بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: 61 ـ 70
(61)
الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل ، وإليك ما ذكره :
     « وقد اصدر الشاميون فتياً وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء ، إلى أن قال بتكفيره ، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل ، وكتب تحت خطه ، كذلك المالكي ، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر : البدر بن جماعة ، فكتب على ظاهر الفتوى :
    الحمد للّه ، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله : إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة ، وما ذكره من نحو ذلك ، ومن أنّه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء ، باطل مردود عليه ، وقد نقل جماعة من العلماء أنّ زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها ، وهذا المفتي المذكور ـ يعني ابن تيمية ـ ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء ، ويمنع من الفتاوى الغريبة ، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك ، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.
    وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي.
    وكذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري ، الحنفي : لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً ، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي ، ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من الفاسد.
    وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي :
    وهؤلاء الأربعة قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة ( 726 هـ ) (1).
    ولو أردنا أن نستقصي كل ما كتب رداًعلى ابن تيمية ، لخرجنا عمّا هو الهدف ، وكفى في ذلك ما نشر باسم « الوهابية في نظر المسلمين » (2).
    إلى هنا تمّ تبيين الرأي العام في ابن تيمية ، في حياته ومماته ، وقد عرفت
1 ـ راجع تكملة السيف الصيقل ، ص 155 ، ودفع الشبهة لتقي الدين الحصني ص 45 ـ 47.
2 ـ تأليف إحسان عبداللطيف البكري : الطبعة الرابعة ، ومجلة « تراثنا ».


(62)
فما هو الحق ، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء وإن كان له قيمة ـ ولكنّه تقييم تقليدي لهم ـ ومن أراد تقييمه عن اجتهاد وإمعان فيجب أن يستعرض آراءه وأقواله من كتبه ورسائله ، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال ، وعندئذ يصدر القاضي عن اجتهاد وإمعان ، لا عن تقليد واقتداء بالغير ، ولأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة ، ونكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة ، وقام العلماء في وجهه كصف واحد ، وزجروه وعاتبوه ونفوه وسجنوه ، إلى أن مات في سجن دمشق ، ولا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل وفضيلة في نواح من العلوم الإسلامية ، فإنه لولا تحلّيه بالذكاء والتوقّد ، أو بالعلم بالكتاب والسنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية ، ولم يكن لآرائه قيمة ، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه وضلاله إلاّ إذا خلط الحق بالباطل ـ وإلاّ ـ فالباطل المطلق لا يكون له نجاح ونفوذ ، ولنعم ما قال أميرالمؤمنين علىّ ( عليه السَّلام ) :
     « إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب اللّه ، ويتولى عليها رجال رجالا ، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق ، لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل ، انقطعت عنه السنُ المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى » (1).
1 ـ نهج البلاغة الخطبة 49.

(63)
الإتهام بالشرك والبدعة
    إنّ أكثر شيء تداولا وأرخصه في كتب الوهابيين ودعاياتهم هو اتّهام المسلمين بالشرك والبدعة ، وكأنهم لا يجدون في كنانتهم شيئاً يرمون به المسلمين سوى هاتين الفريتين.
    ترى أنّهم يتّهمون جميع المسلمين من عرب وعجم وسنة وشيعة بالشرك في العبادة ، وأنه ليس تحت السماء وفوق أديم الأرض أُمة موحّدة سوى محمد بن عبدالوهاب وأتباعه.
    كما أنهم بدل تكريم المسلمين عند اللقاء ، وتهنئتهم بالتسليم ونشر العطور ونثر الازاهير عليهم ، يتهمونهم بالابتداع ، ويسمونهم بالمبتدعة.
    ولأجل ذلك يجب على كل محقق وناقد لمزاعم الوهابيين الموروثة من ابن تيمية القيام بأمرين مهمين وهما :
    1 ـ تحديد العبادة تحديداً منطقياً بحيث يكون جامعاً ومانعاً.
    2 ـ تحديد البدعة تحديداً دقيقاً مثل الشرك في العبادة.
    ثم القيام بتطبيق ما أوقفه عليه البحث والتنقيب على ما يصفونه بالشرك والبدعة ، حتّى يتبيّن أنّ التطبيق صحيح أولا؟ فها نقدّم إليك أيّها القارىء الكريم بحثاً ضافياً حول هذين الموضوعين المهمين ، حتّى يتّضح الحقّ بأجلى مظاهره ، وتقف على أنّ أكثر من يصفونه بالشرك والبدعة خيال وضلال وجهل بحقيقتهما.


