الحمد لله حق حمده وثنائه ، والشكر على نعمائه ، والصلاة والسلام
على أشرف رسله وانبيائه محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه وعلى آله أئمة
الهدى ومعدن التقى والعروة الوثقى .
وبعد :
فإن للكلمة الاسلامية منذ انبثاق الرسالة ، وولادة الشريعة ، حتى
بلوغها ازهى عصورها الأثر الكبير في رفد مسيرة الامة بمقومات الحياة
والتطور والتفاعل الجاد من اجل خدمة الانسان ، وتقويم مسيرته ، وفي ارساء
قواعد القيم الروحية، والمثل العليا، التي صدع بها الاسلام ، وخصّها
بالثبات ومستلزمات البقاء، ولولا الكلمة الطيبة، وما لوجودها وتأثيرها في
القلوب والالباب لما قرّت شريعة السماء، وكان لها سلطة على الارواح التي
تصدأ كما يصدأ الحديد ، فتكون لها قراءة الآي المسطور من الذكر الحكيم
وقد كانت ولم تزل الكتابة تمثل الزاد الوافر الذي يغدق بنميره العذب
موارد العطاء لتنشرح به القلوب ، وتلمع به الابصار، لانها تمثل جوانب
الاشراقات العلمية، وثمرة الافكار، وترسم لكل جيل ملامح النهضة
والاقدام ، وتحمل في طيها صور الفضيلة، ومظاهر الابداع الانساني الذي
خصه الله سبحانه بتكريم الانسان في احسن تقويم ، وقد أقسم البارئ
المصور بالقلم وما يسطرون ، اظهاراً لما في التدوين والتصنيف والتأليف من
براعة واثر بليغ لمن استفاد علماً نافعاً فسجله واثبته فخلده ، ومن قرأه فوعاه ،
ومن هنا يجمل القول المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام « قيدوا العلم
بالكتابة » و « أحتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها » .
ولما كان للكتاب الاسلامي مزاياه وخصائصه التي امتاز بها، بحيث
كان عبر ايامه المشرقة مقياساً على رقي الأمة وبلوغها مدارج الكمال والسمو
فقد تجسدت فيه الابعاد الحضارية للفكر الاسلامي ، وبانت على صفحات
هذا الكتاب ملء السمع والقلب والبصر في اداء دور رسالة الحق بآفاقها
الخصبة الممتدة بعمق الى حيث التاريخ العريق الأصيل الذي سجلته سيدة
الحضارات الانسانية حين كان ولم يزل للحاضرة الاسلامية دور الزيادة
والتاسيس في الاسهام بحضارة الانسان على الارض بواقع من الافق
المعرفي الكبير تجاوزت حدوده المعارف والعلوم الشرعية التي اكدّت عليها
الشريعة فابدعت اقلام الاعلام الافذاذ في تصوير قواعدها ورسم ملامحها
حتى بلغت من المعارف العامة والآداب والفنون ما يحكي جمال الفكرة ،
وبليغ الاسلوب ، وروعة التعبير، والاتقان الفني.
وكما كان للحرف منذ نشوئه مداه وذاتيته عبر مراحل التطور والنشوء
المعرفي فقد كان لفضل الاسلام ما اضفى عليه رونقه وفاعليته ودفع في
وحينما أحكم الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله الكلمة الاسلامية
في رصانتها ومتانتها فقد كانت الريادة بتقييدها وابرازها للامام امير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام حيث تمت على يديه الولادة المباركة حين
بدأ بتدوين القرآن الكريم وكتابته بيده الشريفة حفظاً لقدسيته ، وصوناً من ان
تمسه الشبهات والاوهام ، وكما صدع به الوحي الامين على لسان نبيه
المصطفى محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله فقد كان للامام علي عليه
السلام شرف الاولوية في كتابته ومنذ ان ظهر هذا العمل التاسيسي الذي
سجله تاريخ صدر الاسلام لصفحات من نور فقد بدأ السعي لتدوين علوم
العربية في قواعد النحو وموازين الكلام الصحيح بمبادرة من الامام علي عليه
السلام حين أملى على ابي الاسود الدؤلي قواعد النحو فكان له السبق كذلك
في هذا المضمار كما كان في كثير من مبادراته الميمونة حفظاً لاحكام
الشريعة وعناية بابراز معالمها على الوجه الامثل الذي صاغه رب العالمين لا
ما ذهبت به الاتجاهات والنزعات والاهواء . . .
