(31)
كالرافضة؟
     ذلك لو فرضنا عدم صحّة ما جاء في تسميتهم بالقاسطين ، فلماذا لا يكونوا (رافضة) و قد زادوا على الرافضة بأن قاتلوا الإمام؟ فهم شرُّ من اُولئك الرافضة لو صحّ ما قيل فيهم من أنّهم رفضوا زيداً و أظهروا البراءة من الشيخين. فهم قد رفضوا عليّاً, و أظهروا البراءة منه و من السبطين ، و قاتلوه ثمّ قاتلوا من بعده السبطين!!
     ب ـ هؤلاء هم الذين أظهروا عقيدة الجبر ، و أنّ كل ما يصنعه الخليفة قضاء و قدر ، و بها كانوا أولى أن يُعرَفوا بالقَدَرية!
     فلماذا لم يُطلق عليهم شيء من هذا و ذاك؟
     السبب واضح جدّاً, فهم الفئة المتغلّبة التي بسطت نفوذها و آراءها لتصبح هي الفئة التي تمثّل جمهور المسلمين.. فمن سيحكم عليها و هي الحاكمة على الناس؟!
     إنّه ليسير جدّاً بعد ذلك أن تنتحل ما يحلو لها من الأسماء من قبيل (أهل السنّة) ، و أن يكون من خالفها في شيء فهو من أهل البدع و الفرق المخالفة للسنّة!!
     خاتمة و نتيجة :
     من هذه القراءة السريعة نخلص إلى ما يلي :
     1 ـ إنّ كثيراً ممّا نقرأه عن الفرق الإسلاميّة هو مفتعل مصنوع لا أصل له ، و إنّما أفرزه أمران.
     الأوّل : النزاع الطائفي المحتدم في المراحل الاُولى من نشأة المذاهب و الفِرق.


(32)
و الثاني : آراء الدارسين و النقّاد ، التي حلّقت في فضاء رحب ، فلا يكاد يضبطها ضابط.
     2 ـ ليس من الضرورة أن يكون اسم الفرقة تعبيراً صادقاً عن هويّتها و مبادئها ، ليكون وحده كافياً في إعطاء صورة كلّية واضحة عنها ، فقد يكون هناك تطابق تام ، و قد يكون على درجات متفاوتة ، و قد لا يكون أصلاً.
     عند استحضار هاتين الملاحظتين نستطيع أن نكوّن نظرةً موضوعيّة ، وفهماً موضوعيّاً ، ننطلق منه لدراسة الفِرق الإسلامية كمبادئ و مفاهيم مجرّدة ، بعيداً عن التحميلات الخارجيّة ، سلبية كانت أم إيجابية ، و بعيداً عن أجواء التسميات و ما تضفيه من ألوان جذابة ، أو اُخري منفّرة.
     و هذه خطوة منهجيّة لا غنى عنها في أيّ دراسة موضوعيّة تتّصل بالفرق الإسلامية أو الموروث الفكري ، فهي الخطوة الأساس في قنوات شتّى ، منها :
     أ ـ قناة التقريب بين المذاهب الإسلامية.
     ب ـ قناة التعرّف على حقيقة المذاهب الإسلامية.
     ج ـ قناة التعرّف على مساحات الحركة الفكرية و العقلية و الاجتهادية لدى الاُمّة الإسلامية ، و التي تُعدّ أساساً في التعريف بالمستوى الحضاري الذي بلغته الاُمّة في كلّ مرحلة من مراحل تاريخها.
     د ـ قناة الصياغة النظرية لنشوء مفهوم إسلامي معيّن ، و تطوّره.
     هـ ـ قناة الإفادة من التراث الإسلامي في مصادره المتعدّدة.
     و إنَّ (تصحيح التراث الإسلامي) سيكون الميدان الذي تلتقي فيه هذه القنوات مجتمعة.


(33)
الفصل الثاني
الواقع التاريخي للخلافة و نظام الغَلَبة
و أثرهما في نشأة المذاهب و الفرق
     توطئة :
     هناك عوامل أساسية إليها يرجع تمزّق وحدة الاُمّة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و انشعابها إلى فرق متعددة تميّزت كلّ واحدة منها بشيء من الاُصول و كثير من الفروع التي أصبح بعضها شعاراً للفرقة لا تفرّط فيه و إن لم يكن له أصل في الدين ، و لا يشاركها فيه غيرها و إن كان هو السنّة الخالصة!
