بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: 31 ـ 40
(31)
ابن تيمية : حياته والرأي العام فيه
    هو أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي ، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 هـ ، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد ، وانغمار المسلمين في مشاكل كثيرة.
    كان مولده بمدينة حران مهد الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام ، وقد نشأ النشأة الأُولى إلى أن بلغ السابعة من عمره ، فلما أغار عليها التتار ، فرّ سكانها منها ، وكان ممن هاجر أُسرة ابن تيمية ، حيث هاجرت إلى دمشق ، وقد اتّجه إلى العلم منذ صغره ، وكان يدرس الفقه الحنبلي ويتتبّع سير ذلك المذهب ، وكان أبوه من شيوخ هذا المذهب ، ففي المدارس الحنبلية تخرج ابن تيمية ، ودرس في كنف ابيه وتوجيهه ولم ير منه بادرة إلاّ بعد ما كتب رسالة في جواب سؤال أهل حماة ، سألوه بقولهم : « ما قول السادة العلماء أئمة الدين ـ أحسن اللّه إليهم أجمعين ـ في آيات الصفات ، كقوله تعالى : ( الرّحمنُ عَلىَ العَرْشِ اسْتَوى ) وقوله : ( ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماء ) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات ، وأيضاً كقوله ( صلى الله عليه و آله ) : « إنّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن » وقوله : « يضع الجبّار قدمه في النار » إلى غير ذلك ، وما قالت العلماء فيه ، وليبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء اللّه؟ » (1).
1 ـ الرسالة الحموية ، ص 425 ـ طبعت في ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ج 1.

(32)
    فأجاب بما هو نصّ في التجسيم ، وإن ذيّل كلامه بشيء يريد به الستر على عاره ، ولكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع ، وسيوافيك نصّه عند تبيين عقائده ، فاوجد الجواب ضجة كبرى ، وعرف بالشذوذ والانحراف ، وكان ذلك عام 698 هـ.
    يقول تلميذه « ابن كثير » في حوادث تلك السنة : « قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي « جلال الدين الحنفي » فلم يحضر ، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة ، المسماة بالحموية ... » (1).
    وقد كانت له محنة أُخرى في عام 705 هـ يذكره ابن كثير في حوادث تلك السنة ويقول : « وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاء وفيهم « الشيخ تقي الدين ابن تيمية » عند نائب السلطنة بالقصر ، وقرأت عقيدة الشيخ تقي الدين ( الواسطية ) ، وحصل بحث في أماكن منها ، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني ، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور ، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاماً كثيراً ، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين الزملكاني هو الّذي يحاققه من غير مسامحة ، فتناظرا في ذلك وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين الزملكاني ، وجودة ذهنه ، وحسن بحثه ، حيث قاوم « ابن تيمية » في البحث وتكلم معه ...
    ثم عقد المجلس في يوم سابع شعبان بالقصر ، واجتمع الجماعة على الرضى ، إلى أن صدر القرار بنفي الشيخ إلى مصر إن لم يعزف عن بوادره وعقائده ، فأدى به الأمر إلى انتدابه في مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة ، وانتدب للبحث معه شمس بن عدنان ، وادّعى عليه عند « ابن مخلوف » المالكي أنّه يقول : إنّ اللّه فوق العرش حقيقة ، وإنّ اللّه يتكلم بحرف وصوت ، فحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياما ، ثم نقل منه إلى الحبس المعروف بالجب ، وكُتِبَ
1 ـ البداية والنهاية ج 14 ص 4 و 26.

(33)
كتاب نودي به في البلاد الشامية والمصرية ، وفيه الحط على الشيخ تقي الدين ، فانضمّ إلى صفّه جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء ، وجرت فتن كثيرة منتشرة ، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة (1).
    بقي الشيخ في السجن بسبب عقيدته الّتي لا تجتمع مع عقيدة جمهور المسلمين حتّى مطلع سنة ( 706 هـ ) .
    يقول ابن كثير : وفي ليلة عيد الفطر من تلك السنة ، أحضر الأمير سيف الدين سلار نائب مصر ، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء ، فالقضاة : الشافعي والمالكي والحنفي ، والفقهاء : الباجي ، والجزري ، والمنواري ، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس ، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً في ذلك منها أنّه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده ، فأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك ، فامتنع عن الحضور.
    استهلّت سنة ( 707 هـ ) والشيخ معتقل في قلعة الجبل بمصر ، إلى أن أُطلق سراحه يوم الجمعة 23 من ربيع الأول ، وخيّر بين الإقامة بمصر أو الروح إلى موطنه الشام ، وقد اختار هو الإقامة بمصر ، ولكنّه لم يبرح في غلوائه وأفكاره إلى أن واجهته محنة ثالثة ، وقد ذكرها ابن كثير ايضاً في تاريخه.

