حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 71 ـ 80
(71)
     و كما اختلفت العقائد والديانات ، بحجم ومدى عملية الإنقاذ ، اختلفت أيضاً في تحديد من هو المهدي بالفعل ؟ وأين يظهر ؟ ومتى يكون زمن طهوره ؟ ويكمن سر هذا الاختلاف في أن هذه التساؤلات من تفاصيل الفكرة الرئيسة ، وأن هذه التفاصيل قد خضعت للزيادة والنقصان وللاجتهاد لدى الأغلبية من أتباع الملل الأخرى ، وبالتالي تعدد منابع ومراجع المعلومات التي بنيت تلك التفاصيل على أساسها ، أو لعدم وثوق بعضها. فقد اكتفت الديانة اليهودية ، أو ما وصل إلى علمنا منها على الأقل ، بتأكيد الفكرة الرئيسة ، والإشارة العامة إلى أصول المهدي ، وأنه من نسل إسماعيل ، وأنه أحد اثني عشراً عظيماً وأشارت أيضاً إلى الظروف والمخاطر التي أحاطت بولادة هذا المنقذ العظيم ، وصرحت بأن الله تعالى قد غيّب هذا المنقذ ليحفظه ، ثم يظهر في اللحظة المناسبة ، وبالرغم من إجمال تلك المعلومات ، إلا أنها على جانب كبير من الأهمية ، كما سنري. أما الديانة المسيحية فقد أشارت إلى عهد الظهور ، وأبرزت من هذا العهد ظهور السيد المسيح ، فركزت عليه تركيزاً خاصاً ، وأهملت ما سواه.
     أما الديانة الإسلامية ، وهي أحدث وآخر الديانات السماوية ، فقد غطت نظرية ظهور المهدي تغطية كاملة ، فعلي الرغم من المحنة التي تعرض لها الحديث النبوي ، حيث منعت كتابته وروايته مدة طويلة من الزمن ، إلا أن ما وصلنا من الأحاديث النبوية قد وصف المهدي وصفاً دقيقاً ، وحدد علامات ظهوره تحديداً وضحاً ، ووصفت مهمته موضوعياً كما سنرى.
     وهذا الاختلاف بين العقائد والأديان على التفاصيل بعد الاتفاق على الفكرة الرئيسة أفرز تماذج وأشكالاً متعددة ، للاعتقاد بالمهدي المنتظر ، أو المنقذ الأعظم ، وسنستعرضها بما أمكن من الأيجاز طمعاً باستكمال دائرة البحث.

أشكال هذا الاعتقاد
1 ـ عند اتباع الملل الأخرى « غير السماوية »
     لقد اعتقد الزرادشتيون بفكرة الظهور ، واعتقدوا أن المنقذ الذي سيظهر هو بهرام شاه. واعتقد المجوس بعودة أرشيدو ، واعتقد البوذيون بعودة بوذا ، واعتقد


(72)
الأسبان بعودة ملكهم روذيق ، واعتقد المغول بعودة جنكيزخان ، وقد وجد مثل هذه الاعتقادات عند قدماء المصريين وفي كتب الصينيين القديمة. راجع المهدية في الإسلام سعيد محمد حسن ص 43 ، 44 وقائم القيامة للدكتور مصطفى غالب ص 270 والمهدي المنتظر في الفكر الإسلامي إصدار مركز الرسالة ص 8 ، 9.
     و الملفت للانتباه أن أصحاب تلك المعتقدات الانفة الذكر قد امنوا بفكرة ظهور أشخاص كانوا معروفين بعدما اختفوا في ظروف اكتنفها الغموض. لقد اتفق أصحاب تلك الاعتقادات على حالات اختفاء لرجال مشهورين جداً ، ثم امنوا بحتمية عودتهم وظهورهم لغايات الإنقاذ وتحقيق أهداف يتوقف تحقيقها على وجودهم بالذات !!

