(61)
للخلافة : فاعقتدوا بخلافة أبي بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ علي ، و اعتقدوا أنّ الخلافة شورى و انتخاب..
     لكنّ المبدأ الآخر ، و هو أساسي لديهم مميّز لهم عن سواهم ، و هو الاعتقاد بكفر مرتكب الكبيرة ، قد ترك أثره على الصياغة الاُولى مع المحافظة على ترتيبها ، فبقي الإيمان بترتيب الخلفاء كما هو ، لكن قسموا حكومة عثمان إلى نصفين فآمنوا بالأول و كفروا بالثاني و تبرّأوا من عثمان في السنين الستّ الأخيرة من خلافته ، و كذا فعلوا مع خلافة عليّ عليه السلام فآمنوا بأوّلها و كفروا بآخرها منذ التحكيم ، و من الكبائر عندهم عدم البراءة من عثمان و علي في السنين الأخيرة من حكمهما ، و مثل هذا الذنب يستحلّون به الدماء و الأموال!
     ـ ثمّ أحدثوا مقولة جديدة في الخلافة ، تقضي بجوازها لكلّ مؤمن قادر على القيام بأعبائها و لا تشترط فيه القرشية.
     و الصحيح أنّ الذي ألجأهم إلى هذا الاعتقاد ، هو عدم وجود قرشي في رجالهم ، مع قلّة عددهم بالنسبة إلى غيرهم ، و سلوكهم نهج المواجهة بالسيف ، فاحتاجوا لأجل ذلك إلى نظم شديد و دقيق لأمرهم و لجماعتهم ، فلو التزموا قاعدة « الأئمّة من قريش » لتبدّدوا وضاع أمرهم قبل أن يجتمعوا على قرشيّ يقوم بأعباء منهجهم.. فهذا الذي دعاهم إلى نقض شرط القرشية في الخلافة ، و ليس هو « التطبيق الأوّل لروح فلسفة الإسلام في هذا المقام » كما صوّره الدكتور محمّد عمارة (1) رغبةً في تدعيم النهج « الديمقراطي » في الحكم ، و الذي كان يركّز عليه بشكل بيّن ، و لأجله حضي « المارقون » بعطفه ، و نال « المعتزلة »
(1) الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية : 142.
(62)
المرتبة الاُولى في اهتمامه.. و إلا فلقد جمع الأستاذ نفسه في مقدّمة الموضع المشار إليه من بحثه المادّة الكافية في تحصيل الجواب الصحيح لتمرّد « المارقين » عن شرط القرشية ، إذ وضع جدولاً بأسماء زعماء هذه الفرقة ، فأحصى ثمانية عشر زعيماً لهم على الترتيب ، ليس فيهم قرشي واحد ، و قد التفت إلي ذلك فقال : فهم جميعاً ما بين عربيّ غير قرشي ، و ما بين مولى من الموالي اشترك في البيعة له « بإمرة المؤمنين » العرب و الموالي علي حدّ ٍ سواء!
     والذي ينبغي أن يُلتَفت إليه أنّهم لو وجدوا قرشياً يسندون أمرهم إليه لما خفيت عليهم المصلحة في تسويده آنذاك ، و لسار إلى البيعة له العرب منهم و الموالي علي حدّ ٍ سواء.. ألا تري أنّ منهم من أجاز البقاء بلا إمام ، و قالوا : إنّ إقامة الإمام ليست واجبة بإيجاب الشرع ، بل جائزة ، و إذا وجبت فإنّما تجب بحكم المصلحة والحاجة؟! هذا قول النجدات منهم (1).
     فهل انتزعوا هذا من روح فلسفة الحكم في الإسلام؟ أم أملاه عليهم واقعهم ، إذ كانوا قليلين خائفين متفرّقين في البلاد لا يستطيعون أن يجتمعوا على إمام لهم إلا حين يجدون في أنفسهم قوّة على القتال ، أو يرغمون عليه إرغاماً حين تبدأهم السلطة بالقتال ! فذلك هو الذي ألجأهم إلى التهرّب من وجوب نصب الإمام و الانتظام في جماعة.
     و صريح في هذا قول الإباضية : « الإمامة واجبة حفظاً للدين ، و إذا بلغ عددهم نصف عدد مخالفيهم وجب عليهم نصب الإمامة الإباضية ، و إلا
(1) المذاهب الإسلامية : 106.
