بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: 81 ـ 90
(81)
الاستغاثة بالميت ، لا انّه شرك ، وأمّا قوله : « ولا يملك نفسه ضراً ولا نفعاً » فهو جار في الحي والميت ، فليس في صفحة الوجود من يملك لنفسه شيئاً ، فإنما يملك بإذنه وإراته سواء أكان حياً أم ميتاً ، ومع الإذن الإلهي يقدرون على إيصال النفع والضر أحياءً وأمواتاً.
    هذا كلام التلميذ ، فهلمّ ندرس كلام أُستاذه ابن تيمية وهو يقول : كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية وجعل يقول : يا سيدي فلان أنصرني وأغثني ... فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ، فإن تاب ، وإلاّ قتل (1).
    يلاحظ عليه : أنّ الإستغاثة بالأموات ـ حسب تعبير الوهابيين ، أو الأرواح المقدسة حسب تعبيرنا ـ إذا كانت ملازمة للاعتقاد بنوع من الألوهية ، يلزم أن تكون الاستغاثة بالأحياء ملازمةً لذلك ، لأنّ حياة المستغاث ومماته حدّ لجدوائية الاستغاثة وعدمها ، وليس حداً للتوحيد والشرك ، في حين أنّ الاستغاثة بالحي تعد من أشد الضروريات للحياة الاجتماعية.
    وهناك كلام آخر له هلم معي نستمع إليه يقول :
     « والذين يدعون مع اللّه ألهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق ، أو تنزل المطر ، وإنّما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم ، أو يعبدون صورهم; يقولون : ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إى اللّه زلفى ، أو هؤلاء شفعاؤنا » (2).
    إنّ قياس استغاثة المسلمين بما يقوم به المسيحيون والوثنيون ، والخلط بينهما ابتعاد عن الموضوعية ، لأنّ المسيحيين يعتقدون بألوهية المسيح ، والوثنيين يعتقدون بتملّك الأوثان مقام الشفاعة والمغفرة ، بل مقام التصرف في الكون كإرسال الأمطار على ما نقله ابن هشام (3) ولأجل هذا الاعتقاد كان طلبهم واستغاثتهم بالمسيح والأوثان عبادة لها.
1 ـ فتح المجيد ص 167 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ السيرة النبوية ج 1 ص 79.


(82)
    وأمّا استغاثة المسلمين بالأرواح المقدّسة فخالية من هذه الشوائب فعندئذ ، لا يكون شركاً ولا عبادة ، بل استغاثة بعبد لا يقوم بشيء إلاّ بإذنه سبحانه ، فإن أذن أجاب ، وإن لم يأذن سكت ، فما معنى توصيف هذا بالشرك ؟

4 ـ هل القدرة والعجز حدان للتوحيد والشرك ؟
    وهناك معيار مزعوم آخر يظهر من كلمات ابن تيمية ، وهو أنّ قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة يوجب أن لا يكون الطلب شركاً ولكن عجزه عن قضاء الحاجة يضفي على الطلب لون الشرك ، يقول ابن تيمية : « مَنْ يأتي إلى قبر نبيى أو صالح ويسأل حاجته ويستنجد به ، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه ، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه عزّوجلّ. فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلاّ قتل » (1).
    وليس هذا ملاكاً جديداً بل هو وجه آخر للملاك السابق ، غير أنّه عبّر في السابق بموت المستغاث وحياته ، وهنا بالعجز والقدرة ، يقول الصنعاني :
     « الاستغاثة بالمخلوقين في ما يقدرون عليه مما لا ينكرها أحد ، وإنّما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم ، وطلبهم منهم أُموراً لا يقدر عليها إلاّ اللّه تعالى ، من عافية المرض وغيرها ، وقد قالت أُم سليم : يا رسول اللّه. خادمك أنس ، ادع اللّه له ، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء منه وهو حي ، وهذا أمبر متفق على جوازه ، والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء أن يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم ، ونحو ذلك من المطالب الّتي لا يقدر عليها إلاّ اللّه » (2).
    وعلى أىّ تقدير ، فسواء أكان هذا وجهاً آخر للملاك السابق أم ملاكاً آخر بقرينة عطف الأحياء على الأموات في هذا الكلام ، فليست القدرة والعجز ملاكين للتوحيد والشرك ، وإنّما هما ملاك الجدوائية وعدمها.
1 ـ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ، ص 156 ـ والهداية السنية ، ص 40.
2 ـ كشف الإرتياب ص 272 نقلا عن الصنعاني.


