ظهور الغلوّ بين المسلمين :
الغلوّ بمعناه الواسع ، الشامل لكلّ ما جاوز الحدّ ، كثير جدّاً بين المسلمين ، دخل في كافة مجالات الاعتقاد و العبادات و حتّى المعاملات و الأعراف ، ممّا يصعب الوقوف معه على حدّ.. و من حالاته الظاهرة هذا الكمّ الهائل من الخرافات و الأكاذيب المصنوعة في مناقب و فضائل الأولياء و الصالحين ، و قلّما تجد رجلاً تعلّقت به طائفة لم تنسج حوله الأساطير! و كتب المناقب عامّة طافحة بهذا اللون من الغلوّ.
أمّا الغلوّ في العبادات؛ فهو كثير عند أهل الانقطاع ، كما قد يقع فيه المتنطّعون الذين يجاوزون الحدّ في التدقيق و التشدّد في السنن.
و الذي سوف يتوجّه إليه البحث من أصناف الغلوّ هو ما اتّخذ شكل المقالة ، أو صحّ أن يسمّى مقالة يدعو إليها رجل أو طائفة.
و قد ظهر هذا النوع من الغلوّ مبكّراً جداً ، منذ ساعة وفاة النبي صلى الله عليه و آله ، إذ خرج عمر بن الخطاب مكذّباً بموت النبي صلى الله عليه و آله يصرخ بالناس : « إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه توفّي ، و أنّ رسول اللّه ما مات ، و لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلةً ثمّ رجع بعد أن قيل قد مات ، و اللّه ليرجعنّ رسول اللّه ليقطَعنّ أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أنّ رسول اللّه مات « (1) !
فهذه أوّل مقولة غإلىة في الإسلام ، ظهرت ثمّ انطفأت من ساعتها.
(1) تاريخ الطبري 3 : 200 ـ 201 ، و اُنظر : البداية و النهاية 5 : 262 ـ 263.
(113)
و في تلك الأيّام ظهر تكذيب بموت النبي صلى الله عليه و آله انتهى بأصحابه إلى الردّة!
أولئك « بنو عبدالقيس » قوم من البحرين لمّأ بلغهم نبأ وفاة النبي صلى الله عليه و آله قالوا : لو كان محمّد نبيّاً لما مات! وارتدّوا!! فجمعهم سيد هم الجارود بن المعلّى ، فقال لهم : إنّي سائلكم عن أمر فأخبروني به.. قالوك : سل عمّا بدالك. قال : اتعلمون أنّه كان للّه أنبياء في ما مضى؟ قالوا : نعم. قال : تعلمونه أو ترونه؟ قالوا : لا بل فعلمه. قال : فما فعلوا؟ قالوا : ماتوا. قال : فإنّ محمّداً صلي الله عليه و آله مات كما ماتوا ، و أنا أشهد ألّا إله إلا اللّه و أشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله. فعادوا إلى رشدهم و دينهم (1).
ـ ثمّ اتخذوا الغلوّ أشكالاً ، مختلفة ، و أصبح يؤلّف فرقاً و أحزاباً تتعصّب لمقولاتها أشدّ التعصّب حتّى تموت دونها! و كان أبشع تلك المقولات ما انتهى إلى تأليه البشر و هدم النبوّة و الإمامة.
غلوّ المارقين و آثاره :
كان أكثر أنواع الغلوّ خطراً على تاريخ الإسلام و مستقبله غلوّ المارقة ، الذي كان أساسه : السذاجة ، و السطحية في التفكير ، مع تطّرف شديد في ما يظنّونه الموقف الديني! ذلك الذي بلغ بهم أن مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية مع أنه ليس في الأمّة أحد يجتهد في العبادة اجتهادهم ، كما وصفهم الحديث النبوي الشريف « تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم و صيامكم إلى صيامهم » !
فكان أوّل مظاهر سطحيّتهم في التفكير ، تأويلهم الفاسد لقوله تعالى : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (2) فظنّوا أنّ تحكيم شخص في قضية بين اثنين شرك باللّه تعالى!
(1) تاريخ الطبري 3 : 302.
(2) سورة الأنعام : 6 / 57.
(114)
و كان أوّل مظاهر تطّرفهم : تكفير خصومهم و استباحة دمائهم و أعراضهم.
و بقيت هاتان الخصلتان ملا زمتان للتطرّف الديني أيّاً كان اتّجاهه : السطحية في التكفير المتمثّلة بالتأويلات الفاسدة ، و تفكير الخصوم و استباحة دمائهم و أعراضهم.
تعدّد طوائف الغلاة :
لقد توزّعت طوائف الغلاة على المذاهب الإسلامية كافّة ، حتّى لم يبقَ مذهب من المذاهب إلا و ظهر الغلوّ بين أصحابه أو من يُحسب عليه.
