(41)
و إلى دينه أو أخلاقه أو عقله.. خطب الوليد بن عبد الملك يوم بويع له بالخلافة ، فقال : (أيّها الناس ، عليكم بالطاعة ، و لزوم الجماعة ، فإنّ الشيطان مع الواحد! أيّها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، و من سكت مات بدائه) (1) !
هذه هي فلسفة الطاعة و الجماعة عندهم ، والتي بقيت تميّز أهلها عن غيرهم ممّن لا يعتقد بالولاء لحكام الجور و الفساد..
أمّا ما يدّعيه البعض من أنّ (الجماعة) مأخوذة من متابعة إجماع الصحابة و إجماع السَّلَف ، فإنّما هي دعوى لا يسندها لاواقع بشيء ، فأي أمر هذا الذي أجمع عليه السَّلَف ثمّ تميّزت به هذه الطائفة عن غيرها من الطوائف؟! لكنّ المشكلة تكمن في أنّهم اختزلوا مساحة (السَّلَف) لتشمل فقط القائلين بإمامة كلّ متغلّب و حرمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حين يراه (الأمير) فساداً!
فمن هنا كان السَّلَف في هذه القضية إنّما هو عبدالله بن عمر في رأيه الشاذ! و مرّة اُخرى يكون ابن عمر هو السَّلَف حين يقول بالتفضيل بين الصحابة بحسب الترتيب الذي فرضه الواقع التاريخي و ناصره الاُمويّون (2) ! و هكذا مع سائر القضايا التي تميّزوا بها.. و هيهات أن تجد قضيّةً أجمع عليها علماء السلف و صالحيهم ثمّ تمسّكت بها هذه الفرقة دون غيرها! أمّا العكس فأمثلته كثيرة ، في العقيدة و في الفقه معاً : فحين كان إجماع الصحابة علي أنّ الصحابي لا يُقطع
(1) البداية و النهاية 9 : 85.
(2) اُنظر : مناقب الامام أحمد بن حنبل / أبو الفرج ابن الجوزي : 228 ـ دار هجر ـ الجيزة ـ 1988 م.
(42)
بعدالته ، بل قد يُتّهم بالكذب و الغش و الخيانة و الزنا ، و يعزّر و يقام عليه الحدّ ، و تردّ أحايثه ، و يكذَّب عليها ، لا يختلفون في ذلك كلّه قيد شعرة و تاريخهم ثابت فيه ، و عليه سائر المسلمين.. خالف فيه أهل (الجماعة) و قالوا بعدالة الصحابي ، ذلك المبدأ الذي روّج له الاُمويّون ، و كان من أحسن ما نفعهم من مبادئ ابتدعوها!
و لما كان إجماع الصحابة وعلماء الطبقة الاُولى من التابعين على تسطيح القبور ، و قال به كثير من المسلمين ، خالف فيه (أهل السنّة والجماعة) لحديث سفيان التّمار ، و هو من رجال العهد الاُموي ، لم يدرك أحداً من الصحابة بل حدّث عن التابعين من طبقة محمّد بن الحنفية و سعيد بن جبير و عكرمة (1) ، فهو أوّل من روى تسنيم القبور ، فقال البيهقي في التوفيق بين حديث سفيان و الأحاديث المتقدّمة عليه الصريحة بالتسطيح ، ما نصّه : (فكأنّه ـ أي قبر النبي صلي الله عليه و آله ـ غُيّر عما كان عليه شفى القديم! فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبدالملك و قيل في زمن عمر بن عبدالعزيز ، ثمّ اُصلح) فالتسنيم إذن اُمويّ الميلاد ، أمّا علّته فهي في آخر كلام البيهقي إذ واصل يقول : (و حديث القاسم بن محمّد ـ في التسطيح ـ أصحّ و أولى أن يكون محفوظاً ، إلا أنّ بعض أهل العلم من أصحابنا استحبّ التسنيم في هذا الزمان لكونه جائزاً بالإجماع ، و أنّ التسطيح صار شعاراً لأهل البدع) (2) ! و أهل البدع هنا مصطلح جامع لمن لم يخضع للولاء
(1) اُنظر : تهذيب الكمال / المزّي : 143 ـ 144 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1985 م.
(2) السنن الكبرى / البيهقي 4 : 3 ـ 4 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1991 م.
