الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل ، وإليك ما ذكره : « وقد اصدر الشاميون فتياً وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء ، إلى أن قال بتكفيره ، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل ، وكتب تحت خطه ، كذلك المالكي ، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر : البدر بن جماعة ، فكتب على ظاهر الفتوى : الحمد للّه ، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله : إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة ، وما ذكره من نحو ذلك ، ومن أنّه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء ، باطل مردود عليه ، وقد نقل جماعة من العلماء أنّ زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها ، وهذا المفتي المذكور ـ يعني ابن تيمية ـ ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء ، ويمنع من الفتاوى الغريبة ، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.
وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي.
وكذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري ، الحنفي : لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً ، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي ، ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من الفاسد.
وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي : وهؤلاء الأربعة قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة ( 726 هـ ) (1).
ولو أردنا أن نستقصي كل ما كتب رداًعلى ابن تيمية ، لخرجنا عمّا هو الهدف ، وكفى في ذلك ما نشر باسم « الوهابية في نظر المسلمين » (2).
إلى هنا تمّ تبيين الرأي العام في ابن تيمية ، في حياته ومماته ، وقد عرفت 1 ـ راجع تكملة السيف الصيقل ، ص 155 ، ودفع الشبهة لتقي الدين الحصني ص 45 ـ 47. 2 ـ تأليف إحسان عبداللطيف البكري : الطبعة الرابعة ، ومجلة « تراثنا ».
(62)
فما هو الحق ، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء وإن كان له قيمة ـ ولكنّه تقييم تقليدي لهم ـ ومن أراد تقييمه عن اجتهاد وإمعان فيجب أن يستعرض آراءه وأقواله من كتبه ورسائله ، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال ، وعندئذ يصدر القاضي عن اجتهاد وإمعان ، لا عن تقليد واقتداء بالغير ، ولأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة ، ونكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة ، وقام العلماء في وجهه كصف واحد ، وزجروه وعاتبوه ونفوه وسجنوه ، إلى أن مات في سجن دمشق ، ولا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل وفضيلة في نواح من العلوم الإسلامية ، فإنه لولا تحلّيه بالذكاء والتوقّد ، أو بالعلم بالكتاب والسنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية ، ولم يكن لآرائه قيمة ، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه وضلاله إلاّ إذا خلط الحق بالباطل ـ وإلاّ ـ فالباطل المطلق لا يكون له نجاح ونفوذ ، ولنعم ما قال أميرالمؤمنين علىّ ( عليه السَّلام ) : « إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللّه ، ويتولى عليها رجال رجالا ، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق ، لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل ، انقطعت عنه السنُ المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى » (1).
1 ـ نهج البلاغة الخطبة 49.
إنّ أكثر شيء تداولا وأرخصه في كتب الوهابيين ودعاياتهم هو اتّهام المسلمين بالشرك والبدعة ، وكأنهم لا يجدون في كنانتهم شيئاً يرمون به المسلمين سوى هاتين الفريتين.
ترى أنّهم يتّهمون جميع المسلمين من عرب وعجم وسنة وشيعة بالشرك في العبادة ، وأنه ليس تحت السماء وفوق أديم الأرض أُمة موحّدة سوى محمد بن عبدالوهاب وأتباعه.
كما أنهم بدل تكريم المسلمين عند اللقاء ، وتهنئتهم بالتسليم ونشر العطور ونثر الازاهير عليهم ، يتهمونهم بالابتداع ، ويسمونهم بالمبتدعة.
ولأجل ذلك يجب على كل محقق وناقد لمزاعم الوهابيين الموروثة من ابن تيمية القيام بأمرين مهمين وهما : 1 ـ تحديد العبادة تحديداً منطقياً بحيث يكون جامعاً ومانعاً.
2 ـ تحديد البدعة تحديداً دقيقاً مثل الشرك في العبادة.
ثم القيام بتطبيق ما أوقفه عليه البحث والتنقيب على ما يصفونه بالشرك والبدعة ، حتّى يتبيّن أنّ التطبيق صحيح أولا؟ فها نقدّم إليك أيّها القارىء الكريم بحثاً ضافياً حول هذين الموضوعين المهمين ، حتّى يتّضح الحقّ بأجلى مظاهره ، وتقف على أنّ أكثر من يصفونه بالشرك والبدعة خيال وضلال وجهل بحقيقتهما.
