حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: 31 ـ 40
(31)
ج 3 ص 363 ]. واستعان عمر بعبد الله بن أبي سرح ، وكان من المقربين إليه ، وعبد الله ابن أبي سرح هذا هو الذي افترى على الله الكذب ، وأباح الرسول دمه حتى لو تعلق بأستار الكعبة ، ثم أتمها عمر على بني أمية ، ووضع الأساس المتين لحكمهم يوم عهد عملياً بالخلافة لعثمان.
     واستعان عمر بقوة أبي الأعور السلمي الذي شهد حنين كمشركاً ، [ راجع الإصابة ج 2 ص 540 ، وأسد الغابة ج 6 ص 82 ]. وكان من أشد المبغضين لعلي بن أبي طالب ، وقد أمّره عمر ، وجعله على مقدمة جيش. [ راجع الإصابة ج 2 ص 541 ].
     و أمر عمر يعلى بن منبه على بعض بلاد اليمن ، وكان من الحاقدين على علي بن أبي طالب. [ راج الاستيعاب ج 3 ص 662 ـ 663 ].
     واستعان عمر ببسر بن أرطأة ، وأياس بن صبيح ، وهو من أصحاب مسيلمة الكذاب ، أسلم وولاه عمر القضاء في البصرة ، [ راجع الاصابة ج 1 ص 120 ]. واستعان عمر بطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد النبي ، وقد أعجب عمر به ورضى عنه ، وكتب إلى أمرائه أن يشاوروه. [ راجع البداية والنهاية ج 7 ص 130 ]. وابن عدي الكلبي الرجل النصراني الذي تلفظ بالشهادتين ، وفوراً دعا له عمر برمح فولاه الإمارة ، قال عوف بن خارجة ، ما رأيت رجلاً لم يصلّ صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله ، [ راجه الإصابة ج 1 ص 116 ]. واستعمل عمر أبا زبيد على صدقات قومه وكان نصرانياً ، ولأنه قوى استعمله ، ولم يستعمل نصرانياً غيره. [ راجع الاستيعاب ج 4 ص 80 ]. واستعان عمر بكعب الأحبار اليهودي الذي أسلم فصار من خلص الخليفة وأصفيائه ومرجعه وموضع أسراره ، والمجيب الموثوق على كل تساؤلاته ، وتولى كعب عملية القص في المساجد وصار القص سنّة. [ راجع الإصابة ج 3 ص 316 ] ، فكان كعب يقص ما يحلو له


(32)
     في مسجد رسول الله ، في الوقت الذي منعت فيه دولة الخلافة كتابه ورواية أحاديث رسول الله نفسه !!
     و لما مات عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت ولايات الدولة وأعمالها ووظائفها العامة غاصة باصحاب « القوة » من الفاسقين والمنافقين ، وقد استخدمهم الخليفة ليستعين بقوتهم ، كما قال ونفاقهم وفسقهم على أنفسهم.
     ولما آلت الخلافة إلى عثمان رضي الله عنه ، رفع شعار صلة الرحم ، بدلاً من القوة ، فعمر كان يبحث عن الأقوياء ليستعين بقوتهم ، أما عثمان فقد كان يبحث عن الأرحام ليصلها ، ومن نافذة الأرحام وبابها الواسع دخل الأمويون كلهم ، ودخل معهم أولياؤهم إلى ولايات الدولة وأعمالها ووظائفها ، فما من مصر من الأمصار ، وما من عمل من الأعمال ، إلا وواليه أموي ، أو موال لبني أمية. وكان أول الداخلين من هذا الباب الحكم بن العاص ، طريد رسول الله وعدوه اللدود ، لعنه رسول الله وطرده وحرم عليه دخول المدينة ، ولما آلت الخلافة لعثمان أعاده للمدينة معززاً مكرماً ، ولما مات بنى على قبره فسطاطاً ، ومع الحكم دخل ابنه مروان. قالت عائشة أم المؤمنين لمروان : « مروان أول من شق عصا المسلمين بلا شبهه ». [ راجع الإصابة ج 1 ص 69 ]. وكان مروان من أسباب قتل عثمان. [ راجع الإصابة ج 6 ص 157 ]. ومع أن مروان ملعون على لسان نبيه ، إلا أنه تولى الخلافة بآخر أيام عثمان ، وصفاً دقيقاً فقال لجموع الثوار الذين احتشدوا حول دار عثمان : « ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه ، كل إنسان اخذ بإذن صاحبه إلا من أريد ، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ». [ راجع تاريخ الطبري ج 5 ص 110 ].
     و الخلاصة أن دولة الخلافة تحولت إلى ملك أموي خالص ، وأن الأمويين قد غلبوا على كل شيء وأن الأكثرية الساحقة مع بني أمية طمعاًًً بما هم غالبون


