صدّق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له : أنت عندنا العدل الرضا ـ
قال الذهبي في شرح الخبر : فأصحاب رسول الله ، وإن كانوا عدولاً ، فبعضهم أعدل من بعض ، فها هنا عمر قنع بخبر عبدالرحمن ، وفي قصة الاستئذان يقول لأبي موسى الأشعري :
ائت بمن يشهد معك (1) .
ليس كل ما جاء من الأحاديث عن الصحابة مما رووه عن رسول الله ، ودوّن في الكتب ، قد سمعوه كلّه بآذانهم من النبي صلوات الله عليه مشافهة ، ولا اخذوه عنه تلقيناً ، وإنما كان يروي بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول ، كان يأخذ ممّن سمع منه صلّى الله
وقد ذكر الآمدي في كتاب « الإحكام في أصول الإحكام » (1):
أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ، ولما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم « إنّما الربا في النسيئة » وأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمي حجر العقبة ، قال في الجزء الأول لما روجع فيه قال :
أخبرني به أسامة بن زيد وفي الخبر الثاني : أخبرني به أخي الفضل بن العباس . ولما روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال :
من أصبح جنباً في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك فقال :
ما أنا قتله ورب الكعبة ولكن محمداً قاله ! ثم عاد فقال :
حدثني به الفضل بن العباس (2) .
وروي عن البراء بن عازب قال :
« ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه
وأما التابعون : فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار ، ويدل على ذلك ما روي عن الأعمش أنّه قال :
قلت لابراهيم النخعيّ : إذا حدثتني فأسند (1) . فقال :
إذا قلت لك : حدثني فلان عن عبدالله فهو الذي حدثني ، وإذا قلت : حدثني عبدالله ، فقد حدثني جماعة عنه ، وقد قال الآمدي بعد ذلك ، ولم يزل ذلك مشهوراً فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعاً (1) اهـ .
وكما كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض فإنّهم كذلك كانوا يروون عن التابعين و هذا أمر نص عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إن شئت .
وفي كلام ابن الصلاح وغيره في باب « رواية الأكابر عن الأصاغر » أن إبن عباس والعبادلة الثلاثة وأبا هريرة وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم خداعاً في عهد عمر وعدوّه من كبار التابعين ثم سوّده بعد ذلك على المسلمين . وهاك ماقاله السيوطي في ألفيّته (3) :| وقد روى الكبار عن صغار | * | في السنّ أو في العلم والمقدار |
| ومنه أخذ الصحب عن أتباع | * | وتابـع عن تابـع الأتبـاع |
| كالحبرعن كعب وكالزهري | * | عن مالك ويحيى الأ نصاري |
وقال شارح الألفية الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله :
ومن هذا النوع رواية الصحابة عن التابعين كرواية الحبر عبد الله بن عباس وسائر العبادلة وأبي هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم عن كعب الأحبار !
على أن الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن التابعين لم يكونوا ـ كما رأينا ـ يذكرون أن أحاديثهم قد جاءت من سبيل الرواية عن غيرهم ، بل يروون ما يروون في المناسبات التي تستدعي ذكر الحديث مهما طال الزمن من غير عزو إلى من سمعوا منه ثقة بهم ، ويرفعونها إلى النبي ، وظلوا على ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن ثم قالوا : سمّوا لنا رجالكم !
قال ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة (3) قالوا : سموا لنا رجالكم .
وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث ، فلما وقعت الفتنة ، سئل عن إسناد الحديث ..
في سنن الترمذي عنه :
كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد ! فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، إن الرجل ليحدثني فما اتهمه ، ولكن أتهم من هو فوقه .
وقد روى التابعون عن « تابعي التابعين » ومن رواية التابعين عن تابعي التابعين ... رواية الزهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك وهو تلميذها .
ومن الطريف للفطن كما قال السيوطي في الفيّته :
أن يروي الصحابي عن تابعي ، عن صحابي آخر حديثاً ومن ذلك حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبدالرحمن بن عبد القاري التابعي عن عمر بن الخطاب عن النبي صلّى الله عليه وسلم :
« من نام عن حزبه ، أو عن شيء منه ، فقرأه فيما بين الصلاتين الفجر وصلاة الظهر ، كتب له كأنما قرأه في الليل » رواه مسلم في كتابه . ومن ذلك حديث :
« لا يستوي القاعدون » .