إنّ المفتاح الوحيد لردّ شُبَهِ الوهابيين هو تحديد العبادة وتمييزها عن غيرها ، فما لم يتحدّد مفهموم العبادة بشكل منطقي حتّى تتميز في ضوئه العبادة من غيرها ، لم يكن البحث والنقاش ناجحاً ، ولأجل ذلك نخصّص هذا الفصل لتعريف العبادة ، و نبيّن ما ذكر حولها من التعاريف.
إنّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في الكتب الكلامية والتفسيرية ، ونحن نشير إلى هذه المراتب على وجه الإجمال ، ونركزٌ على التوحيد في العبادة : الأُولى : التوحيد في الذات ، أو التوحيد الذاتي ، والمراد منه هو : أنه سبحانه واحد لا نظير له ، فرد لا مثيل له. قال سبحانه : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) (1).
الثانية : التوحيد في الخالقية ، والمراد منه هو : أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه ، ولا مؤثر مستقل سواه ، وأنّ تأثير سائر الأسباب الطبيعية وغيرها بأمره وإذنه وإرادته سبحانه. قال سبحانه : ( قُلَ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيء وَ هُوَ الوَاحِدُ القَهّارُ ) (2).
الثالثة : التوحيد في الربوبية والتدبير ، والمراد منه أن للكون مدبّراً واحداً
1 ـ سورة الإخلاص : الآية 1. 2 ـ سورة الرعد : الآية 16.
(66)
ومتصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر ، وأنّ تدبير الملائكة وسائر الأسباب بأمره وإذنه ، فلم يفوّض أمر التدبير إلى الأجرام السماوية والملائكة والجن. قال سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرش يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) (1).
والمراد من الشفيع هو العلل الطولية ، وسُمّي بالشفيع لأنّ تأثيره متوقف إلى ضمّ إذنه سبحانه إليه ، والشفع هو الضم ، سمي السبب شفيعاً لأنه يؤثر بانضمام إذنه تعالى.
وإذ انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين ، أو الاعتضاد بأعضاد ، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأُمور ـ وهو الشفاعة ـ إلاّ من عبد إذنه تعالى ، فهو سبحانه السبب الأصلي الّذي لا سبب بالأصالة دونه ، وأمّا الأسباب فإنها أسباب بتسبيبه ، وشفعاء من بعد إذنه (2).
الرابعة : التوحيد في التشريع والتقنين ، والمراد منه حصر الحاكمية التشريعية في اللّه فليس لأحد أن يأمر وينهى ويحرم ويحلل إلاّ اللّه سبحانه. قال تعالى : ( إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه ) (3).
الخامسة : التوحيد في الطاعة ، والمراد منه هو : أنه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى ، فهو وحده الّذي يجب أن يطاع ، ولو وجبت طاعة النبي فإنما هو بإذنه. قال سبحانه ( فاتّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسْمَعُوا و أطَيعُوا ) (4).
السادسة : التوحيد في الحاكمية ، والمراد منه هو : أن جميع الناس سواسية ، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات ، بل الولاية للّه المالك الخالق ، فمن مارس الحكم في الحياة يجب أن يكون بإذنه ، قال سبحانه : ( إنِ الحُكمُ1 ـ سورة يونس : الآية 3. 2 ـ الميزان ج 10 ، ص 76. 3 ـ سورة يوسف : الآية 40. 4 ـ سورة التغابن : الآية 16.
(67)
إلاّ للّهَ يَقُصُّ الحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصلينَ ) (1).
السابعة : التوحيد في الشفاعة والمغفرة ، والمراد منه هو : أن كلا من الشفاعة والمغفرة حق مختص به فلا يغفر الذنوب إلاّ هو ، ولا يشفع أحد إلاّ بإذنه. قال سبحانه : ( وَ مَن يَغْفرُ الذُّنوبَ إلاّ اللّه ) (2). وقال سبحانه : ( مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ ) (3).
