حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 121 ـ 130
(121)
قحماً لم يكون من رجالها ... إنه لم يحسن فهم قول المحدثين ، ولو اطلع على أقوالهم وفقههم ما قال شيئاً مما قال ». مقال في مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ج 1 ص 12 رقم 46 سنة 1400 ، وجاء في هذا العدد أيضاً عن الشيخ العباد أنه قال : « ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الحديث ، فلا يعتدّ به في التصحيح والتضعيف وإنما الاعتماد بذلك على مثل : البيهقي ، والعقيلي ، والخطابي ، والذهبي ، وابن القيم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي ».
خ ـ لقد سكت ابن خلدون عما رواه الحاكم ، ولم ينتقده بحرف لوثاقة جميع رجاله عند أهل السنة قاطبة ، تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 564 فصل 52. وقال ابن خلدون عن حديث آخر : « هذا صحيح الإسناد » تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 564 وقال عن ثالث وهذا إسناد صحيح ، تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 565 ، وقال عن رابع : « ورجاله رجال الصحيح لا مطعن فيهم ولا مغمز » تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 568 فأنت ترى أن ابن خلدون نفسه يصحح أربعة أحاديث من الأحاديث الواردة في المهدي !!
خ ـ لقد توفي ابن خلدون عام 808 هـ ، ودونت أحاديث المهدي المنتظر سنة 230 بمعنى أنه بين تدوينها وتناول ابن خلدون لها قرابة 600 عام ، فكيف يتمكن من دراستها والحاكم عليها وهو يتناول 55/7 ممن أخرجوها.
ذ ـ ثم لنفترض أن ابن خلدون أنكر وضعف الـ 23 حديثاً التي تناولها بالدراسة كلها فما معنى هذا العدد مع وجود 1941 حديثاً !! ولنفترض أنه ضعف أو أنكر كافة الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ، فما هي القيمة العلمية لإنكاره !! ولماذا اختاره المتشككون قدوة لهم لينقضوا كافة الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ؟ ولم يختاروا عالماً من الـ 55 عالماً الذين أخرجوا أحاديث المهدي المنتظر وحكموا بصحتها وتواترها !!
ثم ما هي قيمة معارضة ابن خلدون أمام قول وإجماع أهل بيت النبوة ؟!
قال ابن خلدون في مقدمته بالفصل الذي. عقده لعلم النفقة ما يلي وبالحرف : وشذّ أهل بيت النبوة بمذاهب ابتدعوها ، وفقه انفردوا به بنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح ، وعلى قولهم بعصمة الأمة ، ولم يحفل الجمهور بمذاهبهم ، بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح ، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ، ولا نروي كتبهم ، ولا أثر لشيء منها في مواطنهم ، فهو يعتبر أهل البيت أصول واهية !! ويكشف عن حقيقة شعوره وما في نفسه ، فيعبر عن ألمه وحزنه لأن فقه أهل السنة قد انقرض في مصر ، وحل محله فقه أهل البيت !! وتلاشى من سواهم ، ثم السنة قد انقرض في مصر ، وحل محله فقه أهل البيت !! وتلاشى من سواهم ، ثم يرقص الرجل فرحاً ويهلل عندما زالت دولة العبيديين وحل فقه الشافعي محل فقه أهل بيت النبوة.
فماذا تتوقع من رجل هذه حقيقة مشاعره عن أهل بيت النبوة !! ربما كان سر شهرته يكمن في طبيعة هذه المشاعر ، وربما كره اعتقاد المسلمين بالمهدي المنتظر وتصديقهم للأحاديث النبوية الواردة فيه ، وحاول أن يوهن اعتقاد المسلمين بالمهدي ، وأن يكذب الأحاديث الوارد فيه لأن المهدي المنتظر من أهل بيت النبوة !! فأراد بمحاولاته تلك الحصول على مزيد من الشهرة ، والتألق !!!
و الذي لا أعرفه بالفعل هو هل تلا ابن خلدون اية التطهير واية المودة في القربى ، واية المباهلة ، واية الصلاة على النبي ؟ وهل عرف معاني هذه الآيات واطلع على تفسيرها ؟ وهل مرّ عليه حديث الثقلين ، وحديث السفينة ، وحديث النجوم ؟ أكبر الظن ـ وبعض الظن إثم ـ أنه لم يتل هذه الآيات ، ولم يقف على تفاسيرها ، ولم تمر عليه تلك الأحاديث !!
