التاريخيين ، وبقوة الدفع النبوي ، وبالآلية التي أوجدها النبي ، وبالجيش الذي أسسه النبي قد أمّر أحداً من آل محمد أو من اهل بيته ، أو أحداً ممن يواليهم ، بل على العكس كان الخلفاء يختارون الأمراء والعمال والولاة من الكارهين لآل محمد والحاقدين عليهم ، أو ممن كانوا لا يرون لآل محمد اي قضل او تميز عن الناس. ولم تكتف زعامة قريش بذلك إنما حاولت أن تضرب آل محمد ببعضهم وان توقع بينهم كما فعلت عندما وعدت العباس ببعض الامر لتتمكن من الانفراد بعلي بن أبي طالب ، وإبطال حجته ، وحاولت أن تفتت وحدة البطن الهاشمي ، ولكن محاولاتها فشلت في البدايه ونجحت فيما بعد !!
ورصت زعامة البطون ، وقادت بنفسها حملة كبرى هدفها طرد وتقتيل وتشريد وإذلال آل محمد ، فهددت علياً بالقتل ، وشرعت بحرق بيت فاطمه على من فيه وفيه ابناء الرسول الحسن والحسين ، وحرمتهم من ميراث النبي وتركته وصادرت ممتلكاتهم ، ثم سمت الحسن ، ثم قتلت الحسين ، وأبادت أهل بيت النبوة ، وتجاهلت ومعها الاكثرية الساحقة من المسلمين نداءات النبي التي لم تتوقف ، ووصاياه المتلاحقة : « اتقوا الله في اهل بيتي » ، وقد عبر الامام زين العابدين عن هذا الهول بقوله : « لو أن رسول الله قد حرض المسلمين علينا ما زادوا على ما فعلوا.. ».
وهكذا تم استبعاد أهل بيت النبوة ، وحرمانهم ، والتنكيل بهم وإذالالهم ، ومعاقبة أوليائهم ، فقد مر على المسلمين حين من الدهر كان فيه حب آل محمد أو موالاتهم من جرائم الخيانة العظمى التي عقوبتها القتل وهدم الدار ، والحرمان من العطاء ، والتجرد من كافة الحقوق المدينة ، بحيث لا تقبل وشهادة من يحب آل محمد ، [ راجع كتاب الأحداث للمدائني برواية ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 3 ص 595 تحقيق حسن تميم ].
فاذا عرفت أن أهل بيت النبوة هم أحد الثقلين بالنص الشرعي ، وأن الهدى لن يدرك إلا بالتمسك بهما : « كتاب الله وعترة النبي أهل بيته » تكتشف بيسر بأن كافة عرى الإسلام قد حلّت بالفعل ، وأن الذين حكموا بأسم الإسلام كانوا يصيبون
(42)
من السلام المقاتل ، ويجردونه من كل مضامينه ، ويهدمون كل أركانه ، ولا يبقون منه إلا الشكليات اللازمة للمحافظة على الملك !!!
والمدهش بالفعل ، أن أهل بيت النبوة قد استغاثوا فلم يغثهم أحد ، واستنصروا فلم ينصرهم أحد ، وشرعت السلطة بحرق بيت فاطمة فلي من فيه وفيه ابنا الرسول ، وحرمت السلطة اهل البيت من ميراث النبي ، ومن تركته ، وجردتهم من ممتلكاتهم. ومع هذا لم ينكر على السلطة منكر ، ولم يأمرها احد بمعروف ، ولم ينهها عن منكر ، والمدهش أيضاً أن تجنّد السلطة مائة ألف مقاتل لقتال الحسين ومن معه ، وهم لا يزيدون عن مائة رجل ومع هذا لم ينكر عليها منكر ، ولم يامرها احد بمعروف أو ينهها عن منكر ، وبعد أن قتل كل من كان مع الحسين وبقي وحيداً شن جيش الخلافة هجوماً شاملاً على رجل واحد !! ولهم غاية محدودة وهي قتله ، والتمثيل به ، ومع هذا لم ينكر على الخليفة أو جيشه منكر ، ولم يؤمروا بمعروف أو ينهوا عن منكر !! وهذا ما لم يحدث حتى في مجتمع الفراعنة !!! وهكذا حدث ما أخبر به الرسول ، وحذر منه. ولاقى أهل بيته القتل والتشريد والتطريد واقترف هذه الجرائم زعماء القوم الذين سمعوا النبي وهو يخبر بما كان ، وما هو كائن ، ويحذر ، وشاهدوه وهو يبكي على ما يفعل القوم بأهل بيته من بعده ، وبعد موت النبي تذكرت زعامة القوم تحذيرات النبي ، واستذكرت دموعه الشريفة ، ولكن تلك الزعامة ارتكبت جرائمها مع سبق الترصد والاصرار ، وهي نفس الجرائم التي حذرها النبي منها.