وقد جمع الحافظ العراقي من ذلك عشرين حديثاً .
لم يقف الأمر بالصحابة عند تشديدهم في قبول الأخبار من إخوانهم في الصحبة كما أسلفنا ؛ ولكنهّ تجاوز ذلك إلى أن ينقد بعضهم بعضاً .
ولقد كان عمر ، وعلي ، وعثمان ، وعائشة ، وابن عباس ، وغيرهم من الصحابة ، يتصفحون على إخوانهم في الصحبة ، ويشكون في بعض ما يروونه عن الرسول ، ويردونه على أصحابه .
عن محمود بن الربيع ـ وكان ممن عقل عن رسول الله وهو صغير ـ أنه سمع عثمان بن مالك الأنصاري ، وكان ممّن شهد بدراً ، أن رسول الله قال :
إن الله حرّم النار على من قال : لا إله إلا الله يبغي بها وجه الله ـ وكان الرسول في دار عتبان ، فحدثها قوماً فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله ـ فأنكرها على ( أبو ايوب ) وقال : والله ما أظن رسول الله قد قال ما قلت !
وقد استدلت المرجئة (1) بهذا الحديث ونحنوه على مذهبهم .
وردت عائشة حديث عمر ، وابن عمر :
« إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه » فقالت :
إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخطيء ، والله ما حدّث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ! وقالت :
حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) .
وفي رواية أنها لما سمعت أن ابن عمر يحدث بهذا الحديث قالت :
« وهل ! إنما قال : إنه ليعذب بخطيئته ، وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه » .
وفي رواية ثالثة :
إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ وقالت مثل قوله ( ابن عمر ) :
إن رسول الله قال على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال :
إنهم ليسمعون ما أقول . وقالت : إنما قال :
إنهم الآن يعلمون أن ما كنت أقوله لهم حق ثم قرأت :
( إنك لا تسمع الموتي . وما أنت بمسمع من في القبور ) حين تبوأوا مقاعدهم من النار . والحديثان في البخاري ومسلم وغيرهما .
وردّت عائشة كذلك حديث رؤية النبي لربه ليلة الإسراء الذي رواه الشيخان عن عامر بن مسروق الذي قال لعائشة : يا أمتاه : هل رأى محمد ربّه ؟ فقالت :
لقد قفّ شعري مما قلت ! أين أنت من ثلاث ؟ من حدثكم فقد كذب (1) :
من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت :
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) .
( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيا أو من وراء حجاب ) .
ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت :
( وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ) .
ومن حدثك أنه كتم شيئاً فقد كذب ، ثم قرأت :
( يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ) .
وفي مسلم : وكنت متكئاً فجلست فقلت :
ألم يقل الله : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) . فقالت :
أنا أول من سأل رسول الله عن هذا فقلت يا رسول الله ، هل رأيت ربك ؟ فقال :
لا ، أنا رأيت جبريل منهبطاً . وفي حديث أبي ذر عن مسلم أنه سأل النبي عن ذلك .
فقال : نور أنى أراه ـ ولأحمد رأيت نوراً .
وردت خبر ابن عمر وأبي هريرة :
إن الشؤم في ثلاث ، فقال : إنّما كان رسول الله يحدث عن أحوال الجاهلية ، وذلك لمعارضتة الأصل القطعي من : « أنّ الأمر كلّه لله » .
ولما بلغها قول أبي الدرداء : من أدرك الصبح فلا وتر له . قالت :
اعتمر رسول الله عمرة في رجب ، قضت عليه بالسهو ، وقالت عن أنس بن مالك ، وأبي سعيد الخدري :
ما علم أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله ؛ وإنما كانا غلامين صغيرين !
وكانت عائشة ترد كلّ ما روي مخالفاً للقرآن ـ وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع ، أو سوء الفهم : وكذب عمران ابن حصين سمرة في حديث أن للنبي سكتتين في الصلاة عند قراءته .
والأمثلة على ذلك كثيرة وقد أتينا في تاريخ أبي هريرة بطائفة من الأحاديث التي انتقدوه فيها ، وردّوها عليه فراجعها هناك (1) (*) .
قال الشيخ محمد الرّاغب :
الرابع من تلك الأبحاث (1) :
فقد كفر الروافض ، والخوارج بوجوه :
الأول : إن القدح في أكابر الصحابة الذين شهد لهم القرآن ، والأحاديث الصحيحة بالتزكية ، والأيمان تكذيب للقرآن ، وللرسول عليه السلام ، حيث أثنى عليهم ، وعظمهم فيكون كفراً .