لكن ابن خلدون مؤرخ وذكي ولا بد اطلع بحكم دراساته التاريخية على كليات وتفاصيل الصراع الذي دار بين الشرك والايمان ، وعرف أن الذين قادوا جبهة الشرك والعداوة ضد رسول الله حتى أحيط بهم هم أنفسهم الذين
(123)
سلمهم ابن خلدون رايات السنة ، وأن أهل بيت النبوة الذين قادوا جبهة الإيمان وجاهدوا في الله حق جهاده ، هم الذين وصفهم ابن خلدون بالشذاذ والمبتدعة ، وأهل الأحوال الواهية !! إن هذا هو جهد البلاء حقاً !!
3 ـ السبب الثالث
والسبب الثالث الذي شكك المتشككين بعقيدة المهدي وبالأحاديث النبوية الواردة فيه ، أن أحد علماء الحديث قد روى حديثاً نبوياً يخص عيسى ابن مريم بالمهدية وينفها عن سواه ، ونص الحديث كما يلي : « لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ، ولا الناس إلا شحّاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم ». [ راجع سنن ابن ماجة ج 2 ص 340 حديث 4039 ]. لأن المتشككين حريصون على سنة رسول الله فقد تمسكوا بهذا الحديث الوحيد ليبطلوا به اعتقاد المسلمين بالمهدي المنتظر ، وليكذبوا به 1941 حديثاً واردة بالمهدي !!!
الرد على هذا السبب
1 ـ نفس ابن ماجة الذي روى هذا الحديث الوحيد كان قد روى أحاديث عن المهدي المنتظر منها حديث : « المهدي حق وهو من ولد فاطمة » ج 2 ص 1368 حديث 4086 وقد صححه وحكم بتواتره جمع من أهل السنة. فلماذا يهمل المتشككون حديث المهدي حق ... ويتمسكون بحديث لا مهدي إلا عيسى !!! ولماذا يتجاهلون بالكامل 1941 حديثاً ، أو يكذبون ويركزون كل اهتمامهم على حديث واحد ويصدقونه !!
2 ـ ثم لماذا وضع علم الرجال وفق الدراية ، قال ابن القيم في المنار المنيف 129 حديث 324 وص 130 حديث 325 أن الأبري ت 363 قد قال : « محمد بن خالد الجندي هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل ، وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد هذا ، وقال الحاكم مجهول ، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 9 ص 125 و202 : قدح أبو عمرو وأبو الفتح الأزدي بمحمد بن خالد ، وقال الذهبي في الاعتدال ج 3 ص 535 ح 479 قال
(124)
الأزدي منكر الحديث ، وقال أبو عبد الله الحاكم مجهول ، وحديث : « لا مهدي إلا عيسى خبر منكر أخرجه ابن ماجة. وقال الرطبي في التذكرة : « حديث لا مهدي إلا عيسى يعارض أحاديث هذا الباب ، ثم نقل كلمات من طعن بمحمد بن خالد وأنكر عليه حديثه » ثم قال : « والأحاديث عن النبي في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة وهي أصح من هذا الحديث فالحكم لها دونه ».
و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة « وصرح النسائي بأنه منكر ، وجزم غيره من الحفاظ بأن الأحاديث التي قبلة أي الناصة على أن المهدي من ولد فاطمة أصح إسناداً ».
ووصف أبو نعيم في حلية الأولياء ج 9 ص 61 هذا الحديث بالغرابة وقال : لم نكتبه إلا من حديث الشافعي.
و قال ابن تيمية والحديث الذي فيه لا مهدي إلا عيسى رواه ابن ماجة وهو حديث ضعيف ، رواه عن يونس ، عن الشافعي ، عن شيخ مجهول من أهل اليمن : « محمد بن خالد » لا تقوم بإسناده حجة. وقال عن حديث محمد بن خالد الجندي : « وهذا تدليس يدل على توهينه ، ومن الناس من يقول بأن الشافعي لم يروه ». [ راجع منهاج السنة ج 4 ص 101 ـ 102 ].
« ولكثرة ماطعن بمحمد بن خالد حاول بعض أنصار الشافعي أن يدرأ عن الشافعي رواية هذا الحديث وادعى أنه رأى الشافعي في المنام وهو يقول كذب على يونس بن عبد الأعلى ليس هذا من حديثي ». [ راجع الفتن والملاحم لابن كثير ص 32 ].