(63)
فأولى الاُمور الكتمان » ! (1) فذلك كلّه راجع إلى تقديرهم للمصلحة ، لا غير!
     مرحلة الانقسامات : عاود هؤلاء نشاطهم الحربي بعد انتظام الملك لمعاوية ، و كانت لهم في العهد الاُموي حروب عديدة طاحنة كادت تفني وجودهم ، فتضعضع أمرهم بسبب ذلك كثيراً.
     وزاد في تشتيت أمرهم وقوع الاختلاف الكثير في ما بينهم ، في مسائل كثيرة ألحّت عليهم حين أصبحوا يواجهون مباشرة مشاكل المجتمع المعقّد سياسياً و فكرياً ، فاختلفت إجاباتهم عليها و مواقفهم إزاءها فتفرّقوا على ذلك فرقاً ، اختلف فيها أصحاب تواريخ الفرق كثيراً (2) ، إنّما بقي يجمعهم تحت عنوان رئيسي واحد جملة من عقائد المحكّمة الاولى؛ كالبراءة من أصحاب الكبائر ، و تجويز الإمامة لغير القرشي ، و أنّ الإمامة بالانتخاب ، و إذا زاغ الإمام وجب عزله أو قتله.
     أمّا أهمّ هذه الأقسام و أكثرها أثراً في التاريخ ، فهي ثلاثة :
     1 ـ الأزارقة : أتباع نافع بن الأزارق الحنفي ـ من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذّاب ـ و هو صاحب الأسئلة المعروفة في غريب القرآن التي أجابه عليها ابن
(1) الإباضية مذهب إسلامي معتدل / علي يحيي بن معمر : 25 ـ 26 (ط 2) بواسطة د. أحمد جلي / الخوارج و الشيعة : 97 ـ 98 ـ مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية ـ ط 2ـ 1408 هـ.
(2) اُنظر : مقالات الإسلاميين / الأشعري : 1/163 ـ 191 ـ ط 2 ـ 1405 هـ ، الملل و النحل / الشهرستاني 1 : 105 ـ 124.

(64)
عباس رضي عنه الله (1) ، و كان لهؤلاء حروب شديدة مع الاُموييّن في البصرة وبلاد فارس ، حتّى فَنوا على يد المهلّب بن أبي صفرة في زمن عبدالملك بن مروان (2).
     2 ـ النجدات : أصحاب نجدة بن عامر الحنفي ـ من قوم مسيلمة أيضاً ـ و قد تمكّنوا في عزّقوّتهم من الاستيلاء على البحرين و حضرموت و اليمن و الطائف..
     و أساس الافتراق بينهم و بين الأزارقة كان خلافهم في « التقيّة » و « القعود عن القتال ». فقال نافع : التقية لا تحلّ ، والقعود عن القتال كفر. فخالفهُ نجدة ، و قال : التقية جائزة ، و القعود عن القتال جائز ، و الجهاد إذا أمكنه أفضل. فانترقا على ذلك ، فسمّي النجدات « العاذرية » لأنهم عذروا القاعد عن القتال لعذر. ثمّ قال النجدات بعدم وجوب نصب الإمام إلا إذا اقتضت المصلحة ، تمشّياً مع حالهم في التقية التي آمنوا بها (3).
     3 ـ الإباضيّة : و هي الفرقة الباقية اليوم من بين سائر فرقهم الاُخرى. لذا رأينا التفصيل في أخبارها أكثر :
     تاريخ تسميتهم بالإباضية : نسبتة إلى عبداللّه بن إباض ـ بكسر الهمزة أو بفتحها ـ و لم يكونوا في تاريخهم المبكّر يستعملون هذه التسمية بل كانوا يسمّون أنفسهم : « جماعة المسلمين » و « أهل الدعوة » و لم تظهر التسمية بالإباضية في مؤلّفاتهم إلا بعد ثلاثة قرون تقريباً (4).
(1) الاتقان في علوم القرآن / السيوطي 2 : 56 ـ 88 ـ المكتبة المصرية ـ بيروت ـ 1988 م.
(2) اُنظر : الكامل في التاريخ 4 : 443.
(3) اُنظر : الملل و النحل 1 : 112.
