(101)
الإسلام بهذا النوع من الحديث ، الحديث الدال علي التشبيه و التجسيم ، كما في أحاديث كعب الأحبار الذي أكثر عنه أبو هريرة و نسب بعض أحاديثه إلى الرسول صلى الله عليه و آله ، كما نسب ذلك رواة حديثه الذين سمعوه يحدّث عن كعب مرّة و عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله مرّة ، فخلطوا و نسبوا بعض أحاديث كعب إلى الرسول ، فيكون التأثّر عن طريق متابعة أحاديث مدسوسة عن هذا أو عن غيره ، و هذا أرجح بكثير من التلقّي المباشر عن إليهود و النصارى.
     الطائفة الثانية :
     حملوا ما يتعلّق بصفات الباري تعالى على خلاف الظاهر ، إذا كان الظاهر مفضياً إلى التشبيه أو التجسيم.. و هم فريقان :
     الفريق الأول : قَطَعَ بأنّ المراد لا يمكن أن يكون صفات خارجية ، من قبيل الحلول و التحيّز و الأعضاء و الانفعال ، لكنّهم لم يدخلوا في البحث عن المراد منها ، بل قالوا : اللّه أعلم بما أراد ، و قد عرفنا بمقتضى العقل أنّ اللّه تعالى ليس كمثله شيء ، فلا يُشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها ، و قطعنا بذلك ، إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه ، مثل قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَي الْعَرْشِ اسْتَوَى) (1) ، و قوله تعالى : (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (2) ، و قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ) (3) إلى غير ذلك ، و لسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات و تأويلها ،
(1) سورة طه : 20 / 5.
(2) سورة ص : 38 / 75.
(3) سورة الفجر : 89 / 22.

(102)
بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له ، و ليس كمثله شيء ، و ذلك قد أثبتناه يقيناً (1). و عدّ الشهرستاني من هؤلاء : مالك بن أنس ، إذ قال : الاستواء معلوم ، و الكيفية مجهولة ، و الإيمان به واجب ، و السؤال عنه بدعة. كما عدّ منهم :
     أحمد بن حنبل و سفيان الثوري و داودبن علي (الظاهري) (2). والأصحّ أنّ كلام هؤلاء أقرب إلى الفرقة الثانية من الطائفة الاُولي؛ الحشوية و أصحاب الحديث الذين تقدّم التعريف بهم آنفاً ، فهو ، إجراء على الظاهر دون تكييف ، لكن هذا الفريق من الحشوية و أصحاب الحديث و « السلفية » قد تقدّم على اُولئك في التفسير و البيان و لم يلتزم و قولهم : « السؤال عنه بدعة » فتورّط في التشبيه.
     و إلى هذا أشار الشهرستاني نفسه (3).
     الفريق الثاني : قطعوا أيضاً بأنّ المراد لا يمكن أن يكون صفات خارجية ، ثمّ ذهبوا إلى ضرورة تأويل ما يتعلّق بالصفات إلى المعاني اللائقة بجلالة تعالى و الموافقة لما قطع به العقل و ثبت به التنزيل المحكم من أنّه تعالى شأنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (4) و (لَا تُدْرِِكُهُ الْأَبْصَارُ) (5) فهذه نصوص محكمة ليس فيها من التشابه شيء ، و قد قطع العقل بمعانيها ، فلا بدّ من ردّ المتشابهات إليها.
     فهم لأجل ذلك اعتمدوا المجاز في اللغة و أحالوا إليه كلّ ما يتعلّق بالصفات من المتشابه الذي لا يستقيم ظاهره مع تلك المحكمات التي قطع بها العقل أيضاً.
(1) اُنظر : الملل و النحل 1 : 84 (الصفاتية).
(2) الملل و النحل 1 : 85 ، 95.
(3) الملل و النحل : 84
(4) سورة الشورى : 42 / 11.
(5) سورة الأنعام : 6 / 103.

(103)
و على هذا المبدأ : جمهور « أهل السنّة و الجماعة » أتباع الأشعري ، والمعتزلة ، و أتباع أهل البيت عليهم السلام « الشيعة » ، غير أنّ الجماعات الثلاث اختلفت في ما بينها في مدى اعتماد التأويل ، على ثلاث مراتب :
     فكان الأشاعرة أقلّهم رجوعاً إلى التأويل ، لما اعتمدوه من الأخبار الواردة في الصفات ، فكأنّهم أجروا التأويل على القرآن دون الحديث! فما ورد فيه الحديث تمسّكوا بظاهره غالباً فجوّزوا رؤية العباد ربَّهم جلّ شأنه يوم القيامة ، رجوعاً إلى أخبار عندهم ، فلم يؤوّلوا قوله تعالى : (إ ِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (1).
