الحبال ، ثم حارب وواصل وسالم ونكح النساء وطلّق ، وترككم عن حجة بيّنة وطريق ناهجة ، فإن يك ما يقول ابن الخطاب حقاً فإنّه لن يعجز الله أن يحثو عنه فيخرجه إلينا ، وإلاّ فخل بيننا وبين صاحبنا ، فإنّه يأسن كما يأسن الناس.
فهذا الخبر يكشف لنا عن أمور هي كما يلي :
1 ـ ثمة غبار يُثار عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيؤذيه ، فيشير عليه عمه العباس باتخاذ ما يدفع عنه الغبار.
2 ـ وثمة خصومة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) أشار إليها عمه بقوله : ويرد عنك الخصم.
3 ـ وثمة سخط وألم من أولئك الذين يؤذون النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فينازعونه رداءه ، ويطؤون عقبه ، ويغشونه غبارهم ، وهو ( صلى الله عليه وآله ) يصبر على جميع ذلك حتى يكون الله يخرجه منهم.
4 ـ وثمة مقالة عمر الفجة الجوفاء الحمقاء بإنكار موت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والقرآن فيه : « إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتُونَ » (1) وفيه : « وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ » (2) وفيه : « وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ.. » (3) فهل يعقل أنّ عمر كل هذا لم يقرأه ولم يسمعه.
وهب أنّ ذلك كله كان ، أفهل نسي حديث الكتف والدواة الذي انبرى هو للرد على النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكلمته الجافية النابية : ( إنّه يهجر ).
5 ـ ثم ما باله يصف من قال مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالمنافقين ، فمن هم أولئك؟ إنّها مكابرة وقحة ، وجرأة عظيمة على أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ).
6 ـ وفي قيام العباس للرد عليه في سؤاله من الناس عمّن عنده عهد أو عقد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وفي هذا كشف عمّا تكنّه الصدور ، وتقرير بأن ليس عند
1 ـ الزمر : 30.
2 ـ الأنبياء : 34.
3 ـ آل عمرن : 144.
(222)
واحد من الناس أيّ عهد أو عقد يمكن أن يحتج به بعد ذلك ، وهي لفتة بارعة تدلّ على حنكة وحزم في مثل ذلك الموقف الرهيب أمام الوعيد العمري.
7 ـ وأخيراً يكشف آخر الخبر أنّ عمر كان ممانعاً من تجهيز الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ؛ لذلك قال العباس : فخل بيننا وبين صاحبنا ، فانّه يأسن كما يأسن الناس.
وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات ، والدارمي في سننه ، وابن حجر في فتح الباري ، وغيرهم بتفاوت يسير في ألفاظهم (1).
النص الثاني : عبد الرزاق (2) قال : أخبرنا معمر عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك أنّه سمع خطبة عمر الآخرة ، حين جلس على منبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : فتشهد عمر وأبو بكر صامت لا يتكلم ، ثم قال عمر : أما بعد ، فإنّي قلت مقالة وإنّها لم تكن كما قلت ، وإنّي والله ما وجدت المقالة التي قلت في كتاب الله تعالى ، ولا في عهد عهده إليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكنّي كنت أرجو أن يعيش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى يدبرُنا _ يريد بذلك حتى يكون آخرنا _ فإن يك محمد قد مات فإنّ الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به ، هذا كتاب الله فاعتصموا به تهتدون لما هدى الله به محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم إن أبا بكر صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وثاني اثنين ، وانّه أولى الناس بأموركم ، فقوموا فبايعوه.
وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر ، قال الزهري : ، أخبرني أنس ، قال : لقد رأيت عمر يُزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجاً.
وهذا الخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات (3) إلى ذكر كتاب الله والاهتداء به ، إلا أنّ البخاري رواه في صحيحه كما في فتح الباري (4) ، وفي آخره : سمعت عمر
1 ـ طبقات ابن سعد 2 : 266 ، والدارمي في سننه 1 : 22 وابن حجر في فتح الباري 8 : 103.
2 ـ المصنف 5 : 437.
3 ـ طبقات ابن سعد 2 : 270.
4 ـ صحيح البخاري ، فتح الباري 13 : 164 ـ بتمامه.
(223)
يقول لأبي بكر يومئذٍ : اصعد المنبر ، فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة.
وفي الخبر دلالة واضحة على موقف عمر من شد أزر أبي بكر ، وحرصه على إتمام الأمر له.
النص الثالث : روىأيضاً (1) خطبة عمر التي قال فيها تعقيباً على ما بلغه من مقالة بعضهم : لو مات _ عمر _ قد بايعت فلاناً.