(64)

(65)
ابن تيمية
    وملاكات التوحيد والشرك في العبادة
    إنّ المفتاح الوحيد لردّ شُبَهِ الوهابيين هو تحديد العبادة وتمييزها عن غيرها ، فما لم يتحدّد مفهموم العبادة بشكل منطقي حتّى تتميز في ضوئه العبادة من غيرها ، لم يكن البحث والنقاش ناجحاً ، ولأجل ذلك نخصّص هذا الفصل لتعريف العبادة ، و نبيّن ما ذكر حولها من التعاريف.
    إنّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في الكتب الكلامية والتفسيرية ، ونحن نشير إلى هذه المراتب على وجه الإجمال ، ونركزٌ على التوحيد في العبادة :
     الأُولى : التوحيد في الذات ، أو التوحيد الذاتي ، والمراد منه هو : أنه سبحانه واحد لا نظير له ، فرد لا مثيل له. قال سبحانه : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) (1).
    الثانية : التوحيد في الخالقية ، والمراد منه هو : أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه ، ولا مؤثر مستقل سواه ، وأنّ تأثير سائر الأسباب الطبيعية وغيرها بأمره وإذنه وإرادته سبحانه. قال سبحانه : ( قُلَ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيء وَ هُوَ الوَاحِدُ القَهّارُ ) (2).
    الثالثة : التوحيد في الربوبية والتدبير ، والمراد منه أن للكون مدبّراً واحداً
1 ـ سورة الإخلاص : الآية 1.
2 ـ سورة الرعد : الآية 16.


(66)
ومتصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر ، وأنّ تدبير الملائكة وسائر الأسباب بأمره وإذنه ، فلم يفوّض أمر التدبير إلى الأجرام السماوية والملائكة والجن. قال سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرش يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) (1).
    والمراد من الشفيع هو العلل الطولية ، وسُمّي بالشفيع لأنّ تأثيره متوقف إلى ضمّ إذنه سبحانه إليه ، والشفع هو الضم ، سمي السبب شفيعاً لأنه يؤثر بانضمام إذنه تعالى.
    وإذ انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين ، أو الاعتضاد بأعضاد ، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأُمور ـ وهو الشفاعة ـ إلاّ من عبد إذنه تعالى ، فهو سبحانه السبب الأصلي الّذي لا سبب بالأصالة دونه ، وأمّا الأسباب فإنها أسباب بتسبيبه ، وشفعاء من بعد إذنه (2).
     الرابعة : التوحيد في التشريع والتقنين ، والمراد منه حصر الحاكمية التشريعية في اللّه فليس لأحد أن يأمر وينهى ويحرم ويحلل إلاّ اللّه سبحانه. قال تعالى : ( إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه ) (3).
    الخامسة : التوحيد في الطاعة ، والمراد منه هو : أنه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى ، فهو وحده الّذي يجب أن يطاع ، ولو وجبت طاعة النبي فإنما هو بإذنه. قال سبحانه ( فاتّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسْمَعُوا و أطَيعُوا ) (4).
    السادسة : التوحيد في الحاكمية ، والمراد منه هو : أن جميع الناس سواسية ، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات ، بل الولاية للّه المالك الخالق ، فمن مارس الحكم في الحياة يجب أن يكون بإذنه ، قال سبحانه : ( إنِ الحُكمُ
1 ـ سورة يونس : الآية 3.
2 ـ الميزان ج 10 ، ص 76.
3 ـ سورة يوسف : الآية 40.
4 ـ سورة التغابن : الآية 16.


