|
كيف نؤمن
بأن المهدي قد وجد |
ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول : هب أنّ فرضية القائد المنتظر ممكنة بكلّ ما تستبطنه من عمر طويل ، وإمامة مبكرة ، وغيبة صامتة ، فإنّ الإمكان لا يكفي للاقتناع بوجوده فعلاً .
فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي ؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للاقتناع الكامل بالامام الثاني عشر على الرغم مما في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المالوف ؟ بل كيف يمكن أن نثبت أنّ للمهدي وجوداً تاريخياً حقّاً وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس ؟ (1)
والجواب : إنّ فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الاعظم عموماً ، وفي روايات أئمة أهل البيت
وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر عليه الصلاة والسلام فهذا ما توجد مبررات كافية وواضحة للاقتناع به .
ويمكن تلخيص هذه المبررات في دليلين :
أحدهما إسلامي .
والآخر علمي .
فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائم المنتظر .
وبالدليل العلمي نبرهن على أنّ المهدي ليس مجرد أسطورة وافتراض ، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية .
أما الدليل الاسلامي :
فيتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3) والائمة من أهل
راجع : ما أثبته الشيخ العباد في مجلة الجامعة الاسلامية | العدد 3 سنة 1969 .
وراجع : المهدي الموعود المنتظر | الشيخ نجم الدين العسكري .
ومن ولد فاطمة (2) ..
ومن ذرية الحسين (3) ..
وأنه التاسع من ولد الحسين (4) ..
راجع : الحاوي للفتاوي | السيوطي 2 : 213 و 215 وفيه ، أيضاً : اخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود ، عن علي ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «لو لم يبق من الدهر إلاّ يومُ لبعث الله رجلاً من أل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً» ، وراجع : صحيح سنن المصطفى 2 : 207 ، وسننن ابن ماجة 2 : 1367 | 4085 .
وراجع : معجم أحاديث المهدي 1 : 147 وما بعدها إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح والمسانيد في هذا المعنى . وراجع : موسوعة الإمام المهدي | ترتيب مهدى فقيه إيماني ، الجزء اأول ، وفيها نقول مصورة عن عشرات الكتب لعلماء السنّة ومحدّثيهم في المهدي وصفاته ما يتعلق به وفيها نسخة مصورة الشيخ العباد حول ما جاء من الاحاديث والآثار في المهدي عليه السلام .
وانّ الخلفاء اثنا عشر (1) . فإنّ هذه الروايات تحدد تلك الفكرة العامة وتشخيصها في الإمام الثاني عشر من أئمة اهل البيت ، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفّظ الأئمة عليهم السلام واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام ، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته (2) . وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها ، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها ، فالحديث النبوي الشريف عن الائمة أو الخلفاء أو الأمراء بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً ـ على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة ـ قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية (3) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة والسنّة بما في ذلك البخاري (4) ومسلم (5) والترمذي (6) وأبي داود (7)
هذا الحديث متواتر ، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلاً . نعم ، اختلفوا في تأويله واضطربوا . راجع : صحيح البخاري 9 : 101 كتاب الأحكام ـ باب الاستخلاف . صحيح مسلم 2 : 119 كتاب الإمارة . مسند أحمد 5 : 90 ، 93 ، 97 .
وأما الدليل العلمي :
هو يتكون من تجربة عاشتها أمّة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى . لتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى (1) .
إنّ الغيبة الصغرى تُعبّر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام فقد قُدّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة ان يستتر عن المسرح العام ويظلُّ بعيداً باسمه عن الأحداث وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله ، وقد لوحظ أنّ هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الاسلامية ؛ لأنّ هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كلّ عصر ، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوعة ، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية الفكرية ، سبّبت هذه الغيبة (2) المفاجئة الإحساس بفراغٍ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله ، فكان لابدّ من تمهيد لهذه الغيبة ؛ لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج ، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها ، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام ، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طرق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي (3) . وقد شغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة
1 ـ عثمان بن سعيد العمري .
2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري .
3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح .
4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري .
وقد مارس هؤلاء الأربعة (1) مهام النيابة بالترتيب المذكور ، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي عليه السلام .
وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام ، ويعرض مشاكلهم عليه ، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية (2) في كثير من الأحيان ، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير المباشرة . ولاحظت أنّ كلّ التوقيعات والرسائل كانت ترد من الإمام المهدي عليه السلام بخط واحد وسليقة واحدة (3) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً ، وكان السمري هو آخر النواب ، فقد أعلن عن انتهاء
والآن بإمكانك أن تقدّر الموقف في ضوء ما تقدم ، لكي تدرك بوضوح أنّ المهدي حقيقة عاشتها أمة من الناس ، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين ، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كلّ هذه المدة تلاعباً في الكلام ، أو تحايلاً في التصرف ، أو تهافتاً في النقل . فهل تتصور ـ بربك ـ أنّ بإمكان أكذوبة ان تعيش سبعين عاماً ، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها ، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون ان يبدر منهم أي شيء يثير الشك ، ودون ان يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطئ ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع ، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنهم يحسونها ويعيشون معها ؟!