2 ـ عند اليهود والنصارى
     لقد امن اليهود بهذا الاعتقاد « ظهور المهدي » قال كعب الأحبار : مكتوب في أسفار الانبياء : « المهدي ما في عمله عيب » قال سعيد أيوب الكاتب المصري الشهير في ص 370 ـ 380 من كتابه المسيح الدجال ما نصه : « وأشهد أنى وجدت كذلك في كتب أهل الكتاب ، لقد تتبع أهل الكتاب أخبار المهدي كما تتبعوا أخبار جده محمد » (ص) فأشارت أخبار سفر الرؤيا ألي إمرأة يخرج منها إثنا عشر رجلا ، وأشار إلى امرأة أخرى وهي تلد الأخير. وجاء في سفر الرؤيا 3/12 « والتنين وقف أمام المرأة الأخيرة حتى تلد ليبلع ولدها متى ولدت » وجاء في سفر الرؤيا 5/12 « واختطف الله ولدها » ويقول باركلي في تفسيره « وعندما هجمت عليها ـ أي المرأة ـ المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه أي أن الله قد غيب هذا الطفل ». وذكر سفر الرؤيا أن غيبة هذا الغلام ستكون ألفاً ومائتي سنة وهي مدة لها رموزها عند أهل الكتاب ، وقال باركلي عن نسل المرأة عموماً : « إن التنين سيعمل حرباً شرسة مع نسل المرأة » ، وجاء في سفر الرؤيا 13/ 12 « فغضب التنين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله ».
     و لا تنطبق أوصاف المرأة الاولى ونسلها ألا على السيدة الزهراء ونسلها عمداء أهل بيت النبوة الأعلام ، فقد طاردتهم السلطة « التنين » طوال التاريخ. أما المرأة الثانية وطفلها فلا تنطبق أوصافهما إلا على المهدي وأمه ، فالمهدي هو حفيد


(73)
الزهراء ، وقد ترقب العباسيون ولادته يوماً بيوم حتى يقتلوه ، لانهم قد عرفوا أنه المهدي المنتظر ، ولكن الله سبحانه وتعالى نجّا الطفل بالفعل ليحفظه ، وليهيء الأسباب لاقامة دولته العالمية ، ثم يظهره. ويؤيد ما ذهبنا إليه ما جاء بسفر التكوين 20/17 : « وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه ، وها أنا أباركه وأنميه ، وأكثره جداً جداً ، ويلد اثني عشر رئيساً ، واجعله امة عظيمة » ومن المسلم به أن رسول الله محمد من نسل إسماعيل ، وأن عمداء أهل بيت النبوة الاثنى عشر هم ذرية النبي وعصبته ، وانهم علام الأمة وورثة علمي النبوة والكتاب ، قإذا لم يكن هؤلاء العمداء هم الرؤساء المعنيون ، فمن هم الرؤساء إذن ؟ ومن هو الأولى منهم بالنبي ، أو الأقرب إليه منهم ؟ بل ومن هم ورثته غير هم ؟ قد يقول قائل ربما كان المقصود من الاثنى عشر رئيساً « الخلفاء » الذين تعاقبوا على رئاسة دولة الخلافة التاريخية ، وحسب تسلسلهم الزمني !! وهذا غير معقول لأن بعضهم قد هدم الكعبة ، واستباح المدينة المنورة اموالا وأعراضاً واعلن كفره جهاراً ونهاراً ، وبعضهم قد نفذ خطة لابادة المؤمنين الصادقين !! فهل يعقل أن يعد الله سيحانه وتعالى برئاسة مثلهم ، وان يباركهم ، ويعتبر رئاستهم منة ونعمة !! وقد يقال أن الاثنى عشر هم الصفوة المنتقاة من الخلفاء التاريخيين !! ولكن ما هو الدليل على ذلك ؟ ومن هم المخول بانتقائهم ؟ ثم إنا لو وزنّا الخلفاء التاريخيين بموازين الشرع الحنيف لما صمد منهم ربع هذا العدد !! وقد يقال بأن الرئيس هو الملك فعلا !! لقد كان النمرود ملكاً كان إبراهيم مواطناً في مملكته !! فمن هو العظيم والرئيس بالمعايير الشرعية هل هو إبراهيم أم النمرود الطاغية !!! لقد عاصر كل الانبياة ملوكاً بيدهم الحول والطول فهل كان الملوك هم الرؤساء العظماء ، وهل كان الأنبياء عامة !! إن العبرة بالرئاسة هي الأهلية والمرجعية الشرعية فالأنبياء ، والاولياء هم الرؤساء الذين اختارهم الله وفقاً لموازين عدله وفضله ، والملوك المتجبرون هم الذين فرضوا أنفسهم على العباد بالغلبة والقهر فخرجوا وأخرجوا الناس من دائرة الشرعية والمشروعية الإلهية.
     وما يعنينا في هذا المقام هو حتمية الصلة بين الرؤساء الاثنى عشر من نسل إسماعيل الذين وعد الله بهم وبين أئمة أهل بيت النبوة الكرام. ويعنينا أيضاً هو النصوص الواردة بالاسفار بان الله سبحانه وتعالى قد غيب الرئيس الثاني عشر


