وليس من الإنصاف أن يكون هؤلاء بمنزلة أهل السبق ، ومن رسخ الإيمان في قلوبهم فنشروا الإسلام ، وحملوا ألوية العدل ، ونشروا العقيدة الإسلامية ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم عن نية صادقة ، وهاجروا عن إيمان خالص .
وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله :
« إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » (1).
وسأله ناس من أصحابه فقالوا : يارسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟
فقال صلّى الله عليه وآله :
« أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به ، ومن أساء أخذ في الجاهلية والإسلام » (2) .
وعن صهيب مرفوعاً :
« ما آمن بالقرآن من استحل محارمه » (3) .
وعنه صلّى الله عليه وآله بلفظ : « من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام اخذ في الأوّل ، والأخر » (4).
وعن ابن عمر قال :
صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال :
« يا معشر من اسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم . من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» (1).
وهكذا يتضح لنا على ضوء الأحاديث النبوية وآي القرآن الكريم مساواة الناس وشمول الأحكام لهم ، وأن ثبوت العدالة بالعمل ، ولا أثر لها بدونه ، والصحابة هم أولى بتنفيذها ، والقول في اجتهادهم مطلقاً يحتاج إلى مشقة في الإثبات ، والنتيجة عقيمة لا تثمر كثير فائدة ، والتأويل في مقابلة النص معناه طرح للأحكام . فلا يصح أن يتأولوها على خلاف ظاهرها ، ثم يستبيحوا لأنفسهم مخالفة الظاهر منها ، بل الأحكام شرعة واحدة بين الناس لتشملهم عدالتها . فلا مجال لأحد عن الخضوع لها وتطبيقها .
ولنا في سياسة الإمام علي بن أبي طالب ، وسيرته في عصر الخلفاء ، وفي عصره لأكبر دليل على ما نقول :
فقد كان يقيم الحد على من تعدّى حدود الله ، ويعامل كل واحد بما يقتضيه عمله ، وبقدر منزلته عند الله تعظم منزلته عنده .
وكم كان يدعو على أولئك الذين وسموا بالصحبة ، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله ، ونصبوا له الحرب .
وقد أعلن عليه السلام البراءة منهم على منبره لأنهم خالفوا كتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ومن وقف على عهوده عليه السلام لعماله ، ووصاياه لأمراء جيشه ، ورسائله لولاة أمره ، يعرف هناك عدم الالتزام بما ألزموا الأمة
والتحدث عن سيرة علي لا يتسع له مجال هذا الموضوع الذي خضناه بهذه العجالة ، والغرض أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لا بد أن يلتزموا باجتناب ما حرم الله تعالى ويهتدوا بهدي رسوله صلى الله عليه وآله ، ولم يفتحوا المجال لمتأول في مقابلة النص ، وللاجتهاد شروط ، ولعل في قصة قدامة أكبر دليل على ذلك قدامة بن مضعون :
قدامة بن مضعون بن حبيب المتوفى ( سنة 36هـ ) كان من السابقين الأولين ، وهاجر الهجرتين ، واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين ، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين ، وشهد على قدامة أنه شرب الخمر فسكر ، فقال : من يشهد معك فقال الجارود : أبو هريرة .
فقال عمر لأبي هريرة : بم تشهد ؟ قال : لم أره شرب الخمر ولكن رأيته سكران يقيء .
فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين فقدم ، فقال الجارود : أقم على هذا حدّ الله .
فقال عمر : أخصم أنت أم شهيد ؟
فقال شهيد .
فقال : قد أديت شهادتك .
ثم غدا الجارود على عمر فقال :
أقم على هذا حدّ الله .
فقال عمر :
ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد .
فقال الجارود : أنشدك الله .
فقال عمر : لتمسكن لسانك أو لأسوانك .
فقال : يا عمر ما ذالك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني .
فقال ابو هريرة : يااميرالمؤمنين إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الواليد فأسألها ـ وهي امرأة قدامة ـ فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها .
فقال عمر لقدامة : إني حادّك ، فقال قدامة :
لوشربت كما تقول ما كان لكم أن تحدّني .
فقال عمر : لم ؟
قال قدامة : قال الله عزوجل : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا ... ) الآية .
فقال عمر : أخطأت التأويل أنت إذا اتقيت الله اجتنبت ماحرّم الله ، ثم أقبل عمر على الناس فقال :
ماترون في جلد قدامة ؟
فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً . فسكت على ذلك أيّاماً ثم أصبح وقد عزم على جلده فقال : ما ترون في جلد قدامة . فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً .
فقال عمر : لأن يلقى الله تحت السياط أحب إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي ، ائتوني بسوط تام . فأمر به فجلد (1) .
هذه قصة قدامة ، وإقامة الحد عليه ، وتأويله فيما ارتكبه ، ولم نوردها لنحط من كرامته ، أو نطعن عليه في دينه ، فله شرف الهجرة
وهناك جماعة من الصحابة تأوّلوا فأخطأوا ، فلم يدرأ تأويلهم الحد لوقوعهم في الخطأ . منهم :
أبو جندل ، وضرار بن الخطاب ، وأبو الأزور فقد وجدهم أبوعبيدة قد شربوا الخمر فأنكر عليهم . فقال أبو جندل :
( ليس على الذين آمنوا جناح فيما طعموا ... ) الآية ، ولم ينفعهم ذلك وأقام عليهم الحد .
فأين العدالة من إقامة عليهم الحد .
وكان عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر بمصر فأقام الحد عليه عمرو بن العاص إلى كثير من ذلك (1) .
*
*
وهذا عمر بن الخطاب لم يثبت العدالة لأبي هريرة عندما استعمله على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر :
استأثرت بهذه الأموال يا عدوّ الله ، وعدو كتابه .
فقال أبوهريرة :
لست بعدوّ الله ، ولا عدوّ كتابه ، ولكن عدوّ من عاداهما .
فقال عمر : من أين لك ؟
قال : خيل نتجت ، وغلّة ، ورقيق لي ، وأعطية تتابعت (1) .
وفي لفظ ابن عبد ربه :
إنّ عمر دعا أبا هريرة فقال له :
علمت أني استعملتك على البحرين ، وأنت بلا نعلين ، ثم بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار قال :
كانت له أفراساً تناتجت ، وعطايا تلاحقت ، قال عمر :
قد حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل فأدّه .
قال أبو هريرة : ليس لك ذلك .
قال : بلى أوجع ظهرك ، ثم قام إليه بالدرّة فضربه حتى أدماه ، ثم قال :
ائت بها. قال احتسبتها عند الله .
قال : لو أخذتها من حلال ، وأدّيتها طائعاً ، أجئت من أقصى البحرين تجبي الناس لك لا لله ، ولا للمسلمين ؟ مارجعت به أميمة إلا لرعية الحمر ، وأميمة أم أبي هريرة (2) .
هكذا رأينا عمر يقابل أبا هريره بشدّة ، ويتهمه بخيانة أموال المسلمين ، وينسبه لعداء الله ، وعداء كتابه ، ولا يصدقه فيما يدّعيه . ولو كان أبو هريرة عادلاُ في نظر عمر لصدق قوله . ولقال أنت عادل ، أو مجتهد مخطىء ، وكذلك موقف عمر مع خالد بن الوليد في جنايته الكبرى مع مالك بن نويرة .
ويحدثنا البلاذري أن أبا المختار ، يزيد بن قيس ، رفع إلى عمر ابن الخطاب كلمة يشكو بها عمال الأهواز وغيرهم يقول فيه : | ابـلغ أمير الـمؤمنيـن رسـالـة | * | فأنت أمين الله فـي النهـي والأمـر |
| وأنـت أمـين الله فيـنا ومن يكن | * | أمينا لرب العرش يسلم لـه صـدري |
| فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه | * | وارسل إلى جزء وارسـل إلـى بشر |
| ولا تنـسيـن الـنـافعين كليهمـا | * | ولا ابن غلاب من سراة بني نصر(1) |
إلى آخر الرسالة وذكر فيها جماعة من عماله الذين استأثروا بالأموال ، وجلّهم من الصحابة ، فعاقبهم عمر ، واتهمهم بالخيانة ، والخيانة لا تجتمع مع العدالة .
ولا نطيل الحديث حول قاعدة أصالة العدالة لكل صحابي ، أو تأويل الأخطاء لهم على وجه يلزم السكوت عليه .
ما ذلك إلا تحدّ لنواميس الدين ، ومقدسات الشريعة ، ومجادلة بالباطل لحفظ كرامة معاوية وحزبه ( ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً ) (2) .
ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس أنه قال :
لم يكن رسول الله يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة وكان قبلها يعرف بعض صفاتهم وأقوالهم ، وأفعالهم ممّا جاء عنهم في عدة سور نزلت قبل براءة ، منها سورة المنافقين ، والأحزاب ، والنساء ، والأنفال ، والقتال ، والحشر .
أما سورة براءة فقد فضحتهم ، وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة ، والباطنة ومن أجل ذلك سميت ( الفاضحة ) والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكّلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب !
