السلطان وانضمّت إليه جيوشه ... » (1). هذا قليل من كثير مما جنت يد التتار على الإسلام والمسلمين ، وقد امتدّ الدمار والهلاك بعد هذه السنة حتّى تجاوز القرن السابع إلى أواخر القرن الثامن. فابتدأت الحروب التترية من عام 603 هـ وانتهت عام 807 هـ بموت تيمورلنك الّذي تظاهر هو بالإسلام وبعض من قبله ، ولكن لمن تزل القلوب مضطربة باستيلاء هؤلاء على المناطق الإسلامية.
إبادة المسلمين في الأندلس انتهت الحروب الصليبية والتترية في مختتم القرن الثامن ، ولكن نار الحرب بين المسلمين والمسيحيين كانت مشتعلة في الوطن الإسلامي « الأندلس » عن طريق إبادة المسلمين وإجلائهم عن وطنهم والتنكيل بهم. إنّ المسلمين بفضل المجاهدين الإسلاميين وصلوا إلى تلك البلدة الخصبة عام 92 هـ واستمرّوا في الفتح إلى أن وصلوا إلى قلب فرنسا عند مدينتي « تور » و « بواتييه » عام 112 هـ (2) وهناك توقفت الفتوحات بسبب ضعف القيادة الإسلامية في بغداد ، وقطع صلة الحكام بالأندلس عنها ، وعند ذلك طمع الصليبيون في سلب تلك البلدة من أيدي المسلمين ، فبدأوا بالحروب ضدهم ، وكانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت إلى عدة ممالك صغيرة ، عرف حكامها بملوك الطوائف ، وكان نصارى الشمال يهددون هذه المنطقة » (3).
إلى أن حلت الهزيمة بالمسلمين في موقعة العقاب في 15 صفر 609 هـ أي في نفس الوقت الّذي كان التتار قد بدأوا بشنّ الغارة على المسلمين من الشرق إلى الغرب وبالتالي زال سلطان « الموحدين » وسقطت هذه البلاد في يد
1 ـ مرآة الجنان ج 4 ص 234 ـ 235. 2 ـ دائرة المعارف الإسلامية ، مادة « أندلس ». 3 ـ تاريخ الإسلام ، تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن ، ج 4 ص 537.
(22)
« الإسبان » ولم يبق في أيدي المسلمين سوى منطقة جبلية في جنوب شرقي إسبانية حيث قامت مملكة « غرناطة » الإسلامية على أيدي بني نصر ( بني الأحمر ) الذين بايعوا الخليفة الحفصي أقوى حكام المغرب في ذلك الحين (1). ولكن العدو لم يرض بما اكتسب من الفتوح فشنّ الغارة عليهم حتّى أبادهم عام 898 هـ فصار الأندلس كله للإسبان. ثم إنّ التاريخ يحكي لنا تعامل الإفرنج مع المسلمين معاملة سوء ، حيث أجبروهم على التنصّر وعلى خروج النساء مكشوفات ، فهرب المسلمون إلى الجبال فصاروا يطاردونهم كما تطارد الفرائس. وقد عدّ بعض المؤرخين عدد العرب المطرودين في قرن واحد ( أي من عام 791 إلى عام 898 هـ ) نحواً من ثلاثة ملايين كانوا نخبة المسلمين وأعظمهم صناعة وعلماً.
و أنت إذا قرأت التاريخ وقلبت صفحاته تقف على أنّ هذه القرون الأربعة أي من بداية 500 إلى 900 هـ شرّ القرون وأسوأها بالنسبة إلى المسلمين ، فقد حلت بهم عقوبات وضحايا لم يسجّل التاريخ لواحد من الأُمم مثلها ، وإليك مبدأ هذه الحروب ومختتمها : 1 ـ الحروب الصليبية. بدأت من عام 489 هـ واستمرت إلى عام 660 هـ. 2 ـ الحروب التترية ، ابتدأت من عام 603 وانتهت عام 807 هـ بموت تيمور لنك الّذي تظاهر بالإسلام. 3 ـ إبادة المسلمين في الأندلس و إجلاؤهم بعد انحصار سلطانهم في منطقة صغيرة في غرناطة ، ابتدأت من عام 609 إلى 898 هـ.
حصيلة البحث نحن نستنتج من هذا البحث الضافي أنّ الخلافة العباسية وملوكها وسلاطينها بلغوا من الفساد والانحلال إلى حدّ غاب عنهم معه ما كان يجري 1 ـ المصدر نفسه ، ص 318.