قلنا : لا ثناء عليهم خاصة ، أي لا ثناء في القرآن على واحد من الصحابة بخصوصه ، وهؤلاء قد اعتقدوا أنّ من قدحوا فيه ليس داخلاً في الثناء العام الوارد فيه ، وإليه أشار بقوله :
ولاهم داخلون فيهم عندهم ، فلا يكون قدحهم تكذيباً للقرآن .
وأما الأحاديث الواردة في تزكية بعض معيّن من الصحابة والشهادة لهم بالجنة ، فمن قبيل الآحاد فلا يكفر المسلم بإنكارها .
أو نقول : ذلك الثناء عليهم ، وتلك الشهادة مقيدان بشرط سلامة العاقبة ولم يوجد عندهم ، فلا يلزم تكذيبهم للرسول .
الثاني : الإجماع منعقد من الامة على تكفير من كفر عظماء الصّحابة ، وكلّ واحد من الفريقين يكفر بعض أولئك العظماء فيكون كافراً ؟!!
قلنا : هؤلاء ، أي من كفّر جماعة مخصوصة من الصحابة ، لا يسلّمون كونهم من أكابر الصّحابة ، وعظمائهم فلا يلزم كفره .
الثالث : قوله صلّى الله عليه وسلم : من قال لأخيه المسلم : يا كافر فقد باء به أي بالكفر أحدهما .
قلنا : آحاد وقد اجتمعت الأمة على أن إنكار الآحاد ليس كفراً (1) .
قال الله تعالى في كتابه الكريم :
( ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمناً... ) النساء : 94 .
وقال ابن الأثير : ومنه الحديث « من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما » . لأنه إمّا يصدق عليه أو يكذب ، فإن صدق فهو كافر ، وإن كذب عاد إليه الكفر بتكفيره أخاه المسلم . ( النهاية في غريب الحديث والأثر : 4| 185 مادة كفر ) .
وقال ابن القيم : في طرق أهل البدع الموافقون على أصول
أحدها الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ، ولا يفسّق ، ولا ترد شهادته ... (1) .
وقال الشيخ محمد عبده : إن من أصول الدين الإسلامي : البعد عن التكفير ، وإن ممّا اشتهر بين المسلمين ، وعرف من قواعد أحكام دينهم أنّه إذا صدر قول قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ، ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان ، ولا يجوز حمله على الكفر (2) .
ونقل الشيخ محمد راغب : عن الإمام أبي حامد الغزالي عن كتابه ( التفرقة بين الإسلام والزندقة ) :
الوصيّة أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله غير مناقضين لها ، والمناقضة تجويزهم الكذب على الرّسول بعذر ، أو بغير عذر . إنتهى (3) .
وقال الإمام الغزالي : وكيف يقال لمن امن بالله واليوم الآخر وعبد الله بالقول الذّي ينزّه به ، والعمل الذي يقصد به المتعبد لوجهه الذي يستزيد به إيمانا ، ومعرفة له سبحانه ثم يكرمه الله تعالى على ذلك بفؤاد المزيد ، وينيله ما شرف من المخ ، ويريه إعلام الرضا ، ثم يكفّره أحد بغير شرع ، ولا قياس عليه ، والإيمان لا يخرج عنه إلاّ بنبذه واطراحه ، وتركه ، واعتقاد ما لا يتم الإيمان معه ، ولا يحصل بمقارنته (4) .
وقال الشيخ سليمان النجدي أخو محمد بن عبدالوهاب :
إجماع أهل السنة : إن من كان مقراً بما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم ملتزماً له إنه وإن كان فيه خصلة من الكفر الأكبر ، أو الشرك أن لا يكفر حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وان الحجّة لا تقوم إلا بالإجماع القطعي لا الظني ، وإن الذي يقوم الحجة : الإمام ، أو نائبه .
وان الكفر لا يكون إلا بانكار الضروريات من دين الإسلام كالوجود ، والوحدانيّة ، والرسالة ، أو بإنكار الأمور الظاهرة كوجوب الصّلاة .
وإن المسلم المقر بالرسول إذا استند إلى نوع شبهة تخفى على مثلثه لا يكفر ، وإن مذهب أهل السنة والجماعة التحاشي عن تكفير من انتسب إلى الإسلام (1) .
