| الفهرس العام |
نعتقد: أنّ النبوّة وظيفة إلهية، وسفارة ربّانية، يجعلها الله تعالى لمن
ينتجبه ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في إنسانيّتهم، فيرسلهم
إلى سائر الناس لغاية إرشادهم إلى ما فيه منافعهم ومصالحهم في الدنيا
والآخرة، ولغرض تنزيههم وتزكيتهم من درن مساوئ الأخلاق ومفاسد
العادات، وتعليمهم الحكمة والمعرفة، وبيان طرق السعادة والخير؛ لتبلغ
الانسانية كمالها اللائق بها، فترتفع إلى درجاتها الرفيعة في الدارين دار الدنيا
ودار الآخرة.
ونعتقد: أنّ قاعدة اللطف ـ على ما سيأتي معناها ـ توجب أن يبعث
الخالق ـ اللطيف بعباده ـ رسله لهداية البشر، وأداء الرسالة الاصلاحية،
وليكونوا سفراء الله وخلفاءه.
كما نعتقد: أنّه تعالى لم يجعل للناس حق تعيين النبي أو ترشيحه أو
انتخابه، وليس لهم الخيرة في ذلك، بل أمر كلّ ذلك بيده تعالى؛ لاَنّه (أَعلمُ
حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتهُ)(1).
وليس لهم أن يتحكَّموا فيمن يرسله هادياً ومبشِّراً ونذيراً، ولا أن
يتحكَّموا فيما جاء به من أحكام وسنن وشريعة(2).
«واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة
أمانتهم لمّا بدّل أكثرُخلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتخذوا الانداد معه، واجتالتهم الشياطين
إنّ الانسان مخلوق غريب الأطوار، معقَّد التركيب في تكوينه وفي طبيعته
وفي نفسيّته وفي عقله، بل في شخصية كلّ فرد من أفراده، وقد اجتمعت فيه
نوازع الفساد من جهة، وبواعث الخير والصلاح من جهة أخرى(1).
فمن جهة قد جُبل على العواطف والغرائز من حب النفس، والهوى،
والاثرة، وإطاعة الشهوات، وفطر على حب التغلُّب، والاستطالة، والاستيلاء
على ما سواه، والتكالب على الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها كما قال تعالى:
(إنَّ الاِنسنَ لَفِي خُسْرٍ)(2)و(إنَّ الاِنسنَ لَيَطْغَى * أَنْ رآهُ استَغنَى)(3)
و(إنَّ النَّفْس لاَمَّارَةٌ بالسُّوءِ)(4)إلى غير ذلك من الآيات المصرِّحة والمشيرة
إلى ما جُبلت عليه النفس الاِنسانية من العواطف والشهوات.
ومن الجهة الثانية، خلق الله تعالى فيه عقلاً هادياً يرشده إلى الصلاح
ومواطن الخير، وضميراً وازعاً يردعه عن المنكرات والظلم ويؤنبه على فعل ما
هو قبيح ومذموم.
ولا يزال الخصام الداخلي في النفس الانسانية مستعراً بين العاطفة
والعقل، فمن يتغلَّب عقله على عاطفته كان من الأعلين مقاماً، والراشدين
واشد هذين المتخاصمين مراساً على النفس هي العاطفة وجنودها،
فلذلك تجد أكثر الناس منغمسين في الضلالة، ومبتعدين عن الهداية، بإطاعة
الشهوات، وتلبية نداء العواطف (وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ ولو حَرَصتَ بِمُؤمِنيِنَ)(1).
على أنّ الانسان لقصوره، وعدم اطّلاعه على جميع الحقائق، وأسرار
الأشياء المحيطة به، والمنبثقة من نفسه، لا يستطيع أن يعرف بنفسه كل ما يضرّه
وينفعه، ولا كل ما يسعده ويشقيه؛ لا فيما يتعلَّق بخاصّة نفسه، ولا فيما يتعلّق
بالنوع الانساني ومجتمعه ومحيطه، بل لا يزال جاهلاً بنفسه، ويزيد جهلاً، أو
ادراكاً لجهله بنفسه، كلّما تقدّم العلم عنده بالأشياء الطبيعية، والكائنات المادية.
وعلى هذا، فالانسان في أشدّ الحاجة ليبلغ درجات السعادة إلى من
ينصب له الطريق اللاحب، والنهج الواضح إلى الرشاد واتّباع الهدى؛ لتقوى
بذلك جنود العقل، حتى يتمكن من التغلب على خصمه اللَّدود اللجوج عندما
يهيىء الانسان نفسه لدخول المعركة الفاصلة بين العقل والعاطفة.