وكما كانت تمثل سيرة الامام علي عليه السلام اصالة الرسالة ونقائها،
وصيانة مبادئ الشريعة من التحريف والتشويه والتزييف ، ينبغي ان تكون
خطوات القدوة والاسوة كذلك ، حيث وجدنا ان سيرة الائمة الهداة من آل
محمّد صلّى الله عليه وآله كانت النموذج الرائع الذي يتجسد فيه الخط
الاسلامي القويم عبر اجيال وانظمة مرت مثقلة الخطى بالنكبات والمحن
والفتن والضلالات ، فكانت مسيرة اهل البيت عليهم السلام الاشراقة
الوضيئة التي تهدي الى الصواب . والرشد، وتمحق الباطل ورموزه بما يشحن
الذهنية المسلمة من عطاء الفكر المحمدي الخلاق . . . وهكذا كانت سيرة
وفي زمن الصحوة نحو الاسلام ومبادئه الراسخة، لا بُدّ وان يكون
للمسيرة الفكرية اسمى صورها، واجلى معانيها في انتشار دور الكتب ،
والنشر، ومؤسسات التاليف والترجمة والتحقيق حيث تشكل هذه الظاهرة
المباركة دلالة واضحة على وعي الامة لرسالتها ، وادراكها لمهمتها الاساسية
في توظيف الكلمة الهادفة لخدمة الحركة النهضوية، وارساء معالم
الاصلاح والتوجيه ، ولهذا فان أية ولادة جديدة في هذا المسعى الخيّر تعني
اضافة نوعية، وخطوة ايجابية في عمق المجال الاسلامي الكبير، وتأصيل
مفاهيمه .
ومن هذا المنطلق فقد انعقدت النية، وجدّ العزم على انشاء (مؤسسة
الامام علي عليه السلام ) بهمة ومساعي حجة الاسلام والمسلمين العلامة
المفضال السيد جواد الشهرستاني دام مجده ، الذي كانت له الايادي
البيضاء في ارساء قواعد هذه المؤسسة ، واعدادها وابرازها الى حيّز الوجود
لتستلم مهمة جليلة في التحقيق والترجمة للكتب الاسلامية التي لها اثرها
الكبير في معرفة اصول العقائد والمعارف الدينية وما افاضت به مدرسة اهل
البيت عليهم السلام من رؤى ، وافكار، وآفاق علمية ، وهي اذ تبادر باصدار
كتاب (أصل الشيعة واُصولها) من تأليف الامام الراحل آية الله العظمى الشيخ
محّمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي بطبعة متميزة (للمرة الاولى)
بالتحقيق والتعليق من رشحات الاستاذ المحقق البارع علاء آل جعفر فإنما
تعبّر عن بهجتها باهمية صدور هذا الاثر النفيس بهذه الحلة القشيبة ـ ولاول
مرة ـ بعد ان احتل هذا الكتاب محل الصدارة في التعبير عن أصل الشيعة
واُصولها، وبعد ان كان له شوط فاعل ومؤثر في مستوى الدراسات والبحوث
ولا بدّ لمؤسستنا ان تعلن في البدء عن اضطلاعها بمسؤولية الترجمة
الى اللغات الاجنبية الحية لهذه الأثار العلمية، والكتب النافعة التي
سنواصل اصدارها بعد اتمام تحقيقها .
وقد وفقنا ـ بحمد الله وعنايته ـ ان تتخذ هذه المؤسسة على نفسها هذه
المهمة تعميماً للنفع ، ومن اجل ان تتطلع شعوب العالم بلغاتها المتعددة
على معالم مدرسة أهل البيت عليهم السلام وملامح مذهبهم الحق الذي
يتمثل فيه الاسلام المحمدي الاصيل .
وفي الختام نبتهل اليه تعالى ان يوفق العاملين للعلم والعمل الصالح ،
وان يتقبل منا هذه البضاعة المزجاة بقبوله الحسن بتسديده وتأييده . . . انه ولي
التوفيق .|
الهيئة المشرفة مؤسسة الإِمام علي عليه السلام قم المقدسة غرة ربيع الثاني / 1415هـ - 1994 م |
يا سيّدي يا رسول الله :
أوَ يسعني أنْ أتطاول مع ضآلتي وقلة شأني لأخطو ـ متجاوزاً
قدري ـ في فناء قدسك ، وباحة عظمتك لأحط بازوادي ـ التي
أوشك أنْ يدركها النفاد ـ بين أفياء جلالك النضرة مقدماً بين
يديك الكريمتين هذه البضاعة القليلة المزجاة التي تمخضت بها
أيام غربتنا المتطارلة التي ما انفكت تنائ بنا بعيداً عن الأهل
والأوطان .