ـ فمن بين المارقين أنفسهم ظهرت طوائف غلت في الدين فوق غلوّهم الأوّل ، فقال بعضهم إنّ الصلاة ركعة واحدة بالغداة و ركعة بالعشيّ فقط..
و آخرون استحلّوا نكاح المحرّمات من بنات البنين و بنات البنات ، و بنات بني الأخوة و الأخوات ، و قالوا : سورة يوسف ليست من القرآن..
و طوائف كانوا من المعتزلة ثمّ غلوا و قالوا بتناسخ الأرواح..
و طوائف من المرجئة ، قالوا : إن إبليس لم يسأل قطّ النظرة ، و لا أقرّ بأنّ خلقه من نار و خلق آدم من تراب..
و آخرون كانوا من « أهل السنّة » فقالوا : قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء و من الملائكة عليهم السلام ، و أنّ من عرف اللّه حقّ معرفته فقد سقطت عنه الأعمال و الشرائع ، و قال بعضهم بحلول الباري في أجسام..
و طوائف عُدّت من الشيعة و التشيّع برئ منهم لغلوهم ، فقال بعضهم بأُلوهيّة عليّ بن أبي طالب و الأئمّة عليهم السلام من بعده ، و منهم من قال بنبوّته ، و بتناسخ الأرواح ، و قالت طائفة منهم بأُلوهية أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب مولي بني
(115)
أسد ، و قالت طائفة بنبوّة المغيرة بن سعيد مولى بني بجيلة ، و بنبوّة أبي منصور العجلي ، و بزيغ الحائك ، و بيان بن سمعان التميمي و غيرهم (1) و قد كفرهم أئمّة الشيعة و تبرّأ الشيعة منهم.
و من العباسية طائفة ألّهت ابا جعفر المنصور ، فشهدوا أنّه هو اللّه ، و أنّه يعلم سرّهم و نجواهم (2).
كما يُعدّ التشبيه و التجسيم غلوّاً في إثبات الصفات ، يقابله غلوّ آخر في التعطيل الذي قد يعدّ أيضاً طرف التقصير المقابل للغلوّ.. و مثله الغلّو في القدر عند الجبرية الكاملة ، و يقابله التقصير في القدر عند المفوّضة ، الذي هو غلوّ في الاختيار و نفي القدر.
و هكذا تعدّدت أوجه الغلوّ و مقولاته على يمين الصراط المستقيم و شماله..
موقف أهل البيت عليهم السلام من الغلوّ و الغلاة :
منذ البداية كان موقف الإمام علي عليه السلام من الغلاة أبعد من أن يقاس به موقف من ألدّ أعدائه و أشدّهم خوضاً في الفتن ، و ذلك كاشف عن أنّ الغلوّ كان أقبح أنواع التحريف ، بل هو الشرك و الارتداد عن الدين الذي يبقى متلبّساً بالدين فيُضلّ أقواماً من البسطاء و الجهّال والمغفّلين. ثمّ كان نشاط الغلاة و تكاثرهم و ظهور مقالاتهم الجديدة قد ابتدأ أيّام الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السلام ، لذا
(1) إلى هنا في تعدّد طوائف الغلاة مأخوذ من : الفصل في الملل و الأهواء و النحل 2 : 114 ، الغلوّ و الفرق الغإلىة/ الدكتور عبداللّه سلوم السامرائي : 81 و 82 ـ دار واسط ـ بغداد ـ 1982 م.
(2) المقالات و الفِرق : 69 ـ 70.
(116)
كان كلامهما في الغلاة كثيراً و مواقفهما منهم شهيرة ، لا يقاس بها موقف من خصم لهم أو منازع ، و قد توزّع موقف أهل البيت عليهم السلام عامّة من الغلاة على ثلاثة أسإليب :
الأوّل ـ البراءة و اللعن : فحين أظهر أبوالجارود بدعته ، تبرّأ منه الباقر عليه السلام ، و سماّه باسم الشيطان سرحوب ، مبالغة في التنفير منه (1) ، و لعنه الإمام الصادق عليه السلام و لعن معه كثير النوّاء و سالم بن أبي حفصة ، و قال :
« كذّابون مكذّبون كفّار ، عليهم لعنة اللّه » (2).
و هكذا لعنوا المغيرة بن سعيد ، و أبا الخطّاب ، و بياناً و غيرهم (3) ، و لمّا وقفوا على بدعة ابن كيّال تبرّ أوا منه و لعنوه (4)...