3 ـ غربة الإسلام والايمان
بعد أن حلت عرى الإسلام كلها بدءاً من الحكم وانتهاء بالصلاة ، أصبح الإسلام الحقيقي الذي جاء به محمد غريباً على المجتمع ، إذا لم يبق من الإسلام إلا الشكليات الضرورية لبقاء الملك ، والسيطرة على البلاد المفتوحة بإسمة ، والمسلمون المؤمنون الحقيقيون الذي بنيت دولة النبي على أكتافهم صاروا فئة قليلة معزولة غريبة غربة تامة عن مجتمع دولة الخلافة ، لان هذه الفئة تمسكت بالقرآن ووالت أهل بيت النبوة ، كما أمرت وشكلت مع أهل بيت النبوة الشيعة المؤمنة التي تحمل إرث الأنبياء والتي عاشت معزولة طوال التاريخ البشرى ،
(43)
فأفراد هذه الفئة المؤمنة هم الذين وقفوا مع النبي في لحظات شدته ، وهم الذين نهلوا علوم النبوة يوماً بيوم ، وطبقوها فصلاً فصلاً ، حتى صاروا هم أساتذة المجتمع وينابيع الدين النقية ، ولما استولت بطون قريش بالقوة والتغلب عل منصب الخلافة واكتشفت أن هذه الجماعة المؤمنة موالية لله ولرسوله ولأهل بيت النبوة ، وأن ولاءها الثلاثي هذا لن يتجزاً لأن هذا الولاء بعرفها هو الدين الحقيقي ، عندئذ أدركت دولة الخلافة خطورة هذه الفئة فنقمت عليها ، وعزلتها تماماً كما عزلت أهل بيت النبوة ، واعتبرت أفرادها غرباء متطرفين ، واعتبرت تعاليمهم خطراً على وحدة الدولة ، ووحدة الأمة ، وحذرت دولة الخلافة افراد تلك الفئة بأنهم إن لم يلتزموا بالطاعة ، وإعلان الولاء للدولة ، ستسند لهم تهمة مفارقة الجماعة ، وشق عصا الطاعة ، وتفريق الامة الواحدة وهي جرائم عقوبتها الموت ، وكان واضحاً لافراد تلك الفئة المؤمنة ، بأن العامة ينظرون إشاره دولة الخلافة لقتل كافة أفراد هذه الفئة ، وسبي ذراريهم ، ونهب أموالهم ، لان العامة لا مطمع فعلى لها إلا المال ورضى الخليفة الغالب طمعاً بما في يديه ، وتلك حقيقه فلن يكون لاي فرد من أفراد هذه الفئة المؤمنة اهمية اعظم من علي بن أبي طالب ، أو من فاطمة بنت محمد ، أو من سادات بني هاشم ، وقد سمع الجميع ما حل بهم ، وما آلت إليه أحوالهم من الذل والهوان والعزلة !!
لذلك من الأفضل لأفراد هذه الفئة أن يتجاهلوا تاريخهم الحافل بالأمجاد ، وعلاقتهم الحميمة الخاصة بالنبي ، وأن يتبالهوا ، فيقوموا بدور التلاميذ الذين يسمعون للاساتذة !!!