(33)
عليه وأنه لم يبق من الإسلام السياسي ألا لقب الخليفة « أمير المؤمنين » ، وأن الولايات والأعمال والوظائف العامة بالكامل مع بني أمية من جميع الوجوه ، بمعنى أن الدولة بكل مؤسساتها قد أصبحت تحت سيطرة الذين عادوا رسوا الله وحاربوه بالأمس ، وأن الفئة المؤمنة مهشمة بالكامل ، وأقلية ، وليس لها من أمر الدولة شيء. ولو تولى الخلافة بعد عثمان أي رجل في الدنيا غير علي بن أبي طالب لما استطاع أن يصمد بمثل هذه الظروف أكثر من ساعة من الزمان ، لأن الملك الأموي ، وسلطان المنافقين والفاسقين ، قد توطّد وضربت جذوره في الأرض وفي النفوس والمصالح طوال عهود الخلفاء الثلاثة ، ووفقاً للمعايير التي عممتها الدولة ، فلا فرق بين أي صحابي من السابقين في الإيمان ، ومن أهل البلاء وبين أبي سفيان ، أو الحكم بن العاص ، فهم بدون تفصيلات صحابة ، لانهم شاهدوا النبي ، وكلهم عدول والتفاضل بينهم في الآخرة ، وليس في الدنيا ، والأهم من ذلك هو اعتقاد الاكثرية ، بأن أبا سفيان والحكم بن العاص أصلح لامارة الناس من أصحاب السابقة ، ومن أهل البلاء في سبيل الله ، ممن قامت الدولة النبوية على أكتافهم وبسو اعدهم ، أما أهل بيت النبوة ، فقد تم التعتيم رسمياً على كل فضائلهم ولا يجرؤ أحد على ذكرهم بخير ، وهم في أحسن الظروف صحابة مثلهم مثل أبي سفيان ، ومروان بن الحكم ، ومعاوية بل إن هؤلاء وأمثالهم أعظم شاناً عند الأكثرية والأولى بالطاعة من أهل بيت النبوة لان وسائل إعلام الدولة الرسمية نفخت الثلاثة وأمثالهم وأعطتهم أحجاماً أسطورية ليست لهم في الحق والحقيقة ، بينما تجاهلت وسائل إعلام الدولة التاريخية أهل بيت النبوة بصورة النكرات !!! واستقرت تلك الأوهام التي خلقتها وسائل الإعلام ، وإمكانيات دولة الخلافة في قلوب الأكثرية الساحقة من أبناء الأمة لأن تلك الأوهام كانت بمثابة القناعات الرسمية التي تبنتها دولة البطون ، وعلى منوالها سارت عهود الخلافة التاريخية.
     وباختصار شديد فإن أهل بيت النبوة ، وأولياء النبي وهم علماء الإسلام وأساتذته الذين قامت دعوة الإسلام ودولة النبوة على أكتافهم ، قد أُخروا بالقوة ،


(34)
وصاروا رعايا ومحكومين ، لا تقدم مواقفهم ولا تؤخر مع إجماع أغلبية ساحقة ، أما الذين قاوموا النبي والنبوة قبل الهجرة وحاربوا النبي بعد الهجرة ، وجهلوا أحكام الدين فقد غلبوا بعد وفاة النبي ، وتسلموا بالقوة أو بالعهد والتسلل مقاليد الدولة ، فصاروا هم السادة والحكام والأساتذة وأصحاب الكلمة المسموعة ، لأن بيدهم النفوذ والجاه والمال والسلطة ، ومؤهلهم الوحيد هو القوة. تلك حقيقة لا يماري فيها إلا جاهل ، أو متجاهل أو عابد هواه.