وإليك بيان أمورهم في غزوة تبوك ، وحدها ، وأعمالهم ، وآيات نفاقهم ، وهتك أستارهم ، وعقابهم ، مرتبة على سياق آيات سورة التوبة لا على الحروف (1):
1ـ استئذانهم في التخلف وهو لا يقع من مؤمن ، وإنما يستأذن ترك الجهاد من لا يؤمن بالله ولا بالأخرة (467) .
2ـ لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة (471) .
3ـ إن الله كره انبعاثهم فثبطهم (471) .
4ـ إنهم لو خرجوا في المؤمنين لم يزيدوهم إلاً خبالاً ، ويبغون فتنتهم (473) .
5ـ إنهم اتبعوا الفتنة من قبل تبوك في غزوة أحد ، إذ أوقعوا الشقاق في المسلمين ، وثبطوا بعضهم (474) .
6ـ إنهم قلبوا الأمور للنبي من أول الأمر إلى أن جاء الحق بنصره وظهور أمر الله وهم كارهون لذلك (475) .
7ـ إن منهم من استأذن النبي في القعود متعذراً بأنه يخاف على نفسه الافتتان بجمال نساء الروم ، فسقطوا في فتنة معصية الله ورسوله بالفعل (477) .
8ـ إن كل حسنة تصيب النبي تسؤوهم ، وكلّ مصيبة تعرض له تسرّهم ، ويرون أنهم أخذوا بالحزم في التخلّف ( 478 ) .
9ـ إن المؤمنين يتربصون بالمنافقين عذاب الله مباشرة أو بأيديهم ( 479) .
10ـ إن صدقاتهم لا تقبل لفسوقهم ، ولكفرهم ، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى ، وإنفاق ما ينفقون وهم كارهون ( 481 ) .
11ـ تعذيبهم بأموالهم وأولادهم في الدنيا وموتهم على كفرهم (485 ـ 574) .
12ـ حلفهم للمؤمنين بأنهم منهم ، ووصف خيبتهم ، وفرقهم منهم ( 485 ) .
13 ـ لمز بعضهم للرسول في الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ، وإلا سخطوا (467) .
14 ـ إيذاؤهم له ( ص ) بقولهم : هو أذن (516) .
15 ـ حلفهم للمؤمنين ليرضوهم دون إرضاء الله ورسوله (522) .
16 ـ حذرهم إنزال سورة تنبئهم بما في قلوبهم ووعيدهم على استهزائهم باخراج ما يحذرون (525) .
17ـ اعتذارهم عن استهزائهم بأنهم كانوا يقصدون الخوض واللعب ، وكون هذا الخوض عين الكفر ، ووعيدهم بتعذيب طائفة منهم بإصرارهم على إجرامهم ، واحتمال العفو عن طائفة أخرى ( 528 ـ 532 ) .
18ـ بيان حال المنافقين وصفاتهم العامة ذكراناً ، وإناثاً ، وإيقادهم هم والكفار نار جهنم ولعنهم إلخ (533 ) .
19 ـ تشبيههم بمنافقي الأمم الغابرة في كونهم لا حظ لهم إلا الاستماع بما ذكروا في خوضهم بالباطل ، وحبوط أعمالهم في الدنيا والأخرة مثلهم وخسارهم التام (527) . وتذكيرهم بنبأ أقوام الأنبياء قلبهم (539 ) .
20ـ ( إن المنافقين هم الفاسقون ) . الآية ( 67) .
21ـ قرنهم بالكفار في وجوب جهادهم والإغلاظ في معاملتهم ووعيدهم ( 549 ) .
22ـ حلفهم على إنكار ما قالوا من كلمة الكفر ، وإثبات الله لما نفوه ( وهمهم بما لم ينالوا ) أي محاولة اغتياله (ص) ( 551 ـ 555 ) .
23ـ من عاهد الله منهم على الصدقة في حالة العسر ، وإخلافه ،
24 ـ لمزهم وعيبهم للمؤمنين في الصدقات ، وسخريتهم منهم . (563) .
25 ـ حرمانهم الانتفاع باستنفار الرسول لهم بكفرهم حتى بالله ورسوله لا يرجى اهتداؤهم بالرجوع عن قسوتهم (666) .
26 ـ فرح المخلّفون منهم بمقعدهم خلاف رسول الله ، وتواصيهم بعدم النفر في الحر ، وتذكيرهم بحر جهنم (569) .
27ـ كون الأجدر بهم أن يحزنوا ، ويضحكوا قليلاً ويبكوا كثيراً (572) .