المحنة الثالثة
    وفي شوال عام 707 هـ ، شكي منه أيضاً ، فردّ الأمر إلى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلس ، وادّعى له ابن عطاء بأشياء ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أنّ في آرائه قلة أدب بساحة النبي ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) فحضرت رسالة إلى القاضي إلى أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة ، فتمّ الأمر بحسبه في سجن القضاة ، ودخل السجن ، وأُفرج عنه في مستهل سنة 708 هـ وبقي في القاهرة إلى أن توجّه منفياً إلى الإسكندرية في ليلة سلخ صفر في عام 709 هـ وأقام هناك ثمانية أشهر إلى أن تغيرت الظروف ، فعاد
    1 ـ المصدر نفسه.

(34)
الشيخ منها إلى القاهرة يوم عيد الفطر سنة 709 هـ فاقام بها إلى سنة 712 هـ ثم رجع إلى الشام (1).
    وشغل الشيخ منصة التدريس والإفتاء إلى سنة 718 هـ. وقد صدر منه فتاوى شاذة ، وكان مصرّاً عليها ، فعقد له يوم الخميس ثاني رجب من شهور سنة 820 هـ مجلس بدار السعادة ، فحضر نائب السلطنة ، وحضر القضاة والمعنيون من المذاهب ، وحضر الشيخ وعاتبوه ، ثم حبس في القلعة خمسة أشهر ، إلى أن ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء ، سنة 721 هـ .
    وظل الشيخ بعد خروجه من الحبس مستمراً في التدريس إلى عام 726 هـ.
    يقول جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي : « ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يجعل في قلعة دمشق ، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف ، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة ، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب ، ولم يتركوا عنده دواتاً [دواةً] ولا قلماً ولا ورقاً » (2).
    وقال اليافعي : « مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير ، تقي الدين أحمد ، بن تيمية ، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق » (3).
    هذا ، وقد لفظ الرجل نفسه ومات في قلعة دمشق عام 728 هـ وبذلك طويت صحيفة حياته ، وبقيت آثاره ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.
    إنّ ما تلوناه عليك من حياته يعرب :
     أولا : إنّه لم يكن رجلا موضوعياً يهمّه ما كان يعاني منه المسلمون في تلك الظروف العصيبة ، الّتي كانت الدعوة إلى الوحدة فيها أحوج ما يحتاج إليه
1 ـ البداية والنهاية ج 14 ص 52 ، وكانت إقامته بمصر سبع سنين.
2 ـ المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ، ص 340.
3 ـ مرآة الجنان ج 4 ص 277.


(35)
الناس ، فكان يبثّ بذور الخلاف فترة بعد فترة ، ويشغل الحكومات والقضاة عن القيام بالواجب بنقل الشيخ من مقام إلى مقام.
     وثانياً : إنّ جماهير الفقهاء والقضاة كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة ، في مجال الأُصول والفروع ، وإنّ آراءه كانت مخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء.
    وثالثاً : إنّ الرجل كان معروفاً بالقول بالتجسيم والتشبيه والجهة ، وكان اعتقاله لأجل التفوّه بها ، فكلّ من أراد تنزيهه عن هذه التهمة ، خالف الرأي العام في حقّه وما عرف منه يوم حياته.
    نعم إنّ هناك أُناساً ترجموا للرجل ترجمة وافية ، فأثنوا عليه الثناء البالغ ، وذكروا ذكاءه وتوقّد ذهنه ، وإحاطته بالكتاب والسنّة ، كما ذكروا آثاره العلمية من كتب ورسائل ، ولكن يؤخذ عليهم بأنّه لماذا ركّزوا على جانب واحد من حياته ، ولم يشيروا إلى الجانب السلبي منها ، فإنّه لا يمكن لأحد تخطئة أولئك العلماء الذين ناظروه ، وباحثوه ، وأصدروا أرائهم فيه ، وهم كثيرون ، ولأجل ذلك نشير إلى المصادر الّتي أخذتها العصبية العمياء فجاءوا كأنّهم يعرفون رجلا أطبق علماء عصره على نزاهته وصفاء فكره ، فمن أراد أن يقف عليها فليرجع إلى المصادر التالية :
    1 ـ تذكرة الحفاظ للذهبي 4/ 1496 ، بالرقم 1175. وإن استدرك زلّته هذه ببعث رسالة مستقلة إلى ابن تيمية يستنكر فيها عليه أعماله وأقواله كما ستوافيك.
    2 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي ( م 1098 ) 6/80.
    3 ـ طبقات الحفاظ ، لجلال الدين السيوطي ، ( ت 911 هـ ) ، ص 52.
    4 ـ الذيل على طبقات الحنابلة ، لابن رجب زين الدين ، أبي الفرج ، عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي ، ( 736 ـ 795 هـ ) 2/ 387 ، بالرقم 495.


