(81)
مرتبته إلى المرتبة الرابعة (1).
     و على هذا القول الأخير تكون « المرجئة » التسمية الأسبق لـ : « أهل السنّة و الجماعة » و هو بهذا المعنى تعبير تامّ عن الواقع التاريخي للخلافة.
     لكنّ الذي يثار هنا أنّ هذه التسمية سيكون مصدرها عندئذٍ القائلون بتقديم عليّ عليه السلام ، و هذه التسمية إن لم تظهر في أيّامه ، فقد كان بعده أهل بيته و أنصاره مضطهدين سياسياً و إعلامياً و اجتماعياً ، فهل كان موقعهم ذاك يؤهّلهم لإطلاق هذه التسمية على خصمهم المتنفّذ القاهر حتّى تغلب عليه؟!
     و يكفي في الجواب على هذا الإيراد : التعريف الذي أورده الأشعري ، فهو مطابق لما قاله الشهرستاني في شمول لقب « المرجئة » للقائلين بتأخير الإمام عليّ ، لكن ليس التأخير هذا هو مصدر التسمية ، إنّما كان مصدرها « عقيدتهم في تولّي المختلفين جميعاً ، و زعمهم أنّ أهل القبلة كلّهم مؤمنون ، و رجوا لهم جميعاً المغفرة » (2). إذن رجاؤهم المغفرة للجميع هو مصدر تسميتهم.
     لكن أحمد بن حمدان الرازي قد نبّه إلى خطأ لم يتنبّه له سابقه ، فعدّ إرجاع
(1) الملل و النحل 1 : 125 ، و من الغريب جدّاً أنّ الاستاذ محمّد عمارة ينسب هذا القول إلى كتاب (الكافي) للكليني ، فيقول : و في الكافي نصّ هامّ يشهد لهذا التفسير يقول : « و قد تُطلق المرجئة على من أخّر أمير المؤمنين عليّاً عن مرتبته » و النصّ الهامّ هذا كما علم الأستاذ هو في هامش الكافي (1 : 169) و ليس في الكافي و الهامش ، كما لا يخفى على أحد هو ليس لصاحب الكافي بل هو للمحقّق ، و قد اخذه الأخير من كتب الفِرق ، فكيف ينسب إلى الكافي؟! و لكن صنع الأستاذ هذا لغرض سيأتي ذكره.
(2) المقالات و الفِرق / الأشعري : 5 ـ 6 ـ ط 3 ـ 1981 م.

(82)
لفظ « المرجئة » إلى الرجاء من الكلام العامّي! لإنّ الرجاء من رجا يرجو فهو راج ٍ ، و أمّا المرجئ ، فهو من أرجأ يرجئ فهو مرجئ. فصوّب النسبة إلى التأخير بكلا وجيهه المذكورين ، إمّا من قولهم في أصحاب الذنوب « نرجئ أمرهم إلى اللّه » و إمّا من تأخير هم العمل عن الإيمان. قال : و لكن هذا صحيح من حيث اللغة فقط ، أمّا من حيث التأويل فالأمر مختلف.
     و له هنا نقاش جميل ، خلاصته : أنّه إذا الزمهم لقب المرجئة لإرجاء أمرهم إلى اللّه ، فإنّ هذا القول قد قال به قوم من المعتزلة و قوم مالوا إلى التشيّع فإذن لزم هؤلاء جميعاً اسم الإرجاء.. لكن لا تعرف الأُمّة أحداً يقال له هذا شيعي مرجئ!
     و أمّا القول بلزوم لقب الإرجاء لقولهم « الإيمان قول بلا عمل » فهو خطأ ، لأنّهم بقولهم هذا قد اسقطوا العمل و لم يؤخّروا رتبته عن الإيمان ، و إنّما يقال أرجأت الشيء : إذا أخّرته ، و لا يقال أرجأته بمعنى أسقطته.