     أمّا الآيات التي فيها الوجه و الأيدي و الأعضاء فقد أوّلوها باعتماد المجاز ، ولم يجروها على ظواهر ها المؤدّية إلى التشبيه (2) ، و وافقوا فيها الجماعتين الاُخريين.
     ـ أمّا المعتزلة فكانوا علي خلاف الأشاعرة ، إذ أطلقوا العنان للتأويل ، اعتماداً على : الدور الذي منحوه للعقل ، و منهجهم في الحديث الذي يقتصر علي قبول المتواتر فقط ، فيما اعتمد الأشاعرة أحاديث الآحاد التي لم ترد إلا من طرق رجالها متّهمون غالباً عند المعتزلة على الأقلّ..
     يقول البغدادي (من الأشاعرة) في الطعن علي أبي الهذيل العلّاف (من أئمّة المعتزلة) : و من فضائحه! قوله إنّ الحجّة من طريق الأخبار في ما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء عليهم السلام و في ما سواها لا تثبت بأقلّ من عشرين نفساً فيهم واحد من أهل الجنّة ، أو أكثر.. و لم يوجب بأخبار الكَفَرة و الفَسَقة حجّة
(1) سورة القيامة : 75 / 23.
(2) الفرق بين الفِرق : 90 ، و اُنظر هذه المواضع في سائر تفاسيرهم ، كتفسير الطبري و البغوي ، و الماوردي ، و الرازي ، و أبي حيّان وغيرهم.

(104)
و إن بلغوا عدد التواتر الذي لا يمكن معه تواطؤهم على الكذب ، إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنّة.. و زعم أنّ خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكماً.. و من فوق الأربعة إلى العشرين قد يصحّ وقوع العلم بخبرهم ، وقد لا يقع العلم بخبرهم (1).
     و من هذا يظهر أنّ القسم الأعظم من الأحاديث التي تتعلّق بهذا الباب و يعتمدها الأشاعرة فيتوقّفون عن التأويل بسيها ، هيس عند المعتزلة ساقطة الاعتبار ، مما وسّع من دائرة التأويل عندهم.
     و لقد نُسب ، إلى بعض المعتزلة في هذا الباب ما لا يمكن تصديقه ، كالذي نسبه الذهبي إلى عمرو بن عبيد من أنّه عُرض عليه حديث للنبي صلى الله عليه و آله فقال : لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذّبته ، و لو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته ، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته ، ولو سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول هذا لرددته!
ولو سمعتُ اللّه يقول هذا ، لقلتُ : ليس على هذا أخذت ميثاقنا (2). و الذهبي قد روى في عمرو بن عبيد حتّى الأشياء التافهة من أطياف الحانقين علي عمروبن عبيد و تعليقاتهم..و حتّي لو صحّ عنه ماتقدّم فغلطه الفاحش إنّما هو في ما وجّهه إلى الرسول و إلى اللّه تعالى ، و كان الصواب أن يقول إنّ مثل هذا لا يصحّ عن رسول اللّه البتة.. و نحن لا ندري ما هو هذا الحديث الذي عُرض عليه ، و لعلّ الذهبي نفسه قد استحيا من ذكره ، لعلّه من أحاديث المجسّمة أو موضوعات الجبرية المكذوبة على الرسول صلى الله عليه و آله!
     و مهما كان فالمعتزلة قدّموا العقل على الحديث ، بخلاف الأشاعرة ، و جعل
(1) الفرق بين الفِرق : 90.
(2) ميزان الاعتدال 3 : 278.

(105)
بعضهم العقل هو الأصل الأوّل ، و هو الأصل للكتاب و للسنّة ، و قد شذّ النظّام و أتباعه فأسقطوا السنّة بالكامل (1).
     و على هذا اتّسعت دائرة التأويل عند المعتزلة ، و لم يقفوا عند ما يدلّ على التحيّز و الانفعال ، بل تعدّوا ذلك حتّى إلى الصفات الثبوتيه ، كالعالم ، القادر ، الحي ، السميع ، البصير ، و قالوا : ليس لهذه الصفات معنى أكثر من الوصف ، و هو قول القائل بأنّ اللّه عالم ، قادر... و إنّه ليس هناك صفات على الحقيقة هي العلم و القدرة و الحياة.. و إنّما الصفات كلمات ملفوظة أو مكتوبة (2).