(4) الإمام أبو عبيدة التميمي و فقهه / مبارك بن عبداللّه بن حامد الراشدي : 146 ـ

(65)
     قال الراشدي ـ و هو محقّق إباضي ـ : لكنّ طغيان هذا اللقب عليهم جاء من خصومهم الاُمويين و من جرى مجراهم.. فارتضوه لأنّهم لم يجدوا عيباً فيه ، بعكس كلمة « الخوارج » و إنْ أطلقها ـ أي كلمة الخوارج ـ المؤرّخون الإباضيون القدامى على أنفسهم في بادئ الأمر ، فإنّهم يعنون الخروج على الجور و هو الخروج في سبيل اللّه ، و يرادف الشراء عندهم (1).
     و قال السيابي : هذه التسمية جاءتنا من مخالفينا ، فقبلناها غير متبرّمين منها (2).
     النشأة والتكوين : ينفي الإباضيّون صحّة نسبتهم إلي ابن إباض ، و يعدّونه واحداً من رؤسائهم فقط ، أما مبادئهم التي ميّزتهم فقد كانت قبل ابن إباض ، فقد أعلنها أولاً ابو بلال ، مرداس بن حدير ، و هو أحد المحكّمة الاُولى و ممّن نجا من أصحاب النهروان ، و انفصل عن المارقة في البصرة ، قائلاً : « و اللّه إنّ الصبر علي هذا ـ يعني الظلم الاُموي ـ لعظيم.. و إنّ تجريد السيوف و إخافة السبيل لعظيم.. و لكنّنا ننتبذ عنهم ، و لا نجرّد سيفاً ، و لا نقاتل إلا مَن قاتَلنا » (3).
147 ـ ط 1 ـ 1413 هـ ، و اُنظر : الإباضية عقيدة و مذهباً / د. صابر طعيمة : 46 ـ دارالجيل ـ بيروت ـ 1406 هـ فقد نقل مثل هذا عن المؤرّخ الإباضي علي يحيي بن معمر في كتابه / الإباضية بين الفرق الإسلامية : 354 ـ مكتبة وهبة ـ القاهرة ـ ط 1 ـ 1976 م.
(1) الإمام أبو عبيدة التميمي و فقهه / الراشدي : 147 ـ 148.
(2) الفكر السياسي عند الإباضية / عدّون جهلان : 36 ـ مكتبة الضامري ـ ط 2 ـ سلطنة عمان ـ 1411 هـ.
(3) مصدر سابق / الراشدي : 589 ، الكامل / المبرّد 2 : 202 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1989 م.

(66)
و هذا هو المبدأ الذي ميّز هذه الطائفة عن غيرها من المارقة ، و هو الذي حفظ لها وجودها و بقاءها.
     و قد روي عن أبي بلال اعتقاده هذا قبل انفصاله ، فحين بلغه أنّ قريب الأزدي و زحّاف الطائي يخيفان السبيل و يقتلان من صادفهما ، قال : « قُريب ، لا قرّبه اللّه! و زحّاف ، لا عفا اللّه عنه! ركباها عشواء مظلمة » (1).
     و كان أصحاب مرداس أربعين رجلاً ، قتلوا جميعاً قبل ظهور ابن إباض ، فيكون ابن إباض هوالرجل الذي جدّد هذه الدعوة ، فنسبت إليه.
     ـ أمّا مرجعهم في الفقه و الاُصول و العقيدة فإلى جابر بن زيد بن أبي الشعثاء الإزدي (2) ، و هو تابعيّ ، خرّج أحاديثه البخاري و مسلم و أصحاب السنن الأربعة ، و اتّفقوا على توثيقه ، و صرّح يحيي بن معين بنسبته إلى الإباضية ، لكن المزّي ذكر رواية تنسب إليه القول بالبراءة منهم؛ قيل له : إن هؤلاء القوم ـ الإباضية ـ ينتحلونك. فقال : أبرأ إلى اللّه منهم! (3)
     ـ أمّا مصدرهم المعتمد في السنن و الأحكام ، فهو : مسند الربيع بن حبيب الأزدي البصري ، و يسمّونه « الجامع الصحيح » و يعتقدون بصحّة كلّ ما فيه سواء كان مسنداً أو مرسلاً ، و هو عندهم أصحّ كتاب بعد القرآن العزيز (4).
(1) الكامل / المبرّد 2 : 198 ـ 199.
(2) الإمام أبو عبيدة وفقهه / الراشدي : 148 ، الفكر السياسي عند الإباضية / عدّون جهلان : 32 ـ 33.