وجاء فيها : ( إنّ الله بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) بالحق وأنزل معه الكتاب ، فكان مما أنزل الله عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ورجمنا بعده ، وإنّي خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : والله ما الرجم في كتاب الله ، فيضل أو يترك فريضة أنزلها الله ، ألا وانّ الرجم حق على من زنى إذا أحصن وقامت البينة ، وكان الحمل والاعتراف.
ثم قد كنّا نقرأ : ( ولا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم ) أو ( فإنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) ، ثم إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم صلوات الله عليه ، فإنّما أنا عبد الله ، فقولوا عبد الله ورسوله ، ثم أنّه بلغني أنّ فلاناً منكم يقول : انّه لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلاناً ، فلا يغرنّ أمرءاً أن يقول : انّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقد كانت إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر.
إنّه كان من خبرنا حين توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإن علياً والزبير ومن معه تخلفوا عنه في بيت فاطمة ، وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون على أبي بكر ، فقلت : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمّهم فلقينا رجلين صالحين من الأنصار قد شهدا بدراً ، فقالوا : ....
1 ـ المصنف 5 : 439.
(224)
ثم قال ـ أبو بكر _ : ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، فهم أوسط العرب داراً ونسباً ، وإنّي قد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم ... فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ....
قام رجل من الأنصار فقال : أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجّب ، منّا أمير ومنكم أمير ، يا معشر قريش ، فقال عمر بن الخطاب : لا يصلح سيفان في غمدٍ واحد؟ ولكن منّا الأمراء ومنكم الوزراء ....
فارتفعت الأصوات بيننا ، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت :
(225)
يا أبا بكر ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته فبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار ، ون ـ زونا على سعد حتى قال قائل : قتلتم سعداً ، قلت : قتل الله سعداً ... فلا يغرنّ امرأ أن يقول انّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك غير أنّ الله وقى شرّها ....
وهذا الخبر أخرجه البخاري في صحيحه في باب رجم الحبلى ، وأحمد في المسند ، وفيه عدّة مواقع للنظر وكلها عليها علامات استفهام ، لماذا الطعن في كتاب الله المقروء والموجود فعلاً ، وليس فيه ما زعمه عمر بقوله : فكان مما أنزل الله عليه ـ على النبي ـ آية الرجم؟ فأين هي اليوم في القرآن؟ ، وأيضاً قوله : قد كنّا نقرأ ( ولا ترغبوا ... ) فأين هي الآن في القرآن؟ بماذا يجيب البخاريون عن رواية بخاريّهم.
وقوله : وإنّ علياً والزبير ومن معه تخلفوا عنه في بيت فاطمة ، عمّن تخلفوا؟ ولماذا تخلّفوا؟ وقوله : وتخلفت عنّا الأنصار بأسرها ، لماذا تخلفوا؟ وعن أيّ شيء تخلفوا؟ وقوله : واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فمن هم أولئك؟ وما هي أسماؤهم؟ ولم نجد التصريح بهم إلاّ ما جاء من تسمية أبي بكر أبا عبيدة بن الجراح ، فتبيّن أنّهما المهاجرون ، فجمعهم على طريقة المناطقة وهو أقلّ الجمع!!
وقوله : فارتفعت الأصوات بيننا وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت : يا أبا بكر ابسط يدك أبايعك؟ فهذا اعتراف خطير من عمر في شرعية بيعة أبي بكر ، وإنّها لم تكن باجماع بل ولا باختيار ، أليس كذلك؟
وقوله : ون ـ زونا على سعد ـ أي تواثبنا _ لماذا المواثبة ، وقد تمت المغالبة؟ هل كان ذلك لقتله ، وربما دل عليه قول القائل قتلتم سعداً ، وجواب عمر : قتل الله سعداً.
النص الرابع : وروى عبد الرزاق في المصنف (1) ، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال : قال عمر : اعقل عنّي ثلاثاً : الإمارة شورى ، وفي فداء العرب مكان كل عبد عبد ، وفي ابن الأمة عبدان ، وكتم ابن طاووس الثالثة.
فماذا كانت الثالثة؟ وهل هي على نحو وصية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الثالثة ، كما في حديث الكتف والدواة؟ (2).
ربما كانت كذلك ، فتلك كانت وصيته بأهل بيته ، إلاّ أنّ بعض الرواة كتمها تناسياً وليس نسياناً ، ولكن هاهنا كتمها ابن طاووس عمداً ، لماذا؟ فهل خشي على نفسه من بطش الأمويين؟ كيف وهو على خاتم سليمان بن عبد الملك : وكان كثير الحمل على أهل البيت ( عليهم السلام ) (3).
النص الخامس : وروى عبد الرزاق (4) ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة قال : لمّا بويع لأبي بكر تخلّف علي في بيته ، فلقيه عمر فقال : تخلّفت عن بيعة أبي بكر؟! فقال : إنّي آليت بيمين حين قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ألاّ أرتدي برداء إلاّ إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمع القرآن ، فإنّي خشيت أن يتفلت القرآن ، ثم خرج فبايعه.