الثامن : التوحيد في العبادة ، وحصرها في اللّه سبحانه ، فلا معبود إلاّ هو ، لا يشاركه فيها شيء ، وهذا الأصل مما اتفق عليه الموحدون ، فلا تجد موحداً يجوّز عبادة غير اللّه. إنّما الكلام في المصاديق والجزئيات ، وأن هذا العمل مثلا ( الاستغاثة بالأولياء وطلب الدعاء منهم والتوسل بهم ) هل هو عبادة لهم حتّى يحكم على المرتكب بالشرك ، لأنّه عبد غيراللّه ، أوْ لا؟ وهذا هو البحث الّذي عقدنا هذا الفصل لبيانه ، وما تقدم ذكره من أقسام التوحيد كان استطراداً في الكلام (4). جاءت لفظة العبادة في المعاجم بمعنى الخضوع و التذلل. قال ابن منظور : أصل العبودية : الخضوع والتذلل ، وقال الراغب : العبودية إظهار
1 ـ سورة الأنعام : الآية 57. 2 ـ سورة ال عمران : الآية 135. 3 ـ سورة البقرة : الآية 255. 4 ـ إنّ الوهابية تعترف بنوعين من التوحيد وهما التوحيد الربوبي والتوحيد الالوهي ، ويفسرون الأول بالتوحيد في الخالقية ، والثاني بالتوحيد في العبادة ، وكلا الاصطلاحين خطأ. أمّا الأول فالمراد من الربوبية هو تدبير المربوب وإدارته ، وأن وظيفة الرب الّذي هو بمعنى الصاحب ، إدرة مربوبه ، كرب الدابة والدار والبستان بالنسبة إليها. فالتوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية ، وإن كان ربما تنتهي الربوبية إلى الخالقية. و أمّا الثاني ، أعني التوحيد في الالوهية فهو مبنىّ على أن الإله بمعنى المعبود ، ولكنه خطأ ، بل هو ولفظ الجلالة بمعنى واحد ، غير أن الأول كلّيّ والثاني علم لواحد من مصاديق ذلك الكلّي. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مفاهيم القرآن ، الجزء الأول ص 432. وعلى ضوء هذا كلما أطلقنا لفظ الإله أو الالوهية فلا نريد منه إلاّ هذا ، لا المعبود.
(68)
التذلل ، والعبادة أبلغ منها ، ولكن هذه التعاريف وأمثالها كتفسيرها بالطاعة كما في القاموس ، كلها تفسير بالمعنى الأعم ، فليس التذلل وإظهار الخضوع والطاعة نفس العبادة ، وإلاّ يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم أن يلزم بها : 1 ـ يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد ، والتلميذ أمام الأُستاذ ، والجندي أمام القائد ، عبادةً لهم.
قال تعالى : ( وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرحْمَةِ ) (1).
2 ـ يلزم أن يكون سجود الملائكة لآدم ، الّذي هو من أعلى مظاهر الخضوع ، عبادةً لآدم. قال سبحانه : ( وَ إذ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ... ) (2).
3 ـ يلزم أن يكون سجود يعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف عبادة له. قال سبحانه : ( وَ رَفَعَ أبَوَيْهِ عَلَى العَرشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقاً ) (3).
4 ـ يلزم أن يكون تذلل المؤمن عبادة له ، مع أنه من صفاته الحميدة ، قال تعالى : ( فَسَوفَ يَأتِي اللّه بَقَوْم يُحبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أذِلَّة عَلَى المُؤمِنينَ أعَزّة عَلَى الكَافِرينَ ) (4).
كل ذلك يدفع بنا إلى القول بأنّ تفسير العبادة بالتذلل والتخضع أو إظهارهما ، وبالطاعة وما يشابه ذلك تفسير بالمعنى الأعم ، ولا يكون الخضوع ضعيفهُ وشديدهُ عبادةً إلاّ إذا دخل فيه عنصر قلبي خاص يميزه عن مماثلاته ومشابهاته ، وهذا العنصر عبارة عن أحد الأمور التالية : 1 ـ الاعتقاد بألوهية المعبود.
1 ـ سورة الإسراء : الآية 24. 2 ـ سورة البقرة : الآية : 34. 3 ـ سورة يوسف : الآية 100. 4 ـ سورة المائدة : الآية 54.
(69)
2 ـ الاعتقاد بربوبيته.
3 ـ الاعتقاد باستقلاله في الفعل من دون أن يستعين بمعين أو يعتمد على معاضد.