(23)
خارج قصورهم ، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة ، والخليفة كان غافلا عمّا يجري خارج القصر ، وكانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلاّ إصابة نبل الخصم لجاريته ، فإذا كان هذا هو الإسلام وهذا خليفته ، وهذا شعوره وإحساسه ، فعلى الإسلام السلام ، وعلى تلك الخلافة العفاء. وقد عرفت أنّ ابن الأثير كان من المشاهدين للقضايا عن كثب ، ويعرف الخلفاء وسلاطينهم بأنّهم بلغوا من العقلية إلى درجة لا يهمّهم إلاّ ما يهمّ البهيمة من إشباع بطنها و إرضاء فرجها (1). ومن المعلوم أنّ الفساد لم يكن مقتصراً على بلاط الخلفاء ، بل الانحلال الخلقي والانحطاط المعنوي كان سائداً على الغالبية العظمى من المجتمع ، إذ الناس على دين ملوكهم ، ومن العجب أنّ المؤرخين الأباعد يحملون وزر سقوط الخلافة العباسية على عاتق الوزير الشيعي مؤيّد الدين ابن العلقمي ، الّذي يصفه ابن الكثير بقوله : « وكان عنده فضيلة في الإنشاء وليديه فضيلة في الأدب » ويضيف أيضاً : « إنّه أشار على الخليفة بأن يبعث إلى هولاكو بهدايا سنية ليكون ذلك مدارة له عمّا يريده من قصد بلادهم ، فخذّل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير « أيبك » وغيره ، وقالوا إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال ، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير ، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكوخان » (2). ومن الظلم إلقاء جريرة سقوط بغداد على عاتق هذا الوزير مع كون الخليفة على الحال الّتي سمعتها من ابن الكثير ، وكون الملوك والسلاطين لا يهمّهم إلاّ بطنهم وشهوتهم ، مع اشتعال نار الخلاف بين الرؤساء والقادة الشاغلين منصّة قيادة المجتمع الإسلامي ، فلا تنتج تلك المقدمات إلاّ هذا الوضع الوبيل ، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
1 ـ الكامل في التاريخ ج 12 ص 375. 2 ـ البداية والنهاية ج 13 ص 214.
(24)
الحواضر الإسلامية آنذاك ، دواؤها وذواوها
قد تعرّفت على الأوضاع المؤسفة السائدة في الحواضر الإسلامية ، وما آلت إليه من الدمار والهلاك والمذابح الفظيعة ، والمجازر الرهيبة الّتي تعرّض لها سكانها الأبرياء ، بسبب تلك الحملات العدوانية ، وعندئذ نسأل كل مسلم حر الضمير عن دواء هذا الداء الّذي ألمّ بالمسلمين ، وعلاج تلك المأساة الّتي وقع فيها الإسلام ؟ ولا أشك في أنّ دواءها الوحيد كان هو إحياء التعاليم الإسلامية ـ آنذاك ـ في مجال الجهاد والمقاومة ، وإعادة الثقة إلى النفوس ، والعمل على تقوية المعنويات ورفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملا بقوله تعالى : ( وَ أعِدُّوا لهم مَا استَطَعْتُم مِن قُوَّة وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَ عَدُوَّكُم ) (1). ثم السعي في توحيد ما تفرّق وتشتّت من صفوف المسلمين ، وحثّهم على تعمير ما تهدم من حضارة الإسلام ، وإحياء شتى مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ممّا انهارت تحت ضربات الأعداء من الشرق والغرب. ولا يكون ذلك إلا بإعادة العلم الناجع إلى الساحة ، وتناسي الخلافات الفرعية ، والدعوة إلى التمسّك بمبادىء الوحدة ، وتجسيد قوله سبحانه : ( إنَّما المُؤمنُونَ إخوةٌ ) (2) ورفض البحث عن الخلافات الّتي تثير النزاع ، وتوجد الفرقة وتمزق الصفوف. هذا ما يحكم به ضمير كل إنسان حر ، فلو وجدنا في مثل هذه الظروف العصيبة من يثير نار الخلافات الطائفية والمذهبية ، وبالتالي يضرب المسلم بالمسلم ويشغلهم بالبحث عن فروع ليس لها من الأهمية بالقياس إلى علاج الدمار الرهيب الّذي حلّ بالمسلمين ـ لو وجدنا رجلا بهذا الوصف والنعت ـ فلا نشك أنّ نعرته نعرة جاهلية ، وحركته حركة مشبوهة ، ودعوته دعوة منتنة 1 ـ سورة الانفال : الآية 60. 2 ـ سورة الحجرات : الآية 10.