(83)
5 ـ طلب فعل اللّه من غيره
    هذا هو الملاك الحقيقي الّذي أو عز إليه الصنعاني ، ويوجد في كلمات ابن تيمية وقد عرفت قوله :
     « مَن يأتي إلى قبر نبي أو صالح ويسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه تعالى » وهذا مما لا إشكال فيه ، غير أنّ الكلام في تمييز فعل اللّه عن فعل غيره ، أمّا الكبرى فمسلمة عند الكل ، فقد اتفق الموحدون على أنّ طلب فعله سبحانه من غيره ، ملازم للاعتقاد بألوهية المسؤول وربوبيته ، فاللازم دراسة الصغرى ، وأنّ فعل اللّه ما هو؟ والتركيز عليه.
    ترى أنّ ابن تيمية قد سلم أنّ شفاء المريض وقضاء الدين على وجه الإطلاق من أفعاله سبحانه ، مع أنّ الحق أن قسماً منهما يعدّ فعلا للّه سبحانه دون قسم آخر.
    إنّ إبراء المريض وقضاء الدين ورد الضالة وغيرها بالسنن الطبيعية أو غيرها على وجه الاستقلال ومن دون استعانة بأحد هو فعل اللّه سبحانه ، فلو طلب نفس ذلك من غيره لا ينفك عن الاعتقاد بالألوهية والربوبية.
    وأمّا لو طلب منه مع الاعتقاد بأنّه مستغاث يقوم بهذه الأُمور عن طريق العلل الطبيعية أو غيرها ، مستمداً من قدرة اللّه وقائماً بإذنه ومشيئته ، فليس هذا فعل اللّه حتّى يكون طلبه من غيره شركاً. لأنّه سبحانه يقوم بالفعل مستقلا وبلا استمداد.
    كيف وقد صرح القرآن بأنّ المسيح « يبرىء الأكمه والأبرص بإذنه » مع أنّ ابن تيمية وأتباعه زعموا أنها من أفعاله سبحانه ، قال سبحانه : ( وَ تُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَص بِإذني وَ إذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي ) (1) وقد نسب الذكر الحكيم
1 ـ سورة المائدة : الآية 110.

(84)
كثيراً من الأمور الخارقة للعادة إلى أنبيائه ، فلم تكن هذه النسبة إلاّ لأجل أنّهم يقومون بما يقومون ، بإذنه سبحانه.
    وحصيلة الكلام : التوسّل بالأسباب بقيد أنّها أسباب ـ سواء أكانت طبيعية أم غير طبيعية ـ لا يلازم الشرك ، نعم ، السبب ربما يكون سبباً واقعياً ، وأُخرى سبباً كاذباً وخاطئاً ، والاشتباه في سببية السبب لا يستلزم الاعتقاد بألوهية السبب أو ربوبيته ، أو كون الطلب منه طلب فعل اللّه من غيره.
    ونعيد الكلام حتّى يتّضح الحق بأجلى مظاهره فنقول : إنّ التعلّق بالشيء والطلب منه مع الاعتقاد بالسببية ، وأنّ اللّه سبحانه أعطاه المقدرة على إنجاز المأمول يمتنع أن يتصف بالشرك ، لأنّ المفروض أنّ المتوسل إنّما تعلّق به بقيد كونه رابطاً وسبباً.
    نعم يمكن أن يكون المتوسل صائباً في الاعتقاد بالسببية أو خاطئاً ، ولكن الاشتباه في الموضوع لايكون دليلا على الاعتقاد.
    وأمّا إذا كان التعلق بالشيء لا بوصف السببية والرابطية ، بل بما أنّ المطلوب منه ، موجود مستقل في فعله وإيجاده ، يقوم بالفعل بنفسه ، ويقوم بحاجة المستنجد من صميم ذاته من دون أن يكون سبباً ورابطاً بين الإنسان وربّه ، فهذا يكون ملازماً للإعتقاد بالألوهية من دون نقاش.
    كان اللائق بابن تيمية ونظرائه دراسة فعل اللّه سبحانه وتمييزه عن غيره ، حتّى لا يحكموا بضرس قاطع بأنّ الإعانة والإماتة والشفاعة وغيرها على الإطلاق من أفعال اللّه سبحانه ، بل الحق أنّ كلاّ من هذه الأفعال يقع على وجهين ، فهو على وجه فعله سبحانه ، وعلى وجه آخر يصحّ أن يعدّ فعلا للسبب ، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينسب فعلا واحداً لذاته ، وفي الوقت نفسه ينسبه لمخلوق من مخلوقاته ، وإليك نماذج من ذلك :
    1 ـ يعدّ القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الأرواح فعلا للّه تعالى ، ويصرح بأنّ اللّه هو الّذي يتوفّى الأنفس حين موتها إذ يقول مثلا :