(36)
    5 ـ الوافي بالوفيات ، لصلاح الدين ، خليل بن أيبك الصفوي 7/15 ـ 33 بالرقم 2964.
    6 ـ طبقات المفسرين ، للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي ( م 945 هـ ) ، ص 45 ـ 49 بالرقم 42.
    7 ـ تاريخ الشيخ زين الدين عمر ، الوردي ، المعروف بتاريخ ابن الوردي ج 2 ص 406.
    8 ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، تاليف محمد بن علي الشوكاني ( ت 1250 هـ ) ، ج 1 ص 63 ـ 72 بالرقم 40 .
    9 ـ البداية والنهاية ، للحافظ عماد الدين ، أبي الفداء ، إسماعيل بن عمر بن كثير ، ( م 744 هـ ) ، ج 14 ، في حوادث سنة ( 698 هـ ) ، وغيرها. ولكنّه أشار في مواضع آخر إلى بعض زلاته ومخالفته للرأي العام في ذلك اليوم كما عرفت.
    10 ـ الأعلام للزركلي ، ج 1 ص 44.
    نعم هؤلاء هم الدين ركّزوا على الجانب الإيجابي وتناسوا الجانب السلبي ، مع أنّ التقييم لا يصحّ إلاّ بملاحظة كلا الجانبين ، ولكن هناك جماعة موضوعيين واقعيين ، لم تملأ عيونهم كتب الرجل ورسائله ، فجاءوا بتقييم آرائه فيما صار سبباً لاشتهاره ، وإليك نصوص هؤلاء حتّى لا نخرج في التقييم عن حد العدل.

آراء معصاريه ومقاربي عصره في حقه
    قد تعرّفت على حياة الشيخ وأنّه لم يزل ينتقل من معتقل إلى آخر ، ومن مصر إلى مصر ، وكان الرأي المتفق عليه بين القضاة والمعنيين من الحكام هو أنّه رجل يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة ، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم ، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى; وقد علمت أنّه منع من الكتابة حتّى في نفس السجن ، فما حال من كان على طرف الخلاف من قضاة المذاهب وحكامهم و علمائهم؟


(37)
وبذلك تعرف أنّ الدعايات الأخيرة هي الّتي تريد أن تعرّفه بشيخ الإسلام و محيي السنة ، فما معنى هذه الشيوخة لأهل السنة مع أنّهم أجمعوا على ضَلاله وشذوذه؟
    ولأجل أن يقف القارىء على آراء معصاريه في حقه ومقاربي زمانه ، نقتطف من غضون التاريخ جملا تكشف عن إطباق العلماء ، على الرد عليه ونقد آرائه ، وستوافيك في أثناء البحث رسالة الذهبي إليه بنصها.
    وإليك قائمة الشخصيات الذين ردّوا عليه في عصره أو بعده بقليل :

1 ـ الشيخ صفي الدين الهندي الأرموي ( ت 715 هـ )
    عرّفه السبكي بقوله : « متكلم على مذهب الأشعري ، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن وأدراهم بأسراره ، متضلّعاً بالأصلين ، ومن تصانيفه في علم الكلام « الزبدة » ، وفي أصول الفقه : « النهاية » ، وكل مصنفاته حسنة جامعة ، لاسيما « النهاية ».
    مولده ببلاد الهند سنة 644 هـ ثم قدم دمشق سنة 685 هـ واستوطنها وتوفي بها سنة 715 هـ ولما وقع من ابن تيمية في « المسألة الحموية » ما وقع ، وعقد له المجلس بدار السعادة (1) بين يدي الأمير « تنكز » وجمعت العلماء ، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر ، فحضر ، وكان الهندي طويل النفس في التقرير ، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضاً إلاّ اشار إليه في التقرير ، بحيث لا يتم التقرير إلاّ وقد بعد على المعترض مقاومته ، فلما شرع يقرّر ، أخذ ابن تيمية يعجّل عليه على عادته ، ويخرج من شيء إلى شيء.
    فقال له الهندي : ما أراك يا بن تيمية إلاّ كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان ، فرّ إلى مكان آخر.
    وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده ، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلّهم ، فكلّهم صدر عن رأيه ، وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة ، وهي
1 ـ قال المعلق : كان ذلك سنة ( 705 هـ ) ، راجع البداية والنهاية ج 14 ص 36 ـ 38.