وقال الشيخ محمد راغب :
قال صاحب « المواقف » في آخر الكتاب :
ولا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع ، القادر ، العليم ، أو شرك ، أو إنكار ما علم مجيئه صلّى الله عليه وسلم به ضرورة ، أو إنكار المجمع عليه كاستحلال المحرّمات .
قال السيد في الشرح : التي أجمع على حرمتها فأن ذلك المجمع عليه مما علم ضرورة من الدين فذاك ظاهر داخل فيما ذكره ، وإلا فإن كان أجماعاً ظنياً فلا كفر بمخالفته ، وإن كان قطعيّاً ففيه خلاف .
قال في المواقف :
وأما ما عداه ـ أي ما عدا ما فيه نفي الصانع ، وما عطف عليه
وقال أبو الحسن عليّ بن محّمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي في شرحه :
فإن الشيخ أبا الحسن قال في أول كتاب : « مقالات الإسلاميّين » :
اختلف المسلمون بعد نبيّهم عليه الصلاة والسلام في أشياء : ضلّل بعضهم بعضاً ، وتبرأ بعضهم من بعض ، فصاروا فرقاً متباينين إلاّ أن الإسلام يجمعهم ، ويعمهم فهذا مذهبه ، وعليه أكثر أصحابنا وقد نقل عن الشافعي أنه قال :
لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء ، إلا الخطابية فانهم يعتقدون حلّ الكذب .
وحكي الحاكم صاحب « المختصر » في كتاب : « المنتقى » عن أبي حنيفة (رض) أنه لم يكفر أحداً من أهل القبلة .
وحكى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي ، وغيره (2) .
أخرج ابن حجر الهيثمي عن أبي الدرداء قال :
قال رسول الله صلّى عليه وسلم : لألفين ما توزعت أحداً (1) منكم عند الحوض فأقول :
هذا من أصحابي فيقول :
أنّك لاتدري ما أحدثوا بعدك (2) .
وعن أبي الدرداء قال :
قلت يارسول الله بلغني أنك تقول :
إن ناساً من أمتي سيكفرون بعد إيمانهم قال : أجل يا أبا الدرداء ؟ ولست منهم (3) .
وأخرج الإمام أحمد عن أبي بكرة قال :
قال رسول الله ليردن الحوض عليّ رجال ممن صحبني ، ورآني ،
إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (1) .
وأخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال :
ليردن الحوض عليّ رجال حتى إذا رأيتم رفعوا إلى ، فاختلجوا دوني فلأقولنّ :
ياربّ أصحابي ، أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (2) .
وأخرج الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بموعظة فقال :
أنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة ، عراة ، غزلاً ، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين .
فأول الخلايق يكسي ابراهيم خليل الرّحمن عزّوجلّ ، ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال .
قال ابن جعفر :
وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول :
يارب أصحابي قال : فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك لم يزالوا مرتدّين (3) على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح :
( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ) الآية ، إلى ( إنك أنت العزيز الحكيم ) (1) .
قال محمد بن عمر الواقدي :
وكان طلحة بن عبيد الله ، وابن عباس ، وجابر بن عبدالله ، يقولون :
صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلم على قتلى أحد ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم :
أنا على هؤلاء شهيد .
فقال ابو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، أليس إخواننا ؛ أسلموا كما أسلمنا ، وجاهدوا كما جاهدنا ؟ قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئأ ، ولا أدري ما تحدثون بعدي ، فبكي أبو بكر وقال :
إنّا لكائنون بعدك (1) ؟
وأخرج البخاري عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء ابن عازب (رض) فقلت : طوبى لك ، صحبت النبي صلى الله عليه
يابن أخي ، لا تدري ما أحدثنا بعده (1) .
وقال العلامة الشيخ لطف الله الصافي دام ظلّه :
نعم : لو قال : لقد رضي الله عن الذين بايعوك ، تشمل كلّ من بايعه كائنا من كان ، وإن شك في إيمانه ، ولكن لا يجوز التمسك به فيمن شككنا في أصل بيعته ، كما لا يثبت إيمان من شككنا في إيمانه بقوله : ( لقد رضي الله عن المؤمنين ) .
وهذا كلام متين في غاية المتانة .