1 ـ المصنف 5 : 446.
2 ـ راجع بشأنها موسوعة ( عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ) الحلقة الأولى1 : 227 ـ 229.
3 ـ تهذيب التهذيب 5 : 268.
4 ـ المصنف 5 : 450.
(226)
وهذا الخبر رواه البلاذري في أنساب الأشراف (1) موقوفاً عن ابن سيرين.
ومهما يكن فهو جزء من عملية التعتيم الإعلامي السياسي ، وبجرّة من القلم تخلف علي في بيته ولقيه عمر وقال : ... ثم خرج فبايعه؟
النص السادس : وقال عبد الرزاق (2) ، أخبرنا ابن مبارك ، عن مالك بن مغول ، عن ابن أبجر قال : لما بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان إلى علي فقال : غلبكم على هذا الأمر أذلّ أهل بيت في قريش ، أما والله لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، قال : فقلت : ما زلت عدواً للإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئاً ، انّا رأينا أبا بكر لها أهلاً.
وهذا الخبر أيضاً كسابقه في عملية التعتيم الإعلامي السياسي ، وقد روى البلاذري معناه مسنداً عن الحسين عن أبيه (3).
النص السابع : وقال عبد الرزاق (4) بسنده عن الزهري في حديث ( غزوة ذات السلاسل وخبر علي ومعاوية ) فجاء فيه : ثم بعث أبو بكر حين ولّي الأمر بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاث ( كذا ) أمراء إلى الشام ، وأمّر خالد بن سعيد على جند ... ثم انّ عمر كلّم أبا بكر ، فلم يزل يكلّمه حتى أمّر يزيد بن أبي سفيان على خالد بن سعيد وجنده ، وذلك من موجدة وجدها عمر بن الخطاب على خالد بن سعيد ، حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلقي علي بن أبي طالب خالد بن سعيد فقال : أغلبتم يابني عبد مناف على أمركم؟ فلم يحملها عليه أبو بكر وحملها عليه عمر ، فقال عمر : فإنك لتترك إمرته على الثعالب ـ كذا _ فلما استعمله أبو بكر ذكر ذلك ، فكلم أبا بكر فاستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان.
1 ـ أنساب الأشراف 1 : 587.
2 ـ المصنف 5 : 451.
3 ـ راجع أنساب الأشراف 1 : 588.
4 ـ المصنف 5 : 454.
(227)
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تاريخه (1) ، وفيه : انّ خالد قدم وعليه جبّة ديباج ، فلما رآها عمر أمر مَن هناك من الناس بتخريقها عنه ، فغضب خالد وقال لعلي بن أبي طالب : يا أبا الحسن أغلبتم يابني عبد مناف عن الامرة؟ فقال له علي : أمغالبة تراها أو خلافة؟ فقال : لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم ، فقال له عمر بن الخطاب : اسكت فضّ الله فاك ، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلاّ نفسك ، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر.
والخبر كسابقيه اعلامي سياسي لتبرير أمر الخلافة ، وانّ علياً مقرّ بشرعيتها.
النص الثامن : وروى عبد الرزاق (2) ، ( خصومة علي والعباس ) عن معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، قال : أرسل إليّ عمر بن الخطاب ... فبينا أنا كذلك جاءه مولاه فقال : هذا عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، والزبير بن العوام ... يستأذنون عليك ، قال : إئذن لهم.
ثم مكث ساعة ... فقال : هذا العباس وعلي يستأذنان عليك ، فقال : إئذن لهما ... فلما دخل العباس قال : اقض بيني وبين هذا ، وهما يومئذٍ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) من أموال بني النضير ، فقال القوم : اقض بينهما يا أمير المؤمنين ، وأرح كل واحد منهما من صاحبه فقد طالت خصومتهما ، فقال عمر : أنشدكم الله ... فلما قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعده ، أعمل فيه بما كان يعمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيها ، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال : وأنتما تزعمان أنّه فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّه فيها صادق بار تابع للحق ، ثم وليتها بعد أبي بكر سنين من إمارتي ، فعملت فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر ، وأنتما تزعمان إنّي فيها ظالم فاجر ....
1 ـ تاريخ ابن كثير 7 : 3.
2 ـ المصنف 5 : 469.
(228)
وأخرج هذا الخبر الشيخان في صحيحهما بتحريف متعمد عند البخاري ، حيث حذف جملة ( ظالم فاجر ) في المقامين مع أنّه أخرجه عن عبد الرزاق بسنده ، ولم يذكر في الخبر عند كل من رواه انّ علياً والعباس تنصلا من كلمتهما واعتذرا عنها ، مما يدل على إصرارهما بأنّ أبا بكر ظالم فاجر ، وعمر مثله ظالم فاجر ، وما أدري هل شهادة عمر عليهما بذلك مقبولة عند العمريين أم لا.