3 ـ ثم إن الناصبة وأركان دولة الخلافة لن يقبلوا أبداً أن يكون المهدي المنتظر من عترة النبي أهل بيته ، وقد هالهم أن يخص الله آل محمد بهذا الشرف الجديد ، فليس من المستبعد أن يحرك الناصبة ، وأركان دولة الخلافة أعوانهم وعيونهم لتنحية هذا الشرف عن آل محمد ، أو تشكيك المسلمين بصحة الأخبار التي بدأت تفيض حول المهدي المنتظر ، لكن علم الرجال والدراية لهما المقدرة على كشف الكثير من هذه العناصر بموضوعية وبدون مواجهة. وليس في ذلك
(125)
عجب فقد حسدت بطون قريش النبي نفسه وحاولت وبكل أساليبها الفاشلة أن تصرف النبوة عنه ، وأن تشكك بكل ما جاء به وصولاً إلى غايتها المتمثلة بصرف النبوة عن بني هاشم حتى لا ينالوا هذا الشرف من دون البطون.
4 ـ السبب الرابع
يقول المتشككون بعقيدة المهدي المنتظر ، وبالأحاديث النبوية الواردة فيه بأن الادعاءات بالمهدية لم تتوفق طوال التاريخ ، وقد ثبت بالدليل القاطع عدم صحة هذه الادعاءات وهذا سبب وجيه للشك بعقيدة المهدي ، وبالأحاديث النبوية الواردة فيه ككل !!!
الرد على هذا السبب
يعرف المتشككون أن هنالك من ادعى النبوة قبل ظهور النبي الحقيقي محمد صلي الله عليه وآله وسلم ، هناك من ادعى النبوة بعدما أعلن رسول الله محمد أنباء النبوة ، وبعد موت النبي محمد ادعى بعضهم النبوة قبل ظهور النبي وبعد ظهوره ، وبعد موته.
فهل ادعاءات المدعين بالنبوة تبطل نبوة محمد !!! أو تبرر الشك فيها !! أو توجب عدم الاعتقاد بنبوة محمد ، أو بالأدلة والبراهين الدالة عليها !!!
إن العكس هو الصحيح فطالما أنه قد ثبت لنا بالدليل القاطع عدم صحة ادعاءات بالنبوة قبل نبوة محمد وبعد ظهوره ، وبعد موته فهذا من البراهين التي تثبت صحة نبوة محمد وبطلان نبوات الأدعياء !! ثم إنكم تحملون المعلومات الاسلامية ، والأنباء التي أعلنها رسول الله ، وفكرة الاعتقاد بالمهدى المنتظر وزر كذب الكاذبين أو ادعاءات المدعين ، وهذا هو الظلم بعينه الذي لا نرضاه لا لنا ولا لكم.
5 ـ السبب الخامس
و هنالك من يقول في زماننا أن رئاسة الدولة الاسلامية شأن يخص المسلمين وحدهم : « لأنهم الأعلم بشؤون دنياهم » وهم أصحاب الاختصاص باختيار الرئيس
(126)
أو الخليفة أو الأمير ، ويستشهدون على صحة هذا التصوّر بما فعل الخلفاء الثلاثة الأول وأولياؤهم بعد موت النبي ، حيث أنهم لم يعيروا أي انتباه لتولية رسول الله لعلي بن أبي طالب ، ولا للمكانة المميزة التي خص الله بها أهل بيت نبيه ، إذا اعتبرها الخلفاء الثلاثة وأولياؤهم من قبيل المديح لا من قبيل الأحكام الشرعية الملزمة !! ثم إن تقديم المهدي المنتظر كرئيس للدولة الإسلامية المرتجاة هو