(74)
ليحفظه ويوطد له ، يظهره ، وتنطبق تلك الأوصاف انطباقاً تاماً على العميد الثاني عشر من عمداء بيت النبوة وهو محمد بن الحسن حفيد النبي (ًص).
     وهناك إشارة في سفر أرميا 11 ـ 2/46 تتحدث عن قائد إسلامي عظيم يقود جندالله ، وينتقم من أعداء الله عند نهر الفرات وهو المكان الذي ذبح لله فيه « ذبيحة » ولا تنطبق أوصاف هذا .... وتتبنى الديانة المسيحية بالطبع نفس الاشارات الواردة في الأسفار عن المهدي المنتظر ، وتؤمن بفكرة الظهور ، ومع أن ظهور المهدي يتزامن ويتكامل مع نزول السيد المسيح إلا أن اعتقاد المسيحية منصب بالدرجة الأولى والاخيرة على السيد المسيح ، ويتجاهل ما سواه !! واعتقد مسيحيو الأحباش بعودة ملكهم ثيودور كمهدي في آخر الزمان.

3 ـ عند بعض فلاسفة اليهود والنصارى في العصر الحديث
     قال الفيلسوف الأنکليزي « برتراند راسل » إن العالم بانتظار مصلح يوحد العالم تحت علم واحد وشعار واحد. راجع المهدي للسيد الشهرستاني ص 6 والمهدي المنتظر في الفكر الإسلامي ص 9.
     وقال أنيشتاين صاحب النظرية النسبية المشهور. « إن اليوم الذي يسود العالم كله الصلح والصفا ويكون الناس متحابين ليس ببعيد ». راجع المهدي الموعود ودفع الشبهات للسيد الشهرستاني ص 7 ، والمهدي في الفكر الإسلامي ص 9.
     وقد بشر به الفيلسوف الإنكليزي « برنارد شو » في كتابه الإنسان والسوبرمان ، Man & Superman وعلّق عباس محمود العقاد على هذه البشرى بالقول : « يلوح لنا أن سوبرمان « شو » ليس بالمستحيل ، وأن دعوته إليه لا تخلو من حقيقة ثانبة ».راجع برنارد شو لعباس محمود العقاد ص 124 ـ 125 والمهدي في الفكر الإسلامي ص 9.
     و أنت تلاحظ أن راسل يبرز حاجة العالم للمصلح ، وانتظار العالم لذلك المصلح ، بينما يتحدث أينشتاين عن بعض مظاهر عهد ذلك المصلح وبشرى برنارد شو سندها العقل المستند إلى فكرة عالمية موروثة ومتواتره.