النص التاسع : وروى عبد الرزاق (1) ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) من هذا المال ... ، قال : فهجرته فاطمة ، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.
قالت عائشة : وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة ـ كذا _ فلمّا توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم توفيت.
قال معمر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد ، وكره أن يأتيه عمر لما يعلم من شدّته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينّهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي؟.
قال : فانطلق أبو بكر فدخل على عليّ وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام عليٌ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، يا أبا بكر فإنّه لم يمنعنا أن
1 ـ مصنف عبد الرزاق 5 : 472 ـ 473.
(229)
نبايعك إنكار لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقاً فاستبدتم به علينا ، قال : ثم ذكر قرابته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحقهم ، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.
فلمّا صمت عليّ ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فوالله لقرابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحرى إلي أن أصل من قرابتي ، والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير ، ولكنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقةٌ ، وإنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أذكر أمراً صنعه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيه إلا صنعته إن شاء الله.
ثم قال عليّ : موعدك العشية للبيعة ، فلمّا صلّى أبو بكر الظهر ، أقبل على الناس ثم عذر علياً ببعض ما اعتذر به ، ثم قام عليّ فعظّم من حق أبي بكر ، وفضيلته وسابقيته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه ، فأقبل الناس إلى علي ، فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت _ يعني عائشة ـ : فكانوا قريباً إلى علي حين قارب الأمر والمعروف.
وهذا الخبر بطوله اختصره أحمد في المسند (1) ، والبخاري في صحيحه (2) اختصاراً مشيناً ومهيناً مع روايتهما له عن عبد الرزاق ، فلم يذكرا جملة : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت ، إلى قوله : فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم توفيت ، كما لم يذكرا سؤال رجل من الزهري عن عدم مبايعة الإمام لأبي بكر ستة أشهر ، ولا جوا ب الزهري.
ولم يذكرا انصراف وجوه الناس عن الإمام علي بعد موت فاطمة ( عليها السلام ) مما اضطره لأن أسرع إلى مصالحة أبي بكر ... ولم يذكرا أشياء أخرى فيها إدانة ، فتحمل وزر الخيانة ولم يؤد الأمانة ، والخبر كلّه من رواية الزهري الذي أوضح
1 ـ مسند أحمد 1 : 26 برقم 9.
2 ـ صحيح البخاري 5 : 20.
(230)
سبب المصالحة كما سمّاها فقال : لما رأى علي إنصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر ....
وهذا يعني مبلغ الجهد الذي كان يعانيه من ذلك الحصار الإجتماعي المضروب حوله ، وبالتالي حول بني هاشم ، وكأن قريشاً أعادت ذكرى الحصار الذي قاسوه منهم في أوائل البعثة بمكة أيام زعيمهم أبي طالب ، وهاهم اليوم يعيشون الحصار بشكل آخر مع ابن أبي طالب.
النص العاشر : وروى عبد الرزاق (1) عن معمر ، عن قتادة أنّ علياً قضى عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أشياء بعد وفاته كان عامتها عدة ، قال : حسبت أنه قال : خمس مائة ألف.
قال عبد الرزاق : يعني دراهم ، قلنا لعبد الرزاق : وكيف قبض النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأوصى إليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك؟ قال : نعم ، لا أشك أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أوصى إلى علي ، فلولا ذلك ما تركوه أن يقضي.
وهذا الخبر علّق عليه محقق المصنف على قوله : ( وأوصى إليه النبي .... ) فقال : النص هكذا في ( ص ) والصواب عندي : ( وكيف قضى علي أو أوصى ... ).
وقلت : مهما كان هو الصحيح فإنّ قوله ( صلى الله عليه وآله ) : عليّ منجز عدتي ، ورد في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة ، ولم يقل ذلك مرّة واحدة ، بل بدءاً من يوم حديث الانذار ثم ما بعده من الأيام (2).
1 ـ المصنف 7 : 294.
2 ـ راجع عليّ إمام البررة 1 : 87 ـ 90 ، ستجد قوله ( صلى الله عليه وآله ) في حديث الانذار : ( يضمن عنّي ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ، ويكون خليفتي ووصيي من بعدي ) ، أخرجه أحمد في مسنده 2 : 265 ، ح883 ، تحقيق أبو الأشبال وقال : اسناده حسن ، وهذا رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 350 ، وابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 1 : 85 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 302 ، وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات ، وورد في منتخب كنز العمّال ( بهامش مسند أحمد 5 : 42 ) إلى غير ذلك من الأحاديث؛التي أثبتت الوصاية للإمام ، وأنّه يقضي الدين وينجز العداة.