     ثمّ ينتهي إلى اختيار أنّ الإرجاء لقب لزم كلّ من فضّل أبابكر و عمر على عليّ ، كما أنّ التشيّع قد لزم كلّ من فضّل عليّاً على أبي بكر و عمر.. قال :
و يقال إنّ أوّل ما وُضع اسم الارجاء و ظهر و شاع لمّا افترق أصحاب عليّ بعد الحكمين فصار الناس ثلاث فرق : فرقة مع عليّ سُمّوا « الشيعة » فظهر اسم التشيّع ظهوراً شائعاً ، و فرقة خرجت عليه فسمّوا « المارقة » و ظهر هذا اللقب عليهم ، و فرقة كانوا مع معاوية فسمّوا « المرجئة » و ظهر اللقب عليهم و اُعلن إعلاناً.
     ثم قال : هذا ما يتعارفه الناس بينهم ظاهراً و اتّفقت عليه الأُمّة.. فكثيراً ما يقال : مرجئ قدري ، شيعي قدري.. لكن لم نَر أحداً يقال له هذا مرجئ شيعي ، أو مرجئ رافضي ، هذا محال جدّاً.


(83)
و يؤكّد اختياره بما رواه من شعر لشاعر قال إنّه مشهور و من رواة الحديث اسمه محارب بن دثار ، يقول فيه :
يعيبُ عليَّ أقوامٌ شفاهاَ و إرجائي أبا حسنٍ صواب و ليس عليَّ في « الإرجاء » بأسٌ بأنْ اُرجي أبا حسنٍ عليّا عل القطرين برّاً أو شقيّا و لا شينٌ و لست أخاف شيّا
     ثمّ نقل بعد هذه الأبيات أبياتاً أخرى للسيد الحميري ، تثبت هذا المعنى ، يقول فيها :
     خليليّ لا ترجيا و اعلما بأنَّ الهدي غير ما تزعمانِ
فإرجاء ذي الشك بعد إليقين ضلال أزيلاهما عنكما أيُرجى عليٌّ إمام الهدي و يُرجى ابن هند و احزابه و يُرجي الأُلى نصروا نعثلاً وضعف البصيرة بعد البيانِ فبئست لعمركما الخصلتانِ و عثمان ، ما اعتدل المرجيانِ و هوج الخوارج بالنهروانِ بأعلى الخريبةِ و السامرانِ
     ثمّ قال : فهذا يصحّح أنّ الإرجاء هو تأخير عليّ و تقديم أبي بكر (1).
     و هذا أجمل و أقوي ما أورده القدامى و المحدثون ، و له تاييد في قول أبي خلف الأشعري ، و قول الشهرستاني ، فهما يتّفقان على أنّ حقيقة الإرجاء الأولى إنّما هي تاخير رتبة عليّ عليه السلام عن حقّها و تقديم أبي بكر و عمر و عثمان عليه..
فالمرجئة ـ على هذا ـ هم الطائفة التي لقّبت نفسها فيما بعد بلقب « الجماعة »
(1) كتاب الزينة / أحمد بن حمدان الرازي ، أبو حاتم : 263 ـ 266 ـ ملحق بكتاب الغلو و الفرق الغإلىة للدكتور عبداللّه سلّوم السامرائي ـ دار واسط للنشر ـ بغداد ـ 1982 م.
(84)
و « أهل السنّة »..
     و ممّا يدلّ على أسبقية اسم المرجئة لهم ما ذكره أبو حاتم الرازي نفسه بعد نقله لشعر السيد الحميري بقوله : « و سمعت من يذكر ان النبي صلى الله عليه و آله انما شبّه المرجئة بإليهود.. ». و الراجح أنّه من الأحاديث التي ظهرت بعد ظهور هذه الفرق.
     ثمّ لما صارت الغلبة لأهل الإرجاء بزعامة ابن أبي سفيان أطلق علي المرجئة اسم « الجماعة » ! فيما احتلّ الإرجاء موقعاً آخر حين أصبح يعبّر فقط عن الموقف من مرتكب الكبيرة!
     و هذا منسجم جداً مع قانون أثر الغلبة في اختيار الأسماء و ترويجها.