     و لأجل مقولتهم هذه عُرفوا بالمعطّلة لأنهم عطّلوا جميع الصفات حتّى الثبوتية منها.
     و أوّل من قال بهذا : الجهم بن صفوان ، و تابعه و اصل بن عطاء مؤسّس هذه الفرقة « المعتزلة » ـ فأصبح المعطّلة كلّهم ينتسبون إلى الجهم بن صفوان ، فيقال : « الجهيمة » كما يقال : « المعطّلة ».
     و عقيدتهم بأنّ الصفات كلمات ملفوظة نتج عنها اعتقادهم بأنّ اللّه تعالى كان في الأزل بلا صفة و لا اسم من أسمائه و صفاته العليا ، إذ ليس هناك ألفاظ و كلمات في الأزل ، لأنّ اللّه تعالى لا يجوز أن يصف نفسه في الأزل.. من هنا أصبح كلامه تعالى مخلوقاً له كسائر المخلوقات.. و من هنا ظهرت مقولة « أنّ القرآن مخلوق » التي دار حولها نزاع كثير جرّ إلى سفك دماءٍ كثيرةٍ و تعذيبٍ
(1) راجع : أصول العقيدة بين المعتزلة و الشيعة الإمامية / د. عائشة يوسف المناعي : 84 ـ 93 ، و في كلام الدكتورة نظر ، إذ لا يمكن نسبة النظام إلى الإسلام بحال فيما لو حُكم بإسقاط السنّة مطلقاً.
(2) اُصول العقيدة بين المعتزلة و الشيعة الإمامية : 146.

(106)
و افتتان ، ظهر في « المعتزلة » في مظهر « مفتّشي العقائد » بلا مسوّغ من شرع و لا عقل ، فظهر منهم ظلم كثير على مدى حكومة المأمون و المعتصم و الواثق.
     ـ الجماعة الثالثة : اتّبعت في ذلك منهجاً وسطاً يقول :
     « ما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتمَّ به واستضىء بنور هدايته.. و ما كلَّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه ، و لا في سنّة النبي صلى الله عليه و آله و أئمّةِ الهدى أثَرُه ، فكِلْ علمهُ إلى اللّه سبحانه » (1).
     فهناك في القرآن الكريم محكمات يُستضاء بنورها و يؤتمّ بها ، و في سنّة النبي صلى الله عليه و آله و أئمّة الهدى بيان صدق لا تشوبه شائبة و فيه تمام الهدى ، و ليس وراء ذلك شيء إلا إيكال العلم إلى اللّه تعالى.
     و رأي هذه الجماعة في التوحيد : « إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب : مذهب إثبات بتشبيه ، و مذهب النفي ، و مذهب إثبات بلا تشبيه.. فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز.. و مذهب النفي لا يجوز.. و الطريق في المذهب الثالث : إثبات بلا تشبيه » (2) إذن لا تعطيل ، إنّما هو إثبات و لكن بلا تشبيه.
     و يقول الإمام علي عليه السلام : « ما وحَدَّه من كيّفه.. و لا إيّاه عنى من شبّهه » (3) في نفي التكييف التشبيه.
     و يقول عليه السلام : « لا يجري عليه السكون و الحركة.. و لا يوصَف بشيء من الأجزاء و لا الجوارح و الأعضاء.. و لا يقال له حّدّ.. و لا أنّ الأشياء تحويه.. أو أنّ
(1) نهج البلاغة : 124 / خ 91.
(2) التوحيد / الشيخ الصدوق : باب 6/ ح 10.
(3) نهج البلاغة : 124 / خ 91.

(107)
شيئاً يحمله » (1) فهو ردّ صريح على من يُجري أخبار الصفات و آياتها على ظواهرها و على الحقيقة دون المجاز.