صحيح أن الأمراء طلقاء لا يفهمون من الدين شيئاً ، وأن يكون أفراد الفئة المؤمنة هم الأمراء ، والأساتذة ، الذين يفيضون علومهم على الجميع ، لكن الخليفة الغالب قد قرر الاستعانة بقوة « الطلقاء » وإثم الطلقاء على أنفسهم كما قال عمر بن الخطاب ، فأصبح الطلقاء أمراء ومن حق الأمير أن يطاع وأن يوجه ويقود المأمورين !! وكان بيد دولة الخلافة وأركانها آلية الحكم الخاصة ، فمن يعصي الخليفة الغالب الذي يتربع عملياً على ملك الدنيا ونفوذها ، يتصرف به على الوجه الذي يريد بلا رقيب ولا حسيب ،
(44)
و يطيع علياً بن أبي طالب المؤمن الذي لا يملك شروي نقير ، ومن يعصي معاوية بن أبي سفيان وإلى الشام المتصرف بخيراتها تصرف المالك بملكه ، ويطيع عمار بن ياسر ، وأبا ذر الغفاري ، أو المقداد بن عمرو ، الفقراء المغضوب عليهم من دولة الخلافة. صحيح أن معاوية بن أبي سفيان مثلاًً طليق وابن طليق ، وأحد أبرز قادة معسكر الشرك الذي قاوم وحارب رسول الله وبكل قواه حتى احيط به فاضطر مكرهاً للاستسلام والاسلام ، وصحيح أيضاً أن معاوية لا يعرف شيئاً من الإسلام لأنه حديث العهد ، ولا قدرة له على تعريف أهل البلاد المفتوحة بالاسلام ، وصحيح أيضاً بأن عمار وأباذر والمقداد من أعمدة الإسلام ومن رواده المؤسسين وبناته ومن علمائه ، لكن هذا تاريخ ، ومثاليات ، بعيدة عن إمكانية التطبيق فالوافع المفروض والوحيد الذي يجب أن يطاع ، والمعلم الديني ، وان عمار والمقداد وأبا ذر وأمثالهم مأمورين ومتعلمين ، ويجب أن يرهفوا أسماعهم لمعاوية العالم الديني ، وأن يتعودوا على طاعة معاوية الأمير !! وإن لم يفعلوا ذلك فهم عصاة أو مشاغبون يهددون الأمن ووحدة الامة !! والقانون الاسلامي يطبق على الجميع لا فرق بين عربي وعجمي ، ولا سابق بالايمان ولا طليق ، تلك هي الآلية القانونية التي أوجدتها دولة الخلافة !!!
وقد يخطر ببال عمار مثلاً ، وكما حدث بالفعل حسب رواية ابن الأثير في تاريخه أن يقدم احتجاجاً خطياً إلى الخليفة الرمز يشكو له من أمور لا يمكن تبريرها ، حتى وفق آلية الدولة ، عندئذ يأمر الخليفة بعض أعونه الطلقاء فيضربوا عمار بن ياسر ، حتى يكسروا أضلاعه ، ويرموه أخوار أسوار قصر الخليفة ، لانه تجرأ على ذكر مثل تلك الامور ، وتجرأ على الشكوى ، وقد حدث هذا بالفعل كما روى ابن الاثير وغيره ، وقد يخطر ببال ابي ذر أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، ويحذر من مظاهر البذخ وسوء العاقبة ، فيفسر عمل أبي ذر هذا بأنه « إفساد في الأرض » وإفساد للناس ، فقد كتب معاوية إلى الخليفة ، بأن أبا ذر في طريقه لافساد الشام وأهلها ، عندئذ يأمر الخليفة بنفيه ، وينفي من مكان إلى مكان بالفعل خوفاً على امة محمد من أن يفسدها صاحبه أبو ذر ، ويعيش الرجل مطارداً
(45)
منفياً ، ويموت منفياً وحيداً !!! وقد تتولى دولة الخلافة قتل من لا تقوى على تدجينهم من المؤمنين السابقين ، وتسند تهمة القتل إلى الجن ، كما فعلت مع سعد بن عبادة سيد الخزرج ، فالرسالة الرسمية المصححة والمطلوب من المسلمين المؤمنين الصادقين أن يتناسوا بالكامل كل تاريخهم وعلومهم وعلاقتهم بالنبي ، وان يغضوا أبصارهم تماماً عما يجري ، وان يشهدوا بصمت عملية نقض عرى الإسلام كلها ، وأن يراقبوا عملية التغيير « الاسلامية الكبرى » فأن فعلوا ذلك نجوا ، ولن يتعرض لهم أحد ، ويمكن لكل واحد منهم أن يأخذ عطاءه السهري ، ولن يغضب الخليفة منه ، وليس من المستبعد أن يرضى الخليفة وأعوانه عليه !!!
