حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 61 ـ70
(61)
الفصل الرابع :
المهمة الكبرى للمهدي المنتظر
     بعد انتقال النبي الأعظم إلى جوار ربه ، واستيلاء بطون قريش على منصب الخلافة بالقوة والتغلب ، وحيازتها الفعلية للملك الذي تمخضت عنه النبوة ، حدثت تغييرات هائلة وشاملة وجذرية ، طالت كل شيء كان النبي قد مسّه ، فنقلته من مكان إلى آخر ، وعدلت وبدلت فيه ، حتى غيرت حقيقته تماماً ولم يبق منه إلا اسمه أو رسمه الأسلامي.
     فقد حلت عرى الإسلام كلها سريعاً عروة بعد عروة ، ورفعت مضامينه ومفاهيمه الجوهرية من واقع الحياة تماماً أو حيّدتها !! ولم يبق من الإسلام إلا اسمه والاطار العام أو الشكل اللازم لبقاء الملك ، وتوسيع رقعة المملكة أو الأمبراطورية ولكن باسمه ، أما الإسلام الحقيقي بجوهره ومضمونه فقد صار غريباً لا يعرفه المجتمع أبداً !! ولا شيء يدل عليه أو يرمز إليه إلا الفئة المؤمنة القليلة والمتكوّنة من آل محمد وأهل بيته وقدامى المحاربين المؤمنين الذين قامت دولة النبوة على أكتافهم ، وانتشرت دعوة الإسلام بسيوفهم وألسنتهم ، وصحبوا النبي فـحسنوا الصحبة ووالوه فأخصلوا بالولاء ، واستوعبوا ووعوا علوم الإسلام ، فلما مات النبي تمسّكوا بالقرآن وبأهل بيت كما أمروا فنقمت عليهم دولة الخلافة ، وصبت جام غضبها عليهم فعزلتهم مع أهل بيت النبوة ، وحرّمت عليهم


(62)
تولي الوظائف العامة وكممت أفواهم ، وضيقت عليهم معيشتهم ، ونفّرت الناس منهم ، فأذلوا وعزلوا تماماً وصاروا غرباء کغربة الإسلام والإيمان !! وهم من عناهم النبي بقوله: «فطوبي للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس ». [ راجع سنن الدارمي ج 2 ص 311 ـ 312 وصحيح مسلم ج 1 ص 130 وصحيح الترمذي ج 5 ص 18 ] اسم الإسلام ورسمه ، والقرآن الكريم بين دفتين ، وأهل بيت النبوة ، القليلة المؤمنة الغريبة المستضعفة هم جميعاً كل ما تبقى من الإسلام وعمع الشعور بالإحباط وجذر المصيبة وضاعفها ان دولة الخلافة قد أجبرت أهل بيت النبوة وآل محمد وقدامى المحاربين وكافة أفراد الفئة المؤمنة على الجلوس على مقاعد التلاميذ وقصرت دورهم على الاستماع والموافقة بعد أن سلمت الأمرة والقيادة ومنصب « الاستاذية والتعليم » إلى الطلقاء وحديثي العهد بالاسلام مع أنه لا علم لهم بالدين ويجهلون تاريخ رجالاته !! فقدمت دولة الخلافة المتأخرين بالقوة وأمّرتهم ، وأخّرت المتقدمين السابقين بالقوة وأجبرتهم على الاعتراف بأنهم متأخران بالقوة أيضاً !!!
     ولم تكتف بذلك إنما خلطت الأوراق خلطاً عجيباً !! فلم يعد المراقب المنصف يدري بالفعل أياً من أي كما قال الرسول وحذّر !!
     وهكذا اقتصرت مهمة الدين على حراسة تاريخ عصر ما بعد النبوة وإثبات شرعية وقائعه وظواهره التي تمخضت عنها الحركة السياسية لمسيرة الخلفاء المتغلبين من بعد النبي !!! وهرولت وراءهم الأكثرية الساحقة من الأمة طمعاً برغيف العيش وبقياً منها على الحياة وتربت هذه الأكثرية تحت قيّة الرأي والتأويل المفضي مباشرة إلى فقه الهوى ، ونشأ فقه الهوى بالفعل وصار هو القانون النافذ في المجتمع ، وتمكن هذا الفقه من النفوس ، وظهر أو أّظهر بصورة الدين الإسلامي وثوبه ، وألقي هذا الفقه أجرانه في ديار الإسلام !! فعليك أن تقبل به وبتاريخ ما بعد النبوة معاً ، أو ترفض الدين وهذا التاريخ معا !! فهما وجهان لعملة واحدة ، وكل جيل كان يسلم راية فقه الهوى للجيل الذي يليه ، فأشربت قلوب المسلمين كليات وتفاصيل هذا الفقه بما كسبت أيديهم ، وكانت الأجيال كلها تتحرك تحت إشراف وسطوة الخلفاء المنقلبين الذين صنعوا هذا الفقه ورعوه ،