و تحقق ما حذر منه النبي
و تفكك الإسلام وحلت كافة عراه !!!
     بيّّنا بأن رسول الله وقبل أن ينتقل إلى جوار ربه ، حذر المسلمين وبأنهم إن لم يلتزموا بما أمرهم به ، فإن الإسلام سيتفكك ، وستحل عراه عروة بعد عروة ، فكلما انقضت عروة تثبت الناس بالتي تليها ، وأن أول عزي الإسلام نقضاً الحكم ، واخرها نقضاً الصلاة. [ رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، راجع كنز العمال ج 1 ص 238 ].
     وكرر النبي التحذير في مناسبات متعددة ، وأطلعهم على ما هو كائن وبالتصوير الحي البطيء ، وأحيط الجميع علماً بما حذر منه الرسول ، وقامت الحجة على الجميع. ولخص الرسول الموقف للجميع ، وأكد هذا التلخيص بكل وسائل التأكيد ، وبيّنه وبكل طرق البيان ، وحذر المسلمين بأنهم لن ينجوا ولن يهتدوا ، ولن يتجنبوا الضلالة من بعده ، إلا إذا تمسكوا بالثقلين كتاب الله ، وعترة النبي أهل بيته.
     ثم بعد ذلك مرض النبي ، وكان ما كان ، فما أن مرض النبي حتى تنكرت له الأكثرية الساحقة رغبة أو رهبة ، وقالوا له وجهاً لوجه : « أنت تهجر !! والقرآن وحده يكفينا ، ولسنا بحاجة لوصيتك ». !! بل والاعظم من ذلك أن هذه الأكثرية بعد أن استولت على مقاليد الحكم منعت رواية وكتابة احاديث رسول الله منعاً باتاً ، ورفعت شعار « حسبنا كتاب الله » !!و صارت رواية أحاديث الرسول من الجرائم الكبرى التي يستحق مرتكبها القتل ، فكان حذيفة يقول : « لو كنت على شاطيء


(35)
نهر ، وقد مددت يدي لأغترف فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل ». [ راجع كنز العمال ج 3 ص 345 نقلاً عن ابن عساكر ] وروى البخاري في صحيحه [ كناب العلم ج 1 ص 34 ] عن أبي هريرة أنه قد قال : « حفظت من رسول الله وعائين ، فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو قطع هذا البلعوم » !! وقال : « اني لأحدث احاديثاً لو تكلمت بها في زمن عمر أو عند عمر لشجّ رأسي ». [ راجع البداية لابن كثير ج 8 ص 107 ] وفي عهد عمر بن الخطاب عزم اُبي بي كعب أن يتكلم في الذي لم يتكلم به وفاة الرسول فقال : « لأ قولن قولاً لا أبالي أّستحييتموني عليه او قتلتموني ». [ راجع ابن سعد ، الطبقات الکبرى ج 3 ص 501 والحاكم باختصار ج 2 ص 329 وج 3 ص 303 ]. ووعد أن يكشف الحقائق ما سمعه من رسول الله ، ولكن في يوم الأي يكشف فيه أبي بن كعب ما سمعه من رسول الله ، ولكن في يوم الأربعاء مات الصحابي العضيم الذي وعد بكشف الحقاءق قال قيس بن عباد : رأيت الناس يموجون ، فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : مات سيد المسلمين أبي بن كعب ، فقلت : ستر الله على المسلمين حيث لم يقم لشيخ ذلك المقام ». [ راجع المسترشد لابن جرير الطبري ص 28 ومعالم الفتن لسعيد أيوب ج 1 ص 257 ].
     والخلاصة أن منع رواية وكتابة أحاديث الرسول قد تحوّل إلى قانون أساسي ، نافذ المفعول في كل أرجاء دولة الخلافة ، ولكن لا بأس برواية الأحاديث التي تخدم القائمين على الحكم ، وتضفي طابع الشرعية والمشروعية على تصرفاتها ، فرواية مثل هذه الأحاديث مباحة حتى وإن كانت مختلفة ، ورواة هذه الأحاديث من المقربين ، حتى وإن كانوا أعداء لله ولرسوله !!
     وبمدة وجيزة ، حلت عرى الإسلام كلها عروة بعد عروة ، ولم يبق غير الصلاة ، وحشر المؤمنون الذين كانوا يصلون على طريقة رسول الله ، وضيق الخناق عليهم على اعتبار « أنهم شواذ » يخالفون جماعة المسلمين وإمامهم ، ويتفردون بصلاة تختلف عن صلاة الأمة !! قال حذيفة أمين سر رسول الله : « لقد ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده وهو خائف ». [ راجع صحيح البخاري ج 1 ص 180 كتاب الجهاد والسير ]. وقال حذيفة أيضاً : « فابتلينا حتى جعل الرجل منا