(75)
الفصل الثاني :
المهدي المنتظر في الإسلام
     احتل الاعتقاد بالمهدي مكانة بارزة في الإسلام كدين ، على صعيدي القرآن والسنّة المطهرة ، فقد برزت نظرية الاعتقاد بالمهدي المنتظر بصورتها الكاملة والواضحة والبعيدة عن التوهم والغموض. حيث أكد دين الإسلام حقيقة وصحة هذا الاعتقاد العالمي المتواتر ، ثم أبرز كلياته وتفاصيله الدقيقة ، وأزال ما لحق بهذا الاعتقاد من نقص وزيادة وتوهّم واجتهاد ، وأبقى على الحقائق النقية القادرة على الوقوف في كل زمان ، ووضع تحت تصرف عشّاق الحقائق المجردة نظرية متكاملة واضحة تغطي بالكامل كل ما يتعلق بالاعتقاد بالمهدي المنتظر ، فما من سؤال في هذا المجال إلا وتجد له في الاسالم جواباً مستنداً إلى القرآن الكريم أو السنة المطهرة. وقد قدم الإسلام هذه النظرية كجزء لا يتجزأ من النظام السياسي الذي أنزله الله على عبده ومصطفاه محمد صلي الله عليه وآل وسلم فالمهدي المنتظر عند شيعة أهل بيت النبوة هو الأمام الثاني عشر من الائمة أو القادة الشرعيين الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى وأعلنهم النبي كقادة للأمة ، ويجمع أهل السنة « شيعة الخلفاء » على صحة وتواتر قول رسول الله بأن الأئمة أو الامراء أو النقباء او القادة العظام من بعده اثنا عشر ، وأخالهم بالضرورة يعتبرون المهدي المنتظر أحدهم. ثم إن أهل بيت النبوة وهم أحد الثقلين ومن والاهم قد أجمعوا على أن الاعتقاد بالمهدي الموعود المنتظر هو جزء لا يتجزأ من دين الإسلام ، ثم أن الخلفاء التاريخيين ومن والاهم قد أجمعوا أيضاً على أن الاعتقاد بالمهدي المنتظر هو جزء من عموم المعتقدات الامة على صحتها. فإن المنكر لهذا الاعتقاد هو بحكم المنكر لما هو


(76)
ثابت من الدين ، وقد ألف المتقي الهندي (ت 975 ه) صاحب كتاب كنز العمال كتاباً عنوانه « البرهان في علامات مهدي آخر الزمان » أورد فيه فتاوى المذاهب الأربعة في زمانهم وهم ابن حجر الهيثمي الشافعي وأحمد أبي السرور بن الصبا الحنفي ، ومحمد بن محمد الخطالي المالكي ، ويحيى بن محمد الحنبلي ، وقال : « إن هؤلاء هم علماء أهل مكة وفقهاء الإسلام على المذاهب الاربعة ، ومن راجع فتاواهم عَلِمَ عِلمَ اليقين أنهم متفقون على تواتر أحاديث المهدي ، وأن منكرها يجب أن ينال جزاءه ، وصرحوا بوجوب ضربه وتأديبه وإهانته حتى يرجع إلى الحق رغم أنفه ـ على حد تعبيرهم ـ وإلا فيهدرون دمه » [ البرهان على علامات مهدي آخر الزمان ص 178 ـ 183 والمهدي المنتظر في الفكر الإسلامي ث 41 ـ 42 ].