نعم يا سيد الكونين ، ويا أيها الرحمة المهداة الى العالمين ،
فانِّي وإنْ كنتُ حتى دون أنْ أجد لنفسي موطأ قدم قبال تلك
الطلعة البهية ، إلا أنِّي أتشبَّث بما عُرف عنك من خلق عظيم ،
فأتجرَّأ لأمد يدَيَ اليك سائلاً لا مُعطياً ، متوسِّلاً لا مطالِباً ، راجياً
من الله تبارك وتعالى الذي اصطفاك وانتجاك أنْ يرزقني شفاعتك
يوم تُعرض فيه الأعمال ، إنَّه سميع مجيب .
أبتدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه ، رب الأرباب ، وخالق العباد ،
الرؤوف الرحيم الذي خلقنا وكان سبحانه عن خلقنا وعبادتنا له غنياً، وأسبغ
علينا من النعم ما لا حد له ولا احصاء، تبارك وتعالى الله ربُّ العالمين .
واُصلي على رسوله الكريم ، ورحمته المهداة الى العالمين ، النبيّ
المصطفى الذي انتشل من ابتغى النجاة من تيه الضلال الى نور الهدى ،
خاتم الانبياء والمرسَلين ، محمَّد بن عبدالله ، وعلى أهل بيته المعصومين ،
ورثة علمه ، والقادة من بعده ، سفن النجاة الفارهة ، ومنائر الهدى السامقة ،
عليه وعليهم آلاف التحية والتسليم .
وبـعـد:
فلربما يعتقد البعض بتصوُّر يبتني على الفهم السطحي والمظهري
لطبيعة المساجلات الكلامية ، والمحاورات الفكرية التي كانت وما زالت
تتمظَّهر بها بعض المراكز المحددة العناوين ، في سعيها الدائب والمتواصل
من أجل توسيع الهوَّة الوهمية المفتعلة بين الادراك الحقيقي والسليم لعقائد
نعم ربما يعتقد هذا البعض بحسن نية ـ لا تتوافق حتماً وواقع الحال
المعاش ـ أنَّ المرتكز الحقيقي الذي تبتني عليه هذه المنازعات الفكرية هو
ما يمثِّل الجانب الايجابي المثمر الذي يُفترض أنْ يقود الباحثين الى التوصُّل
نحو الخلاصة الايجابية المبتغاة من حلقات البحث ، والذي هو طلبة كلَ
عاقل منصف باحث عن الحقيقة في هذا الزمن العسر الشاق الذي يشهد
بوضوح جلي تبلور صورة الصراع الخفي والعلني الذي تتوجه حرابه نحو
العقيدة الاسلامية المباركة كاطروحة سماوية قادرة على ملء الفراغ العقائدي
الذي خلَّفه الانهيار المتلاحق للكثير من الاطروحات المادية وغيرها ، من التي
جهد دعاتها وأنصارها ومريدوها في تأكيد قدرتها المزعومة على السمو
باالبشرية وحل مشكلات العصر التي ـ على زعمهم الباهت ـ تعجز قبالتها
العقائد الدينية ، ارتكازاً في تشكيل هذا المعتقد على وضوح الانحراف
العقائدي للكنيسة ، وبروز حالة التبعثر والتشرذم بين عموم الفرق الاسلامية ،
رغم بروز وظهور الكثير من حالات الالتقاء والتقارب .