(36)
لا يصلي إلا سراً ». [ راجع صحيح مسلم ج 2 ص 179 ، ورواه أحمد في الفتح الرباني ج 23 ص 40 ، وج 2 ص 462 من معالم الفتن ]. وزوي البخاري أن الزهري قد دخل على أنس بن مالك وجده يبكي ، فقال له ما يبكيك ؟ فقال أنس : لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة ، قد ضيعت. [ راجع الفتح الرباني ج 1 ص 200 ]. وقال أنس بن مالك مرة أخرى : « لا أعرف شيئاً اليوم مما كنا عليه على عهد رسول الله !! فقلنا : فأين الصلاة ؟ فقال أولم تضعوا بالصلاة ما قد علمتم ؟ » ! [ رواه أحمد والترمذي ، وحسنه وقال في الفتح الرباني ج 1 ص 199 روى عن أنس من غير وجه ].
     هذه شهادة حذيفة أمين سر رسول الله وتكتسب شهادته أهمية خاصة لانه أمين سر رسول الله بإجماع المسلمين ، ولانه بقي على عهد رسول الله لم يبدل ولم يتبدل ، ولم يرجع القهقرى على عقبيه ، تدعمها شهادة أنس بن مالك الذي وعى عملياً الصلاة بحكم خدمته للنبي ، وان أنس إلى جانب السلطة دائماً عايشها وتعايش معها ، ولم يثنه عن الولاء لهذه السلطة تبدلها ولا تغيرها ، وكان يسمع مسبته من رجالها بصبر بالغ.
     فإذبا ثبت بأن المخلصين من الصحابة كانوا يصلون سراً ، وهم في حالة خوف ، من غضب السلطة ، أو من غضب الجماهير الموالية لها ، وإذا كان أحد الذين خدموا الرسول فترة طويلة ، وشاهد رسول الله مئات المرات وهو يصلي عملياً يشهد ويقر ويعترف بأن الصلاة قد ضيعت بالفعل ونقضت من أصولها ، ففي هذا دليل قاطع على أن آخر عروة من عرى الإسلام ، وهي الصلاة قد حلت تماماً بشهادة شهود عيان عاصروا حكومة الرسول ، وحكومة الخلفاء الثلاثة ، وحكومة بني أمية ولا خلاف بين اثنين من المسلمين على أن رسول الله قد أخبر الأمة بما هو كائن ، مثلما أخبر الأمة بأن عرى الإسلام ستنقض عروة بعد عروة ، وأن نقض نظام الحكم هو أول عرى الإسلام نقضاً ، وأن نقض الصلاة هو آخر عرى الإسلام نقضاً ، ولا خلاف بين اثنين من المسلمين على أن رسول الله صادق فيما أخبر ، وأنه لم ينطق عن الهوى ـ على الأقل في هذه الأخبار ـ حتى نتجنب معارضة أولئك الذين يزعمون بأن محمداً بشر يتكلم في الغضب والرضى !! ثم إنه من المحال