إخلال بمبدأ الشورى ، وبما فعله الخلفاء الثلاثة ، ومجافاة لروح الديمقراطية السائدة في العالم الآن !! هذه الروح التي استقرت نهائياً !! فالمهدي كما تدل الأحاديث النبوية رجل قد اختار الله تعالى ، وأعلن النبي هذا الاختيار !! وهكذا يحرم المسلمون من المشاركة باختيار حاكمهم !!! لقد سمعت هذا السبب من بعض المتشككين بعقيدة المهدي وبالأحاديث الواردة فيه !! ومن المفجع حقاً أن هذا البعض يحتل مراكز قيادية في أحزاب تدعو إلى عودة الإسلام ، وإعادة نظام الخلافة التاريخي !! ومن المخجل أيضاً أن هذه القيادات ما زالت تعتقد وتتيقن أن نظام الخلافة التاريخي هو نظام الإسلام ، وانه لا يوجد في الإسلام نظام غيره !! فإذا سألتهم ماذا تعني الخلافة ؟ اتهموك بالبلاهة وأجابوك على الفور إنها خلافة النبي !! فإذا قلت لهم إذا كان نظام الخلافة التاريخي هو النظام الإسلامي ، فما هو النظام الذي كان يطبقه النبي قبل أن ينتقل إلى جوار ربه ؟ لماذا تهملون بالكامل عصر النبوة ونظامه ، وتتمسكون بكل قواكم بعصر ما بعد النبوة ونظامه ؟ أليس عصر النبوة هو الأصل ، وعصر ما بعد النبوة هو الفرع ؟ فمن يلجأ إلى الفرع ويترك الأصل ؟! عندئذ تضيق صدورهم ، وتحمرّ وجوههم ، وتنفخ أوداجهم ، ويصرخون بضيق ظاهر ، هكذا فعل الصحابة الكرام !! وهذا ما اتفقوا عليه !! فإن قلت لهم : إن الصحابة الكرام بعيوننا رضي الله عنهم ، ولكن أرأيتم إن أمر الرسول بأمر وفعلاً ، وأمر الصحابة الكرام بأمر آخر وفعلوا فعلاً فبمن نقتدي ، وأي أمر نتبع ؟! ما لكم كيف تحكمون !! إن لكم لما تخيرون !!
الرد على هذا السبب
حول قولهم بأن الرئاسة أو الإمامة أو الخلافة شأن خاص
(127)
بالمسلمين ، وأنهم أصحاب الاختصاص باختيار الإمام أو الخليفة أو الأمير ضمن قواعد الشورى.
أ ـ هذا القول ليس صحيحاً لأن الرئاسة الإسلامية ليست شأناً خاصاً بالمسلمين وحدهم بل تخص الله ورسوله والعالم کله و مستقبل البشرية ، إنها تخص الشرعيه الإلهية بکل مقوماتها ، لأن مهمة الإمام في الإسلام أن يقود المسلمين والعالم وفق إطار الشرعية الإلهية ، وأن يحكم بالحكم الإلهي بلا زيادة ولا نقصان ، وهذا يستدعي أن يكون الإمام هو الأعلم والأفهم على وجه الجزم واليقين ، والمسلمون لا يعرفون من يتصف بهذه الصفة حتى يختاروه. لذلك اختص الله سبحانه وتعالى باختيار الإمام لأنه يعرف على وجه اليقين من هو الأعلم والأفهم والأفضل والأقرب إليه.
ب ـ لا يماري أي واحد من المتشككين بأن الرسول كان نبياً وكان إماماً أو رئيساً للمسلمين ، فهل اختاره المسلمين ، إماماً أو رئيساً لهم ، أم الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره وقدمه للناس وقاد عملية بأنه الأعلم والأفهم والأنسب لرئاستهم !!! وهل اختار الناس النبي سليمان رئيساً لهم ، وهل اختاروا داود أو طالوت !! لأن مهمة الرئيس الإيماني ، أو الإمام ليست الجلوس على كرسي الحكم وإصدار الأوامر والنواهي ، إنما هي منصبة على تنفيذ برامج إلهية لانقاذ العالم وترشيد خطاه على طريق الهداية الالهية والناس لا يعرفون من هو المؤهل للقيام بهذه المهمة. وهذا هو سر إعلان النبي لإمامة علي بن أبي طالب والإحدى عشر إماماً من أحفاده الطاهرين ، لأن الله تعالى أحكم وأرحم من أن يكل الناس لأنفسهم ، وأن يتركهم بعد وفاة النبي وفي مرحلة حرجة دون رعاة شرعيين وقادة مؤهلين. وقد ركزنا على هذه الناحية في كل مؤلفاتنا ويمكنك مراجعة كتابنا « المواجهة مع رسول الله وآله » لتقف على تفصيل ذلك وتوثيقه.