(63)
ومنه استمدوا شرعية وجودهم وسلطتهم !!
     ومع أن المسلمين يعترفون بأن عرى الإسلام كلها قد حلت عروة بعد عروة ، وأنه لم يبق من الأسلام عروة بدون حل !! وهم يعرفون أيضاً بأن الإسلام قد أخرج من واقع الحياة ومسرحها وصار تاريخاً ، وهم يقرون أن الإسلام والإيمان والمسلمين والمؤمنين الصادقين قد صاروا جميعاً وأن حكم الله قد رفع من الأرض ، وأن الأمة الإسلامية لم تعد أمة وسطاً وأنها لم تعد مؤهلة لتكون الشاهدة على الناس ، وكان هذا واضحاً للناس جميعاً من اللحظة التي اصبح فيها الذين عادوا الله ورسوله هم الحكام والمعلمون وأجبر أهل بيت النبوة وأولياء الله ورسوله على أن يكونوا تابعين ومحكومين ومقتصر دورهم على الاصغاء والسكوت أو مواجهة الموت الزؤام !!
     مع أن المسلمين يعرفون كل ذلك معرفة تامة ، ويقرون بحدوثه ووقوعه إلا أنه ليست لاحد من المسلمين الرغبة لمعرفة : من الذي فكك الإسلام ، وحلّ عراه ، وتسبب بإخراجه من واقع الحياة ، وجعله والمتمسكين به في حالة غربة وهو صاحب الدار ، ومن الذي مكن أعداء الله والمتأخرين من أن يصبحوا هم القادة وفرض على أهل بيت النبوة وقدامى المحاربين المؤمنين والفئة المؤمنة التأخر والذل ؟ !!
     مع أن معرفة أولئك الذين تسببوا بكل هذه المصائب أمر ضروري !! وتشخيص لا بد منه لوصف الدواء !!
     وإذا رغب المسلمون بمعرفة من الذي فعل بهذه الأمة هذه الأفاعيل وتسبب بدمار الإسلام والمسلمين فإن رغبتهم تصطدم مع فقه الهوى الذي أشربته قلوبهم ، وحسب قواعد هذا الفقه ، فإن طاعة ومحبة الذين حلّوا عرى الأسلام وجعلوه غريباً واجبة ، ومعصيتهم ، أو كراهيتهم ، أو الخروج عليهم حرام بالاجماع !!! فمحبتهم واجبة وهم أموات ، والاقتداء بهم دين حتى وإن كانوا مخلئين !!
     وهكذا تصطدم الرغبة بتشخيص الداء ومعرفة الأعداء بفقه الهوى الذي تمكن من النفوس واستقر فيها بعد 14 قرناً من المداومة على حفظه على ظهر قلب