(3) اُنظر ترجمته في : تهذيب الكمال 4 : 436 ، تهذيب التهذيب 2 : 34.
(4) الجامع الصحيح / عبداللّه بن حمد السالمي ـ المقدمة / التنبيه الأول : 2ـ مكتبة مسقط ـ ط 1 ـ 1415 هـ.

(67)
و قد ضمّ المسند أكثر قليلاً من ألف حديث (1) ، و معظم هذا المسند هو من رواية جابر بن زيد عن ابن عباس ، و فيه أحد عشر حديثاً و مسألة عن عليّ عليه السلام.
     الانتشار : كان لهذا المذهب انتشار مبكّر في عُمان ، تأثّراً بجابر بن زيد صاحب المسند الجامع ، كنا انتقل هذا المذهب من البصرة إلى المغرب العربي بواسطة سلمة بن سعد في سنة 100 هـ ، في نفس الوقت الذي انتقلت فيه مقولة الصفرية ـ إحدى فرق المارقة ـ إلى هناك بواسطة عكرمة مولى ابن عبّاس.
     و من هنا فقد ظهرت لديهم أحاديث عجيبة في فضل البربر و أهل عمان؛ فجبريل يوصي النبي صلى الله عليه و آله بتقوى اللّه و بالبربر! و علي و ابن مسعود يُكثران الوصاية بهم و يفسّران غير واحدةٍ من آي القرآن فيهم ، كقوله تعالى : (فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْم ٍ يُحِبُّهُمْ وَ) (2) و قوله تعالى : (إِنْ تَتَوِلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (3) فهم البربر!
     و قد سئل شيخهم المعاصر عن هذه الأحاديث ، فقال : الأحاديث التي وردت في فضائل أهل عمان و في فضل عمان ذاتها أخرجها مسلم في صحيحه! و أمّا التي ذكرها أبو زكريّا في البربر فلا يُعلَم صحّتها من عدمها ، أمّا الجامع
(1) ينتهي تسلسل أحاديثه برقم 1005 ، لكن كثيراً من الأرقام قد وضع وراءها أكثر من حديث واحد مختلفة سنداً و متناً كما في الرقم (788) و (792) و (805) و غيرها.
(2) سورة المائدة : 5/ 54.
(3) سورة محمّد : 47 / 38.

(68)
الصحيح فليس فيه شيء لا في عمان و أهلها ، و لا في البربر! (1)
     المبادئ : المبادئ التي ميزّتهم عن سائر طوائف المارقين ، هي :
     أ ـ استنكارهم الحكم على دار الإسلام كلّها بأنّها دار حرب ، و قولهم بأنّها دار توحيد ، إلا معسكر السلطان فإنّه دار بغي.
     ب ـ تحريمهم قتال مخالفيهم و سبيهم في السرّ غيلةً ، إلا بعد نصب القتال و إقامة الحجّة.
     ج ـ الحكم على مخالفيهم من المسلمين بأنّهم كفّار نعمة ، لا كفّار في الاعتقاد و لا مشركين.. و قال المعاصرون منهم : إن لفظ (كفّار نعمة) يطلقه الإباضيون حتّى على العصاة منهم ، دون تمييز بين أبناء جماعتهم و بين مخالفيهم.
     د ـ إنّهم يعاملون مخالفيهم في القتال معاملة الفئة الباغية ، فلا يستحلّون شيئاً من أموالهم كغنيمة (2).
     هـ ـ في موقفهم من الإمام علي عليه السلام و من عثمان اختلفوا كثيراً عن غيرهم ، فقالوا : « إنّ ممّا يميّز الإباضيّة : حبّهم لأبي بكر و عمر ، و كفّ ألسنتهم عن عثمان وعليّ لما ألمّا به من الفتن و تقلّب الأحوال ، و قبولهم عمر بن عبدالعزيز ، و تركهم ما سواه من بني اُميّة و إعراضهم عنهم و عن بني العبّاس » (3). و نسبوا هذا القول
(1) الإمام أبو عبيدة التميمي وفقهه / الراشدي : 335.
(2) راجع في ذلك كلّه : الملل و النحل 1 : 121 ، المذاهب الإسلامية : 127.