ثم إنه لم يصدف طوال تاريخ الخلافة التاريخية أن اختار المسلمون خليفتهم وفق قواعد الشورى ، لقد كانت الخلافة لمن غلب طوال التاريخ ، فمن يغلب
(128)
بالقوة أو كثرة الأتباع يصبح خليفة ، ويقتصر دور المسلمين على إعطائه البيعة ، ومن يمتنع عن البيعة شاقاً للطاعة ، ومفارقاً للجماعة حتى لو كان علياً بن أبي طالب أو الحسين ابن النبي ، فيستتاب ويخيّر بين البيعة أو القتل ، فلا نجاة للمتخلف عن بيعة الغالب ، فلو اختبأ هذا المتخلف ببيت فاطمة بنت رسول الله فإن الخليفة الغالب سيحرق بيت فاطمة بنت محمد على من فيه حتى يخرج المتخلف ويعطي البيعة أو يموت حرقاً هو ومن اواه ، وقد حدث هذا بالفعل حتى في أزهى عصور الخلافة ، ولا يجرؤ عاقل واحد من المتشككين على نفي ذلك.
ولو أن أهل مدينة رسول الله قد امتنعوا عن بيعة الخليفة الغالب ليقينهم بأنه كافر ، أو فاسق يجاهر بالعصيان فإن الخليفة الغالب سيرسل لهذا المدينة جيشه ويأمره بالتنكيل بها حتى تبايع ، وبناء على أوامر الخليفة الغالب يقتل الجيش عشرة آلاف من أهل المدينة بيوم واحد ، وينهب أموالها ، ويهتك أعراضها ، فتحمل ألف عذارء من غير زوج ، ويأخذ البيعة ممن تبقى من سكانها على أنهم عبيد وخول للخليفة يتصرف المالك بأشيائه وعبيده !! وقد حدث هذا بالفعل ومجنون من ينفي ذلك.
ولو احتمى من تخلف عن البيعة بالكعبة ، فإن الخليفة الغالب سيرسل جيشه ومعه أوامر بالحصول على بيعة من تخلف ، فإن أبى تهدم الكعبة نفسها على رؤوس المتخلفين عن البيعة !! وقد حدث هذا بالفعل ، راجع كتابنا « راجع الثورة والمأساة » وكتابنا « المواجهة مع رسول الله وآله » تجد التفصيل والتوثيق معاً !!
و كان الغالب يعهد بالخلافة لمن يريد ، ويتكرر العهد من الغالبين حتى يظهر متغلب جديد !! فتبدأ دورة العهد وإعطاء المسلمين البيعة للغالب وهم صاغرون !!
فأين هي الشورى ، وأين هو الاختيار ، وأين هو الاختصاص الذي يدعيه المتشككون.
2 ـ أما قول المتشككين بأن تولية المهدي المنتظر قيادة مع الطريقة التي حملتها الأحاديث المتعلقة بالمهدي ال ببفق مع الطريقة التي تولى فيها الخلفاء الثلاثة الأول الخلافة ، لأن خلافتهم هي مقياس الشرعية والمشروعية على اعتبار أنها قد تمت تحت أسماع الصحابة وأبصارهم !!!
(129)
الرد على هذا القول
أ ـ إنكم تحشرون الجمل في سم الخياط ، وتتقولون على الله ورسوله وعلى الحقيقة الشرعية بما لم ينزل به الله سلطاناً ، فليس صحيحاً أن فعل الخلفاء هو مقياس الشرعية والمشروعية ، أو فهم في أحسن الأوصاف من أتباع صاحب الرسالة ، ولم يدّع أحد فيهم بأنه نبي ، أو يوحى إليه أو معصوم عن الخطأ ، ولم يدع أحد منهم بأنه الأعلم أو الأتقى أو الأفضل أو الأقرب لله ولرسوله. وأول تصريح قد صدر عن الخليفة الأول هو قوله : « إني قد وليت عليكم ولست بخيركم.. » وتواترت تصريحات الخليفة الثاني التي جاء فيها : « كل الناس أعلم من عمر ، وجهل عمر وعرفت إمرأة ، اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس فيها أبو الحسن ... » وحسب مقاييسكم التاريخية فإن الذي جاء بعدهما أقل منهما فضلاً ، وأدنى مرتبة ، فكيف تجاهلتم صاحب الرسالة تجاهلاً تاماً وجعلتم من أفعال الخلفاء الثلاثة الأول هي المقياس الأوحد للشرعية والمشروعية !!!