28 ـ نهيه (ص) عن الصلاة على موتاهم ، وتعليله بكفرهم وموتهم عليه (573) .
29 ـ استئذان أغنيائهم بالتخلف عن الجهاد كلما نزلت سورة تأمر بالجمع بين الإيمان والجهاد (581) .
30ـ حال الأعراب ، واستئذان بعضهم بالقعود عن الجهاد ، وقعود الكاذبين بغير اعتذار ووعيدهم بعذاب أليم على الكفر (583) .
نكتفي بذلك من صفات المنافقين في غزوة تبوك التي جاءت بسورة التوبة ومن أراد المزيد من معرفة سائر أعمال المنافقين فليرجع إلى سور : المنافقين ، والأحزاب ، والنساء ، والأنفال ، والقتال ، والحشر .
وفي الصحيحين من حديث الإفك أن أسيد بن الخضير قال لسعد ابن عبادة :
إنك منافق ، تجادل عن المنافقين . واختصم الفريقان فأصلح النبي بينهم ـ فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم :
إنك منافق ، ولم يكفر النبي لا هذا ، ولا ذاك .
والأخبار في ذلك كثيرة ومن شاء أن يقف على أسماء المنافقين من الخزرج والأوس فليرجع إلى الجزء الأول من ( أنساب الأشراف ) يجد أسماءهم قد ملأت عشر صفحات كاملة من ص 274 إلى ص 283 .
ولا بأس أن نورد هنا ما فعله الصحابة مع رسول الله ، وانفضاضهم من حوله إلى التجارة واللّهو ، وتفضيل ذلك على الصّلاة ، وتركهم إيّاه قائماً وحده يصلّي يوم الجمعة وذلك بعد أن أمرهم الله سبحانه بأن يسعوا إلى الصلاة ، ويتركوا البيع ، لأن ذلك خير لهم ( إن كانوا يعلمون ) فخالفوا عن أمر الله ، وانصرفوا إلى تجارتهم ، ولهوهم ، من حول رسول الله ! وإليك هذه الآية الكريمة التي تفضحهم قال تعالى :
( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً قل ماعند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) الجمعة : 11 .
وإليك حديثاً رواه البخاري وغيره (1) عن حذيفة بن اليمان يبين فيه نفاق الصحابة على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم وبعده .
قال حذيفة : إن المنافقين اليوم ، شرّ منهم على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم ، كانوا يومئذ يسرون ، واليوم يجهرون ! وفي رواية أخرى للبخاري كذلك عنه :
قال : إنما كان النفاق على عهد النبي (ص) ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان . ( وفي رواية ) : فإنما هو الكفر والإيمان .
واخرج البزار عن أبي وائل ، قلت لحذيفة : النّفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم ؟ قال :
فضرب به على جبهته وقال :
أوه : هو اليوم ظاهر ، إنما كانوا يستخفون على عهد رسول الله (1) !
|
قال أمير المؤمنين عليه السلام في :
وصف القرآن الكريم : جعله الله ريا لعطش العلماء ، و ربيعاً لقلوب الفقهاء ومحاج لطرق الصلحاء ودواء ليس بعده داء ، ونوراً ليس معه ظلمة . |
قال الراغب الأصباني :
وتحريف الشيء إمالته كتحريف القلم . ( المفردات في غريب القرآن ص 114 ط مصر ) .
عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
خطب النبي صلّى الله عليه وآله بمنى فقال :
أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته ، وماجاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله . ( أصول الكافي : 1/69 رقم الحديث 5 ) .
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه . ( اصول الكافي : 1/69 رقم الحديث 1 ) .
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال :
ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف . ( أصول الكافي : 1/69 رقم الحديث 4 ) .
إن الإمامية أشدّ تمسّكا بالقرآن ، ومحافظة عليه ، وتعظيماً له ، ومنه يستقون عقيدتهم ، وأحكامهم وبه يدفعون شبهات المقياس المبطلين وأقوال المتحذلقين ، فهو عندهم : المعجزة الكبرى ، والمقياس الصحيح للحق ، والهداية . فقد رووا أن أئمتهم أمروهم أن يعرضوا ما ينقل عنهم على القرآن ، فإن خالفه فهو كذب ، وافتراء ، وزخرف وباطل يجب ضربه في عرض الجدار (1) .
قال الله تعالى :
( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (2) .
( صدق الله العلى العظيم ) .