(85)
( اللّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (1).
    بينما تجده ينسب التوفّي في موضع آخر ، إلى غيره ، قال : ( حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتهُ رُسُلُنا ) (2).
    2 ـ يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده إذ يقول : ( وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ ) (3) ، في حين نجده في آية أُخرى يامر بالاستعانة بالصبر والصلاة إذ يقول : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) (4).
    3 ـ يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده ، إذ يقول : ( قُلْ للّهِ الشّفَاعَةُ جَميعاً ) (5).
    بينما يخبرنا ـ في آية أُخرى ـ عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة ويقول : ( وَكَم مِنْ مَلَك في السّمواتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُم شَيئاً إلاّ مَنْ بَعْدِ أنْ يأذَنَ اللّه ) (6).
    4 ـ إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده إذ يقول : ( وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُون ) (7) في حين أنّ القرآن يعتبر الملائكة كتبة أعمال العباد إذ يقول : ( بَلَى وَرُسُلُنا لَدَيْهم يَكْتُبُونَ ) (8).
    5 ـ قد تضافرت الآيات على أنّه سبحانه هو المدبّر ، يقول : ( وَمَن يُدَبّرُ الأمرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه ) (9) بينما يصرّح القرآن بمدبرية غيره ويقول :
1 ـ سورة الزمر : الآية 42.
2 ـ سورة الأنعام : الآية 61.
3 ـ سورة الفاتحة : الآية 5.
4 ـ سورة البقرة : الآية 45.
5 ـ سورة الزمر : الآية 44.
6 ـ سورة النجم : الآية 26.
7 ـ سورة النساء : الآية 81.
8 ـ سورة الزخرف : الآية 80.
9 ـ سورة يونس : الآية 31.


(86)
( فَالمُدبّراتِ أمراً ) (1).
    وهذه نماذج من الآيات مما نسب الفعل إلى اللّه سبحانه ، وفي الوقت نفسه نسب إلى عباده ، وما المصحح إلاّ ما ذكرنا ، وهو أنّ المنسب إليه سبحانه غير المنسوب إلى العباد ، وأنّ قيامه سبحانه بالأفعال على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على سبب عال أو قوة عليا ، وأمّا قيام غيره فإنما هو بالسببية والرابطية والمأمورية.
    وفي ضوء هذا تقدر على تمييز فعله سبحانه عن فعل غيره ، فليس شفاء المريض وقضاء الدين وردّ الضالة على وجه الإطلاق ، من فعله سبحانه ، ولا من فعل عباده ، بل لكلّ سمة وعلامة ، بها يتميز عن غيره. والحد الفاصل بين فعله سبحانه وفعل غيره هو كون الفاعل مستقلا في الايجاد ، ومالكاً لفعله ، وكونه غير مستقل في الفعل وغير مالك له ، والأول ( أي الّذي يصدر عن الفاعل على وجه الاستقلال ) لا يطلب إلاّ منه ، والثاني يطلب من غيره.
    فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ كل خضوع قلبي أو لساني أو خشوع فعلي لا يتصف بالعبادة إلاّ إذا اعتقد الخاضع بأنّ في المخضوع له ، عنصر الألوهية والربوبية ، وأنّه مستقل في الذات والفعل ، أو في الفعل فقط ، وأمّا إذا كان قلب الخاضع خالياً عن الاعتقاد بهذا العنصر ، بل كان معتقداً بعبوديته وعدم مالكيته شيئاً ، وعدم قيامه بأمر إلاّ بإذنه ، وأنّه ليس له دور سوى دور السببية ، فطلب أىّ شيء منه لا يتّسم بالعبادة ، سواء أطلب منه القيام عن طريق أسباب طبيعية ، أم القيام به عن طريق أسباب خارقة للعادة.
    وسواء اعتقد أنّ فيه سلطة غيبية يقوم بأعمال خارقة للعادة في ظلها أو لا
    وسواء أكان المطلوب منه عاجزاً أم قادراً.
    وسواء أطلب أُموراً عادية كالسقي ، أم أُموراً غير عادية كبرء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى.
1 ـ سورة النازعات : الآية 5.