     فلمّا ظهر التفسير الثاني للإرجاء ، أصبح مقابلاً للوعيد و ليس مقابلاً للتشيّع! فأصبح الوعيدية ـ المعتزلة ـ يطلقونه علي من خالفهم في الوعيد و لم يقطع بتخليد مرتكب الكبيرة بالنار ، كما نقله عنهم الشهرستانى و هذا هو الذي يفسّر لنا نسبة الإرجاء إلى الحسن بن محمّد بن الحنيفة ، إذ عدّه بعضهم أوّل من تكلّم بالإرجاء و كتب به إلى الأمصار. فهو إن صحّ عنه ذلك يكون قد تكلّم بالإرجاء الأخير في مرتكب الكبيرة ، و ليس بالإرجاء بمعناه الحقيقي الأوّل. و هذا ما اختاره الشيخ أبو زهرة ، و فيه تفنيد للرأي الذي يستدل من نسبة الحسن إلى الإرجاء على أنّه كان يقول بتفضيل أبي بكر و عمر و عثمان علي علىّ عليه السلام (1) !
     و من الناحية الجامعة للأثرين : السياسي و العقيدي ، يتمّ تقسيم المرجئة
(1) و هو اختيار الدكتور محمّد عمارة.
(85)
إلى طائفتين : الأولى هي طائفة السلطة الاُموية ، و هي التي عُرفت بالمرجئة الخالصة ، و أهل الإرجاء المحض.. و الثانية بقيت على الإيمان بالإمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و استوعبت باقي أقسام المرجئة من جبرية و قدرية و غيرهم.
     مبدأ ظهور الإرجاء؟
     من تمحيص الآراء المتضاربة يتحقّق أنّ أقدم ظهور للإرجاء ، بمعناه المشهور في الفصل بين الإيمان و العمل ، إنّما كان عند معاوية بن أبي سفيان و أصحابه ، ذلك إذا فسّرت أقواله على أساس الإيمان بإلىوم الآخر ، و لم تفسّر بحسب الظاهر الموحي أحياناً و الصريح أحياناً اُخرى بالاستخفاف بإلىوم الآخر و بالحساب!
     فبمَ يُفسَّر قوله للأنصار ، و قد قالوا له : لقد أخبرنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله بما لقينا ، فقد قال لنا :
     « ستلقون بعدي أثَرة » قال معاوية : بماذا أوصاكم؟ قالوا : قال لنا :
     « فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض » فقال لهم معاوية : فاصبروا إذن!! (1)
     بمَ يفسَّر هذا الكلام إن لم يكن هو الاستخفاف بوعد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و باللقاء و بالحساب؟! فلئن عدنا إلى حساب الإيمان ، فإنّ معاوية أوّل من أظهر الاعتقاد بأنّ الإيمان لا يضرّ معه ذنب و معصية ، فتمادى في المعاصي غير مكترث بشيء ، فلمّا قيل له : حاربتَ من تَعلمّ ! و ارتكبتَ ما تعلم!! قال : و ثقت بقول اللّه : (إِنًّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعَاً) (2) !!
(1) النصائح الكافية : 125 عن ابن عبدالبرّ.
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 325 ـ دار إحياء الكتب العربية ـ مصر ، الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية / محمّد عمارة : 174 ، والآية من سورة الزمر : 39 / 53.

(86)
و الإرجاء الذي قال به معاوية و عمرو بن العاص و من ناصر الدولة الاُموية هو الذي عرّفوه بالإرجاء الخالص أو « المحض » رغم أنّ معاوية و أصحابه كانوا يعتقدون بالجبر أيضاً ، لكنّ هنا فريقين يقولان بالإرجاء و الجبر معاً أحدهما فريق السلطة الاُموية ، و الآخر فريق ثائر على السلطة ، فعرّفوا هذا بالجبري و ذلك بالمحض تمييزاً بينهما (1)
     إنما قال هؤلاء بالإرجاء ليبرّروا للسلطة عَبَثَها بأحكام الدين ، و لعبها بكتاب اللّه و سنّة نبيّه ، و استباحتها لحرمات المؤمنين و استبدادها بحقوقهم ، فهم مع كلّ ذلك مؤمنون لا يضرّ بإيمانهم شيء ، و لا ينقص في إيمانهم عمل ، و ليس أحد في هذه الاُمّة بأزيد منهم إيماناً!
     و أصبح هذا القول في ظلّ السلطان ـ عقيدةً ، يُنظّر لها رجال تبنّوها و دافعوا عنها ، كان أبرزهم : يونس بن عون النميري ، و عبيد المكتئب ، و غسّان الكوفي ، و أبو ثوبان المرجئ ، و بشر المَريسي (2).