قال الإمام شرف الدين العالمي ( قدس سره ) :
وكان القرآن مجموعاً أيام النبي صلّى الله عليه وآله على ما هو عليه الآن من الترتيب ، والتنسيق في آياته ، وسوره ، وسائر كلماته ، وحروفه بلا زيادة ، ولا نقصان ، ولا تقديم ولا تأخير ، ولا تبديل ، ولا تغيير ..
أجل : إن القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوصي ، والنبوّة ، مؤلفاً على ما هو عليه الآن ... وقد كان القرآن زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يطلق عليه الكتاب قال الله تعالى :
( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) (1) البقرة : 2 . =
وهذا يشعر بأنه كان مجموعاً ، ومكتوباً فإن ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ، ولم تكن مكتوبة لا تسمّى كتاباً ، وإنما تسمّى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى ، وكيف كان فإن رأي المحقّقين من علمائنا :
أن القرآن العظيم إنما هو ما بين الدفتين الموجود في أيدي الناس ، والباحثون من أهل السنة يعلمون منا ذلك ، والمنصفون منهم يصرّحون به . ( أجوبة مسائل جار الله ص 34 ، 37 الطبعة الثانية صيدا عام 1377 هـ ) .
يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدّة معان على سبيل الإشراك ، فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين ، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق منهم أيضاً ، وبعض منها وقع الخلاف فيما بينهم ، وإليك تفصيل ذلك :
الأول : « نقل الشيء عن موضعه وتحويله إلى غيره » ومنه قوله تعالى :
( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ) النساء : 46 .
ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته ، وحمله على غير معناه فقد حرفه ، وترى كثيراً من أهل البدع ، والمذاهب الفاسدة ، قد حرفوا القرآن بتأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم .
وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى ، وذم فاعله في عدة من الروايات منها :
رواية ( الكافي ) بإسناده عن الباقرعليه السلام أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير :
| «... وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه ، وحرّفوا حدوده ، فهم يروونه ، ولا يرعونه ، والجهّال يعجبهم حفظ للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية... » الوافي 3/274 . أبواب القرآن وفضائله . |
الثاني : النقص أو الزيادة في الحروف ، أو في الحركات ، مع حفظ القرآن ، وعدم ضياعه ، وإن لم يكن مميزاً في الخارج عن غيره » .
والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً فقد أثبتنا فيما تقدّم (1) عدم تواتر القراءات ، وأمّا غيرها فهو إمّا زيادة في القرآن ، وإمّا نقيصة فيه .
الثالث : النقص أو الزيادة بكلمة ، أو كلمتين ، مع حفظ التحفظ على نفس القرآن المنزل » .
والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الإسلام ، وفي زمان الصحابة قطعاً ، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه .
وهذا يدّل على أن هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه ، وإلاّ لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها .
وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف ، منهم :
عبدالله بن أبي داود السجستاني ، وقد سمّى كتابه هذا بكتاب ( المصاحف ) . وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة ، إمّا من عثمان ، أو من كتاب تلك المصاحف ، ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء الله تعالى : أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين ، الّذي تداولوه عن النبي صلّى الله عليه وآله يداً بيد .
فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان .
وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ، ولا نقيصة .
وجملة القول : إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف ـ كما هو الصحيح ـ فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الأول إلاّ أنه قد انقطع في زمان عثمان ، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي صلّى الله عليه وآله .
وأما القائل : بتواترالمصاحف بأجمعها ، فلا بدّ له من الالتزام بوقوع التحريف بالمعنى المتنازع فيه في القرآن المنزل ، وبضياع شيء منه .
الرابع: « التحريف بالزيادة والنقيصة في الآية والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل ، والمتسالم على قراءة النبي (ص) إيّاها » .
والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً . فالبسملة ـ مثلاً ـ ممّا تسالم المسلمون على أن النبي (ص) قرأها قبل كلّ سورة غير سورة التوبة .
وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة . فاختار جمع منهم أنّها ليست من القرآن ، بل ذهبت المالكيّة إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة ، إلا إذا نوى بها المصلّي الخروج من الخلاف ، وذهب جماعة أخرى إلى أن البسملة من القرآن .
وأما الشيعة الإمامية فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبه ، واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضاً ... وإذاً ، فالقرآن المنزل من السّماء قد وقع فيه التحريف يقيناً بالزيادة ، أو بالنقيصة .
الخامس : « التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل » .
والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين ، بل هو ممّا علم بطلانه بالضرورة .
السادس : « التحريف بالنقيصة ، بمعنى أن المصحف الّذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الّذي نزل من السّمآء ، فقد ضاع بعضه على النّاس » .
والتحريف بهذا المعنى هو الذّي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون (1) .