الاعتقاد بالمهدي المنتظر
عند المسلمين
     شق الاعتقاد بالمهدي المنتظر طريقه بيسر وسهولة إلى قلوب كل المسلمين وعقولهم ، واعتبره المسلمون جزءًا من عقيدتهم الإسلامية وحكماً من أحكامها ، وواحداً من تعاليمها كالتسبيح أو التهليل أو الصلاة أو الصوم أو الايمان بالغيب.فكافة المسلمين مع اختلاف منابتهم وأصولهم وتوجهاتهم السياسية وثقافاتهم المختلفة يعتقدون بحتمية ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان ، وأن هذا المهدي من عترة النبي ، وأن عهده من أزهى العهود حيث سيملأ الارض عدلاً ، وسينقذ الامة الاسلامية والعالم كله إنقاذاً شاملاً ، وأن الله تعالى سيرد بالمهدي الدين ، ويفتح له العالم كله ، وأنه سينشر الرخاء في الأرض. وقد اعترف بهذه الحقيقة حتى المتشككين بهذا الاعتقاد. فابن خلدون مثلاً أحد المتشككين ومع هذا فهو يشهد قائلاً « أعلم أن المشهور بين الکافة من أهل الاسلام علي ممر العصور أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى المهدي [ راجع تاريخ اين خادون ج 1 ص 555 الفصل 52 ]. وأحمد أمين الأزهري المعروف من المتشككين أيضاً بهذا الاعتقاد ومع هذا فهو يشهد قائلا : « وأما أهل السنة فقد آمنوا بها أيضاً » أي آمنوا بحقيقة المهدي. [ راجع كتابه المهدي والمهدية


(77)
ص 41 ] وبعد أن أدلى بشهادته ساق قول ابن خلدون الانف الذكر. فإذا كانت هذه شهادة المتشككين فيعني أن شيوع هذا الاعتقاد وانتشاره بين كافة المسلمين العامة والخاصة من الحقائق الاسلامية المسلم بصحتها على مستوى المسلمين جميعاً ، وليس بإمكان عاقل أن يتجاهل عموم وشمول هذا الاعتقاد لكافة أتباع الملة الاسلامية. ولقد أدرك الحكام الذين استولوا على قيادة الأمة طوال التاريخ السياسي الاسلامي ، خطورة هذه الفكرة على حكمهم ، وقدرتها الفائقة على شق طريقها إلى قلوب المسلمين ، ودور هذه الفكرة بنقد الظلم وفضح الظالمين ، فسخروا كافة موارد الدولة التي استولوا على قيادتها للتشكيك بالفكرة الاساسية تمهيداً لاقتلاعها من جذورها !! ومع أن الحكام قد نجحوا نجاحاً ساحقاً بحل عرى الإسلام كلها عروة بعد عروة ، ومع أنهم قد نجحوا بإخضاع الأمة لمشيئتهم ، إلا أنهم قد فشلوا فشلاً ذريعاً باقتلاع الاعتقاد بالمهدي المنتظر من قلوب الناس وعقولهم ، بل إن هذا الاعتقاد كان يترسخ ويتجذر طردياً كلما زاد ظلم الحكام وبطشهم ، ويزداد المسلمون يقيناً بحتمية ظهور المهدي !!. وتوارث الاجيال هذا الاعتقاد ، وتوارثت صلته الحميمة بالدين الاسلامي.

مصادر ومنابع الاعتقاد بالمهدي المنتظر
     لقد استمد المسلمون الاعتقاد بالمهدي المنتظر واستقوه من منبع أو مصدر واحد وهو الإسلام. فالاسلام هو الذي كلف أتباعه ومعتنقيه بالاعتقاد بها ، والالتزام التام بهذا الاعتقاد كغيره من المعتقدات النابعة من صميم الإسلام.
     ويُعنى الإسلام على الصعيد القانوني أو الحقوقي « الآمر والناهي والمحلل والمحرم » كل ما جاء به القرآن الكريم ، وبيان النبي لهذا القرآن سواء أمكان البيان بالقول أو بالفعل أو بالتقدير ، ويسمى هذا البيان بالسنة المطهرة. وكل واحد من هذين المصدرين مكمل للآخر ، ولا غنى لإحداهما عن الآخر ، لان أولى مهمات النبي أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم بياناً قائماً على الجزم واليقين.
     و لأن الإسلام آخر الأديان السماوية ، محمداً خاتم النبيين فقد أجاب الاسلام على كافة التساؤلات البشرية في ما مضى ، وفي ما يأتي ، وعطى كافة