هذه الآلية العجيبة عزلت الفئة المؤمنة عملياً ، وحيّدتها تحييداً تاماً عن التأثير على حركة الأحداث التي ادت لنقض عرى الإسلام كلها ، وبالتالي فقد أصبح الإسلام والايمان وكافة مضامينهما الحقيقية مفاهيم غريبة تماماً ، لا تنتمي لحركة الأحداث ، ولا تؤثر على الاحداث ، وهي عرضة للتبديل والتحوير والتغيير ، لان هذه المضامين وفي أحسن الظروف مجرد اجتهادات ، لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تقيد الخليفة ، فرسول الله مثلاً كان يوزع العطاء بين الناس بالسوية ، لا يفرق بين عربي وعجمي واسود وابيض ، لأن حاجات الناس الأساسية متشابهة ومضى الخليفة الأول على هذه السنة ، ولما جاء الخليفة الثاني اكتشف بأنه ليس من العدل أن يأخذ العربي كالعجمي ، وأن يأخذ القرشي كغيره من العرب ، لذلك اجتهد فأوجد موازين خاصة ومراتب للناس ، وألغى فكرة التسوية بالعطاء ، وأعطى الناس حسب مراتبهم عنده حتى أنه لم يساو بالعطاء بين زوجات الرسول ، فلعائشة أم المؤمنين ، ولحفصة ابنته وأم المؤمنين درجة أعظم من أم سلمة مثلاً ، فكانت عائشة مثلاً تأخذ اثني عشر ألفا ً ، وكان المئات من الناس لا يحصلون على معشار هذا المبلغ ، ونتيجة هذا الاجتهاد نشات الطبقية فوجدت فئة يملك كل واحد من أفرادها الملايين ، بل المليارت ، ووجدت الملايين من الناس التي لا تدرك رغيف العيش الا بشق الانفس !! واكتشف الخليفة بعد بضع سنين خطورة الاثار المدمرة لاجتهاده ، فصرح بأنه إن عاش العام المقبل سيرجع إلى سنّة صاحبه ويوزع المال بالسوية ، كما كان يفعل الرسول وأبوبكر !!!. ولا يخفى على عاقل
(46)
بأن التسوية بالعطاء هي حكم شرعي صرح به النبي ، وطبقه خلال حياته المباركة ، ومن الطبيعي أن هذا الحکم امر الهي لان الرسول يتبع ويطبق ما يوحى اليه من ربه !! ومع هذا يتصرف الخليفة بهذا الحكم تصرف المجتهد الخبير الذي يتصور أن اجتهاده يمكن أن يكون أقرب للعدل ، مما أمر الله به وطبقه رسوله. ويموت الخليفة العادل والناس على اجتهاده ، وجاء اللاحقون فجعلوا اجتهاد الخليفة سنة نافذة ، غير قابلة للتغيير !! لماذا ! بحجة أنها قد جرت أمام الصحابة فلم ينكر عليه منكر !! أ ما سنة النبي فلم يسأل عنها أحد ، ولم يطالب بإعادتها أحد !! وعلي هذا فقس ما تشاء من الأحكام والقواعد والمفاهيم الإسلامية وعرى الإسلام التي حلت كلها.
وهكذا صار الإسلام ، والايمان وكافة مضامينهما ومفاهيمهما غريبة تماماً.هذا على مستوى الدين.