(43)
الاُموي معقتداً صحّته ، و في طليعتهم الاُمّة المتمسّكة بالولاء لآل رسول الله صلي الله عليه و آله ، و الذين تميّزوا باسم (الشيعة) و أطلق عليهم التاريخ لقب الرافضة! تُرى كيف أصبحت السنّة الصحيحة شعاراً لأهل البدع دون ( أهل السنّة و الجماعة ) ؟!
و مثل ذلك يقال مع صيغة الصلاة على النبي صلي الله عليه و آله إذا ذُكر, فقد أصبحت الصلاة المسنونة شعاراً (لأهل الجماعة) تأثّراً بالنزعة الاُمويه.. و أمثلة هذا الباب كثيرة تصلح وحدها موضوعاً لدراسة مستقلّة.
ـ أما لفظ ( السنّة) فلم يظهر مقروناً بلفظ ( الجماعة) في بادئ الأمر ، و إن كان ظهوره بمفرده أوّلاً في العهد الاُموي أيضاً للتمييز بين المنتظمين في سلك (الجماعة) و بين الآخرين الذين ما زالوا يؤمنون بقداسة الدين التي تأبي أن يكون رجال بني اُمية هؤلاء زعماء له ناطقين باسمه ، فإذا قيل ( أهل السنّة) فإنّما يرادبهم أهل الطاعة و (الجماعة) أنفسهم ، و أما الآخرون فهم أهل البدَع.. و لعلّ أوّل ظهور لهذا التقسيم هو الذي جاء في حديث ابن سيرين ـ المتوفّى سنة 110 هـ ـ القائل : (كانوا لا يسألون عن الإسناد حتّى وقعت الفتنة ، فلمّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، ليُحدِّث حديث أهل السنّة و يُترك حديث أهل البدعة) (1).
و ابن سيرين هذا لم يكن له ذكر في القرّاء الذين نهضوا على الحجّاج سنة
(1) صحيح مسلم ـ المقدّمة ـ باب 5 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1978 م ، الكفاية في علم الرواية/ الخطيب البغدادي : 122 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1988 م ، و اُنظر : أهل السنّة و الجماعة معالم الانطلاقة الكبري : 59.
(44)
82 هـ (1).. و قد ذكروا في ترجمته بأنه كان لا يعبيب علي السلاطين شيئاً رغم ابتعاده عنهم (2) فمن هم أهل البدع عنده؟
لقد وجدناه يقول في معاوية بن أبي سفيان : « كان معاوية لا يُتَّهم في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله » (3). فهل كان معاوية في من يُستثني من أهل البدع ، أم أنّه عنده من أهل السنّة؟
إنّ الميزان الذي وضعوه لتمييز البدعة من السنّة هو الواقع التاريخي للخلافة و الثقافة التي أفرزها ، فلم يكن لعنُ عليّ و الحسن و الحسين عليهم السلام و البراءة منهم بدعة, لكن تفضيل عليّ علي عثمان وحده بدعةً!!
فليس معاوية وحده مستثنى ، بل عقيدته هذه كلّها ليست ممّا يخدش في السنّة! و غداً سوف يأتي » خليفة « آخر أشدّ عداءً لآل رسول اللّه صلي الله عليه و آله من معاوية فلا يمنع ذلك من أن يسمّي » ناصر السنّة « ذلك هو المتوكّل العباسي.. قيل فيه ذلك لأنّه وضع حدّاً للمعتزلة الذين كانوا يمتحنون الناس على القول بخلق القرآن ، و نَصر الإمام أحمد بن حنبل و أفرج عنه و انتصر لعقيدته ، فكان أحمد قد سُمّي » إمام السنة « لصبره علي تلك المحنة (4) ، و قالوا في المتوكّل : أظهر السنّة و تكلّم بها في مجلسه و كتب إلى الآفاق برفع المحنة و بسط السنّة و نصر أهلها.. (5)
(1) اُنظر : تاريخ خليفة بن خياط : 221 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1993 م.
(2) سير أعلام النبلاء / الذهبي 4 : 615 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1985 م.
(3) سير أعلام النبلاء 4 : 612.
(4) أهل السنّة و الجماعة معالم الانطلاقة الكبرى : 57 عن ابن تيمية في (منهاج السنّة).
(5) تاريخ خليفة بن خياط : 478 ، سير أعلام النبلاء 12 : 31.