أقول : إنَّ وضوح حالة التشتت بين الأخوة الفرقاء لم تقعد بالمفكرين
الغربيين والماديين والمصطفين معهم عن التفكير الجاد في اذكاء وتاجيج
هذه الحالة السلبية من خلال الترويج ـ بمكر وخبث ـ عن عدم قدرة الاسلام
في الوقت الحاضر لأنْ يشكِّل منهاجاً يمكن اعتماده في بناء الحضارة
نعم إنَّ المرء ليدرك بوضوح حالة التوجًّس الكبيرة التي يعاني منها
المفكرون الغربيون ، ودعاة امتطاء ركب الحضارة الغربية ـ باعتبارها على
زعمهم المريض البديل الفكري الوحيد الذي لا يسع البشرية الاستعاضة
عنه ، لاسيما بعد الانهيار المتلاحق للافكار المادية التي حكمت الكثير من
بلدان اوربا الشرقية ، تبعاً لتمزُّق أشلاء اُمِّهم التي ولدتهم سفاحاً ـ من قدرة
الاسلام على حل كلِّ مشكلات العصر التي عجزوا هم عن مجرد تقديم
تفسير مقنع لها ، بل وقدرته على أنْ يكون هو البديل الوحيد عن كلِّ
الاطروحات الفاسدة التي استطاعت أنْ تجد لها موطأ قدم بعد التغييب
القسري للفكر الاسلامي عن أرض الواقع ـ ولسنين طوال مرة ـ وهو ما لا
يعسر على أحد ادراكه من خلال استقراء الأحداث المتلاحقة في هذه
المعمورة الدالة بوضوح على ما يمكن أن يؤدي اليه الادراك الحقيقي للاسلام
ـ ولا احدد هذا بغير المسلمين فحسب ـ من انهيار حتمي لكلِّ النظريات
المادية الاُخرى ، والى هذه الحقيقة تشير تلك الاحداث التي أشرنا اليها ،
والتي أبصرها حتى مكفوفي الأبصار . . .
ثم لعلَّ تفشي حالة التوجُّه نحو العقائد الاسلامية في ذهنية العديد من
بلى ، فمن هذا التشخيص الدقيق ـ الذي يدركه العقلاء ـ المنبعث
عن رؤية صادقّة ومستجلية للغرض السيء إلذي يراد العزف على أوتاره من
خلال بعثرة الصف الاسلامي الواحد ، ترانا نستثير بالمسلم ضرورة البحث
الجدي والرصين المبني على قواعد علمية سليمة يستطيع من خلالها تكوين
صورة صادقة عن الأمر محل البحث ـ وحديثنا هنا عن عقائد الشيعة ـ تمكنه
من الحكم الصحيح لا اطلاقه جزافاً ، لأن ليس بذلك من عمل المحصلين
الواعين ، وخلاف البحث الاكاديمي العلمي ، فكيف إذا اختص ذلك بطائفة
كبيرة من طوائف المسلمين لها آثارها البارزة في بناء الحضارة الاسلامية
ورقيها؟.
إنَّ السجال العلمي الهادف يُعد بلا شك طلبة كلِّ المسلمين الواعين
المدركين بدقة أنَّ سر محنتهم وطوال قرون الانتكاسات المرة المتلاحقة
ـ التي توِّجت بسقوط عاصمة الدولة الاسلامية بأيدي المغول عام (656 هـ
ثم إنَ الاستقراء العلمي والدقيق للكثير منِ تلك المساجلات يبين
بجلاء أنَّها عين ـ أو انعكاسات ـ التقوُّلات التي تفتقت عنها مخيلة اللاهثين
خلف سراب المتع الرخيصة والزائفة ابان امتطاء الأمويين سدة الحكومة
الاسلامية ، ممَن أجهدوا أنفسهم في البحث عن مسوغ ما يبرر توليهم
لحكومة كانوا هم أكثر الناس كلبأ عليها ، وعداءً لها ، فطرقوا أسواق النخاسة
التي تصطف فيها الضمائر المعروضة للبيع ، والمتبارية في الكذب على الله
تعالى ورسوله ، كما تتبارى الجواري في عرض محاسنهن أمام رواد هذه
الاسواق ـ ولكن شتان ما بين هذه وتلك ـ فوجدوا بغيتهم في بعض الصحابة
والتابعين ، ممن حفظ لنا التاريخ تحلُّقهم حول موائد الأمويين الذين طالما
حذِّر رسول الله صلّى الله عليه وآله من حكومتهم وما يجرونه فيها على الاُمة
من عظائم الاُمور المنبعثة عن فسادهم وبُعدهم البين عن الاسلام .