(87)
    إذ ليس شيء منها هو العامل المؤثر لإضفاء العبادة على الطلب ، وإنّما الموثر هو ما ذكرناه ، وبذلك نقدر على القضاء في الموضوعات التالية الّتي وصفتها الوهابية بأنّهاشرك محرّم وهي :
    1 ـ طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين.
    2 ـ الاستعانة بأولياء اللّه.
    3 ـ طلب شفاء المريض من غير اللّه.
    4 ـ دعوة الصالحين ، مثل : يا محمد أغثني.
    فإنّ الوهابيين تبعاً لشيخهم في المنهج يصورون جميع هذه الدعوات دعوات شركية أشبه بدعاء عبدة الأصنام.
    ولكنّك بعدما أحطت خبراً بما ذكرنا سرعان ما ترجع وتقضي بحكمين مختلفين ينشآن من اختلاف عقيدة الداعي وتقول : إنّ كل واحد من هذه الاُمور على وجه ، شرك ، وعلى وجه آخر ليس بشرك ، ولا يعلم أىّ واحد منهما إلاّ أن نقف على عقيدة السائل.
    فلو كان المدعو في اعتقاد الداعي هو اللّه العالم أو غيره ، لكن باعتقاد أن له سهماً من الألوهية أو الربوبية ، فهو عبادة بلا شك ، حتّى لو سئل منه السقي بالماء وإيصاد الباب ، وما شابههما من الأُمور العادية البسيطة والمتعارفة.
    وأمّا إذا كان المدعو حسب اعتقاد الداعي عبداً مرزوقاً ومربوباً محتاجاً ، قائماً في ذاته باللّه سبحانه ، مستمداً في فعله منه ، ولا يقوم بفعل إلاّ بإقداره واذنه ، فلا يكون الطلب منه ولا دعاؤه متسماً بوصف العبادة ، بل أقصى ما يمكن أن يقال هو أنّه إذا كان المسؤول والمدعو قادراً على العمل ، يكون الطلب مفيداً ، وإلاّ يكون لغواً.
    وبذلك يظهر أنّ الميزان في توصيف العمل بالشرك والانحراف عن خط التوحيد ليس هو صور الأعمال وظواهرها ، بل المراد حقائقها وبواطنها. فما ورد


(88)
في كلمات القوم من تشبيه عمل المسلمين بعمل عبدة الأصنام تشبيه باطل لا يعوّل عليه.
    بقيت هنا كلمة وهي :

