حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 101 ـ 110
(101)
المجتمع الإسلامي أو العامة وهم الأكثرية تحولت إلى حارس ومدافع عن شرعية تحريم كتابه ورواية أحاديث الرسول.
و لما تحول الرأي العام ، وأقبل علماء دولة الخلافة على كتابه ورواية أحاديث الرسول ، ولم تعترض دولة الخلافة على هذا التحول وذلك الاقبال ، تنفس أهل بيت النبوة الصعداء ، فراقبوا عن كثب عمليتي رواية وكتابة الحديث ، ورسموا لها الطريق الاقوم : « سأل رجل الإمام جعفر الصادق عن مسألة فأجابه ، فقال الرحل : أرايت أن كان كذا وكذا ماذا يكون القول » ؟.
فقال جعفر : « مه ما أجبتك فيه من شيء فهو من رسول الله لسنا ممن رايت في شيء ، وقوله : « مهما أجبتك بشيء فهو من رسول الله لسنا نقول برأينا » وقال مرة : « لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا ، ولكن حدثنا ببينة من ربنا ، بينها لنبية ، فبينها لنا » وكان يقول : « لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ، ولكنها اثر من رسول الله أصل علم نتوارثها كابراً عن كابر ، نكتنزها كما يكتنز الناس ذهبهم وفضتهم ». [ راجع بصائر الدرجات ج 2 ص 29 و301 وكتابنا الخطط السياسية ص 187 ـ 189 ]. وقول الإمام جعفر هذا دعوة لمن أرادوا البحث عما صدر عن رسول الله ليرجعوا إلى بيت النبوة ، فهم وحدهم الذين يملكون مفاتيح البيان النبوي ، وهي دعوة من الامام للمعنيين برواية وكتابة أحاديث الرسول ، للفصل التام بين ارائهم الشخصية وما قاله الرسول.
وبدأ أهل البيت يفيضون على الناس مما اتاهم الله من علمي النبوة والكتاب ، وبالحدود التي تتقبلها وتتحملها نفسية العامة التي تربت تربية ثقافية مناهضة لأهل بيت النبوة وموالية لدولة الخلافة.
واصطدمت علوم أهل بيت النبوة مع الأحاديث التي حرمت دولة الخلافة عبر تاريخها السياسي ، وسمحت بكتابتها وروايتها ، بل واعتبرتها جزءأ من مناهجها التربوية والتعليمية ، وبحكم العادة والتكرار امنت العامة بحتمية صدورها عن رسول الله.
واصطدمت روايات أهل بيت النبوة بسيل من روايات الفضائل التي اشتراها معاوية وأولياؤه من الطامعين بدنياه ، ثم عممها بقوة الدولة ونفوذها ، وأجبر العامة
(102)
و الخاصة على الاقتناع بها والتسليم بصحتها ، وذلك لإرغام أنوف أهل بيت النبوة وتمييز وإبطال الفضائل الحقيقية التي خصهم الله بها !!
و مع ان دولة الخلافة لم تعترض على إقبال علمائها على كتابه ورواية أحاديث الرسول ، ولم تعترض على حول الراي العام وتأييده لهذا العمل ، إلا أنها ضاقت ذرعها بأهل بيت النبوة وأوليائهم ، وشككت بقدرتهم وبما يروونه ، وشككت بحيادهم أيضاً. وتأثير كبيراً ، فإذا ثبت لديهم أن هذا الراوي أو ذاك يوالي أهل بيت النبوة أو يقدمهم على غيرهم أو يقول برئاستهم للأمة ، أو بتقدمهم على الخلفاء الثلاثة الاول اعتبروه كاذباً أو غير ثقة ، وبالتالي لم يأخاذوا بروايته ولما اكتشف بعض علماء الدولة أن الشافعي يولي أهل بيت النبوة وصفه ابن معين بأنه ثقة !!!