لقد كان الامويون أوَّل من سن بشكل بيِّن قواعد بعثرة أبناء الدين
الواحد متوسِّلين في تحقيق بغيتهم هذه بكل ما تطاولت اليه أيديهم التي
أطلقها في بيت مال المسلمين امتطاؤهم لسدة الخلافة الاسلامية التي كانوا
اكثر من الَّب عليها ، ولم يدخروا وسعاً في احتوائها والقضاء عليها ، بل ولم ينل
فسكت القوم ، فقال عثمان : لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أُميَّة حتى يدخلوا من
عند آخرهم ! !
ولقد استعرض المؤرخون في كتبهم جوانب متفرقة من تلك الامور ، إلا أنَّ أوسعها
=
نعم لقد كانت هذه العصابة المشخصة النوايا ـ والتي أخذ بخطامها
=
فلما افتُتِحَتْ افريقيّة في أيامه أخذ الخُمس كلَّه ووهبه لمروان بن الحكم طريد رسول
الله صلّى الله عليه وآله .
وطلب منه عبدالله بن خالد بن أسيد صِلَة ، فأعطاه أ ربعمائة ألف درهم .
وأعاد الحكَم بن أبي العاص [ عدوَ رسول الله صلّى الله عليه واله ، ومن أكثر الناس ايذاء
له ] بعد أن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد سَيَّره ثم لم يردَّه أبو بكر ولا عمر، وأعطاه
مائة ألف درهم ! ! .
وتصدَّق رسول الله صلّى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يُعرف بمهزور على
المسلمين ، فاقطعه عثمان الحارثَ بن الحكم أخا مروان بن الحكم .
واقطعٍ مروان فَدَك ، وقد كانت فاطمةُ عليها السلام أطلبتْها بعد وفاة أبيها صلوات الله
عليه ، تارة بالميراث ، وتارة بالنِّحْلة فدُفِعت عنها .
وحَمى المراعى حولَ المدينة كلَّها من مواشي المسلمين كلِّهم إلا عن بني اُميَّة .
وأعطى عبدَالله بن أبي سَرْح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقيّة بالمغرب ـ وهي من
طرابلس الغرب إلى طَنْجة ـ من غير أنْ يَشْرَكه فيه أحد من المسلمين .
وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال ، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن
الحكم بمائة ألف من بيت المال ، وقد كان زوّجه ابنته اُم أبان ، فجاء زيد بن أرقم صاحب
بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى ، فقال عثمان : أتبكي أن وَصَلْتُ
رَحمِي ! قال : لا ، ولكن أبكي لأنّي أظنك أنَك أخذتَ هذا المال عِوضاً عما كنتَ أنفقتَه في
سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، والله لو أعطيتَ مروان مائة درهم لكان
كثيراً ، فقال : ألقِ المفاتيح يابن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك .
وأتاه أبو موسى باموال من العراق جليلة ، فقسمها كلَها في بني اميّة . وأنكح الحارث بن
الحكم ابنته عائشة ، فاعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً بعد صَرْفه زيد بن أرقم عن خزنه .
وانضمّ إلى هذه الأمور اُمور اُخرى نقمها عليه المسلمون : كتسيير أبي ذرّ رحمه الله
تعالى إلى الرّبَذة ، وضرب عبدالله بن مسعود حتى كسرت أضلاعه . . . وختم ذلك ما وجدوه
من كتابه إلى معاوية يأمره فيه بقتل قوم من المسلمين . . .
نعم لا شيء جديد يمكن للمرء أنْ يعده محفلاً للبحث والتباري
الفكري والعقائدي ، بل هو ـ وكما ذكرنا ـ اجترار مقيت ، وتكرار ممل ، لانْ
تكلَّف البعض أنْ يُضفي عليه طابعاً عصرياً مموِّها لبضاعة السابقين ، ولكن
الأصل اجلى من ان يخفيه أي تزويق ، وأي تمويه . والانكى من ذلك أنْ
نعم هناك الكثير من هذه الموارد الدالَّة على انحراف أصحابها عن جادة الصواب ومنطق
الحق ـ من الذين لاتُفسَّر مواقفهم هذه إلا بأنها محاولات مسمومة لبعثرة الصف الاسلامي
الواحد ـ أشار اليها بعض الباحثين والمتتبعين في بحوثهم ومؤلَّفاتهم ، كما أشرنا الى بعض
منها في مقدمتنا التحقيقية لكتاب مكارم الاخلاق ، فراجع .