     و سوف يقتصر بحثنا هنا علي العوامل الأساسية في نشأة الفرق ، مع التعريف المركّز بالفِرق المندرجة تحت كلّ واحد من هذه العوامل ، غير ناظر إلى المذاهب الفقهية و اُصولها ، فهذه الأخيرة رغم كونها و ثيقة الصلة بما نحن فيه ـ كما سيظهر من بعض الأمثلة الآتية عرضاً ـ إلا أنّ لها ميدانها الآخر الفسيح الذي يخرجها عن تلك العوامل.
     و أولها ، و هو ما سنتحدّث عنه في هذا الفصل و نرجىء الكلام في العوامل المتبقيّة إلى محلّها من هذا البحث ، و هو الواقع التاريخي للخلافة ، و نظام الغلبة ، و المشروع الثقافي الذي صحبهما.


(34)
     قد يستقل عامل واحد في تكوين فرقة ، كما قد يشترك عاملان أو أكثر في تكوينها.
     و قد وقفنا من خلال الفصل المتقدّم على نتائج جديدة كشفت أنّ المشهور و المتسالم الذي تتداوله الكتب و يردّده الناس غالباً ما يكون وجهة نظر منحازة توفّرت لأصحابها القدرة على بثّها و كأنّها الحقيقة الواحدة ، فكشفت بالتإلى عن تصوّر مقلوب لحقائق التاريخ قد غزا أذهان الناس و صاغ بحسب اتّجاهه رؤية مقلوبة للعقيدة و التاريخ.. و سوف نقف على نتائج مماثلة في غير موضع من الفصول الآتية في الفرق الرئيسية ذات الأثر الهام في التاريخ الفكري و السياسي لهذه الاُمّة.. لا سيمّا في بيان أثر الواقع التاريخي للخلافة و نظام الغلبة في نشأة الفرق و المذاهب في الإسلام كما سيتّضح من هذا الفصل.
     فكيف كان الواقع التاريخي للخلافة سبباً في نشأة المذاهب ، و كيف ترك أثره في تحديد معالمها؟
     لا ريب أنّ الواقع التاريخي هو الذي أفرز مبدأ (سنّة الشيخين) مرجعاً تشريعياً بعد الكتاب و السنّة ، ذلك المبدأ الذي وُضِعَتْ بذرته الاُولى يوم أثبت الشيخان قدرتهما في السقيفة بعد نزاع ، و أفلحا في سَوق الناس إلى البيعة ، فتابع الواجمُ الذاهلُ ، و ألقى المعارض بيديه ، عَقَبَ ذلك إدارةُ قويّة تميّزت بالحزم في اتخاذ القرار و في إنفاذه ، مإليّاً كان أو اجتماعياّ أو عسكرياً أو دينيّاً ، و لا بدّ أن يصحب ذلك كلًه وجود صنف من الناس جُبِلوا على طاعة القويّ الحازم الذي يمتلك زمام المبادرة ، و ربّما شدّتهم إليه مصلحة أو رأي ، ممّا يزيد الحاكم سؤدداً ، و قرارَه هيبةً و نفوذاً حتّي لا يحول دونه حائل ، فترى مبكّراً جدّاً رجالاً من ذلك الصنف يها جمون آل الرسول و نفراً من مقدّمي أصحابه أووا إليهم ، لا يوقفهم


(35)
وازع ، وسائر الناس من ورائهم تلجمهم رهبة القرار الحازم و الجرأة في التنفيذ..
     و سارعت الأ ُلوف بعد ذلك في تلبية نداء الحرب مع إخوان لهم من المسلمين امتنعوا عن نقل الزكاة إلى الخليفة اعتراضاً على شخصه و طريقة انتخابه و لم يكفروا بحكم الزكاة ، فقاتلوهم استجابة للقرار الحازم الذي لا إذن للحوار فيه و لا رجعة عنه ، كما قاتلوا آخرين ارتدّوا عن الدين صراحةً ، سواء ، و عاملوهم بالاُسلوب ذاته حين ساوى قرار الخليفة الحازم بين حجز الزكاة عنه و بين الردّة!