(25)
حسب تعبير النبي ، ومن الظلم والجناية على الإسلام والمسلمين تلقيب هذا الداعي بـ « شيخ الإسلام » أو « محيي الشريعة » أو « محيي السنة » أو غير ذلك من ألفاظ الثناء الوافر الّذي يوصف به هذا الرجل في هذا القرن ، بترغيب وترهيب من أصحاب الثراء والسلطة ، بعد أن كان معروفاً بغيرها في القرون الغابرة ، كما ستوافيك كلمات معاصريه ومن جاء بعدهم إلى هذه الأعصار . إنّ طرح الخلافات الكلامية والفقهية ـ في العصر الّذي كانت القوارع تنصبّ فيه على رؤوس المسلمين من الشرق والغرب ، وتهدم الديار وتقتل النفوس البريئة ، وتشقّ بطون النساء والأطفال ، ويرفع الرجال على أعواد المشانق وتخضب الأراضي بدماء المسلمين ـ ما هو إلاّ من قبيل صب الزيت على النار ، وتعميق الجرح غير المندمل. إنّ طرح المسائل على ضوء العقل إذا كان لغاية التعرّف على الحقائق أمر يستحسنه العقل ويقبله الشرع في جميع الحالات ولكن طرح هذه المسائل على وجه يتضمن تكفير الفرق الإسلامية واتهامهم بالشرك ، وتجويز قتلهم وإهدار دمائهم ، في الوقت الّذي غمس العدو يده في دمائهم إلى مرفقه ، وقتل منهم الملايين ، لا يصحّ تفسيره إلاّ بأحد وجهين : إمّا أن يكون رجلا غبياً لا يعرف الداء ولا الدواء ، أو رجلا مُعقّداً مغرماً بالشهرة وحبّ العظمة. وما هذا الرجل إلاّ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ( ت 661 ـ م 728 هـ ) فقد ولد في شر القرون وعاش في أجوائها الصعبة على المسلمين ، ومات في ظروف الهزيمة الّتي حلت بالمسلمين ، لعلل تعرّفت عليها ، فقد أثار في تلك الظروف العصيبة مسائل خلافية لا تزيد في الطين إلاّ بلّة ولا في الجرح إلاّ تعميقاً ، فهو بدل أن يعيد إلى الساحة الإسلامية الأخلاق والعمل بالإسلام ، ويعظ الملوك والساسة بالقيام بالوظائف وفتح معسكرات لإعداد الشباب وتدريبهم ، وإيجاد روح الكفاح ، تجده يرفع عقيرته بالمسائل الّتي لا تعود على المسلمين في تلك الظروف العصيبة بشيء سوى تعميق الخلاف وتعكير الصفو ، وتشديد النزاعات المذهبية والطائفية. ورؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام
(26)
للمسلمين ـ ولأجل ذلك اعتقل ونفي إلى مصر ـ هي الأُمور التالية : 1 ـ يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف ، كالاستواء على العرش ، و أن له يداً ووجهاً ، وأن له نزولا وصعوداً. 2 ـ يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك. 3 ـ يحرم التوسّل بالأولياء والصالحين. 4 ـ تحرم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم. 5 ـ يحرم بناء القبور وتعميرها. 6 ـ لا يصح أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حقّ علىّ وآله. إلى غير ذلك من المسائل الفرعية في أبواب الطلاق وغيرها كما ستقف عليها عند عرض آرائه. هب أيّها القارىء لما أنّ تبنّاه من الآراء مسحة من الحق ـ وليست آراء ساقطة تضاد القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة المسلمين ـ هب أنها آراء صحيحة ـ ولكنّها هل كانت مفيدة في تلك الظروف ، هل كانت دواءً لداء الأُمة الإسلامية؟ أو كانت أموراً غريبة عمّا يجب القيام به ، بل كانت مؤيدة لما يتوخاه العدو من تشتيت الشمل وتمزيق الصفوف؟!! إنّ من البداهة بمكان أنّ هذه المسائل لم تكن مما يخشاه العدو ، فإنّ هذا النوع من المسائل الجدلية لا تفضح نوايا العدو ولا تعرقل خططه ، لأنّها لا تعيد إلى المسلمين روح الوثبة والمقاومة والاستبسال ، بل من شأنها أن تستنفد طاقاتهم من دون جدوى ، و تفني قواهم من دون أثر يتّصل بالواقع. فلو كان ابن تيمية « شيخ الإسلام » حقاً لكان عليه أن يدع ما يلهي المسلمين عن مصيرهم ، بل ما يعمّق محنتهم ، ويتصدّى لمواجهة العدو بإعادة الروح الجهادية إلى نفوسهم ، وبث المعنويات في قلوبهم ، وتوجيه همم
(27)
المسلمين ، إلى إعادة بناء كيانهم العسكري والصناعي والعلوم الناجعة ، حتّى يستعيدوا بذلك مجدهم المندثر الّذي تألق في القرن الرابع الهجري. ويا للأسف إنّه بدل القيام بوظائف شيخوخة الإسلام الحقيقية انصرف إلى مسائل اجتهادية ليست ناجعة في ذلك العصر ولا بعده.