أما على مستوى المسلمين المخلصين والمؤمنين الصادقين ، فقد صاروا غرباء أيضاً عن المجتمع ، فهم كفئة جاءت من مجتمع آخر ، وسكنت في المجتمع الجديد ، واضطرت مكرهة أن تلتزم بقواعد وتوجهات المجتمع الجديد الذي استضافها ، لقد عزلتهم دولة الخلافة عن الأكثرية المسلمة عزلاً تاماً ، وشككت بولائهم لامير المؤمنين ولدولته ، وحرمت عليهم تولى الوظائف العامة لانهم غرباء ، وحرمت عليهم أن يكتبوا أو يرووا أو يحدثوا الناس بما سمعوه أو رأوه من رسول الله ، باعتبارهم فئة تهدف إلى شق عصا الطاعة وتفريق الأمة المسلمة الواحدة !!!
فصارت الفئة المسلمة غريبة تماماً عن المجتمع ويدها مشلولة وقدرتها محدودة على تغيير ما يجري في المجتمع.
لقد انقلبت الدنيا رأساً على عقب ، فأعداء الله الذين قاوموا الرسول وحاربوه بكل وسائل الحرب ، حتى أحيط بهم فاضطروا مكرهين للاستسلام وإعلان الإسلام صاروا قادة المجتمع وأمراؤه وخزنة أمواله وأساتذته ، أما أولياء الله الذين وقفوا مع النبي في عسره ويسره ، وحاربوا أعداءه وتلقوا وفهموا تعاليم الإسلام ، فقد صاروا غرباء ، محكومين ، واضطروا أن يدخلوا الصفوف الابتدائية ، ويتتلمذوا على يد
(47)
الذين يجهلون الإسلام ، والذين حاربوه بالأمس !!! وأن يقفوا في طوابير طويلة ليأخذوا ما تجود به أنفس الأمراء الجدد الذين كانوا أعداء لله بالأمس !!
إنها غربة الإسلام والايمان ، وغربة المسلمين المخلصين والمؤمنين الصادقين ، تلك الغربة التي أخبر عنها النبي ، وحذر منها قبل وقوعها بقوله : « إن الايمان بدأ غريباً وسيعود کما بدأ ، فطوبي للغرباء ... « وبدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ ... ». [ راجع معجم أحاديث المهدي ج 1 ص 71 ـ 77 تجد العشرات من مراجع هذين الحديثين الشريفين كصحيح مسلم ، وابن ماجة ، والترمذي ، ومسند أحمد ، وابن أبي شيبة ، والبزار وغيرهم ].
لقد عاشت الفئة القليلة المؤمنة غربة كغربة الفئة المؤمنة التي عاشت في المجتمعات التي سبقت عصر النبوة المحمدية. فمارست عباداتها سراً ، ودعت لأمر الله سراً ، وكتمت إيمانها ، وانتظرت فرج الله لأن قيادة المجتمع قد كانت لها ، وخرجت من يدها بالقوة والتغلب وبالكثرة ، حيث جرت الأكثرية خلف مصالحها العاجلة ، والفرق أن الفئة المؤمنة التي صارت غريبة بعد موت الرسول ، صارت تعرف هدفها ، وتعرف الوسيلة لتحقيق هذا الهدف ، لذلك تجمعت حول أهل بيت النبوة ووالتهم كما أمرت ، ونهلت منهم علوم الإسلام ، وأخذت تدعو إلى الله ودينه سرأ وتنمو يوماً بعد يوم ، وهدفها هداية الأكثرية الساحقة إلى الطريق القويم لتتحصن الامة ضد الانحراف والمنحرفين ، وعودة الحق والأمر إلى أهله الشرعيين ، وإعادة حكم الله الحقيقي إلى الأرض.
4 ـ أئمة الضلالة وأعوانهم
لغة وشرعاً يطلق مصطلح الإمام على رئيس الامة وهاديها ومرجعها ـ أي أمة ـ وتعني الامامة الرئاسة العامة والمرجعية معاً ، وهي إما أن تكون إمامة برّ وشرعية ، كإمامة أبراهيم والائمة من بعده ، وإمامة محمد والائمة الشرعيين من ولده تقود إلى الصراط المستقيم ، وإما أن تكون إمامة فاجرة وغير شرعية سندها القوة والتغلب ، كإمامة فرعون وغيره من أئمة الكفر تقود إلى دار البوار ، وقد فصلنا كل ما يتعلق بهذين المصطلحين في كتابنا : « الإمامة والولاية » فارجع إليه إن شئت.