وايضاً هذه الآية لا تدل على حسن خاتمة أمر جميع المبايعين المؤمنين . وإن فسق بعضهم ، أو نافق . لأنها لا تدل على أزيد من أنّ الله تعالى رضي عنهم ببيعتهم هذه ، أي قبل عنهم هذه البيعة ، ويثيبهم عليها ، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع من قبلهم .
والحاصل : إن اتصاف الشخص بكونه مرضيّاً لا يكون إلاّ بعمله المرضيّ ، والعامل لا يتّصف بنفسه بهذه الصفة ، فهذه الصفة تعرض على الشخص بواسطة علمه . فإذا صدر عنه الفعل الحسن ، والعمل المرضي ، يوصف العامل بهذه الصفة أيضاً ، ولا دلالة للآية على أن من رضي الله عنه بواسطة عمله يكون مرضيّاً طول عمره ، وإن صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك ، ورضا الله تعالى عن أهل بيعة الحديبية ليس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد .
والدليل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل هذه البيعة ، وتعظيمها :
( إن الذين يبايعونك ، إنّما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً ) .
فلو لم يجز أن يكون في المبايعين من ينكث بيعته ، وكان رضا الله عنهم مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد لا فائدة لقوله :
( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) .
وأيضاً قد دلّت آيات من القرآن ، وأحاديث صحيحة على وقوع غضب الله تعالى . وسخطه على من يرتكب بعض المعاصي ، ومع ذلك لم يقل أحد بأن هذا مانع من حسن إيمانه في المستقبل ، وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأنفال :
( ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال ، أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ) .
فإذا لم يكن بوء شخص ، أو قوم إلى غضب الله مانعاً من حسن حاله في المستقبل لم يكن رضاه أيضاً سبباً لعدم صدور فسق ، أو كفر من العبد بعد ذلك .
والقول بدلالة على حسن حال المبايعين مطلقاً ، وعدم تأثير صدور الفسق عنهم في ذلك مستلزم للقول بوقوع التعارض بين هذه الآية ، وبين آية الأنفال المذكورة فيمن ولّى دبره عن الجهاد من المبايعين لأنها أيضاً تدل باطلاقها على سوء حال من يولّي دبره ، وعدم تأثير صدور الحسنات في رفع ذلك .
والحديث الأول صريح بأن حسن خاتمة مثل : أبى بكر من الصحابة المبايعين المهاجرين موقوف على ما يحدث بعد الرّسول (ص) .
هذا مختصر الكلام حول مدلول الآية الكريمة .
وعليه : ليس المستفاد منها أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان .
نعم : لا يثبت بها إيمان واحد معين من المبايعين على نحو التفصيل ، فلا يصح التمسك بها في إثبات إيمان صحابي خاص ، وعدم نفاقه ، أو حسن إيمانه إذا شك فيه (1) .
قال برهان الدين الحلبي : وفي رواية :
صار صلّى الله عليه وسلم يقول :
اللهم العن فلاناً ، وفلاناً (2) .
وأخرج البخاري عن يحيى بن عبدالله السّلمي : أخبرنا معمر عن الزهري ، حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول :
اللهم العن فلاناً ، وفلاناً بعدما يقول :
سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله :
( ليس لك من الأمر شيء ) إلى قوله ( فإنهم ظالمون ) (3) .
وقال السيوطي : وأخرج أحمد ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، والبيهقي في ( الدلائل ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أحد :
اللهم العن أبا سفيان .
اللهم العن الحرث بن هشام .
اللّهم العن سهيل بن عمرو .
واللّهم العن صفوان بن أمية . ثم قال السيوطي :
وأخرج الترمذي ، وصححه ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عمر قال :
كان النبي صلّى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر ... وكان يقول في صلاة الفجر :
اللّهم العن فلانا و فلانا .. (1) .
وأخرج نصر بن مزاحم المنقري عن عبدالغفار بن القاسم عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب قال :
أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم :
« اللّهم العن التابع والمتبوع ، اللّهم عليك بالاقعيس » .
فقال ابن البراء لأبيه :
من الاقيعس (2) ؟ قال معاوية (3) .
واخرج نصر عن علي بن الأقمر (4) في آخر حديثه قال :
فنظر رسول الله إلى أبي سفيان وهو راكب ، ومعاوية وأخوه ،
« اللّهم العن القائد ، والسائق ، والراكب » .
قلنا :
أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال : نعم ، وإلا فصمتا أذناي كما عميتا عيناي (1) .