(45)
و هو الذي أحيا السنّة و أمات التجهّم (1).. و ذلك رغم قولهم فيه : كان فيه نَصبُ ظاهر و انهماك على اللذات و المكاره (2) !!
و كان شديد البغض لعليّ عليه السلام و لأهل بيته ، يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّا هم بأخذ المال و الدم ، و كان من جملة ندمائه عبادة المخنّث ، يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة و يكشف رأسه ، و هو أصلع ، و يرقص بين يدي المتوكّل ، و المغنّون يغنّون : » قد أقبل الأصلع البطلين ـ خليفة المسلمين « يحكي بذلك عليّاً عليه السلام ، و المتوكّل يشرب و يضحك..
و كان يُبغض من تقدّمه من الخلفاء ـ المأمون ، و المعتصم ، و الواثق ـ في محبة عليّ و أهل بيته ، و إنّما كان ينادمه و يجالسه جماعة قد اشتهروا بالنّصب و البغض لعلي ، منهم : علي بن الجهم الشاعر الشامي ، و أبو السِّمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موإلى بني اُميّة و بان اُترجّة العباسي الهاشمي (3).. و هدم قبر الحسين عليه السلام و هدم ما حوله من المنازل و أمر أن تُحرث و تزرع ، و منع الناس من إتيانها (4) ! صحيح أنّ هذا الفعل لم يكن مرضياً لديهم ، بل وصفه بعضهم بأنّه السيئة التي غطّت علي جميع حسنات المتوكّل (5) ، لكن هذا الصنع كلّه لم يُخرج
(1) شذرات الذهب / ابن العماد الحنبلي م 1 ـ ج 2 : 114 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1988 م.
(2) شذرات الذهب م 1 ـ ج 2 : 114 ، سير أعلام النبلاء 12 : 35.
(3) الكامل في التاريخ 7 : 55 ـ 56.
(4) المنتظم / ابن الجوزي 11 : 237 ـ دارالكتب العلمية ـ بيرت ـ 1992 م ، الكامل في التاريخ 7 : 55 ، سير أعلام النبلاء 12 : 35 ، البداية و النهاية 10 : 347.
(5) الكامل في التاريخ 7 : 56.
(46)
المتوكّل من أهل السنّة إلى أهل البدعة!!
تاريخ التمييز بين « أهل السنّة » و « أهل البدعة »
ـ سئل » إمام السنّة « أحمدبن حنبل في من قدّم عليّاً على عثمان في الفضل ، فأجاب : » هذا أهلُ أن يُبدَّع « (1).
ـ وسأله المتوكّل عن أشخاص من أهل العلم ، مَن منهم يصلح للقضاء؟
فكتب إليه فيهم فرداً فرداً ، ثمّ ختم كتابه بقوله : » إنّ أهل البدع و الأهواء لا ينبغي أن يُستعان بهم في شيء من اُمور المسلمين ، فإنّ في ذلك أعظم الضرر على الدين ، مع ما عليه رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من التمسّك بالسنّة و المخالفة لأهل البدع « (2) ! فما زال المتوكّل مع ما عليه من النصب و مجالس السخرية بالإمام علي عليه السلام ، ما زال متمسّكاً بالسنّة ، مخالفاً لأهل البدع!
ـ و ما زال أحمد بن حنبل يوثّق أشدّ الناس نصباً و تمادياً في شتم عليّ و أهل البيت ، و يطريهم أحسن الإطراء ، و لنا في « حريز بن عثمان وحده » دلالة كافية ، هذا الذي كان يستعيض عن ذكر الله بشتم الإمام عليّ ، يقول فيه أحمد بن حنبل « ثقة ، ثقة ، ثقة » و هو في الوقت نفسه يقول : « كان يحمل على عليّ » (3) !!
ـ أمّا القسم الآخر من » أهل البدعة « فهم » الجهمية « المعطّلة الذين عطّلوا الصفات و قالوا بخلق القرآن.
(1) مناقب الإمام أحمد بن حنبل : 218.
(2) مناقب الإمام أحمد بن حنبل : 252.
(3) اُنظر : تهذيب الكمال 5 : 568/ 1175 ترجمة حريز بن عثمان.