وعلي أي حال فقد انطلق أولياء أهل بيت النبوة يروون الأحاديث عن الرسول وعن الأئمة وفق القواعد والأصول الشكلية التي كان يروى فيها علماء دولة الخلافة. وكان الشيخ الكليني المتوفى سنة 329 هـ أول من ألف موسوعة بالحديث ، ثم تلاه الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381 هـ ثم الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ ، ثم المجلسي « البحار » ثم الحر العاملي « الوسائل » وقد أحرقت موسوعة الشيخ الطوسي كما أحرق الكثير من كنوز أولياء أهل بيت النبوة ، ولكنهم صمدوا ونقلوا ما وصل إليهم من كنوز وعلوم أهل بيت النبوة التي غطت كل ما يحتاجه الناس في دنياهم وآخرتهم. [ راجع كتابنا الخطط السياسية ص 192 ـ 209 لتقف على تفاصيل ذلك ].
بعد استعراضنا لتاريخ رواية وكتابة الأحاديث النبوية ، والظروف التي أحاطت بهذا التاريخ لدى دولة الخلافة وعلمائها من جهة ، ولدى أهل بيت النبوة وأولياهم من جهة أخري ، بعد وقوفنا على ما واه الطرفان عن المهدي المنتظر وعلامات ظهوره ، عصر هذا الظهور ، يتبين لنا بوضوح ساطع أن المهدي المنتظر حقيقة من الحقائق الدينية الرئيسة التي أجمع المسلمون عي صحتها وتواترت أنباء هذه الحقيقة بينهم ، تواتراً لا يقل عن تواتر أركان الإسلام ، وأساسياته الضرورية ، وأن ما رواه الطرفان عن رسول الله في هذا الموضوع هو جزء لا يتجزأ من المعارف والمعلومات الدينية التي جاء بها الإسلام كدين ، وأن هذه المعارف والمعلومات جزء لا يتجزأ من عقيدة الإسلام وتعاليمه.
تخرجت الأمة الإسلامية من مدرستين لا ثالث لهما.
المدرسة الأولى :
وهي مدرسة دولة الخلافة التاريخية ومن والاها من علماء المسلمين رغبة أو رهبة وقد أجتمع أساتذة وخريجو هذه المدرسة على أن المهدي المنتظر حقيقة دينية ، بشر بها الرسول وأنه سيظهر ذات يوم ، ورووا مئات الأحاديث عن رسول الله التي تحدثت عن المهدي ونسبه ، وعن حتمية ظهوره ،
(104)
و عن علامات الظهور ، وعن عصر ظهوره ، ووفق معايير هذه المدرسة وموازينها ، فقد أجمع اساتذها وخريجوها بأن تلك الأحاديث صحيحة ، ومتواترة وأنها قد رواها جمع كبير من الصحابة الكرام والعلماء الذين يمتنع عقلاً اجتماعهم على الكذب ، وأن هذه الأخبار قد شاعت بين المسلمين وتناقلتها أجيالهم جيلاً عن جيل ، واطمأنت لها القلوب فتحولت إلى جزء لا يتجزأ من العقيدة الدينية والإسلامية.
المدرسة الثانية ، وهي مدرسة أهل بيت النبوة :
أساتذها أئمة أهل البيت الأعلام الذين تتلمذوا على يد الرسول شخصياً ، وعاشوا وإياه تحت سقف واحد طوال حياته المباركة ، وأورثهم علمي النبوة والكتاب ، وعهد إليهم بوظيفة بيان ما أنزل الله من بعده كل في عصره ، وقد تخرج على أيديهم علماء أفذاذ نبغوا بعلمي النبوة والكتاب ، وقد أجمع أئمة أهل بيت النبوة وخريجو مدرستهم على أنهم قد سمعوا رسول الله يبشر بالمهدي المنتظر ، ويسميه باسمه محمد بن الحسن وأنه حفيد النبي ، وأنهم سمعوا رسول الله يصفه دقيقاً ، ويؤكد على حتمية ظهوره ، مثلما سمعوه وهو يبين علامات هذا الظهور ، ويصف عهد المهدي وما فيه من عدل ورخاء وسيادة على العالم كله ، وظهور لدين الإسلام على كل الاديان ، وأن هذا المهدي هو الامام الثاني عشر من أئمة أهل بيت النبوة ، ومن لا يعتقد بذلك ليس من شيعة أهل النبي ولا من مواليهم الخلص. بمعنى أن هذا الاعتقاد جزء من حقيقة موالاة وتولى أهل بيت النبوة. ثم إنه ما من إمام من الائمة الأخيار إلا وقد بشر بالمهدي المنتظر ، وروى عن جده رسول الله أحاديث تتعلق بذات المهدي وصفاته ، وعلامات ظهور ، ثم إن الاحاديث التي رواها العلماء الموالون لأهل بيت النبوة في صحاحهم وكتب حديثهم تتحدث بالتفصيل عن المهدي ، ويعتبرون ظهوره فرجاً وانتظار هذا الفرج قربي إلى الله وديناً.