(38)
الّتي تضمّنت قوله بالجهة ، ونودي عليه في البلاد وعلى أصحابه ، وعزلوا من وظائفهم (1).

2 ـ الشيخ شهاب الدين اببن جهبل الكلابي الحلبي ( ت 733 هـ )
    قال « السبكي » : « درس وأفتى وشغل بالعلم مدة بالقدس ودمشق.
    مات سنة 733 هـ ووقفت له على تصنيف صنفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية » وبما أنّ الرسالة مفصّلة نكتفي في المقام بذكر مقدمتها. يقول : « أمّا بعد فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة. ما وقع في هذه المدة ، مما علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم ، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة ، ولا كبحة لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة فاحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره ، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها » (2).

3 ـ قاضي القضاة كمال الدين الزملكاني ( 667 ـ 733 هـ )
    عرّفه السبكي بقوله : « الإمام العلاّمة المناظر ، ولد في شوال سنة 667 هـ ودرس بالشامية البرانية ـ إلى أن قال ـ : ثم ولي قضاء حلب ، وصنفّ الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة (3).

4 ـ الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ( ت 748 هـ )
    ترجمه في « تذكرة الحفاظ » غير أنّه لم يذكر مما ردّ عليه بشيء ، وهذا عجيب من الحافظ الذهبي ، ولكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه ويذكر ما فيه ويقول :
     « الحمدللّه على ذلّتي ، يا ربّ ارحمني ، وأقلني عثرتي ، واحفظ علىّ
1 ـ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 162 ـ 164.
2 ـ تاج الدين ، أبونصر ، عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي ( ت 727 ـ م 771 ) طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 34 ـ 35 ) .
3 ـ طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 190 ـ 191.



(39)
إيماني ، واحزناه على قلة حزني ، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها ، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونوني على البكاء ، واحزناه على فقد أُناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات ، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وتبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.
    إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول( صلَّى الله عليه [وآله] ) : « لا تذكروا موتاكم إلاّ بخير ، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا » بل اعرف أنّك تقول لي لتنصر نفسك : إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام ، ولا عرفوا ما جاء به محمد ( صلَّى الله عليه [وآله] ) وهو جهاد ، بلى واللّه عرفوا أخيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز ، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، يا رجل! باللّه عليك كفّ عنّا ، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام ، إياكم والغلوطات في الدين ، كره نبيك ( صلَّى الله عليه [وآله] ) المسائل وعابها ، ونهى عن كثرة السؤال وقال : « إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كل منافق عليم اللسان » وكثرة الكلام بغير زلل ، تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام ، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات الّتي تعمي القلوب ، واللّه قد صرنا ضحكة في الوجود ، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟.
    لنرد عليها بعقولنا ، يا رجل! قد بلعت « سموم » الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات ، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم ، وتكمن واللّه في البدن ، واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر وخشية بتذكّر وصمت بتفكّر. واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار ، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة ، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما ، باللّه خلّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب ، وجدّوا في ذكر بدع كنّا نعدّها من أساس الضلال ، قد صارت هي محض السنة وأساس


(40)
التوحيد ، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار ، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون ، وتعدّ النصارى مثلنا ، واللّه في القلوب شكوك ، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد ، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة والانحلال ، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً ، لكنّه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه ، وفي الباطن عدوّ لك بحاله وقلبه.
    فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن ، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ واللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك.
    بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف و الإهدار ، أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ واللّه ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت ، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي ولا تصغي إلى وعظي ، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات ، وتقطع لي أذناب الكلام ، ولا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت ، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد ، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، عما أنّ أولياءك فيهم فجزة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر ، قد رضيت منك بأن تسبني علانية ، وتنتفع بمقالتي سراً ، فرحم اللّه امرأً أهدى إلىّ عيوبي ، فإنّي كثير العيوب ، غزير الذنوب ، الويل لي إن أنا لا أتوب ، وافضيحتي من علاّم الغيوب! ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد للّه ربّ العالمين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين » (1).
    1 ـ تكملة السيف الصقيل ، للمحقّق المعاصر الكوثري ، ص 190 ـ 192 كتبه من خط ابن قاضي : شهبة ، منقولا من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وكتبه ، هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ من خط الذهبي ، وجاء شطر منه في « فرقان القرآن » تأليف الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي في مقدمة كتاب « الأسماء والصفات » للبيهقي ص 129. وقد طبعت صورة خط ابن قاضي شهبة في تكملة السيف الصقيل ص 187 ـ 189.
بحوث في الملل والنحل ـ الجزء الرابع ::: فهرس