وأكثر ما تشتد حاجته إلى من يأخذ بيده إلى الخير والصلاح عندما
تخادعه العاطفة وتراوغه ـ وكثيراً ما تفعل ـ فتزيِّن له أعماله، وتحسّن لنفسه
انحرافاتها؛ إذ تريه ما هو حسن قبيحاً، أو ما هو قبيح حسناً، وتلبس على العقل
طريقه إلى الصلاح والسعادة والنعيم، في وقت ليس له تلك المعرفة التي تميّز
له كلّ ما هو حسن ونافع، وكل ما هو قبيح وضار. وكل واحد منّا
ولأجل هذا يعسر على الانسان المتمدِّن المثقَّف ـ فضلاً عن الوحشي
الجاهل ـ أن يصل بنفسه إلى جميع طرق الخير والصلاح، ومعرفة جميع ما
ينفعه ويضرّه في دنياه وآخرته، فيما يتعلَّق بخاصة نفسه أو بمجتمعه ومحيطه،
مهما تعاضد مع غيره من أبناء نوعه ممّن هو على شاكلته وتكاشف معهم،
ومهما أقام بالاشتراك معهم المؤتمرات والمجالس والاستشارات.
فوجب أن يبعث الله تعالى في الناس رحمة لهم ولطفاً بهم (رَسُولاً
مِنهُم يَتلوُا عَلَيهِم ءايتِه وَيُزكِّيهِم ويُعلّمُهُمُ الكِتبَ والحكمَةَ)(1)وينذرهم
عمّا فيه فسادهم، ويبشّرهم بما فيه صلاحهم وسعادتهم.
وإنّما كان اللطف من الله تعالى واجباً، فلأنّ اللطف بالعباد من كماله
المطلق، وهو اللطيف بعباده الجواد الكريم، فإذا كان المحل قابلاً ومستعدّاً
لفيض الجود واللطف، فإنّه تعالى لا بد أن يفيض لطفه؛ إذ لا بخل في ساحة
رحمته، ولا نقص في جوده وكرمه.
وليس معنى الوجوب هنا أنّ أحداً يأمره بذلك فيجب عليه أن يطيع
تعالى عن ذلك، بل معنى الوجوب في ذلك هو كمعنى الوجوب في قولك: إنّه
واجب الوجود (أي اللزوم واستحالة الانفكاك).
نعتقد: أنّه تعالى إذ ينصّب لخلقه هادياً ورسولاً لا بدّ أن يعرِّفهم
بشخصه، ويرشدهم إليه بالخصوص على وجه التعيين، وذلك منحصر بأن
ينصب على رسالته دليلاً وحجّة يقيمها لهم(1)؛ إتماماً للطف، واستكمالاً
للرحمة.
وذلك الدليل لا بدّ أن يكون من نوع لا يصدر إلا من خالق الكائنات،
ومدبر الموجودات ـ أي فوق مستوى مقدور البشر ـ فيجريه على يدي ذلك
الرسول الهادي؛ ليكون معرِّفاً به، ومرشداً إليه، وذلك الدليل هو المسمى
بالمعجز أو المعجزة؛ لاَنّه يكون على وجه يعجز البشر عن مجاراته والاِتيان
بمثله.
وكما أنّه لا بد للنبي من معجزة يظهر بها للناس لاِقامة الحجة عليهم، فلا
بد أن تكون تلك المعجزة ظاهرة الاِعجاز بين الناس على وجه يعجز عنها
العلماء وأهل الفن في وقته، فضلاً عن غيرهم من سائر الناس، مع اقتران تلك
المعجزة بدعوى النبوّة منه؛ لتكون دليلاً على مدَّعاه، وحجة بين يديه، فإذا
عجز عنها أمثال أولئك عُلم أنّها فوق مقدور البشر، وخارقة للعادة، فيُعلم أنّ
صاحبها فوق مستوى البشر، بما له من ذلك الاتصال الروحي بمدبِّر الكائنات.
وإذا تمَّ ذلك لشخص، من ظهورالمعجز الخارق للعادة، وادّعى ـ مع
ولأجل هذا وجدنا أنّ معجزة كل نبي تناسب ما يشتهر في عصره من
العلوم والفنون، فكانت معجزة موسى عليه السلام هي العصا التي تلقف السحر
وما يأفكون؛ إذ كان السحر في عصره فنّاً شائعاً، فلما جاءَت العصا بطل ما كانوا
يعملون، وعلموا أنّها فوق مقدروهم، وأعلى من فنّهم، وأنّها ممّا يعجز عن
مثله البشر، ويتضاءل عندها الفن والعلم(1).
وكذلك كانت معجزة عيسى عليه السلام، وهي إبراء الأكمه والأبرص
وإحياء الموتى؛ إذ جاءَت في وقت كان فن الطب هو السائد بين الناس، وفيه
علماء وأطباء لهم المكانة العليا، فعجز علمهم عن مجاراة ما جاء به عيسى عليه
السلام(2).