     و هكذا كان ينفذ القرار الحازم بكلّ قوّة و دون أن تكون هناك نافذة للردّ و الحوار و المناقشة ، و إن حدث طرف من ذلك فالحسم دائماً لصالح قرار الخليفة نفسه ، وجرى ذلك في الاُمور الدينيه و التشريعية بالقوّة نفسها ، فبدون أدنى (مقاومة) تذكر ينفذ قرار الخليفة في المنع من رواية أحاديث النبي صلى الله عليه و آله و الإفتاء بسنّته ، و المنع من تدوينها ، و في تعطيلها أحياناً ، حتّى يصبح قرار التعطيل هو السنّة و تعود السنّة الاُولى بدعة!
     و لقد تحقّق هذا في تفاصيل الصلاة ، و في مناسك الحجّ ، و في أحكام الأحوال الشخصية ، و في الحقوق المإلىة و غير ذلك (1) ، بل نجح قرار الخليفة حتّى في صناعة عبادة جديدة ، كما هو شأن صلاة التروايح ، بالرغم من أنّ صانعها نفسه يصفها بالبدعة ، إلا أنّها تصبح بعد قليل هي السنّة الثابتة ، و من خالفها فقد أحدث في الدين!
     من كلّ ذلك و أمثاله برز مبدأ جديد لم تعرفه الاُمّة من قبل ، و لا دعا إليه
(1) راجع : تفاصيل ذلك في كتابنا تاريخ الإسلام الثقافي و السياسي.
(36)
كتاب و لا نبيّ ، فكان أساساً في ظهر فريق جدي يتمحور حوله ، ذلك هو مبدأ (سنّة الشيخين)!
     و لمّا كان هذا المبدأ قد ولد بفعل قمّة الهرم السياسي ، و من ورائه الجمهور العام الذي ينتظم في سلك الطاعة ، لأجل ذلك لم يتّخذ طابع مقولات الفِرق الحادثة ، بل ظهر و كأنّه الأصل الذي عليه الناس ، فمن خالفه فقد خالف (جماعة المسلمين) و أحدث في الأمّة فرقة جديدة لا تمنح (سنّة الشيخين) موقع المرجعية ، و كأنّ الأصل في الدين هو هذا و ليس العكس !
     ثمّ إنّ هذا الواقع قد تمخّض عن نظام جديد في الخلافة ، و هو نظام (الغَلَبة)! ثم ذلك النظام الذي قاد الجمهور العام الداخل في سلك الطاعة إلى مزيد من المبادئ الجديدة التي تحل دائماً بدائلَ عن المبادئ الأصيلة التي أقرّها القرآن الكريم و السنّة المطّهرة.. و لكونها أيضاً قد انبعثت من (القمّة) بتأثير الخلافة و مشاريعها الدينية و السياسية و الثقافية النافذة على عامّة الناس ، فقد اكتسبت موقع الأصالة ، و صارت من مميّزات (الجماعة) التي من خالفها كان مبتدعاً ، داعياً إلى فتنة!
     و في الكلام الآتي مزيد من التفصيل :
     إنّ نظام الغَلَبة هذا ، الوليد الطبيعي لنظرية الخلافة المستجدّة بعد الرسول صلي الله عليه و آله ، قد حصر الدين و الدنيا في كلمة واحدة ، و لكن بعد أن أجرى عليها قدراً كافياً من (التعديل) ، فحين قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الٌأَمٌرِ مِنٌكُمُ) (1) رأينا أنّ الله تعالى قد أنزل بيننا قرآناً ، و أن
(1) سورة النساء : 4 / 59.
(37)
رسوله قد رحل و ترك لنا سنّةً ، فالذي بقي بيننا إنّما هو (أُولوا الأمر منكم) الذين سيكونون القادة لنا في طاعة الله و رسوله.
     و منذ اللحظة الاُولى لرحيل الرسول ابتدأت التعديلات تجري علي الركن الثالث المتبقّي؛ فاُلغي أوّلاً حقّ الله تعالى و حقّ الرسول في اختيار اُولي الأمر ، ليصبح (أُولو الأمر) ليس هم المؤهّلون الذين ينبغي أن تُسند إليهم الاُمور ، فاُلغي مع ذلك حقّ الاُمّة في هذا الأمر ، في قرار لا يقوم إلا على إلغاء الحقوق الثلاثة معاً و في آنٍ واحد ، ذلك حين يكون من حقّ نفر ٍ معدودين بالأصابع ، رجل واحد أو اثنين أو خمسة ، أن يحدّدوا طريقة الاختيار وفق ما يرون ، ثمّ يختاروا وفق مقاييسهم الخاصّة ، ثمّ يُملون اختيارهم على الاُمّة بكلّ الأسإلىب اللازمة لتثبيته ، فامتلك (اُولو الأمر) من جرّاء هذا امتيازات جديدة رفعتهم فوق مستوى رقابة الاُمّة ، و منحتهم صفة الهيمنة و صلاحيات التحكم بالركنين الأوّلين ، الكتاب و السنّة..