     و هؤلاء ـ القائلون بأنّه لا يضرّ مع الإيمان ذنب ، و الذين قالوا بإرجاء أمر مرتكب الكبيرة إلى اللّه تعالى ـ « هؤلاء يتلاقون إلى حدٍّ كبير مع طائفة كبيرة من جمهور العلماء السنّيين ، بل إنّه عند التمحيص يتبيّن أنّ آراءَهم هي آراء الجمهور » (3) ! « و كانت آراؤهم تتّفق تماماً مع رجال البلاط الاُمويّ و من يلوذ به ، بحيث لا يستطيع أحد من الشيعيّين أو الخوارج أن يعيش بينهم ، في الوقت الذي تمكّن فيه المسيحيون و غير هم من غير المسلمين أن ينالوا الحظوة لديهم
(1) الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية / محمّد عمارة : 174.
(2) اُنظر : الفرق بين الفِرق : 151 ـ 153 ، الملل و النحل 1 : 125 ـ 128.
(3) المذاهب الإسلامية / محمّد أبو زهرة : 199 ، و اُنظر : تاريخ الإسلام / حسن إبراهيم حسن 1 : 417.

(87)
و يشغلوا المناصب العإلىة » (1) و ربّما كان أوّلهم سرجون النصراني ، كاتب معاوية و أمين سرّه!
     ـ الإرجاء الثوري (2). لما كان ذلك الإرجاء قد صيغ لحماية السلطة و الدفع عنها ، فمن الطبيعي أن يضيق نطاقه و يتّسع و فقاً لمصلحة السلطة ، فالسلطة حين تتعامل مع خصومها لا يمكن أن تتعامل معهم وفق عقيدتي الإرجاء و الجبر اللتين أظهرتهما ، لأنّ خصومها ـ وفق العقيدة الجبرية ـ سيكونون معذورين لأنّهم لم يصنعوا شيئاً من الخلاف إلا بقضاء و قدر لا يملكون إزاءه خياراً!!
     و وفق عقيدة الإرجاء ليس للسلطة أن تقيم عليهم حدّ العاصي الخارج عن الإسلام لأن الإيمان لا تضرّ معه معصية !! و هنا ستقع السلطة بالتناقض الفاضح..
     هذا التناقض قد خلق لها أعداءً من شركائها في الإرجاء أو في الجبر و الإرجاء معاً ، حين وقف هؤلاء الشركاء مع عقائدهم لا مع مصلحة السلطة و سخريتها بالناس.
     فحصل بسبب ذلك التناقض أن قامت الحروب بين شركاء العقيدة.. فأظهر غيلان الدمشقي عقيدته بفساد بني اُمية ، و قد يكون ذلك بباعث من اعتقاده بالقَدَر ، الذي يُلقى عليهم بكامل تبعات أفعالهم ، فكان أيّام عمر بن عبد العزيز ،
(1)تاريخ الإسلام / حسن إبراهيم حسن 1 : 417 و 418 ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة ـ 1964 م.
(2) للدكتور محمد عمارة بحث مهم في هذا القسم لكنّ الأدلّة التي اعتمدها لا تعينه على ما أراد لو اُخضعت للتحقيق. اُنظر : الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية : 169 ـ 172.

(88)
و بعد أن أظهر تراجعاً عنالقول بالقدر ـ كما تقدّم ـ استعان به عمر بن عبدالعزيز ، فقال له : اجعلني على بيع الخزائن ـ خزائن ملوك بني اُميّة الماضين ـ وردّ المظالم ، فكان يبيع تلك الخزائن و هو ينادي عليها : تعالوا إلى متاع الظلمة ، تعالوا إلى من خَلَفَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله في اُمّته بغير سنّته و سيرته (1) !
     أمّا زعيم « المرجئة الجبرية » الجهم بن صفوان ، فقد خاض حرباً على ولاة الاُمويين ، فكان داعية الحارث بن سُريج في خراسان سنة 128 هـ حتّى اُسِر و قُتل (2).
     و إذا صحّت نسبة سعيد بن جبير و أبي حنيفة إلى المرجئة ، فهما من هذا الصنف الثوري ، فقد كان سعيد بن جبير في طليعة القرّاء الذين ثاروا على بني اُميّة أيّام عبدالملك ، و أبو حنيفة قد أفتي بنصرة زيد الشهيد و جعل خروجه علي هشام كخروج رسول اللّه صلي الله عليه و آله على المشركين يوم بدر ، ثمّ ناصر محمّد النفس الزكية و أخاه إبراهيم علي العباسييّن.