ومعجزة نبينا الخالدة هي القرآن الكريم، المعجز ببلاغته وفصاحته، في
وقت كان فن البلاغة معروفاً. وكان البلغاء هم المقدَّمين عند الناس بحسن
بيانهم وسموِّ فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة؛ أذلّهم وأدهشهم،
وأفهمهم أنّهم لا قِبَل لهم به، فخنعوا له مهطعين عندما عجزوا عن مجاراته،
ويدلّ على عجزهم أنّه تحدّاهم بإتيان عشر سور مثله فلم يقدروا(2)، ثمّ
تحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله(3)فنكصوا، ولمّا علمنا عجزهم عن مجاراته ـ
مع تحدّيه لهم، وعلمنا لجوءهم إلى المقاومة بالسنان دون اللسان ـ علمنا أنّ
القرآن من نوع المعجز، وقد جاء به محمد بن عبدالله مقروناً بدعوى الرسالة.
فعلمنا أنّه رسول الله، جاء بالحق وصدق به، صلى الله عليه وآله.
وقال تعالى أيضاً : (أَمْ يَقُولُونَ افْتريهُ قُلْ فَأتُوا بِسُوَرَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ استَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ
إِنْ كُنْتُمْ صَـدقِينَ) يونس 10: 38.
ونعتقد: أنّ الأنبياء معصومون قاطبة، وكذلك الأئمة عليهم جميعاً
التحيات الزاكيات، وخالَفَنا في ذلك بعض المسلمين، فلم يوجبوا العصمة في
الأنبياء(1)ِ، فضلاً عن الأئمة.
والعصمة: هي التنزُّه عن الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، وعن
الخطأ والنسيان(2)، وإن لم يمتنع عقلاً على النبي أن يصدر منه ذلك، بل
وذكر السيد المرتضى في تنزيه الانبياء ما نصه: (وجوّز أصحاب الحديث والحشوية
على الأنبياء الكبائر قبل النبوّة، ومنهم من جوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما يتعلّق
بأداء الشريعة، ومنهم من جوّزها كذلك ـ في حال النبوّة ـ بشرط الاستسرار دون الاِعلان،
ومنهم من جوّزها على الأحوال كلها. ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر
المستخفة من الانبياء عليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا
يستخف من الصغائر، ثم اختلفوا؛ فمنهم من جوّز على النبي صلّى الله عليه وآله الاِقدام
على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال إنّهم لا يقدمون على
الذنوب التي يعلمونها ذنوباً بل على سبيل التأويل، وحكي عن النظام وجعفر بن مبشر
وجماعة ممّن تبعهما أنّ ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل السهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون
بذلك وإن كان موضوعاً عن أممهم بقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم). تنزيه الأنبياء: المقدمة.
وقال في لسان العرب: (إنّ العصمة هي الحفظ، يقال: عصمته فانعصم،، واعتصمت
بالله، إذا امتنعت بلطفه من المعصية).
والعصمة من الله تعالى هي: التوفيق الذي يسلم به الانسان ممّا يكره إذا أتى بالطاعة،
وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم، وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى في =
والدليل على وجوب العصمة؛ أنّه لو جاز أن يفعل النبي المعصية، أو
يخطأ وينسى، وصدر منه شيء من هذا القبيل، فإمّا أن يجب اتّباعه في فعله
الصادر منه عصياناً أو خطأً أو لا يجب، فإن وجب اتّباعه فقد جوّزنا فعل
المعاصي برخصة من الله تعالى، بل أوجبنا ذلك(1)، وهذا باطل بضرورة الدين
والعقل.
وان لم يجب اتّباعه فذلك ينافي النبوَّة التي لا بدّ أن تقترن بوجوب
الطاعة أبداً.
على أن كل شيء يقع منه من فعل أو قول فنحن نحتمل فيه المعصية أو
الخطأ، فلا يجب اتّباعه في شيءٍ من الأشياء، فتذهب فائدة البعثة، بل يصبح
النبي كسائر الناس، ليس لكلامهم ولا لعملهم تلك القيمة العالية التي يعتمد
عليها دائماً، كما لا تبقى طاعة حتمية للأوامره، ولا ثقة مطلقة بأقواله وأفعاله(2).
وورد عن الامام زين العابدين عليه السلام أنه لما سئل عن معنى المعصوم قال: «هو
المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والامام يهدي إلى
القرآن، والقرآن يهدي إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل: (إن هذا القرءآن يهدي للتي
هي أقوم) الاسراء 17: 9».
بحار الأنوار: 25/ 194، راجع أوائل المقالات من مصنفات الشيخ المفيد: 4/ 34.
لسان العرب: 12/ 403 ـ مادة (عصم).=
وهذا الدليل على العصمة يجري عيناً في الامام؛ لان المفروض فيه أنه
منصوب من الله تعالى لهداية البشر خليفة للنبي، على ما سيأتي في فصل
الاِمامة.