(47)
كيف أظهر المتوكّل السنّة و نَشَرَ الحديث؟
تحت مثل هذا العنوان كتب ابن الجوزي : أنّ المتوكّل أشخص الفقهاء و المحدّثين ، و كان فيهم : مصعب الزبيري ، و إسحاق بن أبي إسرائيل ، و إبراهيم بن عبدالله الهروي ، و عبدالله و عثمان ابنا محمّد بن أبي شيبة و كانا من حفّاظ الناس ، فقُسمت بينهم الجوائز ، و اُجريت عليهم الأرزاق ، و أمرهم المتوكّل أن يجلسوا للناس و أن يحدّثوا بالأحاديث التي فيها الرّد على المعتزلة و الجهمية ، و أن يُحدّثوا بالأحاديث في الرؤية (1)..
و مثل هذه الأجواء سوف تفتح باباً فسيحاً للكذب و وضع الحديث ، كالذي حدث في فضائل الصحابة زمن معاوية, فوضعت أحاديث كثيرة في الصفات تفيد التجسيم ، و في الرؤية ، و في قِدَم القرآن ممّا ليس له أصل في الإسلام ، و لم يُعرَف قبل هذا التاريخ (2).
و في هذه الأجواء نشطت عقيدتا « التشبيه » و « التجسيم » المنحرفتان ، إفراطاً في ردّ عقيدة « التعطيل » المنحرفة الاُخرى التي تعزّزت في عهودِ ثلاثة من الحكام العباسيين تعاقبوا على الحكم؛ المأمون ، و المعتصم, و الواثق ، و كان لهذه العقائد المنحرفة ظهور قبل هذا التاريخ.
ـ إلى هنا يبدو أنّ لقب « أهل السنّة » كان له ظهور فعلي في هذه المرحلة بالذات ، مرحلة أحمد بن حنبل و المتوكّل ، في خضمّ الصراع الفكري حول
(1) المنتظم 11 : 207.
(2) اُنظر : العلل المتناهية 1 : 20 ـ 41 ، اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة / السيوطي 1 : 3ـ 33 ـ دارالمعرفة ـ بيروت ـ 1983 م.
(48)
العقيدة في الصفات و قضية القرآن؛ أهو قديم أم حادث مخلوق للّه تعالى! ذلك الصراع الذي كان مصحوباً بالعنف في أكثر مراحله.
و في الوقت ذاته كان له ظهور أكثر من قبل في الصراع الدائر حول قضية الإمامة و الخلافة و التفاضل بين الصحابة و الموقف من النزاعات الواقعة بينهم ، و تعود الزيادة في الظهور إزاء هذا الموضوع لتطّور حركة التنظير فيه ، و تراكم الآراء المتلاحقة ، دون أن يحدث تغيير في المتبنّيات الأساسية.
و قد تقدّم الحديث عن لقب « الجماعة ».. أمّا اجتماع الشطرين في التسمية بـ : « أهل السنّة و الجماعة » فلم يثبت بالتحديد أول ظهور له ، لكنّه على الأقل لم يكن ظاهراً حتى هذه المرحلة التي نحن بصددها.
متى اعترف « أهل السنّة » بخلافة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام؟
لا شكّ أنّه ليس كلّ من صوّب خلافة أبي بكر و عمر و عثمان قد أسلم دينه لمعاوية ، يُثبت منه ما يشاء كيف يشاء و يمحو ما يشاء! بل كثير منهم لعنوه ، و كثير منهم قد تبرّأوا منه ، و ما أكثر من خطّأه و أدرك حجم الفساد الذي أدخله على هذا الدين و ألقاه على كاهل هذه الاُمّة.
و استمرّ هذا الوعي فيهم في جميع الأعصار ، و لعلّه في عصرنا الحاضر أشدّ تألّقاً و أكثر أنصاراً.. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ أعصار الصراع الطائفي تغذّي العصبية ، فتذهب بكلّ قولٍ أو موقفٍ تبدو عليه بصمات الاعتدال و الموضوعية ، ليظهر فقط ما يغذّي العصبية و هي في أوج حاجتها إليه ، فتبرز المواقف الشاذّة و غير المسؤولة ، و حتّي الجبانة و الذليلة ، ليشتدّ التمسك بها ، و يُتّخذ أصحابها » سَلفاً « أولى أن يُقتدى به دون غيره.. و في مزدحم العصبيات تغلّب على « أهل
(49)
السنّة و الجماعة » الرأي الشاذّ الذي لا يعترف بخلافة الإمام عليّ عليه السلام ، و دان به حتّي أهل العلم و الفقه و الحديث منهم ، حتّى ثبّتها أحمد بن حنبل ، لكن بقيت في زمنه محلّ نزاع إلى أن استقرّت كما ثبّتها ، وفق الترتيب التاريخي ، الذي جعله مقياساً للتفاضل بينهم أيضاً!