وأمّا ما نريد الاشارة اليه هنا فهو عينة صادقة عن خبايا تلك النفوس التي لا ترعوي أمام
كلمة الحق ، ولا تخشى المساءلة يوم الحساب ، وبشكل تمجه النفوس ، وتزدريه العقول .
فقد عمد أحد الكتّاب المصطفين في خانة حاملي معاول تمزيق هذه الأمة باسم الدفاع
عن حريمها زوراً وبهتاناً ، ويُدعى محمد مال الله في كتابه الموسوم بـ (موقف الشِّيعة من أهل
السنًة) في الاصدار الأوَّل ممّا يسمى بدراسات في الفكر الشيعي الى التلاعب باحدى
العبارات التي نقلها عن كتابنا هذا بصلافة عجيبة ، ووقاحة غريبة .
فقد ذكرِفي الصفحة 28 من كتابه المذكور، ما هذا نصّه : والبداء عند الشِّيعة : « أنْ يظهر
ويبدو لله عزَ شانه أمر لم يكن عالماً به »! ! انتهى .
=
إنَّ المسلمين الذي دكَّت سنابك خيولهم أقاصي المعمورة ، واذعن
لسلطانهم العظيم الأكاسرة والقياصرة ، وأخذت أصوات مآذنهم تنادي
بالتكبير والتوحيد في أراضي الصليب المتكسِّر ـ الذي ما انفكَّ المتاجرون
به من حمله على أكتافهم ليخفوا تحت أخشابه المتهرئة جشعهم وفسادهم
وانحرافهم عن أبسط المفاهيم السماوية المقدسة ـ اولئك المسلمين كانوا
بأمسِّ الحاجة من غيرهم إلى وقفة تامُّل لا بُدّ منها لادراك الخلل أو العلة
الرئيسية التي أودت بكلِّ أمجادهم ومفاخرهم ، وبدأت وأمام أعينهم تتهاوى
=
وياليته اكتفى بموقفه المخزي هذا، لَكُنّا تلمّسنا له عذراً ، ولكنه يصر على خداع القرّاء ،
ويواصل كذبه وافتراءه دون أي حياء ، فقد أعاد كتابة عين تقوّلاته هذه في كتابه الآخر (الشَيعة
وتحريف القرآن )! ! في طبعته الثانية الصادرة عن شركة الشرق الأوسط للطباعة في عمان
عام (1405هـ )، وفي الصفحة 12 منه ، فراجع .
نعم هكذا تصرف هذا المؤلَف بهذه العبارة ليسيء الى طائفة باكبرها ويتهمها بالكفر
والانحراف ، متوهماً أنْ لا أحد سيكشف كذبته هذه ، وأنَّها ستمر على القرّاء مرور الكرام ،
ويقال : انظروا ماذا تقول الشِّيعة على لسان واحد من كبار علمائها ، هل هذا إلا هو الكفر
المحض! !
ونص العبارة التي تصرَّف بها هذا المؤلَف موجودة في خاتمة كتابنا هذا ضمن حديث
الشيخ رحمه الله تعالى عن المفتريات التي تتهمِ ظلماً بها الشيعة ، حيث قال : ممَّا يُشنِع به
الناس على الشَيعة ، ويزدرى به عليهم أيضاَ أمران : الأوّل : قولهم بالبداء ، تخيلاَ من
المشنِّعين أنَّ البداء الذي تقول به الشِّيعة هو عبارة عن أنْ يظهر ويبدو لله عزَّ شأنه أمر لم
يكن عالمآَ به ! ! وهل هذا إلا الجهل الشنيع ، والكفر الفضيع ، لاستلزامه الجهل على الله
تعالى ، وأنَّه محل للحوادث والتغييرات ، فيخرج من حظيرة الوجوب الى مكانة الامكان ! !
وحاشا الامامية « بل وسائر فرق الاسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة » بل
الضلالة . . . الخ .
أقول : أترك للقارئ الكريم مسألة التعليق على هذا الأمر ، والحكم بما يراه موافقاً للعقل
والمنطق والصواب
حقاً ـ وهذا ممّا لا ريب به ـ إنَّ ذلك الخلل كان قد استشرى كثيراً في
جسد هذه الأًمة التي تمتلك ـ وذلك ما تغص به الأفواه ـ كلَّ مقوِّمات الرقي
والسمو ، بل وتعد رسالتها هي المنهج العقائدي الوحيد القادر على انقاذ
البشرية وانتشالها من وهدة الضياع والتغرُّب والانسلاخ عن رسالتها العظيمة
التي خلقها الله تبارك وتعالى من أجلها .