(67)
إلاّ للّهَ يَقُصُّ الحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصلينَ ) (1).
    السابعة : التوحيد في الشفاعة والمغفرة ، والمراد منه هو : أن كلا من الشفاعة والمغفرة حق مختص به فلا يغفر الذنوب إلاّ هو ، ولا يشفع أحد إلاّ بإذنه. قال سبحانه : ( وَ مَن يَغْفرُ الذُّنوبَ إلاّ اللّه ) (2).
    وقال سبحانه : ( مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ ) (3).
     الثامن : التوحيد في العبادة ، وحصرها في اللّه سبحانه ، فلا معبود إلاّ هو ، لا يشاركه فيها شيء ، وهذا الأصل مما اتفق عليه الموحدون ، فلا تجد موحداً يجوّز عبادة غير اللّه. إنّما الكلام في المصاديق والجزئيات ، وأن هذا العمل مثلا ( الاستغاثة بالأولياء وطلب الدعاء منهم والتوسل بهم ) هل هو عبادة لهم حتّى يحكم على المرتكب بالشرك ، لأنّه عبد غيراللّه ، أوْ لا؟ وهذا هو البحث الّذي عقدنا هذا الفصل لبيانه ، وما تقدم ذكره من أقسام التوحيد كان استطراداً في الكلام (4).
    جاءت لفظة العبادة في المعاجم بمعنى الخضوع و التذلل. قال ابن منظور : أصل العبودية : الخضوع والتذلل ، وقال الراغب : العبودية إظهار
1 ـ سورة الأنعام : الآية 57.
2 ـ سورة ال عمران : الآية 135.
3 ـ سورة البقرة : الآية 255.
4 ـ إنّ الوهابية تعترف بنوعين من التوحيد وهما التوحيد الربوبي والتوحيد الالوهي ، ويفسرون الأول بالتوحيد في الخالقية ، والثاني بالتوحيد في العبادة ، وكلا الاصطلاحين خطأ.
    أمّا الأول فالمراد من الربوبية هو تدبير المربوب وإدارته ، وأن وظيفة الرب الّذي هو بمعنى الصاحب ، إدرة مربوبه ، كرب الدابة والدار والبستان بالنسبة إليها. فالتوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية ، وإن كان ربما تنتهي الربوبية إلى الخالقية.
    و أمّا الثاني ، أعني التوحيد في الالوهية فهو مبنىّ على أن الإله بمعنى المعبود ، ولكنه خطأ ، بل هو ولفظ الجلالة بمعنى واحد ، غير أن الأول كلّيّ والثاني علم لواحد من مصاديق ذلك الكلّي.
    ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مفاهيم القرآن ، الجزء الأول ص 432. وعلى ضوء هذا كلما أطلقنا لفظ الإله أو الالوهية فلا نريد منه إلاّ هذا ، لا المعبود.


(68)
التذلل ، والعبادة أبلغ منها ، ولكن هذه التعاريف وأمثالها كتفسيرها بالطاعة كما في القاموس ، كلها تفسير بالمعنى الأعم ، فليس التذلل وإظهار الخضوع والطاعة نفس العبادة ، وإلاّ يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم أن يلزم بها :
    1 ـ يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد ، والتلميذ أمام الأُستاذ ، والجندي أمام القائد ، عبادةً لهم.
    قال تعالى : ( وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرحْمَةِ ) (1).
    2 ـ يلزم أن يكون سجود الملائكة لآدم ، الّذي هو من أعلى مظاهر الخضوع ، عبادةً لآدم. قال سبحانه : ( وَ إذ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ... ) (2).
    3 ـ يلزم أن يكون سجود يعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف عبادة له. قال سبحانه : ( وَ رَفَعَ أبَوَيْهِ عَلَى العَرشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقاً ) (3).
    4 ـ يلزم أن يكون تذلل المؤمن عبادة له ، مع أنه من صفاته الحميدة ، قال تعالى : ( فَسَوفَ يَأتِي اللّه بَقَوْم يُحبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أذِلَّة عَلَى المُؤمِنينَ أعَزّة عَلَى الكَافِرينَ ) (4).
    كل ذلك يدفع بنا إلى القول بأنّ تفسير العبادة بالتذلل والتخضع أو إظهارهما ، وبالطاعة وما يشابه ذلك تفسير بالمعنى الأعم ، ولا يكون الخضوع ضعيفهُ وشديدهُ عبادةً إلاّ إذا دخل فيه عنصر قلبي خاص يميزه عن مماثلاته ومشابهاته ، وهذا العنصر عبارة عن أحد الأمور التالية :
    1 ـ الاعتقاد بألوهية المعبود.
1 ـ سورة الإسراء : الآية 24.
2 ـ سورة البقرة : الآية : 34.
3 ـ سورة يوسف : الآية 100.
4 ـ سورة المائدة : الآية 54.