ب ـ إن مقياس الشرعية والمشروعية الالهية ليس قول ولا فعل الخلفاء الثلاثة ، أو غيرهم من الخلفاء التاريخيين ، ولكنه قول وفعل صاحب الرسالة صلي الله عليه و آله و سلم ، ومكانة أي فرد من المسلمين كائناً من كان تتحدد بحجم التزامه بأوامر رسول الله ، وتقديم خيرة الله على خيرته وأمر الله ورسوله على اجتهاده وما تهوى نفسه.
ج ـ إن الله تعالى الذي أختار رسوله لقيادة مرحلة التأسيس والرسالة والذي اختار الأنبياء الكرام والائمة الطاهرين هو نفسه الذي أختار محمد بن الحسن وليكون خاتماً للأئمة ، وقائداً لفترة آخر الزمان ، والفرق أن محمداً نبي ورسول ، والمهدي إمام وليس نبياً ولا رسو ل. وأن محمداً هو الوالد ، والمهدي هو الابن والحفيد وهو الوارث الشرعي لعلمي النبوة والكتاب ، وهو المؤهل الوحيد لقيادة المرحلة التي اختاره الله لقيادتها. فإذا أردتم القياس فقيسوا على صاحب الرسالة لا على غيره. ومهمة المهدي قيادة العالم في آخر الزمان وإصلاح البشرية بعد فسادها ، وإنقاذها بعد أن أوشكت على الغرق ، وهدايتها إلى الطريق القويم ، ثم إن المهدي مسلح بايات بيّنات ظاهرات في السماء والأرض.
د ـ إذا كان الله تعالى قد اختار الأنبياء وخاتمهم محمد رسول الله واختار
(130)
الأئمة وخاتمهم المهدي المنتظر لتحقيق غايات عالمية محددة فإن بطون قريش هي التي اختارت الخلفاء الثلاثة ، وكان سبب الاختيار وهدفه منصباً بالدرجة الأولى والأخيرة على إرغام أنوف آل محمد وحرمانهم من الجمع بين النبوة والملك وهي نفس البطون التي قاومت النبي وعادته واستعدت عليه العرب وحاربته طوال 23 عاماً ، حتى أحيط بها أسلمت أو تظاهرت بالسلام طمعاً بالملك الذي تمخضت عنه النبوة ، فاختيار بطون قريش قبلي من جميع الوجوه ، وغايته بدائية ومحدودة من جميع الوجوه ، بينما جاء اختيار المهدي إلهياً ولغايات ومقاصد إلهية مختلفة تماماً عن غايات ومقاصد بطون قريش. إنكم تصرون على إدخال الكبير بالصغير ، وإيلاج الجمل في سم الخياط ، وهذا محال عقلاً !!
ه ـ ثم إن كل واحد من الخلفاء الثلاثة قد آلت إليه الخلافة بطريقة تختلف تماماً عن طريقة سلفه ، فالأول فلتة ، والثاني بعهد من الأول ، والثالث واحد من ستة اختارهم الثاني ، ثم ما هو وجه المقارنة بين المهدي وبين الثلاثة ، وأين هي وحدة العلة حتى تتحقق شروط قياسكم !!
و ـ أما قولكم بأن الاختيار قد تم تحت أسماع الصحابة وأبصارهم فأعظم الصحابة على الإطلاق آل محمد الذين تذكرونهم في صلواتكم وأهل بيته الذين شهد الله تعالى بطهرهم ، فهل تدلوني مشكورين على خليفة واحد من الخلفاء التاريخيين قد تولى الخلافة برضاهم وبرضاهم وموافقتهم !!
فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا إلا مكابرة مردودة فقد آن الآوان لتتقوا الله في محكاتكم ، ولترك التقليد الأعمى ، وللتبرع بتمثيل دور حراس الشريعة التاريخية ولفك أغلالكم عن عقول المسلمين ، ولو سمع الخلفاء الثلاثة اختلافاتكم التي لا علم لهم بها لتفرقوا منكم ولشعروا بالخجل لأنكم من شيعتهم.
لهذه الأسباب المعلنة التي سقناها مجتمعة ومنفردة يتشكك المتشككون بصواب فكرة الاعتقاد بالمهدي المنتظر ويشكون بصحة الأحاديث الواردة فيه على الرغم من إجماع أهل بيت النبوة على صحة الاعتقاد ، وعلى الرغم من شهادة خمسين صحابياً ، ومن إخراج علماء الأمة الأعلام لهذه الأحاديث وإجماعهم على صواب
الاعتقاد بالمهدي المنتظر ، وعلى الرغم من إجماع الأمة الإسلامية على