لقد رايت قبل قليل إجماع المدرستين الإسلاميتين الوحيدتين في العالم
(105)
الإسلامي على حقيقة أن رسول الله بالفعل قد بشر بالمهدي المنتظر ، وأكد حتمية ظهوره ، بحيث أنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله ذلك اليوم حتى يظهر المهدي المنتظر فيه ، خلاف بين اثنين من كون المهدي من أهل بيت النبوة.
فهل يعقل بربك أن يجمع أهل النبوة وأولياؤهم ، وعلماء دولة الخلافة والخلفاء وأولياؤهم وهم على طرفي نقيض على أسطورة منسوبة للدين ، أو على الكذب على رسول الله ، أو التقول عليه !!
يمكن لدولة الخلافة بجبر فريقاً من الأمة على هدم الكعبة نفسها وهي أقدس مقدسات المسلمين ، وتجبر الفريق الآخر على السكوت ، وبمكنها أن تنهتک أعظم حرمات الإسلام فتقتل ابن النبي ، وتقتل وتبيد ذرية النبي ، وتسبي بناته وباعصاب هادئة بايدي فريق من الامة مع ضمان سكوت الفريق الآخر ويمكنها أن تستبيح مدينة النبي ، فتفض بكارات بناتها وتنهب اموالها ، وتقتل الاكثرية الساحقة من سكانها وتأخذ البيعة من الناس على أنهم خول وعبيد لخلية يتصرف بهم تصرف المالك بملكه وأشيائة !! كما حدث ذلك في التاريخ فعلا ، بمعنى ان دولة الخلافة قادرة على فعل كل ما تريده ولکنها لا تستطيع أن تجبر الامة لتقتنع قناعة تامة ، وتختلق على رسول الله الأنبياء المتعلقة بالمهدي المنتظر ، ولنفترض بانها استطاعت أن تقود رعاياها ، وتسخر مواردها في حملة اختلاق کبرى على رسول الله ، فهل يمكنها أن تجبر أئمة بيت النبوة على المشاركة بمثل هذه الحملة !! وهل يمكنها أن تجبر الأمة على اقتراف جريمتي الكذب والاختلاف على رسول الله !! وهم نماذج بشرية فذة تعتبر الموت سعادة والحياة مع الضالمين شقاء لا يطاق !!
ثم ما هي مصلحة الخلفاء ، أو رعاياهم ، او دولتهم ليجمعوا على حقيقة أن المهدي المنتظر من أهل بيت النبوة !! وهم الخلفاء الذين كانوا يؤمنون أن العبيد الموالي وأعداء الله ورسوله أولى بالخلافة من آل محمد ، فهل يعقل أن يعلوا يايديهم الدليل الذي سيدينهم !!
(106)
لقد فرضت كثرة ونوعية ، وصحة وتواتر ، الأحاديث الصادرة عن رسول الله نفسها على الخلفاء ، ورعاياهم ودولتهم ، فكان زخمها من القوة بحيث لم يعد بالإمكان إنكارها ، أو تجاهلها أو تكذيبها ، إنها قوة الحقائق الربانية التي يعترف بها المحب والكاره ، المؤمن والفاسق.
لهذا كله أجمع أهل بيت النبوة ومن والاهم على أن الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر قد صدرت من رسول الله بالفعل ، وأنهم قد سمعوا رسول الله يتحدث بها ، وأنه قد كلفهم ببيانها ونقلها للمسلمين ، وأنهم ورثوا هذه الحقيقة كجزء لا يتجزأ من علمي النبوة والكتاب.
كذلك فقد أجمع علماء دولة الخلافة بأنه قد ثبت لديهم بالوجه القطعي بأن الأخبار المتعلقة بالمهدي المنتظر قد صدرت عن رسول الله بالفعل ، وأنهم قد حصلوا تلك الأخبار بنفس الطرق والوسائل التي حصلوا فيها على أخبار النبي عن الصلاة والصيام والحج وغيرها من أحكام الإسلام ، وأنه قد ثبت لديهم صحتها وتواترها ، وعلى ذلك تسالم جميع علماء دولة الخلافة ورعاياها عبر تاريخها السياسي الطويل ، وما زال ذلك إرثاً مقدساً.