(37)
عقلاً أن يخبر الرسول الأمة بهذه الأخبار الخطيره على مسؤوليته ، وباجتهاد منه ، وبدون تفويض إلهي !! ومن الناحية الواقعية فقد تحقق ما أخبر به الرسول وحذر منه ، فلا أحد من أولياء الخلفاء ، ومن شيعة الخلافة التاريخية يمكنه أن يزعم بأن الإسلام كله قد بقي على حاله. أو ينكر بأن عرى الإسلام كلها لم تنقض. لقد بين الرسول ما هو كائن وما سيكون إشفاقاً ورحمة بالامة ، وقناماً بواجب البيان ، ولقد حذر وأنذر إقامه للحجة على المكذبين والمكابرين ، وإرشاداً للصادقين ليبقوا دائماً على الصراط المستقيم. وكان الرسول صادقاً في بيانه ورحمته ، وتحذيره وإنذاره ، وأنه لم يخبر بتلك الأخبار المستقبلية اجتهاداً منه كما كانوا يتصورون ، أو تحليلاً شخصياً ، إنما كانت تلك الأخبار الموثوقة ثمرة وحي الهي صدقه ما وقع في المستقبل ، لأن الله ورسوله لا يقولان إلا الحق والحقيقة.


(38)
الفصل الثالث:
مظاهر نقض عرى الإسلام ووسائله

1 ـ استبعاد النبي !!
     أول وأخطر مظاهر نقض عرى الإسلام هو مواجهة بطون قريش وزعامتها للنبي أثناء مرضه ، والحيلولة بين النبي وبين كتابه توجيهاته النهائية وتجاهلهم لوجوده تجاهلاً تاماً ، قولهم على مسمعه : إن النبي يهجر !! استفهموه إنه يهجر ، ولا حاجة لنا بكتابه ، حسبنا كتاب الله !!! [ راجع صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج 7 ص 9 وج 4 ص 31 وج 1 ص 37 ، وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية ج 11 ص 95 ، مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 356 ح 2992 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 230 وكتابنا نظرية عداله الصحابة ص 287 وما فوق ].
     كانت هذه أول عروة وأخطر عروة تنقض من عرى الإسلام ، فقد تجاهلت زعامة بطون قريش وجود النبي ، وأعلنت وبكل صراحة ، أن القرآن يكفي ، ولا حاجة لما قاله النبي أو سيقوله !!
     وقد مهدت زعامة بطون قريش لهذا الموقف المدمر ، فبثت سلسلة من الشائعات التي تنصب كلها على ضرورة عدم الوثوق بكل ما يقوله النبي ، لأنه بشر يتكلم في الغضب والرضى ، ودوره مقتصر على تلاوة القرآن وتبليغ الناس ، ما يوحى إليه من هذا القرآن فقط. وقد وثقنا ذلك في كتابنا « المواجهة » مع رسول الله وآله. وعندما تسلمت هذه الزعامة قيادة الأمة بعد وفاة النبي ترجمت أقوالها


(39)
وشائعاتها وقناعاتها إلى قوانين ملزمة للرعية بالقوة الجبرية ، فمنعت رواية وكتابة الحديث النبوي ، وأحرقت المكتوب منه ، وصار من المعروف عند العامة والخاصة أن عقوبة من يروى أحاديث النبي المتعلقة بالأمور الأساسية عقوبته قطع البلعوم على حد تعبير أبي هريرة ، أو الاستحياء والقتل ، كما عبر عنهما أبي بن كعب رضي الله عنه.
     وهكذا واعتباراً من اللحظة التي قعد فيها رسول الله على فراش المرض تم استبعاده بالكامل ، وجمدت كافة أوامره وتوجيهاته ، ولم ينفذ منها شيء ، وإن نفذت فقد جاء التنفيذ متأخراً وبالقدر الذي يخدم توجيهات زعامة بطون قريش ، وخير مثال على ذلك جيش أسامة ، أو بعث أسامة ، فالملك ملك النبوة ، وزعيم البطون رسمياً هو خليفة النبي ، والمتصرف بالملك الذي بناه النبي ، والأمة هي أمة النبي. ومع هذا فلا يجوز لأي فرد من أفراد الأمة أن يروى أو يكتب حديثاً عن النبي !!!
     لأن رواية وكتابة أحاديث النبي تسبب الخلاف والاختلاف بين الناس ، كما ذكر ذلك الخليفة الأول في أول تصريح له حسب رواية الذهبي في تذكرة الحفاظ وبنفس التصريح أمر الخليفة رعاياه قائلاً : « فمن سألكم عن شيء فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله » !!! فعلى العموم ، الرسول شخصياً مستبعد « کما في حالة مرضه » ، وأحاديثه التي تضمنت توجيهاته مستبعدة من التأثير على الحركة الكلية للمجتمع ، إلا إذا كانت هذه تخدم الملك ، وتوجهاته الجديدة والقائمين عليه ، فعندئذ تعمم هذه الأحايث وتعامل بقداسة ، وتروى وتبرز كأدلة قاطعة على شرعية نظام البطون !! يمكن لمن يشاء أن يروى ما يشاء من أشعار الجاهلية ، وخرافات الأقدميين ونجاسات الشرك ، ويمكن لفئة أن تقص القصص وأساطير بني إسرائيل في مسجد الرسول نفسه ، فلا خطر من ذلك على ألفة الأمة ووحدتها وانقيادها لزعامة البطون. ولكن لا يمكن حتى لأبي بن كعب أن يروى حديثاً عن النبي يمس واقع المجتمع أو مستقبله ، لان مثل هذا الحديث يسبب الخلاف ، والاختلاف على حد تعبير الخليفة الأول وبهذه الحالة وأمثالها فالقرآن وحده يكفي !!!