(48)
وما يعنينا أن رسول الله عندما لخص الموقف لامته ، وأخبرها بما هو كائن ، وما سيكون ، وحذرها من مغبة معصية توجيهاته وأوامره وطاعة أعداء الله وأعداء رسوله توقف طويلاً عند أئمة الضلالة ، الذين سيأتون من بعده ، واعتبرهم ألد الاعداء ، وأعظم الأخطار التي تتهدد الأمة الإسلامية من بعده لانهم هم الذين سيبدأون بحل عرى الإسلام ، وأول عروة سيحلونها هي نظام الحكم ، ثم يستعينون بالسلطة والنفوذ فيحلون ما تبقى من عرى الإسلام ، حتى لا تبقى فيه ولا عروة واحدة دون حل ، وأن هؤلاء الأمة لن يبقوا من الإسلام ألا رسمه ، ومن القرآن إلا اسمه ، ومن الدين إلا أشكاله ومظاهره الخارجية لغاية محدودة ، وهي المحافظة على ملك النبوة الذي توقف عنده النبي ، وحذر منه وكرر التحذير ، فقال مرة : « لست أخاف على أمتي جوعاً يقتلهم ، ولا عدواً يجتاحهم ، ولكني أخاف على امتي قبيحهم ، وتصدقوا کذبهم ... [ راجع الطبراني في الکبير ج 22 ص 362 ح 910 وص 373 و934 ، والفردوس ج 2 ص 317 ح 3437 ، والجامع الصغير ج 2 ص 49 ح 4680 ، وكنز العمال ج 6 ص 67 ح 14876 ، وفيض القدير ج 4 ص 101 ح 4680 ، والمعجم ج 1 ص 29 ـ 30 ].
ووصفهم النبي مرة أخرى فقال : « لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة ، ووزراء فجرة ، وأمناء خونة ، وقراء فسقة .... [ رواه البزار ، والهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 233 ، والمعجم ج 1 ص 26 ].
وقد بين النبي الكريم أن أئمة الضلالة سيستغلون كل شيء لصالحهم ، فالعطاء الذي فرضتة الشريعة للمساعدة على تأمين الحاجات الأساسية لأفراد المسلمين سيحوله أئمة الضلالة إلى رشوة !! بمعنى أن أئمة الضلالة لن يعطوا أي مسلم عطاءه إلا إذا بايعهم ، ورضي بجورهم وظلمهم وقبل بوجودهم ، لذلك أمر رسول الله المسلمين أن يأخذوا العطاء ما دام عطاء ، فإذا استغل أئمة الضلالة هذا العطاء فجعلوه رشوة للسكوت ، فلا ينبغي أن يأخذ المسلمون هذا العطاء ، ولكن الرسول قد أخبر الأمة بأنها ستأخذ العطاء ، بالرغم من أنه رشوة ، لأن الفقر
(49)
والحاجة يمنع المسلمين من ترك العطاء. [ راجع الطبراني في الصغير ج 1 ص 264 ، وحلية الأولياء ج 5 ص 165 ـ 166 ، وتاريخ بغداد ج 3 ص 398 ، ومعجم الاحاديث ج 1 ص 31 ـ 32 ]. وأخبر الرسول المسلمين بمداهنة القراء ، ونفاق العلماء وبعد أن أحكم أئمة الضلالة قبضتهم على الأمة ، وسلبوها أمرها من غير مشورة ، وبعد أن نقضوا عرى الإسلام كلها عروة عروة سخروا موارد الدولة وإمكانياتها ، وأمروا ولاتهم وعمالهم وعلماء السوء أن يكذبوا على رسول الله وأن يختلقوا أحاديث تروى بطريقة فنية توجب على المسلمين طاعة أئمة الضلالة ، لان طاعتهم عبادة بوصفهم خلفاء للنبي ، وتحرم على المسلمين معصية أئمة الضلالة ، لان معصية أئمة الضلالة معصية لله ، ومعصية الله معصية للرسول ، ومن عصى الله والرسول فقد برئت منه الذمة ، وأحل دمه حتى في الأشهر الحرم. وأحكم أئمة الضلالة وأعوانهم الطوق عندما حرّموا على أي مسلم أن يخرج عليهم مهما فعلوا. وسخر أئمة الضلالة کافة موارد الدولة وإمكانياتها لتعميم هذه الطاعة العمياء ، وأخلوها في مناهجهم التربوية والتعليمية ، ورووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ، ومع الأيام والعادة والتكرار ، صارت هذه القناعة التي لا يقبلها عقل جزءاً من الدين نفسه.