(69)
    2 ـ الاعتقاد بربوبيته.
    3 ـ الاعتقاد باستقلاله في الفعل من دون أن يستعين بمعين أو يعتمد على معاضد.
    إنّ هذه العبارات الثلاثة تهدف إلى أمر واحد ، وهو أنّ مقوّم العبادة ليس هو ظواهر الأفعال وصورها ، بل مقومها هو باطن الأعمال ومناشئها ، والخضوع الّذي ينبعث عن اعتقاد خاص في حق المعبود ، وهو :
    إمّا عبارة عن الاعتقاد بألوهية المعبود ، سواء أكانت ألوهية حقيقية أم الوهية كاذبة مدّعاة ، فاللّه سبحانه إله العالم وهو الإله الحقيقي الّذي اعترف به كل موحد على وجه الأرض ، كما أنّ الأوثان والأصنام آلهة مدّعاة اعتقد بألوهيتها عبدتها والعاكفون عليها ، فاللّه سبحانه عند المشركين كان إلهاً كبيراً وهؤلاء آلهة صغيرة ، وزّعت شؤون الإله الكبير عليهم.
    أو عبارة عن الاعتقاد بربوبية المعبود ، وأنّه المدبّر والمدير بنفسه.
    أو عبارة عن الاعتقاد باستقلال الفاعل في فعله وإيجاده ، سواء أكان مستقلا في وجوده وذاته كما هو شأن الإله الكبير عند المشركين ، أم غير مستقل في ذاته ومخلوقاً للّه سبحانه ، ولكنه يملك شؤونه سبحانه من المغفرة والشفاعة ، أو التدبير والرزق أو الخلق ، إلى غير ذلك مما هو من شؤونه سبحانه ، والمراد من تملّكه بعض هذه الشؤون أو كلها ، هو استقلاله في ذلك المجال ، فكأنه سبحانه فوضها إليه وتقاعد هو عن العمل.
    هذه هي الملاكات الّتي تضفي على كل خضوع خفيف أو شديد ، لون العبادة وتميزه عن أي تكريم وتعظيم للغير. وفي الآيات القرآنية إلماعات إلى هذه القيود الّتي ترجع حقيقتها إلى أُمور ثلاثة :
    أمّا الأول : فإليك بعض الآيات : قال سبحانه : ( أمْ لَهُم إلهٌ غَيْرُ اللّه ، سُبْحانَ اللّه عمّا يُشرِكُونَ ) (1) فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بألوهية
1 ـ سورة الطور : الآية 43.

(70)
غير اللّه هو الملاك للشرك. يقول سبحانه : ( إنّهم كانُوا إذا قيلَ لَهُم لا إله إلاّ اللّه يستَكبرون ) (1) أي إنّهم يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم ، ويعبدونها بما أنّها آلهة حسب تصورهم ، ولأجل تلك العقيدة السخيفة ، قال تعالى : ( إذا دُعيَ اللّه وَحْدَهُ كَفَرْتُم وَإنْ يُشْرَك بِهَ تُؤمِنُوا فالحُكْمُ للّهَ العلىّ الكَبير ) (2).
    وقال سبحانه : ( وَإذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمأزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونِ بالآخِرَةِ وَ إذا ذُكِرَ الّذينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبشِرُونَ ) (3).
    والآيات في هذا المجال وافرة جداً لا حاجة لنقلها ، ومن تدبّر في هذه الآيات يرى أن التنديد بالمشركين لأجل اعتقادهم بألوهية أصنامهم وأوثانهم. قال سبحانه : ( الذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (4).
    وأما الثاني : أي كون الاعتقاد بالربوبية مؤثراً في إضفاء طابع العبادة على الخضوع ، فيكفي قوله سبحانه : ( يا أيُّها الناس اعْبُدُوا ربَّكُمُ الّذي خَلَقَكُم والَّذينَ مِنْ قَبْلِكُم ) (5).
    وقال تعالى : ( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكم لا إلهَ إلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شيء فَاعْبُدُوه ) (6).
    فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه « ربكم » في الآية الأُولى أو « ربكم وخالق كلّ شيء » في الآية الثانية ، يعرب عن أن الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد ، وبالتالي ينتج أنه لا يتصف الخضوع بصفة العبادة إلاّ إذا اعتقد الإنسان أن المخضوع له خالق ورب أو ما يقاربه ، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه
1 ـ سورة الصافات : الآية 35.
2 ـ سورة غافر : الآية 12.
3 ـ سورة الزمر : الآية 45.
4 ـ سورة الحجر : الآية 96.
5 ـ سورة البقرة : الآية 21.
6 ـ سورة الأنعام : الآية 102.
بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: فهرس