بلى إنَّ ذلك الخلل الرهيب ـ بأبعاده المختلفة ـ كان يسري في جسد
هذه الأُمَّة مترافقاً مع جوانب إلخير والعطاء التي أفاضتها شرِيعة السماء
بأشكالها المتعددة ، فكان كالعلة التي لا يعيرها البعض اهتماماَ حتى تودي
به على حين غرة . فتقادم العصور والدهور، واذكاء حالة الاستسلام أمام واقع
الحال دون أي ردة فعل أو انكار ، بل والوقوف السلبي في بعض الأحيان ـ أو
الحيادي في أحيان اُخرى ـ أمام دعوات التصحيح المخلصة ، كلُّ ذلك كان
يشكِّل العنصر الداعم والمتسامح تجاه حالة السقوط هذه .
نعم ، ولعلَّ الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم يمثِّل عينة واضحة
مفردة تعكس ابتلاء الشِّيعة ـ وطوال قرون ودهور في ايضاح ورد الشبهات
السقيمة والواهية التي ما انفك البعض كالببغاء لا يمل من تكرارها في كلِّ
مناسبة وعلى كلِّ منبر ، اصراراً على المعاندة والمكابرة ، أو جهلاً ممجوجاً لا
عذر فيه ، فكانت مواقفهم المردودة هذه تمثِّل وبوضوح رؤوس الفتنة الملعونة
المبتغية زعزعة وخلخلة البنيان الاسلامي ، من خلال التمويه المقصود على
الحقائق الواضحة التي لا يُعفى أحد من وجوب التعرُّف عليها وادراك
مصداقيتها .
وأقول بعيداً عن المغالاة والتطرُّف: إنَّ الأمر الذي لا مراء فيه هو إنَّ
التفاوت المنظور بين فرق المسلمين لا يشكِّل حالة مهولة تدفع العقلاء الى
بيد إنَ المحاولات المعدودة ـ ومع اقتران اكثرها بصدق النية وصفاء
السريرة ـ تبقى قاصرة ودون الاحاطة الشاملة لأبعاد هذا الامر الجسيم ، لانها
تبقى دائرة في الذيول ـ دون الأصل ـ مرات كثيرة وبُتعاطى معها بين الأخذ
والرد.
ولا غرو في ذلك إذ إنَ العلاج الأنجع لأي علة لا بُدّ فيه من البحث
عن الأسباب الرئيسية والأساسية في بروزها ، لا معالجة نتائجها ، وهذا ما
عجز الكثيرون عن ادراكه ، أو الاشارة اليه صراحة ودون مواربة . . . فتعاقبت
الانتكاسات ، وتوالت الاخفاقات ، وستبقى طالما ما زلنا نجد من لا يتورع
عن تزييف الحقائق ، وقلب المسميات بصلافة عجيبة ، ووقاحة لا تصدق.
وحقاً أقول : أنَ الحديث عن هذا الأمر يستثير في خواطر المرء الكثير
من الشجون التي لا بُدّ لها من تترجم للجميع دون مواربة ومخاتلة ، وتتطلَّب
صدقاً واخلاص نية تتجاوز حدود الأهواء والنزعات النفسية ، وتصبح معياراً
وسبيلاًَ لادراك الحق والحقيقة ، لا شيء غير ذلك ...
المسلمون في هذه المعمورة تشعَّبت بهم المذاهب ، ونأت ببعضهم
عن بعض ، بمسافات تتباعد وتتقارب تبعاً لمدى الوعي الفكري ، والفهم
العقائدي ، وتتوسَّط بين الاثنين جماعة لا تجيد غير لغة التكفير البغيضة ،
واثارة النقع قبالة الحقائق الناصعة والثابتة .
فالثقل الأكبر ـ وكما يعلم الجميع ـ لعدد المسلمين يتمثل بأهل السنَة
وأمّا الثقل الأكبر الثاني فيتمثَّل بالشِّيعة ، وأعني بهم الشِّيعة الامامية
الاثني عشرية ، وهم ينقادون في فهم عباداتهم ومعاملاتهم لأهل بيت النبوة
عليهم السَّلام ، الذين توارثوا علومهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فما
افترق حكم اللاحق عن السابق ، بل كان مؤتمناً مؤدياً .
