المحسن السبط ::: 461 ـ 470
(461)
وتضييقاً وبخلاً ، والصواب كان معه في ذلك ، ولهذا لما تفرّغ ( عليه السلام ) من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة بيّن ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذٍ ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك ، فبيّن فيها أشياء ( ؟! ) وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه.
     ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ، ونبيّن ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه.
     وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه وألفاظه ، وساق الغثّ والسمين ، والصحيح والسقيم ، على ما جرت به عادة كثير من المحدّثين ، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ، ونحن نورد عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لاحظّ للشيعة فيه ، ولا تمسّك لهم ولا دليل ، لما سنبيّنه وننبه عليه ).
     ثم ساق عن ابن إسحاق وأحمد والنسائي حديث بريدة وغيره مما جرى لهم في اليمن ، وقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا تشكوا علياً ، فوالله إنّه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله وهذا كان بمكة و ليس في غدير خم.
     ثم ذكر من النسائي في سننه بسنده عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحاتٍ فقممن ثم قال : كأنّي قد دعيتُ فاُجبتُ ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم قال : الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال : من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه.


(462)
     فقلت _ والقائل أبو الطفيل ـ لزيد : سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرّد به النسائي من هذا الوجه ، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح.
     ثم ساق روايات الصحابة كالبراء بن عازب وحديثه عند ابن ماجة ، وعبد الرزاق ، والحافظ أبي يعلى الموصلي ، وفي حديثه قول عمر لعلي في ذلك : هنيئاً لك ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبي زرعة ....
     ثم ساق خبر مناشدة الإمام ( عليه السلام ) بالرحبة من شهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم غدير خم وهو يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك ، وفي حديث عبد الله بن أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : فقام اثنا عشر رجلاً بدرياً ، وفي سند آخر عنه أيضاً : فقالوا : قد رأينا وسمعنا حيث أخذ بيده يقول : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله فقام إلا ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وفي خبر لأبي الطفيل : فقام ناس كثير فشهدوا.
     وهكذا سرد روايات أحمد ، وابن جرير ، والترمذي ، وأبي يعلى الموصلي وغيرهم ، ولم يكن ابن كثير أميناً في نقل جملة من ذلك ، فقد روى عن ابن جرير وأبي يعلى الموصلي باسنادهما قال : دخل أبو هريرة المسجد ـ مسجد الكوفة ـ فاجتمع الناس إليه ، فقام إليه شاب فقال : أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ؟ قال : نعم.
     ولهذا الخبر تتمة غص بها ابن كثير فلم يذكرها ، وهي قول الشاب : فأشهد بالله لقد واليت عدوه ، وعاديت وليّه ثم قام عنه (1).
1 ـ شرح النهج لابن أبي الحديد 4 : 68 ، نقلاً عن كتاب المعارف لابن قتيبة ، وقال : ( وقوله فيه حجة؛لأنه غير متهم عليه ) ولكن حتى هذا امتدت إليه يد الخيانة فطالت كتاب المعارف في جملة موارد كان هذا منها ، كما سيأتي في الملحق الثاني آخر الكتاب.

(463)
     ولئن غص ابن كثير بذكر ما قاله ذلك الشاب ، فله نظراء مثله ، راجع مجمع الزوائد (1) نقلاً عن أبي يعلى الموصلي ، والبراء ، والطبراني في الأوسط ، فقد ذكروا الخبر من دون قول الشاب (2).
     ولابن كثير في تفسير القرآن العظيم شطحات تفوق حق المليم ، ومنها ما يتعلق بالمقام.
     النص الثالث : ما ذكره (3) في تفسير قوله تعالى : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » (4).
     قال الحافظ أبو بكر البزار : حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، حدّثنا أبو يحيى التميمي ، حدّثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك.
     ثم قال : لا نعلم حدّث به عن فضيل بن مرزوق إلاّ أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء. وهذا الحديث مشكل لو صح اسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك إنّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.
1 ـ مجمع الزوائد 9 : 105.
2 ـ ولقد جرى لأبي هريرة نحو هذا من تأنيب من الأصبغ بن نباتة ، وذلك في مجلس معاوية وبمحضر من جلسائه ، حيث سأله الأصبغ عن سماعه حديث يوم الغدير فقال : أي والله لقد سمعته ... فقال : فإذن أنت يا أبا هريرة واليت عدوه وعاديت وليه ، فتنفس أبو هريرة وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فتغيّر ( فتمعّر ) وجه معاوية ... راجع الخبر مفصلاً في تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي : 48 ، ومناقب الخوارزمي الحنفي : 130.
3 ـ تفسير ابن كثير 3 : 36.
4 ـ الإسراء : 26.