ما هو المراد من النهي عن دعوة غير اللّه ؟
    إنّ الآفة كل الآفة هي أن الوهابيين كشيخهم ابن تيمية يسردون الآيات والروايات من دون أن يتفكروا في مفادهما ومواردهما ، ولكنهم يأخذون بالظواهر الابتدائية مع تناسي ما حول الآيات من القرائن ، فتراهم يعدون دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والطلب منهم شركاً ، بحجّة أنّه سبحانه عد دعاء المشركين للأصنام والأوثان شركاً وقال :
     ( وَ أنّ المَساجِدَ للّه فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّه أحَداً ) (1).
    ( لَهُ دَعوَةُ الحَقّ والّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَجيبونَ لَهُم بِشَىء ) (2).
    ( إنّ الّذينَ تَدْعونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عَبادٌ أمْثَالَكُمُ ) (3).
    ( وَالّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهَ مَا يَملِكُونَ مِن قِمطير ) (4).
    ( قُلِ ادْعُوا الّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُم وَلا تَحويلا ) (5).
    ( أُولئِكَ الّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهم الوَسيلَة ... ) (6).
1 ـ سورة الجن : الآية 18.
2 ـ سورة الرعد : الآية 14.
3 ـ سورة الأعراف : الآية 194.
4 ـ سورة فاطر : الآية 13.
5 ـ سورة الإسراء : الآية 56.
6 ـ سورة الإسراء : الآية 57.


(89)
    ( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّه مَا لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ ... ) (1).
    ( وَ مَنْ أضَلّ مَمَّن يَدْعُو مَنْ دُونِ اللّه مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إلى يَومِ القيامَةِ ) (2) .
    ترى أنهم يسردون هذه الآيات الواردة في حقّ المشركين المعتقدين بالوهية الأصنام وربوبيتهم ، وكونهم مفوّضاً إليهم القيام بالأفعال والأعمال ، من الشفاعة والمغفرة ، والشفاء وغيرها. يسردون هذه الآيات بصلافة وقحة في حق المسلمين الإلهيين الذين لا يعتقدون في حق الأنبياء والصالحين سوى كونهم عباداً مقربين ، تستجاب دعوتهم إذا دعوا ، ويقومون بحاجة المستنجد بإذنه سبحانه وقدرته ، وإليك محصّلها :
    1 ـ إنّ هذه الآيات وما ضاهاها تختص بالمشركين الذين كانوا يصورون أوثانهم وأصانهم آلهة يملكون كشف الضر والتحويل ، وينصرون بلا استئذان منه سبحانه ، لأنّهم يملكون هذا الجانب من الأفعال الإلهية ، وأين هو من عقيدة المسلم الموحد في حقّ الأنبياء والصالحين من أنهم عباد مكرمون ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، وهم بأمره يعملون ، وبإذنه يشفعون و ... ؟
    2 ـ إنّ المراد من الدعاء في هذه الآيات ، ليس الدعوة المجردة بمعنى النداء بل المراد هو الدعاء الخاص المرادف للعبادة ، وليس ذلك بغريب ، فقد جمع سبحانه في آية واحدة ، بين الدعوة والعبادة ، وفسّر الأُولى بالثانية نحو قوله : ( وَقالَ رَبُّكُم ادْعُوني أستَجِب لَكُم إنَّ الّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنم دَاخرينَ ) (3).
     يقول الإمام زين العابدين ( عليه السَّلام ) : « وسميت دعاءك عبادة ، وتركه استكباراً وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين » (4).
1 ـ سورة يونس : الآية 106.
2 ـ سورة الاحقاف : الآية 5.
3 ـ سورة غافر : الآية 60.
4 ـ الصحيفة السجادية ، الدعاء 49.


(90)
    وما ورد في الحديث : « الدعاء مخّ العبادة » فالمراد هو هذا القسم من الدعاء ، أي الدعاء المقرون بالوهية المدعو بنحو من الأنحاء.
    3 ـ إنّ المنهي عنه هو جعل المدعو في مرتبة اللّه الخالق ، كما يعرب عنه قوله : ( وَ أنَّ المَسَاجِدَ للّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّه أحَداً ) (1) وكان هو أساس عبادة المشركين ، قال سبحانه : ( و جَعلوا للّهِ أنداداً لِيُضلُّوا عَنْ سبيله ) (2) وقال : ( إذْ نُسَوِّيكُم بِرَبّ العَالمين ) (3) وأين هذه الآيات من الموحدين الذين لا يرون مع اللّه شيئاً ، بل يرون الكل دونه لكونهم مربوبين؟.
1 ـ سورة الجن : الآية 18.
2 ـ سورة إبراهيم : الآية 30.
3 ـ سورة الشعراء : الآية 98.
بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: فهرس