بلى إنَّ الشيعة ترجع في أحكام دينها إلى هذه العترة الطاهرة التي
يجب على المسلمين بنص القران الكريم اتباعهم وموالاتهم ومودتهم ،
ينضاف الى ذلك جملة واسعة من الأدلة الثابتة والصحيحة التي لا غبار
عليها، وهذا ما لا يحاول البعض ـ تعنُتاً ومجافاة للحق ـ ادراكه وتفهُّمه ،
فيضع نفسه في المضيق دون أيِ مرتكز يعول عليه ، بل والاغرب من ذلك أنْ
تجد من يتوسَّل تبريراً لموقفه المستهجن ـ وذلك ما ليس بخاف على أحد ـ
بما تمليه عليه حالته النفسية القلقة ، لا المرتكزات العقائدية والفكرية التي
ينبغي ان تسود هذه المباحث .
يضاف إلى ذلك ما لجأت اليه الحكومات الجائرةِ المتلاحقة من ترويجها واسنادها
للمذاهب الاسلامية الأخرى ، تنكيلاً بالتشيَّع ، وتحجيماَ له ، لا حباً وايماناً بتلك المذاهب
في أغلب الأحيان ، وإنْ كان ذلك الأمر يتشكل في بعض الأحيان بصبغة التعصُّب الطائفي
المقيت الخارج عن أي مفهوم شرعي .
نعم لا خلاف بأنَّ المسلمين كانوا يشكّلون ـ ظاهراً ـ في زمن رسول
الله صلّى الله عليه وآله اُمَّة واحدة يحكمها وجود قائد ميداني ، تنقاد لمشيئته
المنبعثة عن ارادة السماء جموع المسلمين ، فلا وجه لاي مخالفة انذاك غير
الخروج عن اطار الاسلام ، والكفر الصريح . ومن هنا فلم تكن هناك شبهات
عقائدية تعتري أحد ، لأنَّه يجد الجواب الشافي والحاسم لدى صاحب
الرسالة صلّى اللهّ عليه وآله . بيد أنَّ اللحظات الأًولى لرحليه صلى الله عليه
واله شهدت بذر شجرة الخلاف التي تطاولت مع الأيام وتفرَّعت ، وضربت
جذورها بعيدة في أعماق العقيدة الاسلامية المباركة ، وأثمرت معِ الأيام ثمراً
مراً لا يُستساغ ، أقسر البعض نفسه على تجرُّعه غصصاً، عناداَ للحقِّ ، أو
استسلاماً للواقع المعاش .
فقد توفِّي رسول الله صلّى اللهّ عليه وآله والدولة الاسلامية الغضة
الفتية تعيش في أدق ظروفها السياسية وأحرجها ، وحيث تحوطها وتعيش بين
جنبيها الكثير من المخاطر المشخَّصة العناوين : كالمنافقين ، ومدعي النبوة
وحلفائهم من المشركين ، واليهود، بالاضافة الى الخطر الذي تشكِّله عليهم
كلُّ من الدولتين الرومانية والفارسية ، وغير ذلك .
وابان تلك الظروف الحساسة والخطرة اُبتليت الأمَّة بأول وأخطر
انقسام أصابها في الصميم ، وكان العلة الأساسية لكلِّ أمراضها وويلاتها
المتلاحقة ، ونقطة الاختلاف التي تشعَّبت عنها كلُّ موارد التفرُّق المتفاوتة ،
ولن تجد تفسيراً منطقياً وعلمياً يمكنه الاعراض عن التصريح بهذه الحقيقة
الثابتة.
نعم إنَّ الاختلاف الذي مُنيت به الأمَّة في مسألة خلافة رسول الله
صلّى الله عليه وآله ـ وما استتبعه بعد ذلك من نتائج متوقعة ـ كان هو سر
الداء الذي سرى في جسد هذه الأًمَّة، وتصيَّده أعداؤها فطفقوا ـ باساليب
محكمة ومدروسة ـ يأجِّجوا نار الاختلاف ، ويوسِّعوا الهوَّة بين الأخوة
الاشقاء ، بل ولم يتورَّعوا عن الكذب والافتراء ، والتحريف والتشويه ، وقلب
الحقائق وتزييفها كما اسلفنا .