(464)
     أقول : وهذا من ابن كثير تدجيل وتضليل ، حيث ذكر قول البزار في رواية الحديث عن فضيل لأبي يحيى وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء ، وإلى هنا انتهى كلام البزار ، فأضاف منه قوله : وهذا الحديث مشكل ... ولم يشعر القارئ بالفصل بين القولين ، فهذا هو التدجيل والتضليل ، وله نحو هذا كثير.
     وأما قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده لأنّ الآية مكية ... فنقول له ولأتباعه ممن يهوى هواه : انّ الحديث غير مشكل ، والسند صحيح ، والى القارئ بيان حال رجال ذلك السند :
     1 ـ البزار : هو أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق ( ت 292 هـ ) ، ذكره الدارقطني فأثنى عليه وقال : ثقة يخطئ ويتكل على حفظه.
     2 ـ عباد بن يعقوب : هو الرواجني ( ت 250 هـ ) قال الحاكم : كان ابن خزيمة يقول : حدّثنا الثقة في روايته ، المتهم في دينه عباد بن يعقوب ، وقال أبو حاتم : شيخ ثقة ، وقال الدارقطني : شيعي صدوق ، وفي تهذيب التهذيب رمز له بتخريج حديثه في البخاري والترمذي وابن ماجة.
     3 ـ أبو يحيى التميمي ( الصحيح التيمي ) : هو إسماعيل بن إبراهيم الأحول ، كوفي ، ضعفه ابن نمير ، وقال ابن عدي : ولأبي يحيى التيمي هذا أحاديث حسان ، وليس فيما يرويه حديث منكر المتن ، ويكتب حديثه (1).
     4 ـ فضيل بن مرزوق : سئل الدوري عنه فقال : ثقة ، وعن ابن معين : صالح الحديث إلاّ أنّه شديد التشيع ، وقد أخرج له مسلم في الصحيح ، وقال العجلي : جائز الحديث صدوق ، وكان فيه تشيع ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيراً ، لا يكاد يحدث عن غير عطية ، وأخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم ، وبقية الأربعة أصحاب السنن ، كما في رموز ( تهذيب التهذيب ).
1 ـ الكامل 1 : 308.

(465)
     5 ـ عطية : هو العوفي ، قال الدوري : عن ابن معين : صالح ، قال ابن عدي في الكامل (1) : ولعطية عن أبي سعيد الخدري أحاديث عداد ، وعن غير أبي سعيد ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وكان يعد من شيعة الكوفة.
     أقول : وهذا أخرج حديثه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، كما في تهذيب التهذيب في رموز أوّل الترجمة.
     ونزيد على صحة السند هذا ، أنّ ابن عدي روى الحديث في الكامل (2) بسنده فقال : أخبرنا القاسم بن زكريا ، ثنا عباد بن يعقوب ، ثنا علي بن عابس ، عن فضيل ـ يعني ابن مرزوق _ عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » (3) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك.
     ثم قال ابن عدي : ولعلي بن عابس أحاديث حسان ، ويروي عن أبان بن تغلب وعن غيره أحاديث غرائب ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
     أقول : وروى الحديث الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (4) بسبعة أسانيد ، كما ستأتي الإشارة إليها.
     وأما زعمه أنّ الآية مكية ، فهو تدجيل ثان وتضليل آخر ، فإنّ الآية مدنية مع آيات اُخر وضعت في سورة مكية ، ولا نطيل البحث في مسألة المكي والمدني في القرآن ، ومن راجع الموضوع في كتب علوم القرآن كأسباب النزول والاتقان للسيوطي مثلاً ، يجد التصريح بأنّ السورة المكية وفيها آيات مدنية ، وبالعكس أيضاً.
1 ـ المصدر نفسه 5 : 370.
2 ـ المصدر نفسه 1 : 190.
3 ـ الإسراء : 26.
4 ـ شواهد التنزيل 1 : 338 ـ 341.