الثاني ـ التحذير منهم و كشف أكاذيبهم : فإذا أظهر رجل غلوّاً أبعدوه و لعنوه و تبرّ أوا منه ، ثمّ أوامروا شيعتهم بمنا بذته و ترك مخالطته (5). ثمّ نّبهوا الناس من أتباعهم و من غيرهم إلى أنّ هؤلاء كذّابون يفترون على أهل البيت الأباطيل و ينسبون إليهم ما لم يقولوا به :
قال الصادق عليه السلام : « كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب علي أبي ، و يأخذ كتب أصحابه ، و كان أصحابه المتستّرون باصحاب أبي يأخذون الكتب من
(1) رجال الكشي 2 : 495 ح/ 413 ـ مطبعة جامعة مشهد ـ 1348 هـ. ش.
(2) رجال الكشي 2 : 496 ح/ 416.
(3) رجال الكشي ح/ 400 ، 401 ، 403 ، 407.
(4) الملل و النحل 1 : 161 ، و هو أحمد بن كيّال ، و أصحابه الكيّإلىة ، من فرق الغلاة.
(5) الملل و النحل 1 : 161 ، رجال الكشي 2 : 93 ح / 405.
(117)
أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة ، فكان يدسّ فيها الكفر و الزندقة و يسندها إلى أبي ، ثمّ يدفعها إلى أصحابه و يأمرهم أن يبثّوا في الشيعة ، فكلّ ما كان في كتب أصحاب أبي من الغلّو فذاك ما دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم » (1) !
و قال عليه السلام : « لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن و السنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة ، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا صلى الله عليه و آله ، فإنّا إذا حدّثنا قلنا : قال اللّه عزّوجلّ ، و قال رسول اللّه صلي الله عليه و آله » (2).
فكان أصحابهم من ذوي البصيرة و ذوي التحقيق يدقّقون النظر في كتب الحديث ، فربّما تحسّسوا الدخيل فيها ، و ربّما عرضوها على الأئمّة أنفسهم فأثبتوا الصحيح منها و أسقطوا الدخيل؛ يقول يونس بن عبدالرحمن : و افيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام و وجدت أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام متوافرين ، فسمعت منهم ، و أخذت كتبهم ، فعرضتها من بعدُ على ابي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبداللّه عليه السلام ، و قال لي : « إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبداللّه عليه السلام ، لعن اللّه أبا الخطّاب ، و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنّا إذا
(1) رجال الكشي 2 : 491 ح/ 402.
(2) رجال الكشي 2 : 489 ح/ 401.
(118)
حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنّة ، إنّأ عن اللّه و عن رسوله نحدّث ، و لا نقول قال فلان و قال فلان فيتناقض كلامنا ، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا ، و كلام أوّلنا مصدّق كلام آخرنا ، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به ، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة و عليه نوراً فما لا حقيقة معه و لا نور عليه فذلك من قول الشيطان » (1).
و كان ذوو الذوق السليم و الإيمان الصحيح يتحسّسون ذلك أيضاً ؛ جاء أبو هريرة العجلي الشاعر إلى الإمام الباقر عليه السلام فأنشده :
أبا جعفر أنت الوليّ اُحبّهُ أتتنا رجالٌ يحملون عليكمُ
و أرضي بما ترضى به و أتابعأحاديث قد ضاقت بهنّ الأضالعُ
أحاديث أفشاها المغيرةُ فيهمُ و شرُّ الاُمورِ المُحدَثاتُ البدائعُ (2) الثالث ـ الردّ على مقالاتهم الباطلة : لقد كان اُولئك الغلاة يكذبون على أهل البيت عليهم السلام من ورائهم و يخشون أن يظهروا مقولاتهم الفاسدة أمامهم ، بل حتّى الزنادقة كانوا يتحاشون ذلك ، فلمّا اراد ابن أبي العوجاء الزنديق أن يناظر الإمام الصادق عليه السلام حذّره ابن المقفّع ، و قال له : لا تفعل ، فإنّي أخاف أن يُفسد عليك ما في يدك (3). و كان أهل البيت عليهم السلام إذا بلغتهم المقالة الفاسدة من الغلاة فيهم خاصّة ردّوها جهرة و أثبتوا للناس الحقّ الذي في خلافها..
(1) رجال الكشي 2 : 489 ـ 491.
(2) عيون الأخبار / ابن قتيبة م 1ـ ج 2 : 151 ( كتاب العلم و البيان) ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت.
(3) الكافي / الكليني ـ كتاب التوحيد ـ 1 : 74 ح / 2ـ المكتبة الإسلامية.
(119)
و هنا سنذكر نماذج من هذه الردود بحسب موضوعاتها ، لنقف في آن واحد على نماذج من الموضوعات التي انزلق فيها الغلاة ، و على كلمات أهل البيت عليهم السلام و كلمات علماء الشيعة في مواجهة الانحراف و تصحيح الاعتقاد :
1 ـ التإلية : ادّعى كثير من الغلاة تإليه الأئمّة ، أو حلول الروح الإلهية فيهم ، فكان من ردّهم على هذه الدعوى قول الإمام الصادق عليه السلام : « لعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا و إليه مآبنا و معادنا وبيده نواصينا » (1).