ابن تيمية لم يكن سلفياً إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية ، ويتقولون فيه بأنّه محيي مذهب السلف. هب أنّ السلفية مسلك ومذهب ، ولكن السلفي عبارة عمَّن لا يتخطّى عمّا سلكه السلف الصالح طيلة قرون سبعة ، ولكن أراءه وأفكاره على طرف النقيض من أراء السلف. إنّ المسلمين طيلة قرون كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه ، ولم تقع الزيارة في تلك العصور ولو مرة واحدة ذريعة إلى الشرك ، بل كان الداعي إلى زيارته في كل فترة من الفترات ، كونه نبىّ الإسلام نبىّ التوحيد ، ومكافح الشرك ومنابذه ، فيجب احترامه وتكريمه وحفظ آثاره وقبره ، وآثار أصحابه وزوجاته وأبنائه انطلاقاً من هذا المبدأ ( أي كونه نبىّ التوحيد ، مشيد بنائه الشامخ ) ولكنّا نرى أنّ ابن تيمية يخالف هذه السيرة الموروثة من الصحابة إلى زمانه ، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته تمسكاً بحديث غير دال على ما يرتئيه ، كما سيوافيك. إنّ المسلمين طيلة القرون الغابرة إلى ميلاد ابن تيمية كانوا يتبرّكون بالنبي وآثاره ، ولا يرون ذلك شركاً ولا ذريعة إليه ، حتّى أنّ الشيخين أوصيا بمواراتهما في جوار النبي ، لما استقرّ في قرارة ضميرهما بأنّ للمكان شرافة ومكانة بالغين ، وأنّ المواراة في ساحة النبي لها كرامة ، ولم ينبس أحد من الصحابة ببنت شفة بأنّ ذلك ذريعة إلى الشرك ، إلى أن ألقى الشر بجرانه إلى الأرض بميلاد ابن تيمية وآرائه الساقطة ، فجعل ينكر هذا العمل ويخالف السلف. إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يستغيثون بالنبي لما له من كرامة عند اللّه ، لما أمرهم اللّه سبحانه بالمجيء إليه وطلب الاستغفار منه ، ولم يخطر ببال أحد أن الاستغاثة بالملخوق شرك أو ذريعة إلى الشرك ، وكان هذا
(28)
ديدن السلف في جميع القرون ، فجاء ابن تيمية ينكر الاستغاثة والتوسل ، ثم يصف نفسه سلفياً ، فما معنى هذه السلفية؟ ( ما هكذا تورد يا سعد الإبل ) .