(40)
2 ـ استبعاد آل محمد وأهل البيت والهاشميين ومن والاهم !!!
     ومن مظاهر حل عرى الإسلام ان زعامة بطون قريش التي استولت على السلطة بعد وفاة النبي ، عد استبعدت آل محمد الذين يصلي عليهم المسلمون في صلاتهم ، كما استبعدت أهل بيت النبوة الذين شهد الله لهم بالطهارة ، ثم هم أبناء النبي ، ونساؤه ، وكنفسه كما هو ثابت بآية المباهلة ، وبعد يوم واحد من دفن النبي هددت زعامة البطون علي بن أبي طالب بالقتل ، وأحضرت الحطب وشرعت بحرق بيت فاطمة بنت الرسول على من فيه وفيه ، فاطمة والحسن والحسين سبط رسول الله ، وحرمتهم من إرثهم من النبي ومن تركته وصادرت كافة الاقطاعات التي أعطاها النبي لهم حال حياته ، وجردهم من كافة ممتلكاتهم ، ولاسباب إنسانية تهد الخليفة الجديد بتقديم المأکل والمشرب لهم لا يزيد عن ذلك !! وصورت السلطة الجديدة أهل بيت النبوة بصورة الشاقين لعصا الطاعة المفارقين للجماعة ، فأذلتهم وعزلتهم عزلاً تاماً ، فتجنبهم الناس ، ونفروا منهم مع أن آل محمد وأهل بيته قد ورثوا علم النبوة كاملاً وعزل الهاشميون وهم بطن النبي وتجنبهم الناس ، واتخذوا منهم موقفاً حذراً على ضوء موقف السلطة ، وأدعت بطون قريش أنها الأقرب للنبي لان محمداً من قريش !!!
     ويحذر بالذكر ، أن بطون قريش آل 23 وقفت وقفة رجل واحد ضد النبي ، فقاومته قبل الهجرة ، وحاربته بعد الهجرة ، ولم يقف مع النبي عملياً ولم يحمه من شرور بطون قريش إلا البطن الهاشمي ، وعندما أشعلت بطون قريش حربها الاثمة ضد النبي ، كان الهاشميون أول من قاتل وأول من قتل وبقوا إلى جانب النبي حتى انتقل إلى جوار ربه ، هناك مزقت بطون قريش سجلات بني هاشم الحافلة بالامجاد والشرف وعزلتهم وعاملتهم معاملة العبيد والسوقة.
     وأحكمت بطون قريش الحلقة عندما عاملت أولياء آل محمد وأهل بيت النبوة معاملة جائرة بجرم موالاتهم لأهل البيت ، وقولهم بأن آل محمد كما قد عرفوا من النبي أولى بسلطانه.
     وخوفاً من هذه الدعوى استبعدت بطون قريش آل محمد ، وأهل بيته ، وبني هاشم ، ومن والاهم أو قال بمقالهم أو بمقالتهم أو تتلمذ على أيديهم. ومع أن الخلفاء
حقيقة الإعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ::: فهرس