2 ـ التفويض : دعوى اُولئك الذين قالوا إنّ اللّه خلق الأئمّة ثمّ جعل بأيديهم الخلق و الرزق؛ قيل للإمام الصادق عليه السلام : « زعم أبو هارون المكفوف أنّك قلت له : إن كنتَ تريد القديم فذاك لا يدركه أحد ، و إن كنت تريد الذي خلق ورزق فذاك محمّد بن عليّ! يعني الباقر عليه السلام ».
فقال الإمام الصادق عليه السلام : « كذب عليَّ ، عليه لعنة اللّه ، و اللّه ما من خالق إلا اللّه وحده لا شريك له ، حقّ على اللّه أن يذيقنا الموت ، و الذي لا يهلك هو اللّه خالق و بارئ البرية » (2).
3 ـ منازل لم يدّعها أهل البيت عليهم السلام لأنفسهم : من غير التإلية و التفويض أظهر الغلاة كلاماً في منازل عجيبة لم يصدق منها شيء :
ـ فمن ذلك : قول بعضهم في جواب أمير المؤمنين عليه السلام : للنبيّ صلى الله عليه و آله حين أمره النبيّ صلى الله عليه و آله بأمر في خبر ماريّة ، فقال له : يا رسول اللّه ، أكون فيه كالسكّة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال له النبيّ صلى الله عليه و آله : « بل الشاهد يري ما لا
(1) رجال الكشّي 2 : 489 ح / 400.
(2) رجال الكشّي 2 : 488 ح / 398.
(120)
يري الغائب ».. فتأوّل هؤلاء كلمتي « الشاهد » و « الغائب » بأنّ هذا رمز من أمير المؤمنين بأنّه شاهد جميع الأشياء ، و أنّ الأمر له في الباطن و التدبير ، دون النبيّ صلى الله عليه و آله!!
و صف الشيخ المفيد أصحاب هذا القول بأنّهم الغلاة المنتحلين للزيغ (1).
ـ وقال اصحاب التناسخ : إنّ مقام النبوّة و مقام الإمامة استحقاق على اللّه تعالى! و أنكر ذلك جمهور الإمامية ، و قالوا : هو تفضّل من اللّه تعالى و معهم في هذا كافّة المعتزلة و أصحاب الحديث (2).
و في ردّ تلك المقالات كلّها و نظائرها نقف على قول الإمام الصادق عليه السلام : « لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا » (3).
4 ـ في مفاهيم العقيدية : لقد سخّر الغلاة كثيراً من القضايا العقيدتة في خدمة أهوائهم ، كما سخّروا التأويل و الباطن ، و كما استفادوا من العقيدة بالمهدى الموعود و غيبته ـ كما استفاد غيرهم أيضاً ـ حتّى صارت عشرات الفرق منهم تدّعي مهدياً و تقول بغيبته ! فواجه أهل البيت عليهم السلام ذلك كلّه ، فأثبتوا حجيّه ظواهر القرآن : في تفسير هم له ، و في أمرهم بعرض الحديث عليه فما وافقه فهو صحيح عنهم ، و ما خالفه بالتباين فهم منه براء.. و ركّزوا الحديث عن مهديّ أهل البيت عليهم السلام بما يكفي لبيان بطلان دعاوى اُولئك المنتحلين ، و ذلك ببيان سامه و نسبه الشريف.
(1) رسالة حول خبر مارية القبطية / الشيخ المفيد : 18 ( مصنفات الشيخ المفيد / م 3).
(2) أول المقالات / الشيخ المفيد : 64 / 35 ، 36 ( المصنفات / م 4).
(3) رجال الكشّي : ح / 400.
(121)
و لئن كان أهل البيت عليهم السلام لم يفتُروا عن مكافحة أسإليب خصومهم من اُمويين و عباسيّين و مر تزقة و جهّال و زنادقة ، فإنّ انشغالهم في مكافحة هؤلاء الغلاة المنتحلين حبّهم كان أكثر و أشدّ ، لأنّه أنشغال تصحبه معاناة الشعور بالخذلان و التقوّل و زرع المزيد من الفواصل بينهم و بين الناس! و من هنا بيّن الإمام الرضا عليه السلام حقيقة أخبار الغلو بقوله الشريف : « أنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام؛ أحدها : الغلوّ. و ثانيها : التقصير في أمرنا. و ثالثها : التصريح بمثالب أعدائنا » (1).
(1) عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق ـ باب 28 ـ ح / 63 ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ 1980م.