     أعلام نُسِبوا إلى الإرجاء :
     1 ـ الحسن بن محمّد بن الحنيفة : عدّه البعض أوّل من وضع الإرجاء ، و عنه أخذه الناس ، ثمّ صاروا بعد إلى تلك الأقسام.. لكن الإرجاء الذي نسبوه إليه ليس كإرجاء هذه المرجئة التي أخّرت العمل و قالت إنّه لا يضرّ مع الإيمان معصية ، فهو لم يؤخّر العمل عن الإيمان ، لكنّه حكم بأنّ صاحب الكبيرة لا يكفّر ، إذ الطاعات ليس من الإيمان حتي يزول الإيمان بزوالها.. و كان يكتب
(1) المذاهب الإسلامية : 188 ـ 189.
(2) تاريخ الطبري 7 : 330.

(89)
بذلك إلى الإمصار (1).
     و لقد حمّل الاُستاذ محمّد عمارة هذا القدر فوق ما يحتمل وفق منهجه الذي تشخّصَ في ثوابته اقتناص كلّ ما يمكن تسخيره و لو قسراً في مهاجمة أنصار عليّ عليه السلام! فأراد أن يستفيد من هذا أنّ الحفيد قد اراد بهذا القول تفضيل أبي بكر و عمر على عليّ والدفاع عن خلافتهما!! و أمّا برهانه الوحيد على هذا التفسير فهو أغرب بكثير من التفسير نفسه ، فهو يقول : « و في الكافي نصّ هامّ يشهد لهذا التفسير ، يقول : وقد تطلق المرجئة على من أخّر عليّاً عن مرتبته » (2). قاله بهذا الحماس الظاهر و هو يعلم أنّ هذا الكلام إنّما هو في هامش الكافي ، و قد أشار بنفسه إلى هامش الكافي ، فهل غاب عنه أنّ هو امش الكافي ليست من الكافي و لا تصحّ نسبتها إليه ، و إنّما هي من وضع محقّقه المعاصر الشيخ الغفاري الذي أعدّها باعتماد مصادر اُخرى؟!
     أما حقيقة القول في نسبة الإرجاء إلى الحسن بن محمّد ، فقد تقدّمت آنفاً ، وسيأتي ذكرها ثانية في هذه الفقرة الآتية..
     2 ـ أبو حنيفة : هو الآخر منسوب إلى الإرجاء ، لكن ليس هو الإرجاء الاُموي ، لأنّ أبا حنيفة قد أفتى بوجوب محاربة الاُمويين مع زيد الشهيد و أمدّه بالأموال ، كما أفتى بوجوب محاربة العباسيين مع محمّد النفس الزكية و أخيه إبراهيم.. إنّما نُسب إليه مثل ما نُسب إلى الحسن بن محمّد بن الحنفية ، قال : الإيمان هو التصديق بالقلب و هو لا يزيد و لا ينقص.. و استنكر الشهرستاني أن يُنسب
(1) الملل و النحل 1 : 128 ، الخطط 2ك 350.
(2) الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية : 168 ـ 169.

(90)
إلى أبي حنيفة القول بتأخير العمل.
     قال الشهرستاني : هناك وجه آخر لنسبته إلى الإرجاء ، و هو أنّه كان يخالف القدرية و المعتزلة الذين ظهروا في الصدر ألأوّل ، و كانوا يُلقِّبون كلّ من خالفهم في القدر مرجئاً (1).. فهذا بعينه منطبق على الحسن بن محمّد بن الحنفية ، و على آخرين ، مثل : سعيد بن جبير ، و حماد بن أبي سليمان ، و مقاتل بن سليمان و غيرهم ، لأنّهم لم يكفّروا أصحاب الكبائر و لم يحكموا بتخليدهم في النار (2).
(1) الملل و النحل 1 : 127؛ و اُنظر : تعليق على (مقالات الإسلاميين) للأشعري/ محمّد محيي الدين عبدالحميد 1 : 202 ـ 203.
(2) اُنظر : المذاهب الإسلامية : 205.