تقييم إنجازات ابن تيمية إنّ قيمة كل امرىء بما يقدّمه إلى الأُمة من خدمات وخيرات ، فإمّا أن يشيد بناء ثقافتهم ويضمن تقدمهم في ميادين العلم والعمل ، ويرفع من مستوى أخلاقهم وسلوكهم الإنساني والإسلامي ، وإمّا أن يرفع مستوى معيشتهم و يسعى في ترفيههم بمشاريع البرّ و الإحسان ، من بناء المدارس ومراكز التعليم والمستشفيات والمستوصفات ، ودعم الكفاح بالتدريب العسكري وغيره مما يرجع إلى دعم البنية المادية للمجتمع. هلم معي نطرح إنجازات ابن تيمية على طاولة النقاش والمحاسبة ، فهل قام بأحد الأمرين؟ أمّا من جانب المعنى فلم نر أنّه قدم إلى المجتمع ، دراسة نافعة في الحقوق والسياسة والاقتصاد أو الاجتماع ، أو ألف جامعاً حديثياً يكون هو المرجع للمسلمين كما قام بعض معاصريه بهذا الأمر ، فلم يبق منه إلاّ التركيز على المسائل الّتي قدمنا رؤوسها والّتي كفّر بها مخالفيه ، وبالتالي كفّر جمهور المسلمين الذين عاشوا طيلة سبعة قرون. هب أنّه قدم إلى المسلمين دراسات توحيدية ، ولكن ما كانت نتيجة تلك الدراسات ، فغاية ما أنجز وأتى ـ بعد ما تصوب وتصعد ـ أنّه يجب توصيفه سبحانه بنفس الصفات الخبرية بمعناها اللغوي ، فصار معناه هو التجسيم والتشبيه وإثبات الجهة والفوقية للّه سبحانه ، وقد فهم الكل هذا المعنى من دراساته. هب أنّه لم يقصد من إثبات هذه الصفات ما نسب إليه من الجسمية ، ولكنّه صبّ ما رآه في قوالب أذْعَنَ الكُلُّ ـ الداني منهم والنائي ـ بأنّه مُجسّم مشبّه مُثْبت للّه سبحانه الجهة والفوقية ، مع أنّه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ، و أنَّهُ ليس كمثله شيء. ما معنى هذه الدراسات العميقة الّتي لم تورث إلاّ هذه الأفكار الباطلة ،
(29)
وسوف يوافيك أنّ الرجل مجسّم وإن كان لا يتفوه به ، ولكن جُمَلَهُ وألفاظه وعباراته وما أصرّ عليه لا تنتج إلاّ ذلك. وقس عليه سائر إنجازاته من جانب المعنى ، فقد منع شدّ الرحيل إلى زيارة النبي الأكرم ، مع أنّ قبور الأنبياء لم تزار تزل من عصر النبي وقبله وبعده ، وليست الغاية من زيارتهم إلاّ التوقير والتكريم و عقد الميثاق مع ما جاءوا به من أُسس التوحيد ، فكيف يكون ذلك ذريعة إلى الشرك؟ وحصيلة البحث هي أنّنا لم نجد في جميع إنجازاته شيئاً بديعاً يرفع به رأسه ويفتخر به على من سواه ، سوى ما في كلامه من الغلظة والأذى.
اللسان والقلم مرآتان للضمير إنّ اللسان والقلم مرآتان لضمير صاحبهما يعربان عن نفسيته الخبيثة أو الطيبة ، الشريرة أو الخيّرة ، فاللسان البذيء يكشف عن نفسيته المستهترة المريضة ، كما أنّ اللسان و مثله القلم النزيهين يكشفان عن ملكة فاضلة. ومن رجع إلى كتب ابن تيمية يعرف أنّه ما كان يملك لسانه وقلمه عن التقوّل على المسلمين والتهجّم عليهم فجاءت كتاباته مليئة بالقول البذيء و إساءة الأدب ، الّذي هو على طرف النقيض من الإسلام والعلم.
ابن تيمية في مرآة الرأي العام ولقد كانت ثورة الرأي العام الإسلامي عليه من جانب الفقهاء والحكام والمتكلمين والمحدثين أدلّ دليل على انحرافه عن الخط المستقيم والطريق المهيع ، فليس من القضاء الصحيح تخطئة جمهور المسلمين وتصويب رجل واحد ، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية عام 698 هـ في « الرسالة الحموية » جاءت الاستنكارات تترى من جميع الطوائف ، وكلما تعرض الرجل للعقائد الإسلامية الّتي اطبقت عليها الأُمة في جميع القرون ، تعالى الاستنكار ، حتّى أُلقي عليه القبض ونفي من بلد إلى بلد ، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال ، إلى أن منع من القرطاس والكتابة ، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء. ولو كان الرجل شيخ الإسلام ورائده وناصحه ، لما ضاق عليه المجال من
(30)
جانب أبناء جلدته من قضاة وحكام : شوافع وأحناف . نعم الأسف كلّه على الناشئة الجدد الذين وقعوا فرائس في أحابيل الدعاية الوهابية الّتي يقودها النظام السعودي ويغذيها بثروته الواسعة ، ويدعمها الاستعمار الغاشم لغاية إضعاف المسلمين بالخلافات وإشغالهم بقضايا ومسائل لا تمتّ إلى الحياة بصلة. ولأجل ذلك نضع حياة الرجل وشخصيته أولا ، وآراء معاصريه ومن جاء بعده في القرون اللاحقة في حقه في ميزان النقد والقضاء ثانياً ، ثم نبحث عن آرائه و أفكاره ونعرضها على الكتاب والسنة ثالثاً ، حتّى يتبين الحق ويظهر ، ويزهق الباطل.