     و على خطى هذا المنهج سار من اهتدى بهذا الهدي ، هدي الكتاب و السنّة ، فأثبتوا المحكمات اُصولاً للعقيدة ، و عمدوا إلى المتشابهات فردّوها إلى اُصولها المحكمة ، و اتّبعوا فيها سنّة النبي صلي الله عليه و آله و بيانات أئمّة الهدى من آله عليهم السلام.. فقالوا إذن بوجود المجاز في اللغة و اعتمدوه في إرجاع المتشابه إلى المحكم ، فعملوا بالتأويل في هذه الحدود مقتفين الأثر الصادق الذي وجدوه كلّه منسجماً مع المحكم ، رادّاً المتشابه إليه ، فنفوا كلّ ما يدلّ على التشبيه و التجسيم ، ثمّ أثبتوا له تعالى الصفات الثبوتية ، على أنها صفات قائمة بذاته ، و ليست هي أشياء منفصلة عنه زائدة عليه كما زعمت الأشاعرة.
     كما نفوا جواز الرؤية التي أثبتها الأشاعرة في الآخرة ، عملاً بقوله تعالى : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (2) و رجوعاً إلى أحاديث أهل البيت عليهم السلام القاطعة بهذا المعنى ، و تأكيداً بالبرهان العقلي و أدلّته المانعة لإحكام الرؤية (3).
     الطائفة الثالثة :
     الذين اتخذوا السكوت عمّا يتعلّق في الصفات ، و هم فريقان :
     الأول : يقول بجواز كون المراد منها هو الظاهر اللائق بجلال اللّه تعالى ، كما
(1) نهج البلاغة : 124 / خ 91.
(2) سورة الأنعام : 6 / 103.
(3) راجع : التوحيد / أبو جعفر الصدوق : باب 8 ، ابن المطّهر الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 281 ـ 301 ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ـ 1979 م.

(108)
يجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر كما يذهب أصحاب التأويل ، ولكن لا يقول أنّ المراد هذا أو ذاك.
     قال ابن تيمية : هذه طريقة كثير من الفقهاء و غيرهم (1). فهي ليست مقولة لفرقة من الفرق بل مذهباً لأشخاص بأعيانهم.
     و الثاني : أمسك عن الكلام فيها بالكلية ، و لا يزيد على تلاوة القرآن و قراءة الحديث.. و هؤلاء أيضاً لا يشكّلون فرقة ، بل أفراد لم تهتِد قلوبهم إلى الحقيقة ، فآثروا السكوت على الخوض بما نهى عنه الشرع المقدّس.
(1) مجموع الفتاوي 5 : 116.
(109)
الفصل الرابع
دور التطّرف الديني في تكوين بعض المذاهب و الفرق
     من أخطر المشكلات التي تعرض لها الفكر الديني هي مشكلة تطّرف أتباعه في تفسير معانيه و في تطبيق أحكامه ، فيتجاوزون الضوابط الثابتة في تفسير نصوصه و مفرداته ، و الحدود المعلومة في تطبيق أحكامه.
     هذا التطّرف هو الذي سماّه الدين « غلوّاً » و هو يقابل التقصير في معرفة الدين و تطبيق أحكامه.
     و الغلوّ إنّما تصاب به النفوس الوالهة المتعلّقة بشيء من الدين غير أنّها لم تكن تفقه روح الدين ، و لم تتذوّق معانيه ، و لا أدركت مقاصده و أهدافه الكبرى ، و لا قرأت القرآن الكريم كلّه قراءةً واعيةً و على مستوىً واحد من الاهتمام ، و لا تذوّقت جمال القرآن و لا وقفت عند خطابه اللاذع للمغإلىن ، و لا لفت انتباهها اُسلوب القرآن الحكيم في سدّ جميع منافذ الغلوّ.. فبعد أن فقدت كلّ هذا جنحت مع أهوائها فجاوزت الحدّ في معشوقها ، و كثيراً ما وقعت في تإليهه بشكل سافر ، أو على درجة أقلّ من ذلك.
     و منذ أقدم مراحل التاريخ البشري ، و قبل نوح عليه السلام ، بلغ الغلوّ بالناس أن عبدوا سَلَفهم الصالح و اتّخذوهم آلهةً من دون اللّه ، فلمّا دعاهم نوح عليه السلام إلى التوحيد قالوا : (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لَا سُوَاعاً وَ لَا يَغُوثَ
(110)
وَ يَغُوقَ وَ نَسْراً) (1) ! و هذه الأسماء (ودٌّ) و (يغوث) و (سواع) و (يعوق) و (نَسْر) إنّما هي أسماء عباد صالحين كانوا قبلهم بأجيال فكانوا يعظّمونهم ، و يزداد التعظيم جيلاً بعد جيل حتى بلغ الأمر أن أتخذوا لهم تماثيل بأسمائهم ليعبدوا! (2).