ـ قيل لسفينة مولى رسول اللًه صلى الله عليه و آله : إنّ هؤلاء يزعمون أنّ علياً عليه السلام لم يكن بخليفة! قال : كذبتْ أستاه بني الزرقاء ! يعني بني مروان (1).
ـ و أوّل من حذف اسم علي من الخلفاء هو معاوية حين كان يخطب فيذكر أبا بكر و عمر و عثمان ثمّ يتحدّث عن نفسه و سياسته و لا يذكر عليّاً عليه السلام ، بل يذكره في آخر خطبته بالشتم و السبّ و اللعن!
و مضي بنو اُميّة على ذلك في جميع أحوالهم ، في السرّ و العلن ، حتّى رُوي عن سليمان بن عبدالملك أنّه نظر في المرآة أيّام خلافته فأعجبه شبابه ، فقال : « كان محمّد صلي الله عليه و آله نبيّاً ، و كان أبو بكر صدّيقاً ، و كان عمر فاروقاً و كان عثمان حييّاً ، و كان معاوية حليماً و كان يزيد صبوراً » فيقفز من عثمان إلى معاوية فيزيد حتّى يبلغ ذكر نفسه فيقول : و أنا الملك الشابّ (2). فحتّى في مثل هذه الأحاديث لا يذكرون عليّاً عليه السلام بالخلافة!
ـ و دخلت رؤيتهم هذه في الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ صلى الله عليه و آله!! كحديث رؤيا الميزان الذي يزن فيه النبي صلى الله عليه و آله و أبو بكر فير جح النبي صلى الله عليه و آله ، و يزن أبوبكر و عمر فيرجح أبوبكر ، و يزن عمر و عثمان ، ثمّ يرتفع الميزان!!
(1) سنن أبي داود ح / 4646.
(2) اُنظر الحديث في مسند أحمد 5 : 44, 50 ـ عالم الفكر ـ بيروت.
(50)
و عزّز ذلك كلّه الحديث الموقوف على ابن عمر في التفضيل الذي يقول إنّهم كانوا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله يفاضلون فيقولون : أبوبكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ يسكتون فلا يذكرون أحداً بعدهم!! و العلّة كلّها أنّ الذي جاء بعد عثمان في الخلافة عليّ ، و لو كان الزبير أو سعداً أو طلحة لما سكت ابن عمر و لا سكتوا.
فتر سّخت تلك الرؤية ، حتّى أصبحت من الثوابت التي تُميّز « الجماعة » ثمّ « أهل السنّة » حتّى جاء أحمد بن حنبل ، فأظهر التربيع في الخلافة! و كتب ذلك في جوابه إلى مسدّد بن مسرهد يصف له السنّة ، فذكر الأربعة بحسب الترتيب الواقع في الخلافة ، فقال : « هم و اللّه الخلفاء الراشدون المهديّون » (1).
فأثار كلامه جدلاّ و نزاعاً بين « أهل السنّة » :
ـ قال وريزة الحمصي : دخلتُ على أبي عبداللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعليّ عليه السلام ، فقلت له : يا أبا عبداللّه ، إنّ هذا طعنُ على طلحة و الزبير!
قال : بئسما قلت! و ما نحن و حرب القوم و ذكرها؟
فقلتُ : أصلحك اللّه ، إنّما ذكرناها حين ربّعتَ بعليّ ٍ و أو جبتَ له الخلافة و ما يجب للأئمّة قبله! فقال لي : و ما يمنعني من ذلك؟! قلتُ : حديث ابن عمر.. فقال لي : عمر خير من ابنه ، و قد رضي عليّاً للخلافة على المسلمين و أدخله في الشورى ، و علي بن أبي طالب قد سمّى نفسه أمير المؤمنين ، أفأقول أنا : ليس للمؤمنين بأمير؟! قال : فانصر فتُ عنه (2) !
(1) طبقات الحنابلة / القاضي ابن أبي يعلى 1 : 344 ترجمة مسدّد بن مسرهد بن مسربل البصري ـ دارالمعرفة ـ بيروت.
(2) طبقات الحنابلة 1 : 393 ترجمة وريزة بن محمّد الحمصي.