لقد قيل قديماً : إنّ حبل الكذب قصير ، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أنّ من
وهكذا نعرف أنّ ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن ان تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعي ، والتسليم بالإمام القائد بولادته (1) وحياته وغيبته ، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد (2) .
لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة ؟ وإذا كان قد أعدّ نفسه للعمل الاجتماعي ، فما الذي منعه من الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى او في اعقابها بدلاً عن تحويلها إلى غيبة كبرى ، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعي والتغييري وقتئذٍ أبسط وأيسر ، وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قوية ، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطور العلمي والصناعي ؟
والجواب : أنّ كلّ عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية لا يتأتى لها أن تحقق هدفها إلاّ عندما تتوفر تلك الشروط والظروف .
وتتميز عمليات التغيير الاجتماعي التي تفجرها السماء على الأرض بأنها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف الموضوعية (1) ؛ لانّ الرسالة التي تعتمدها
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير ، منها ما يشكّل المناخ المناسب والجوّ العام للتغيير المستهدف ، ومنها ما يشكّل بعض التفاصيل التي تتطلبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية .
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها ـ مثلاً ـ لينين في روسيا بنجاح ، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الأولى وتضعضع القيصرية ، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير ، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة ، إذ لو كان قد اتفق له أي حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح .
وقد جرت سنة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الرباني على التقيد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقق المناخ المناسب والجو العام لإنجاح عملية التغيير ، ومن هنا لم يأت الاسلام إلاّ بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمر قروناً من الزمن .
فعلى الرغم من قدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربانية وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز ، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب ؛ لأنّ الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الانسان يفرض على العمل التغييري الرباني ان يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية ، وهذا لا يمنع من تدخل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أحياناً فيما يخصّ بعض التفاصيل التي لا تكوّن المناخ المناسب وإنما قد يتطلبها أحياناً التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب ، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة ، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهم (1) ، وإذا بيد اليهودي الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم تُشلّ وتفقد قدرتها على الحركة (2) ، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين احدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب (3) ، إلاّ أنّ هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجو المناسب ، والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكوّن بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية .
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي عليه السلام لنجد انّ عملية التغيير التي أُعدّ لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي أخرى بظروف موضوعية تُساهم في توفير المناخ الملائم لها ، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقّت وفقاً لذلك . ومن المعلوم أنّ المهدي لم يكن قد أعدّ نفسه لعمل اجتماعي محدود ،
فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبّل رسالة العدل اجديدة ، وهذا الشعور بالنفاد يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى ، مدركاً حاجته إلى العون ن متلفّتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول .
ومن الناحية المادية يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كله ، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات ، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض ، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة .
وأما ما أشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأداة العسكرية التي واجهها القائد في اليوم الموعود كلّا أجّل ظهوره ، فهذا صحيح ، ولكن
ماذا ينفح نمو الشكل
راجع : التاج الجامع للاصول | منصور علي ناصف 5 : 360 الهامش ، قال : رواه أبو داود والترمذي .
وهل للفرد كلّ هذا الدور ؟!
ونأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدمة ، وهو السؤال الذي يقول : هل للفرد مهما كان عظيماً القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم ؟ وهل الفرد العظيم إلاّ ذلك الإنسان الذي ترشحه الظروف ليكون واجهةً لها في تحقيق حركتها ؟
والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معينة للتاريخ تفسره على أساس أنّ الإنسان عامل ثانوي (1) فيه ، والقوى الموضوعية المحيطة به هي العامل الأساسي ، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلاّ التعبير الذكي عن اتجاه هذا العامل الأساسي .
ونحن قد أوضحنا في مواضع أخر من كتبنا المطبوعة (2) أنّ التاريخ يحتوي على قطبين : أحدهما الإنسان ، والآخر القوى المادية المحيطة به .
وكما تؤثر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعية في الإنسان ، يؤثر الإنسان ايضاً فيما حوله من قوى وظروف ، ولا يوجد مبرر لافتراض العكس ، فالإنسان والمادة يتفاعلان
وما أمكن أن يقع على يد الرسول الاعظم يمكن ان يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته الذي بشّر (3) به ونوّه عن دوره العظيم .