روي الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر أكثر من خمسين صحابياً. شهدت الأكثرية الساحقة منهم بأنهم قد سمعوا رسول الله يدلي بهذه الأحاديث ويتحدث بها أمامهم وعلى مسامعهم.
و تتبع العلماء بدقة متناهية بعض هذه الأحاديث حتى أوصلوها إلى بعض الصحابة فوقفت عندهم ، دون أن يصرحوا بأنهم قد سمعوها من رسول الله. ولا يخفى أن أحاديث المهدي كلها من أنباء الغيب ، والصحابي لا يوحى إليه ، يعلم الغيب إلا من رسول الله ، وهذا كله يعني أن الأحاديث الموقوفة عند بعض الصحابة قد صدرت بالفعل من رسول الله. ومن المستحيل عقلاً أن يتفق عدد يربو على الخمسين صحابياً على كذب !! خاصة وأنه لا مصلحة لهم بالكذب ، ولم
(107)
يكرههم أحد على ذلك ، ثم إنهم لا يعرفون شخص المهدي المنتظر على وجه اليقين ليكذبوا من أجله أو ليطمعوا بثواب عاجل منه لهذا الكذب.
1 ـ أهل بيت النبوة وآل محمد :
فعلي بن أبي طالب والسيدة فاطمة بنت محمد الزهراء والسبط الامام الحسن ، والسبط الثاني الأمام الحسين قد أجمعوا جميعاً بأنهم قد سمعوا رسول الله يحدث بالأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ، وهؤلاء الأربعة هم أبناء النبي ، ونفس النبي كما هو ثابت من اية المباهلة. وهم آل محمد ، الذين لا تجوز صلاة مسلم إن لم يصلِ عليهم ، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، ولو لم يكن للأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر غير هؤلاء الرواة لكان فيهم الكفاية ، ولتحقق بهم اليقين. ثم إن الأئمة الطاهرين الثمانية الذين آلت إليهم الأمة بعد الإمام الحسين قد رووا هذا الأحاديث ، وقدموها لاتباعهم وللأمة كجزء لا يتجزأ من علمي النبوة والكتاب.
2 ـ من بني هاشم أيضاً :
كان الهاشميون أكثر الناس التصاقاً بالنبي والتفافاً حوله ، وجهاداً معه ، ودفاعاً عنه ، وبلاء في وعي الكثير منهم ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير ، ونذكر من الرواة الهاشميين الذين رووا أحاديث متعلقة بالمهدي المنتظر :
1 ـ العباس بن عبد المطلب عم النبي.
2 ـ وعبد الله بن العباس.
3 ـ وعبد الله بن جعفر الطيار.
3 ـ الصحابة الأبرار :
ومن الذين رووا الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر طائفة من الصحابة الأبرار الذين ثبتوا على الولاء لله ولرسول ولأهل بيت النبوة ، واجتازوا المحرم والبلاء بنفوس مطمئنة ، وفارقوا الدنيا دون أن يغيروا ويبدلوا أو ينقلبوا على أعقابهم منهم سلمان الفارسي ، وأبوذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ،
(108)
و جابر الأنصاري وحذيفة بن اليمان.
4 ـ خلفاء ومرشحون للخلافة :
و ممن روى الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر خلفاء ، كعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، أو ممن ترشحوا للخلافة كعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبدالله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
6 ـ من زوجات النبي :
وروى أحاديث متعلقة بالمهدي المنتظر بعض زوجات النبي كأم سلمة ، وعائشة ، وأم حبيبة.
7 ـ طائفة من الصحابة الكرام :
وروى جانباً من الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر طائفة من أجلاء الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري ، وزيد بن أرقم ، وأبو سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وحذيفة بن أسيد ، ومعاذ بن جبل.
8 ـ مثلها روتها طائفة أخرى من الصحابة :
كأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمران بن حصين ، وأنس بن مالك ، وزيد بن ثابت. [ راجع المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي ، مركز الرسالة ص 28 ، وما فوق : و« إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون » أبو الفيض الغماري ص 437 ، « ومعجم أحاديث الإمام المهدي » ، خمسة مجلدات مؤسسة المعارف الإسلامية بإشراف الشيخ على الكوراني ].