(64)
والإيمان به وتصطدم مع اللاشعور المسكون بالرعب والخوف من سيوف المتغلبين وأعوانهم ، والخشية من قطع العطاء والحرمان من الجاه والنفوذ !! فلاشعور الأمة ما زال تحت سطوة معاوية والخلفاء الأمويين.
     لهذا كلما سأل المسلم نفسه التساؤلات التي طرحناها قبل قليل يسيطر على قلبه وسمعه وعقله عالم لاشعوره المملوء بالرعب والعائش بالفعل تحت سلطة معاوية وحكمه ، عندئذ يلعن هذا المسلم الشيطان ويعود لنفس الدائرة التي سجن المسلمون فيها أنفسهم طوال التاريخ !!!
     فنكون أمام مشكلة حقيقية مستعصية الحل ، فلو عاش الناس مليون قرن فلن يخرجوا من هذه الدائرة التي سجنوا أنفسهم فيها ، ولن تفارقهم أشباح الرعب التي تتحكم بلا شعورهم !! فنحن أمام عقبة کبرى لا يمكن أن يقتحمها إلا نبي أو ولي مجرب ومدعوم إلهياً ، وبما أن محمداً هو رسول الله وخاتم النبيين ولا نبي بعده ، فيكون الولي العارف المجرب المطّلع هو القادر على حل مشكلة المسلمين واجتياز هذه العقبة الكؤود ، وإخراجهم من الدائرة التي سجنوا أنفسهم فيها.
     وقد اختار الله سبحانه وتعالى عبده محمد بن الحسن ليكون هو المهدي المنتظر ، لحل المشكلة العالمية من عقالها وتجاوز العقبة ، وإخراج الناس من دائرة التقليد الأعمى ( انّا وجدنا ء ابا ء نا على أمّه ) إلى دائرة الإبداع الملتزم ! وقد وهب الله تعالى للمهدي المنتظر عمراً طويلاً ، وقدرة هائلة على التنقل والاستيعاب ، والتخفي ، فهو يعيش بين الناس ، ويفهم كليات وتفاصيل ما يجري في العالم وهو ينتظر اكتمال الأسباب وأمر الله له بالظهور والخروج فعندما يخرج المهدي المنتظر تکون أسباب النجاح قد هيئت تماماً ، فيقوم المهدي المنتظر بإعادة عن بعضها البعض ، ويضع النقاط على الحروف ويسمى الأشياء بأسمائها ، ويقدم الإسلام على حقيقته للعالم ، فتزول الغشاوات عن العيون ، والرين عن القلوب ، ويشكل المهدي حكومته العالمية من المؤمنين الصادقين أصحاب القوة والأمانة من رجال العالم ونسائه ، وتصبح كل أقاليم العالم « دوله » ولايات لدولته ويصبح كل أبناء الجنس البشرى رعايا ومواطنين في دولته


(65)
تعاملهم بكل المحبة والاحترام لا فرق بين لون ولون أو بين عرق وعرق ، أو بين قوم وقوم ، وتؤول إلى خزينة دولة المهدي كافة موارد العالم الاقتصادية ، فيوزعها بين الناس بالسوية دون أن يميز أحداً عن ، لان الحاجات الاساسية لبني البشر متشابهة ، وخلال عهده تعطي السماء كل بركاتها ، وتخرج الأرض كل كنوزها وخيراتها ويقصم المهدي كل جبار في الأرض. ويتحرر الإنسان من الخوف والعوز معاً ، وتتفتح أمام أبناء الجنس البشرى أبواب ومنافذ العصر الذهبي الدنيوي الذي لا يضاهيه عصر في الدنيا فلا عدوان ولا بغي ولا ظلم ، ولا خوف ولا عوز ، ولا مرض ولا قلق ...
     هذه هي الخطوط العريضة لتوجهات المهدي المنتظر وانجاهاته وهذه هي المهمة الکبرى التي اختار الله عبده المهدي المنتظر واتجاهاته وهذا هو المهدي الذي طالما بشر به النبي ، ووعد المؤمنين والجنس البشرى بالخلاص على يديه ، وهذا هو خاتم الأئمة الذين اختارهم الله لقيادة العالم!