(78)
الاحتياجات الإنسانية على كل الأصعدة اللازمة لنمو الحياة الإنسانية وتطورها ورقيها ، فما من شيء ، على الإطلاق إلا وجاء به القرآن ، وبينه النبي بالقدر الذي يستوعبه كل المكلفين وتصديق ذلك قوله في سورة النحل آية 89 (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء).
     و أحكام الإسلام وتعاليمه ما شرعت لمعالجة مشكلات قومية أو إقليمية إنما هي منصية بالأصل على معالجة مشكلات العالم كله بأرضه وسكانه ، وكانت الوحدة التاريخية والدينية والسياسة للعالم هي محور عناية واهتمام الإسلام. حيث وضع الإسلام تحت تصرف العالم أيضاً قيادة سياسية وروحية لا مثيل لها. فالإمام القائد في زمانه هو الأفضل وهو الأقرب لله ولرسوله ، فإذا أراد العالم أن يهتدي فعليه بموالاة القيادة الإلهية والعمل بالنظام الالهي فهما ثقلان يتكامل أحدهما مع الآخر ويتمم أحدهما الآخر وهذا هو المقصود الشرعي من حديث الثقلين.
     وشاءت حكمة الله أن يكون المهدي هو آخر جيل القيادة الإلهية المسماة ، وهو الذي سيتولى توحيد العالم دينياً وسياسياً ويترجم جهد الأنبياء وخاتمهم ويحقق هدفهم بتحقيق وحدة العالم الدينية والسياسية. بحيث تكون كل أقاليم الكرة الارضية ولايات لدولته وكل سكان المعمورة رعايا لتلك الدولة ، وكل أهل القوة والأمانة من رجال العالم ونسائه بطانة له يستعين بهم لتنفيذ النظام الالهي ، فيكون عهده الزاهر عهد الرخاء الذي حلم به النبيون ، وعهد العدل الذي جاهد لتحقيقه النبيون ، والنموذج الرمز لوحدة الجنس البشرى التي بشر بها النبيون ورمز انتصار الحق على الباطل على المستوي العالمي عبر الصراع الطويل بينهما وهنا يكمن سر تركيز الإسلام تركيزاً خاصاً على نظرية المهدي المنتظر ، وتكمن عناية النبي الفائقة بإبرازها وتوضيحها والتبشير بها ، بل ويكمن سر فخره بالمهدي المنتظر لانه المؤهل إليها لعملية التغيير الکبرى ولانه ابنه وقرة عينه وحفيده.
     و الخلاصة أن الإسلام بركنية الكتاب والسنة هما المصدر والمنبع الوحيد للاعتقاد بالمهدي المنتظر ، وعلى ذلك أجمع المسلمون.


(79)
الفصل الثالث :
المهدي المنتظر في القرآن الكريم
لكي نجد المهدي في القرآن
     قال تعالى وهو أصدق القائلين : ( ونزلنا عليك الكتب تبيانا لكل شيء) (سورة النحل ، اية : 89) ، ومعنى هذا أنه ما من شيء على الإطلاق إلا وقد بينه الله في هذا القرآن.
     لكن عملية استخراج وتحديد بيان كل شيء أو اي شيء في القرآن الكريم عملية فنية من جميع الوجوه ، بمعنى أنها تحتاج إلى رجل مؤهل أليها ، ومختص ومزود بالقدره على معرفة مواضع بيان أي شيء في القرآن الكريم. وهنا يكمن سر التكامل والترابط العضوي الوثيق بين كتاب الله المنزل ، ونبي الله المرسل ، فالكتاب يحتوي بيان كل شيء ، والنبي يعرف حصة كل شيء من هذا البيان معرفة يقينية وبلا زيادة ولا نقصان أي تماماً على الوجه الذي أراد الله.
     لذلك كانت مهمة الرسول الأساسية منصبة على بيان ما أنزل الله ، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد صلي الله عليه وآله وسلم : (وانزلنا اليک الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ) وقال تعالى : ( وما انزلنا عليك الكتب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) ( سورة النحل ، الايتان 44 و64). فلا يعرف بيان الكتاب لاي شيء على الوجه اليقيني القاطع إلا النبي ، أو الشخص المؤهل إليها القائم مقام النبي بعد وفاته. ولأن الرسول خاتم النبيين ، ولأن الإسلام آخر دين ، ولانه لا بد من بيان القرآن فقد خصص الله سبحانه وتعالى اثني عشر إماماً ، أو خليفة ، أو نقيباً أو أميراً وسماهم بأسمائهم ،