إنّ هذه العبارات الثلاثة تهدف إلى أمر واحد ، وهو أنّ مقوّم العبادة ليس هو ظواهر الأفعال وصورها ، بل مقومها هو باطن الأعمال ومناشئها ، والخضوع الّذي ينبعث عن اعتقاد خاص في حق المعبود ، وهو : إمّا عبارة عن الاعتقاد بألوهية المعبود ، سواء أكانت ألوهية حقيقية أم الوهية كاذبة مدّعاة ، فاللّه سبحانه إله العالم وهو الإله الحقيقي الّذي اعترف به كل موحد على وجه الأرض ، كما أنّ الأوثان والأصنام آلهة مدّعاة اعتقد بألوهيتها عبدتها والعاكفون عليها ، فاللّه سبحانه عند المشركين كان إلهاً كبيراً وهؤلاء آلهة صغيرة ، وزّعت شؤون الإله الكبير عليهم.
أو عبارة عن الاعتقاد بربوبية المعبود ، وأنّه المدبّر والمدير بنفسه.
أو عبارة عن الاعتقاد باستقلال الفاعل في فعله وإيجاده ، سواء أكان مستقلا في وجوده وذاته كما هو شأن الإله الكبير عند المشركين ، أم غير مستقل في ذاته ومخلوقاً للّه سبحانه ، ولكنه يملك شؤونه سبحانه من المغفرة والشفاعة ، أو التدبير والرزق أو الخلق ، إلى غير ذلك مما هو من شؤونه سبحانه ، والمراد من تملّكه بعض هذه الشؤون أو كلها ، هو استقلاله في ذلك المجال ، فكأنه سبحانه فوضها إليه وتقاعد هو عن العمل.
هذه هي الملاكات الّتي تضفي على كل خضوع خفيف أو شديد ، لون العبادة وتميزه عن أي تكريم وتعظيم للغير. وفي الآيات القرآنية إلماعات إلى هذه القيود الّتي ترجع حقيقتها إلى أُمور ثلاثة : أمّا الأول : فإليك بعض الآيات : قال سبحانه : ( أمْ لَهُم إلهٌ غَيْرُ اللّه ، سُبْحانَ اللّه عمّا يُشرِكُونَ ) (1) فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بألوهية
1 ـ سورة الطور : الآية 43.
(70)
غير اللّه هو الملاك للشرك. يقول سبحانه : ( إنّهم كانُوا إذا قيلَ لَهُم لا إله إلاّ اللّه يستَكبرون ) (1) أي إنّهم يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم ، ويعبدونها بما أنّها آلهة حسب تصورهم ، ولأجل تلك العقيدة السخيفة ، قال تعالى : ( إذا دُعيَ اللّه وَحْدَهُ كَفَرْتُم وَإنْ يُشْرَك بِهَ تُؤمِنُوا فالحُكْمُ للّهَ العلىّ الكَبير ) (2).
وقال سبحانه : ( وَإذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمأزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونِ بالآخِرَةِ وَ إذا ذُكِرَ الّذينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبشِرُونَ ) (3).
والآيات في هذا المجال وافرة جداً لا حاجة لنقلها ، ومن تدبّر في هذه الآيات يرى أن التنديد بالمشركين لأجل اعتقادهم بألوهية أصنامهم وأوثانهم. قال سبحانه : ( الذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (4).
وأما الثاني : أي كون الاعتقاد بالربوبية مؤثراً في إضفاء طابع العبادة على الخضوع ، فيكفي قوله سبحانه : ( يا أيُّها الناس اعْبُدُوا ربَّكُمُ الّذي خَلَقَكُم والَّذينَ مِنْ قَبْلِكُم ) (5).
وقال تعالى : ( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكم لا إلهَ إلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شيء فَاعْبُدُوه ) (6).
فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه « ربكم » في الآية الأُولى أو « ربكم وخالق كلّ شيء » في الآية الثانية ، يعرب عن أن الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد ، وبالتالي ينتج أنه لا يتصف الخضوع بصفة العبادة إلاّ إذا اعتقد الإنسان أن المخضوع له خالق ورب أو ما يقاربه ، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه
1 ـ سورة الصافات : الآية 35. 2 ـ سورة غافر : الآية 12. 3 ـ سورة الزمر : الآية 45. 4 ـ سورة الحجر : الآية 96. 5 ـ سورة البقرة : الآية 21. 6 ـ سورة الأنعام : الآية 102.