     و ظهر الغلوّ عند أتباع الديانتين إليهودية و المسيحية ، و بلغ بالنصاري أن ألَّهوا عيسي بن مريم عليه السلام ، قالوا : ابن اللّه! و قالوا : ثالث ثلاثة! كلّ ذلك من فرط حبّ ٍ معه جهالة ، و نزعة و ثنية في اتّخاذ الوسائط إلى اللّه تعالى و التوجّه إليها بالعبادة ولو عن طريق مجاوزة الحدّ في تعظيمها و إضفاء الصفات الإلهية عليها ، من قبيل الخالقية و الرازقية و الإحاطة علماً و قدرةً ، فقالت النصارى إنّ المسيح يصنع المعجزات بقدرته الذاتيه و ليس بإذن اللّه!
     وجاء الإسلام فكان أكثر دقّةً في تشخيص الغلوّ و سدّ الأبواب دونه ، فكان القرآن يخاطب الأنبياء مخاطبة العبيد الفقراء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً و لا ضرّاً ، و يعاتبهم و ينذرهم إنذار من لم يكن له مع اللّه عهد ، كلّ ذلك ليصرف أفئدة المؤمنين و أرواحهم من مسالك الغلوّ.. فيتلو علينا نبأ آدم عليه السلام ، فيقول :
     ( وَ لقَدْ عَهـِدْنَا إ ِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجـِدْ لَهُ عَزْماً)! (3).
(1) سورة نوح : 71 / 23.
(2) اُنظر : تفسير القمّي 2 : 387 ، و تفسير الطبري م 14 ج 29 : 98 ـ 99 ، و تفسير الزمخشري 4 : 619 ، و مجمع البيان 10 : 547 ، تفسير البغوي 4 : 399 ـ دار الفكر ـ بيروت ـ 1405 هـ ، و تفسير البرهان / البحراني 4 : 388 ـ مؤسسة البعثة ـ قم ـ 1416 هـ ، و غيرها.
(3) سورة طه : 20 / 115.

(111)
و يخاطب داود عليه السلام فيقول : (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بـِالْحَقّ ِ...) (1) و بعد هذا ، بعد أن يخبر عن خلافته للّه تعالى في الأرض ، لا بالغَلَبة ، و لا بالشورى ، و لكن بجعل من اللّه تعالى ، يقول على الفور : (وَ لَا تَتّـِبـِع الْهَوَى فَيُضِلِّكَ عَنْ سَبـِيْل ِ اللّهِ إ ِنَّ الَّذِيْنَ يَضِلُّوْنَ عَنْ سَبـِيْل ِ اللّهِ إ ِنَّ الَّذِيْنَ يَضِلُّوْنَ عَنْ سَبـِيْل ِ اللّه لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌ بـِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)! (2).
     و يخاطب سيد البشر و خاتم النبييّن بما يغلق أمام الناس بعده كلّ منافذ الغلوّ لو أنّهم يعقلون ، فيقول : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَي إلىيَّ أَنَّمَا إ ِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (3).. و هو قادر أن يقول : « قل أنا بشر » و يتمّ المعنى ، و لكن هذا التأكيد ثمّ الحصر بـ « إنّما » ثمّ التمثيل بـ « مثلكم » أبلغ تعبير في تثبيت المعنى و قطع كل الطرق أمام الشبهات و الجهالات.
     و إلى أكثر من هذا ذهب النبي صلى الله عليه و آله ، فأكّد أنّ الغلوّ لا ينحصر بعبادة البشر ، بل هو حاصل حتّي في التشدّد و التطرّف بالعبادات ، فما جاوز فيها السنّة فهو غلوّ... حدّث الفضل بن العباس ، فقال : قال لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله غداة يوم النحر : « هات فالتقط لي حصىً » فلقطت له حُصيّات مثل حصى الخذف ، فوضعهنّ في يده فقال : « بأمثال هؤلاء ، بأمثال هؤلاء ، و إيّاكم و الغلوّ ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين » ! (4)
(1) سورة ص : 38 / 26.
(2) سورة ص : 38 / 26.
(3) سورة الكهف : 18 / 110.
(4) الطبقات الكبرى/ ابن سعد 2 : 180 ـ 181 ، السنن الكبري / البيهقي 5 : 127 ، السيرة النبوية / ابن كثير 4 : 371.