(80)
وعهد إليهم ببيان القرآن خلال الفترة الواقعة بين موت النبي وقيام الساعة فكل واحد من هؤلاء الاثنى عشر مخول ومؤهل ليكون المختص الوحيد لبيان القرآن وقيادة العالم في زمانه.
     فالقرآن كمعجزة بيانية باقية ببقاء الحياة الدنيا ، له أسلوبه البياني الخاص ، فكلمة الصلاة يعرفها جميع البشر بأنها تعني الدعاء ، وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن الكريم عشرات المرات ، دون تفصيل ولا بيان محدد لما ينبغي أن يقال فيها ، لقد ترك القرآن كافة هذه الأمور والتفصيلات لبيان النبي ، ويعتقد كل المؤمنين أن الله تعالى هو الذي أوحى للنبي وعلمه كافة هذه الأمور.هذا حال الصلاة وهي عماد الدين ، ويقال مثل ذلك عن الزكاة والحج والصوم والشهادة ، وهي أركان الإسلام ، وكل ما يحتج به المسلمون بهذه الامور وأمثالها يسندونه للرسول ، وقد توخى القرآن من ذلك في ما توخي أبراز التكامل والترابط العضوي الوثيق ، بين ما أنزله الله وما بينّه نبيه ، وإبراز الخط العام المتمثل بأن النبي يوحى إليه ، وهو يتبع ما يوحى إليه تماماً ، وأن طاعة الرسول كطاعة الله ، ومعصية الرسول كمعصية لله ، وموالاة الرسول كموالاة الله ، واتباع أوامر الرسول تماماً كاتباع أوامر الله ، ومخالفة أوامر الرسول هي مخالفة لأوامر الله ، هي تهدف في ما تهدف لخلق حالة نفسية عند المسلمين تقر بتميز الرسول ، أو القائم الشرعي مقامه بعد وفاته كشخص مختص بالبيان ، وأن مكانته لا ترقي إليها مكانة ، وأن علاقتهم به هي التجسيد العملي لعلاقتهم بالله سبحانه وتعالى ، فكل قول دون قوله ، وكل مكانة دون مكانته ، وكل فهم دون فهمه ، يتجاوز قول النبي وفهمه أو أمره ونهية ، ومن يعتقد أن « اجتهاده » أو رؤيته للأمور الدنيوية ، أو الأخروية هي أقرب للصواب مما بين النبي ، فهو منحرف وضال كائنا من كان ، صحابياً أم خليفة. ثم إن تسليم مفاتيح بيان ما أنزل من بعد النبي إلى الأئمة الأعلام من أهل بيت النبوة الذين ورثوا علمي النبوة ، فيه إبراز لمكانتهم ، وتقديم لقولهم وفهمهم على كل قول وفهم ، لإن الواحد منهم لا يقول برأيه ، فإذا حدث فإنما يحدث بحدود علمي النبوة ، والكتاب ، وبنفس الوقت تأكيد نفسي لاستمرار وجود النبي ، لأنهم بنوه وأحفاده.
حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: فهرس