(466)
     وسورة الإسراء وإن كانت هي مكية ، إلا أنّه اُستثني فيها آيات مدنية ، فقال السيوطي في الاتقان (1) : ( الإسراء ) استثني منها : « وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ » (2) الآية ، لما أخرج البخاري عن ابن مسعود أنّها نزلت بالمدينة ... ، واستثني منها أيضاً : « وَإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ » إلى قوله : « إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً » (3) وقوله : « لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالجِنُّ » (4) الآية ، وقوله : « وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا » (5) الآية ، وقوله : « إنَّ الَّذِينَ اُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ » (6) لما أخرجناه في أسباب النزول.
     ومما ذكره في أسباب النزول بهامش تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (7) قال : وأخرج الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » (8) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فَدَك. قال ابن كثير : وهذا مشكل فإنّه يشعر بأنّ الآية مدنية ، والمشهور خلافه. وروى ابن مردويه عن ابن عباس مثله.
     ثم انّ بعض المفسرين كالفيروزآبادي ذكر في أول سورة الإسراء كونها مكية غير آيات ، منها خبر وفد ثقيف ، وخبر ما قالت له اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء ، فنزل : « وَإنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ » إلى قوله : « أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ... » (9) إلى آخر الآية ، فهؤلاء الآيات مدنية ... (10).
1 ـ الإتقان 1 : 16.
2 ـ الإسراء : 83.
3 ـ الإسراء : 73 ـ 81.
4 ـ الإسراء : 88.
5 ـ الإسراء : 60.
6 ـ الإسراء : 107.
7 ـ تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 174.
8 ـ الإسراء : 26.
9 ـ الإسراء : 76 ـ 80.
10 ـ تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 176.


(467)
     فمسألة وقوع آيات مدنية في سورة مكية وبالعكس معلوم ومنصوص عليه كما قلناه ، بل هو مذكور حتى في أوائل السور في بعض المصاحف المطبوعة سابقاً بالرسم العثماني في تركيا ومصر والشام والعراق ، وفي خصوص المقام فقد ورد فيه : ( سورة الإسراء مكية إلا الآيات : 26 ، 32 ، 33 ، 57 ومن آية : 73 إلى آية : 80 فمدنية ... ).
     فتبيّن تدجيل ابن كثير وتضليله في قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك انّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.
     أقول : وبقيت مسألة فَدَك ، ومطالبة الزهراء ( عليها السلام ) تشك عيون النواصب ، فتبع ابن كثير نفر على رأيه ، وهم عن الحق معرضون ، فأبو الثناء الآلوسي ( ت 1270 هـ ) قال في تفسيره روح المعاني (1) :
     وما أخرجه البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري من أنّه لما نزلت هذه الآية ـ يعني : « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » _ دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فأعطاها فدكاً ، لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام ، على أنه في القلب من صحة الخبر شيء ، بناء على أنّ السورة مكية ، وليست هذه الآية من المستثنيات ، وفَدَك لم تكن إذ ذاك تحت تصرّف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور ، يأبى القول بالصحة كما لا يخفى.
1 ـ روح المعاني 15 : 58 ـ 59.

(468)
     وقال أيضاً (1) في تفسير قوله تعالى : « فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ » (2) ، وخصّ بعضٌ الخطاب به صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال : المراد بذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب ، أُمر صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء ، وفي مجمع البيان للطبرسي من الشيعة : المعنى : ( وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس ، وروى أبو سعيد الخدري وغيره : أنّه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فدكاً وسلّمه إليها ، هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ) انتهى.
     وفيه : انّ هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنّها رضي الله تعالى عنها ادّعت فدكاً بطريق الإرث ، وزعم بعضهم انّها ادعت الهبة أولاً ، وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم ، وبأم أيمن رضي الله تعالى عنها ، فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوّة ، وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب ، فادّعت الإرث فكان ما كان ، وهذا البحث مذكور على أتم وجه في التحفة إن أردته فارجع إليه.
     أقول : يا للعجب من أناس هم يروون الخبر عن رجالهم وبأسانيدهم المقبولة عندهم ، حتى إذا فزّع عن قلوبهم بذكر ما يتعلق بأهل البيت ( عليهم السلام ) أعرضوا عنه وقالوا : هذا كتاب مفترى ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، كما مرّ عن ابن كثير ، أو أنّه في القلب من صحة الخبر شيء ، كما مرّ عن الآلوسي.
     ومن كان على الحق لا يستوحش وإن كان وحده ، فكيف ويجد على صدق مدّعاه شهود صدق ما بهم مراء ، مثل البزار ، وأبي يعلى الموصلي (3) ، وابن أبي
1 ـ المصدر نفسه 21 : 39 ـ 40.
2 ـ الروم : 38.
3 ـ مسند أبي يعلى 2 : 224 ، و524.