قال أبو بكر الباقلاني القاضي المعروف في كتابه « التمهيد » باب ذكر ما يوجب خلع الإمام : « قال الجمهور من أهل الإثبات ، وأصحاب الحديث : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه تخويفه ، فالأخبار متضافرة عن الرسول وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة ».
و قال النووي في شروحه على صحيح مسلم بيان لزوم طاعة الأمراء ج 12 ص 229 من صحيح مسلم بشرح النووي ما يلي وبالحرف : « قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ، ولا يخلع ، ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه ، وأما الخروج على الأئمة وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة
(50)
ظالمين » !!! أو أئمة مضلين ، إن أطاعوهم فتنوهم ، وإن عصوهم قتلوهم. [ راجع مجمع الزوائد ج 5 ص 329 عن الطبراني ، والجامع الصغير ج 2 ص 22 ح 14671 عن الطبراني ، وفيض القدير ج 5 ص 264 ح 7238 عن الجامع الصغير ، ومعجم أحاديث الإمام المهدي ج 1 ص 35 ـ 36 ]. لقد حذر الرسول كثيراً من الرجال ولكن أکد للمسلمين أن الأئمة المضلين أخطر من الدجال ، [ راجع نص الحديث بمسند الإمام أحمد ج 1 ص 98 وج 5 ص 145 ، وأبو يعلى ج 1 ص 359 عن ابن أبي شيبة ، والفردوس ج 3 ص 131 ح 4163 ، ومجمع الزوائد ، ج 5 ص 238 ـ 239 ، والجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 201 ، ح 5782 ، وكنز العمال ج 10 ص 191 ح 29008 ، وفيض القدير ج 4 ص 407 ح 5782 عن الجامع الصغير ، ومعجم أحاديث الإمام المهدي ج 1 ص 33 ـ 34 ]. ووثق الرسول أثناء تحذيره الصلة بين الأئمة المضلين وبين الدجال ، فقال : « إن طعام أمرائي بعدي مثل طعام الدجال ، إذا أكله الرجل ينقلب قلبه ». [ راجع مسند أحمد ج 1 ص 98 وج 5 ص 45 ، وابن أبي شيبة ج 142 ح 19332 ]. وقد وصف رسول الله الأئمة المضلين فقال لأحد الصحابة : « أعاذك الله با كعب بن عمرة من إمارة السفهاء. قال كعب : وما إمارة السفهاء ؟ قال الرسول : أمراء يكونون بعدي لا بهدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ، ولا يردون على الحوض ، ومن لم يصدقهم على كذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على الحوض ... [ راجع عبد الرزاق ج 11 ص 345 ـ 346 ح 20719 ، ومسند أحمد ج 3 ص 321 عن عبدالرزاق وص 329 وج 5 ص 11 وج 6 ص 395 ، والبزار عن حذيفة ، والنسائي ج 7 ص 160 ، والطبراني في الكبير ج 4 ص 67 ح 3127 وح 3628 ، والطبراني في الأوسط والحاكم ج 1 ص 78 ـ 79 ، ومعجم أحاديث الإمام المهدي ج 1 ص 23 ـ 25 ].
ووصفهم النبي مرة أخرى فقال : « ستكون عليكم أئمة يملكون أرزاقكم