(3) أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج / سالم بن حمود السمائلي : 29 ـ القاهرة ـ 1979 م ، فصل الخطاب في المسألة و الجواب / خلفان بن جميل السيابي : 20ـ 21 , 37 ـ وزارة التراث القومي و الثقافة ـ سلطنة عمان ـ 1404 هـ.

(69)
إلى سَلَفهم الأوّل ، كأبي عبيدة التميمي و شيخه جابر بن زيد (1).
     و قد استنكروا على بني اُميّة شتمهم أمير المؤمنين و السبطين عليهم السلام و عدّوه من بدعهم في الدين ، و نقلوا عن أسلافهم أنّهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم لئلّا يسمعوا هذا الشتّم في خطب الاُموييّن (2). وزادوا على ذلك أنّ أصحابهم هم الذين طلبوا من عمر بن عبدالعزيز ترك ذلك و النهي عنه ، ففعل! (3)
     و أجاب السيابي عن سؤال في الحسن والحسين عليهم السلام ، فقال : « أمّا الحسن و الحسين فهما سبطا رسول اللّه صلي الله عليه و آله و ريحانتاه ، و هو يُحبّهما ، ووردت فيهما أحاديث ، أمّا الأحداث التي جرت بين الصحابة فكلّهم مجتهد و ملتمس للحقّ ـ فيذكر المتقدّمين الذين شهدوا الأحداث فحكموا بما شهدوا ، ثمّ يقول ـ أمّا اليوم فلسنا نحن مثلهم و لا علمنا في ذلك كعلمهم ، و لا نقلّد ديننا الرجال ، و ما كلّفنا اللّه التنقيب و التفتيش عن عيوب الناس و عن حال من مضي (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ لَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (4).
و ما مضى قبلك لو بساعة دعه فليس البحث عنه طاعة » (5)

فهذا أثر واضح للتحرّر نسبيّاً من قيد التقليد ، و لقد جاوز الإباضية التقليد الأعمى في عهد مبكّر ، كما هو ظاهر جدّاً عند ابن سلام الإباضي المتوفّى بعد سنة
(1) الفكر السياسي عند الإباضية : 76.
(2) بدء الإسلام و شرائع الدين / ابن سلّام الإباضي : 99 ، 1406 هـ ، الإمام أبو عبيدة وفقهه : 90.
(3) الإمام أبو عبيدة وفقهه : 152.
(4) سورة البقرة : 2/ 134.
(5) فصل الخطاب في المسألة و الجواب : 20.

(70)
273 هـ في كتابه (بدء الإسلام و شرائع الدين) (1).
     و قال شيخهم المعاصر أحمد الخليلي يصف ما كتبه الإباضية في هذا الشأن بأنّه « يتّسم بالأدب و الحشمة و تعظيم مقام الإمام عليّ و احترام قرابته من النبيّ صلى الله عليه و آله حتّى في مقام العتاب » (2).
     و هذه ظاهرة يجدها الباحث في غالب كتبهم ، و قد شذَّ عنها بعضهم ، لا سيّما محمّد بن سعيد الأزدي القلها ني الإباضي ، من أعلام القرن الحادي عشر الهجري ، في كتابه (الفرق الإسلامية من خلال الكشف و البيان) (3).
     من عقائدهم في الصفات : إنّ أغلب عقائدهم في الصفات مطابق للثابت عن أهل البيت عليهم السلام ، و هذه أهم أركانها :
     أ ـ تنزيه اللّه تعالى ، بنفي التشبيه و التعطيل و التجسيم ، خلافاً للحشوية ، و المجسّمة ، والجهمية المعطّلة.
     ب ـ نفي رؤية العباد لربّهم تعالى شأنه ، في الدنيا و في الآخرة ، خلافاً للأشعرية والحشوية.
     جـ ـ القول أنّ صفات اللّه عين ذاته ، و ليست بزائدة عليها ، خلافأً للأشعرية والحشوية (4).
     و لأجل هذه العقائد و صفهم بعض المؤرّخين بأنّهم (معتزلة) في العقائد ،
(1) شارك في تحقيقه : فيرنر شفارتس ، والشيخ الإباضي سالم بن يعقوب ، طبع سنة 1406 هـ ، 1986 م.
(2) الفكر السياسي عند الإباضية : 76.
(3) طبع في تونس عام 1984 بتحقيق محمّد بن عبدالجليل.
(4) الفكر السياسي عند الإباضية : 68 ـ 72.