(469)
حاتم ، وابن مردويه ، وقد مر الخبر عن طريقهم عند الآلوسي قريباً ، ونضيف إليهم الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (1) ، فقد روى الخبر بسبعة أسانيد ، وأخرجه الحاكم النيسابوري في تاريخه ، وابن النجار كما في كنز العمّال ومنتخبه بهامش مسند أحمد (2) ، وأخرجه الطبراني وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد (3) وقال : رواه الطبراني وفيه عطية العوفي ، وهو ضعيف متروك.
     أقول : لقد سبقت منّا ترجمته وما قيل فيه من غمز فيه ، ولم نجد من قال فيه متروك ، بل وجدنا قول ابن معين فيه : صالح ، وقول ابن عدي : وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وكان يعدّ من شيعة الكوفة. وهذا ذنب لا كفارة له عند النواصب ، وما أدري هل يكفي في توثيق عطية العوفي رواية البخاري عنه في حديث رفع الأيدي ، وأبي داود في سننه ، والترمذي في سننه ، وابن ماجة في سننه ، أم يبقى على أنّه ضعيف متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد.
     ثم إنّ من ذكرناهم ممن أخرج خبر أبي سعيد كلهم من غير الرافضة ، فهل علم ابن كثير وأضرابه بماذا يهرقون ويخرفون ، وإذا كان الخبر من وضع الرافضة فكيف تسلّل إلى كتب أعلام القوم؟
     وقد أغرب العيني في عمدة القارئ (4) حين أنكر ذلك فقال : فإن قلت رووا أن فاطمة طلبت فَدَك وذكرت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقطعها إياها وشهد علي ( رضي الله تعالى عنه ) على ذلك فلم يقبل أبو بكر شهادته لأنّه زوجها ( ؟ ) قلت _
1 ـ شواهد التنزيل 1 : 338 ـ 341.
2 ـ منتخب كنز العمال 1 : 228.
3 ـ مجمع الزوائد 7 : 49.
4 ـ عمدة القارئ 15 : 20.


(470)
والقائل هو العيني ـ هذا لا أصل له ولا يثبت به رواية أنّها ادعت ذلك ، وإنّما هو أمر مفتعل لا يثبت.
     أقول : وهذا من أغرب الغرائب وأعجب العجائب فالعيني إنّما كتابه هو شرح لصحيح البخاري ، وهو قد ذكر مطالبة الزهراء ( عليها السلام ) لأبي بكر بفدك فأبي أن يعطيها إياها فهجرته حتى ماتت وهي واجدة عليه ، فكيف عميت عين العيني عن رؤية ذلك.
     ولعل ابن أبي حاتم في علل الحديث (1) أكثر إنصافاً حين قال : سألت أبي وأبا زرعة ، عن حديث رواه سعيد بن خيثم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لما نزلت هذه الآية « وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ » دعا النبي ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة فجعل لها فَدَك؟ فقالا : إنّما هو عن عطية قال : لما نزلت مرسل ، قال : ليس فيه ذكر أبي سعيد ، قال أبو زرعة : حدّثنا أبو نعيم ، عن فضيل ، عن عطية فقط قال : لما نزلت ليس فيه ذكر أبي سعيد.
     وأخيراً تبقى مسألة فَدَك وغصبها شاهد صدق وعدل على ما لحق بسيدة نساء العالمين من حيف وظلم ، ألا لعنة الله على الظالمين.
     ما ذكره نور الدين الهيثمي :
     الثلاثون : نور الدين الهيثمي ( ت 807 هـ ) فماذا عنده في مجمع الزوائد؟
     النص الأول (2) : عن عائشة أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ستة لعنتهم ولعنهم الله ، وكل نبي مجاب : الزائد في كتاب الله ( عزّ وجلّ ) ، والمكذب بقدر الله ( عزّ وجلّ ) ، والمستحل حرمة الله ، والمستحل من عترتي ما حرّم الله ، والتارك للسنّة ، رواه الطبراني في الكبير ،
1 ـ علل الحديث 2 : 57.
2 ـ مجمع الزوائد 1 : 176.
المحسن السبط ::: فهرس