(66)

(67)
الباب الثاني
الاعتقاد بالمهدي المنتظر


(68)

(69)
الفصل الأول :
الاعتقاد بالمهدي المنتظر
شيوع هذا الاعتقاد وانتشاره
     شاع الاعتقاد بحتمية ظهور المنقذ « المهدي » وانتشر في كافة أرجاء المعمورة ، وأخذ أشكالاً مختلفة ، ولكنها تتعلق بالمآل بذات الفكرة. وسلمت بفكرة ظهوره كافة التيارات الکبرى في كافة المجتمعات البشرية القديمة.
     و أجمعت على حتمية هذا الظهور الطلائل المستنيرة من أتباع الديانات السماوية الثلاث ، وعلى الأخص الديانة الاسلامية ، والطلائع المستنيرة من أتباع الملل الأخرى الشائع بين الناس بأنها غير سماوية.
     فعلى الرغم من اختلافهم في المنابت والأصول واختلاف عقائدهم وتوجهاتهم وأديانهم ، ومصادر معارفهم ، إلا أنهم قد اتفقوا على حتمية ظهور المنقذ ، وأن هذا المنقذ مختلف ومميز من جميع الوجوه ، وآمنوا بقدرته على الإنقاذ ، واعتقدوا بأن عهده هو عهد العدل والكفاية والعزة ، تلك هي الفكرة الرئيسة التي لا خلاف عليها ، والتي شاعت وانتشرت على مستوى العالم ، وطوال التاريخ البشرى. وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
     ويتعذر على أي باحث منصف ، في مجال الفكر السياسي العالمي أن يتجاهل حجم ومدى شيوع هذا الاعتقاد وانتشاره ، حيث يجد له موقعاً في كافة العقائد والأديان.


(70)
حقيقة هذا الاعتقاد
     من العسير على أي باحث موضوعي ، بل على أي إنسان سوّي الفطرة أن يتصور ولو للحظة واحدة بأن هذا الإجماع العالمي على الفكرة الرئيسة ، قد حدث جزافاً أو خرافة أو أسطورة ، أو أن هذا الإجماع كان صدفة !! لان الثابت بأن هذا الاعتقاد بالفكرة الرئيسة له منابع ومصادر دينية وعقلية وتاريخية وواقعية تؤكده وتؤيده ، وتجمع عليه وتنفي بالضرورة صلة هذه الفكرة الرئيسة بالوهم أو بالأسطورة أو بالصدفة ، ومن الممكن حدوث زيادة أو نقصان أو اختلاط الاجتهاد بالتفاصيل ، أما الفكرة الرئيسة بظهور المهدي المنقد ، فهي فكرة أصيلة وصحيحة ومنواترة ، ويعتقد بها أتباع الملل الأخرى الشائع بيننا ، بأنها غير سماوية ، ويعتقد بها عقلاء وفلاسفة العالم ، ويرسلها الجميع إرسال المسلمات ، ويعتبرها أتباع كل عقيدة جزءاً لا يتجزء من عقيدتهم ، تقرأ معها ، وتحسب عليها. تلك هي طبيعة القوة التي يتمتع بها هذا الاعتقاد.

تعدد أشكال ونماذج هذا الاعتقاد
     مع أن كافة العقائد والديانات السماوي منها وغير السماوي قد أجمعت على حتمية ظهور المهدي المنقذ ، وعلى تميز هذا المنقذ ، وقدرته الفائقة على الإنقاذ ، وأن عهده الزاهر هو المأمول ، إلا أنها اختلفت في التفاصيل ، وهذا الاختلاف ناتج عن وضوح فكرة الظهور أو غموضها في أذهان معتنقيها ، فبعضهم يرى بأن مهمة المهدي تنحصر في إنقاذ هذا المجتمع أو ذاك ، فهو منقذ خاص لجماعة من الناس من حيث المبدأ !! بينما يرى البعض الآخر ، بأن مهمة المهدي منصبّة على إنقاذ العالم كله إنقاذاً شاملاً ، وإقامة دولة عالمية ، تصبح أقاليم العالم كله ولايات لها ، وأبناء الجنس البشرى ، بمختلف ألوانهم وأعراقهم رعايا لها ، وأصحاب القوة والأمانة من رجال العالم ونسائة هم قادة تلك الدولة وأمرائها. دولة عالمية تحقق العدل المطلق ، والرخاء التام ، والاكتفاء الذي لا عوز معه ، والسعادة لجميع أبناء الجنس البشرى ، ولم نر مثل هذه الرؤيا الشمولية إلا في الإسلام ، ربما لأنه آخر الأديان ، ولأنه المرشح بطبيعته ليكون الدين العالمي الأوحد.
حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: فهرس