أخرج علماء المسلمين الأعلام الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ودونوها في صحاحهم ومسانيدهم ومؤلفاتهم ، مسلمين بصحتها وتواترها.
1 ـ علماء المسلمين الأعلام الذين تخرجوا من مدرسة أهل البيت
علماء المسلمين الأعلام الذين والوا أهل بيت النبوة ، وقالوا بحقهم الشرعي برئاسة الأمة من الناحيتين الروحية والزمنية ونقصد بهم علماء الشيعة : كالكليني ، والصدوق ، والمجلسي ، والعاملي و غيرهم ممن دونوا الأحاديث والموسوعات الدينية ، أخرجوا أحاديث المهدي المنتظر وتعاملوا معها كحقائق إسلامية ثابتة لديهم ، واعتبروها معارف دينية وصلت إليهم من رسول الله ، مثلما اعتبروها من أصول الدين وأساسياته ، لأن الاعتقاد بالمهدي المنتظر واعتباره ثاني عشر الأئمة الشرعيين من المسائل الأصولية والأساسية عندهم.
2 ـ علماء المسلمين الأعلام الذين تخرجوا من مدرسة دولة الخلافة
و أخرج أحاديث المهدي المنتظر العلماء الذين والوا دولة الخلافة التاريخية رغبة أو رهبة وتخرجوا من مدرستها وهم من الكثرة والشهرة ومؤلفاتهم من التعدد بحيث يستحيل تواطؤهم على الاتفاق بإخراجها ومع ذلك فقد أجمعوا على إخراج الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ، لأن هذه الأحاديث
(110)
كانت من الثبوت والشيوع والقوة ، بحيث أنها قد فرضت نفسها فرضاً على دولة الخلافة وعلى كافة علمائها ، وتعذر تجاهلها أو إنكارها ، لأنها شقت طريقها بيسر وسهولة إلى أسماع المسلمين وقلوبهم ، ولم يكن بوسع دولة الخلافة ، ولا بوسع علمائها أن يتجاهلوا قوة هذا التيار الغلاب ، فأذعنا أمام قوة الحقيقة الدينية ، وأخرجوا الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر ، ودونوها في صحاحهم ومسانيدهم ومؤلفاتهم ، واعتبروها معلومات عن الغيب ، وحقائق صادرة بالفعل عن الصادق المجرب الذي لا ينطق عن الهوى.
1 ـ أصحاب كتب الحديث المعروفة بالصحاح الستة : البخاري ، ذكر المهدي بالوصف لا بالاسم ، وأخرج الأحاديث المتعلقة بعلامات الظهور ، وبنزول السيد المسيح ، وظهور المسيح الدجال ، وأخرج الحديث الذي يؤكد بأن إمام الأمة هو الذي سيؤم المسيح ابن مريم عند نزوله ، وشراح صحيح البخاري أعلنوا بصراحة بأن الإمام الذي عناه البخاري هو المهدي المنتظر. [ راجع فتح الباري ج 6 ص 385 ، وعمدة القاري ج 16 ص 39 ـ 40 المجلد الثامن ، وفيض الباري ج 4 ص 44 ـ 47 ، وحاشية البدر الساري ج 4 ص 33 ـ 47 ، والمهدي المنتظر في الفكر الإسلامي 140 ـ 143 ].
ويبدو أن البخاري قد تحاشى ذكر المهدي بالاسم لأنه عندما وضع صحيحة ، كانت فرائص الدولة ترجف رعباً من هذا المهدي ، وتبحث عنه بعد أن تأكدت مخابراتها بأنه قد ولد بالفعل.
كذلك ذكر مسلم في صحيحة المهدي بالوصف لا بالاسم ، لأن مسلم قد وضع صحيحة بنفس الفترة الزمنية ، ومع هذا فقد ذكر ابن حجر الهيثمي ، [ راجع في الصواعق المحرقة الفصل 11 ، والمتقي الهندي في كنز العمال ج 14 ص 264 ، حديث 3862 ، ومحمد على الصبان في إسعاف الراغبين ص 145 ، والشيخ حسن العدوي المالكي في مشارق الأنوار ] ، أن مسلم قد ذكر في صحيحه