامع احاديث الشيعة : ج 18 ، ص 431 ، أبواب المزارعة والمساقاة ، باب 1 ، ح 9.
(5) مستدرك الوسائل : ج 54 ، ص 475 باب : 18 ، ح 5203 . جامع احاديث الشيعة : ج 18 ، ص 434 أبواب المزارعة والمساقاة باب : 5 ، ح 2 . تفسير العياشي : ج 1 ، ص 40 ، ح 24.

( 42 )
الغائي في العمران الدنيوي وهو الآخرة ، قال تعالى : (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)(1).
    وبما أن هدف الآخرة لا ينسجم مع الانسياب وراء الدنيا واغراءاتها فلذلك كان الموقف العقائدي والأخلاقي الاسلامي أن يحدد السعي الدنيوي ، وليس هذا التحديد من حيث الكم ، وانّما هو من حيث النوع والنية والأهداف.
    وهو المعبّر عنه في كثير من النصوص الاسلامية بطول الأمل ، وحبّ الدنيا.
    وأهم الفوارق بين التحديد الكمّي والتحديد النوعي هو أن الاسلام العظيم يشجع على العمران والبناء الحضاري بمختلف أوجه النشاط المتعلق به ضمن قانون (العمل الصالح).
    ولكنه يشترط في ذلك العمل أن يكون لخدمة الأهداف الالهية ، ولأجل رقي الحضارة الانسانية وتقدمها واصلاح نقاط الخلل في البنى الاجتماعية والانسانية والحضارية.
    وأما الأهداف الشخصية فانّها محددة بالكم ، يعني أن لا يركض الانسان وراء هدف صغير بجمع المال لنفسه وأهله الخاصين به ، بل لابدّ وأن تكون حركته في هذا المجال محدودة بمقدار الحاجة ، وعليه ان يصبّ جلّ اهتماماته بالخدمة العامّة.
    ونكتفي بهذا المقدار من توضيح معالم الرؤية الاسلامية المقدّسة لهذا الموضوع الفكري والحياتي المهم.
    مع التأكد على أن ما سجلته هنا بهذه الأوراق لا يعدو عن أكثر من طرح الخطوط العامّة لهذا الموضوع الفكري والعقائدي المهم ، وقد يرزقنا الله تعالى التوفيق لتفصيله بموضوع مستقل من جهة المفهوم الاسلامي للعالم.
* * *

(1) سورة القصص : الآية 77.