     و من الطبيعي جدّاً أن يخلُف هذا التطّور مزيد من (التعديل) يثّبت هذه الامتيازات و يقطع جميع السبل التي من شأنها أن تحول دون ممارستها ، فكان أوّل تلك التعديلات : إلغاء اعتبار كلمة (منكم) الضابطة لاُولي الأمر ، ليصبح هذا المقام مشاعاً و الناس فيه سواء ما نطقوا بالشهادتين!
     فلمّا كانت ثمّة عقبات تمثّلت في (خصائص) أقرّها القرآن والعقل و العرف السوي ينبغي أن يتحلّى بها وليّ الأمر ، كالعدالة و العلم بالدين و بالسياسة معاً و الصلاح ، فقد توجّه (التعديل) إلى هذه الخصال ليطالها جميعاً ، فتصبح ولاية الأمر حقّاً للجائر الجاهل الفاسق ، بل حتّي لو عاش عبداللّه بن اُبَيّ لصحّت له!
     فلقد و اللّه تسلّمها رجال ما هم بأحسن حالاً من شيخ المنافقين ابن اُبَيّ بعد أن


(38)
أسرفوا في دماء الصالحين الذين يأمرون بالقسط ، و بعد ما زوّروا في معالم الدين و بدّلوا في أحكامه ، ممّا عجز عبدالله بن اُبَيّ عن يسير منه!
     و مع كلّ هذه (التعديلات الدستورية) التي اُجريت لصالح (اُولي الأمر) فإنّ الواجب الملقى على عاتق الاُمّة قد اُبقي على حاله ، فما زالت الاُمّة ملزمةً بطاعة (اُولي الأمر) و مسالمة من سالمهم و محاربة من حاربهم ، تماماً كما لو كان وليّ الأمر قد جاء باختيار ٍ من الله و من رسوله أو من الاُمّة بإجماع ٍ تامٍّ صحيح ، و قد توفّر على جميع تلك الخصائص المعروفة من العدل و العلم و الصلاح!
     فلم يعد في ظلّ هذا الفقه حفظ الدين و إقامه حدوده هو الغاية ، و لا حفظ الاُمّة و توفير حقّها في الأمن و المساواة و أسباب الهداية و المعرفة كذلك.. بل أصبحت الغاية الوحيدة هي حفظ العرش لشخص الحاكم الذي اعتلاه و أمسك بالسيف من فوقه ، و ليس مهمّ بأي طريقة اعتلاه ، إنّما على هذا الدين أن يوفّر له شرعيّته و يحرّم مخالفته ، ثمّ يطاوعه كيف يشاء.. و على الاُمّة كذلك أن تعلم أنّ كلّ وجودها إنّما هو لحفظ سلامة العرش لصاحبه مادام حيّاً!!
     ـ و هذا هو الأصل في أوّل افتراق وقع في الاُمّة بعد غياب رسول الله صلى الله عليه و آله ، و قد تمدّد مع الزمن ليكتسب كلّ مقوّمات الفرقة الواقعية ، سياسيّاً و فكرياً و عقيديّاً و فقهيّاً ، حين انحصرت مصادره بالأبواب التي فتحها الاُمراء أو أذِنوا بها ، و أدار ظهره لغيرها ممّا حاربه الاُمراء و حظروه ، فصار ما ترشّح عن خالفه بدعاً في الدين منكراً!!
     ـ و من هذا الأصل ذاته اكتسبت هذه الفرقة في ما بعد اسمها الذي تميّزت به (أهل السنّة و الجماعة).


(39)
     نشأة التسمية بأهل السنّة و الجماعة :
     تكاملت هذه التسمية على مرحلتين؛ عُرف في المرحلة الاولى لقب (الجماعة) أطلقه الاُمويّون على العام الذي تمّ فيه تسليم الملك لمعاوية و انفراده به ، فقالوا : عام الجماعة (1).. لكنّها الجماعة التي تأسّست على الغَلَبة و لصالح الفئة الباغية ، بلا نزاع في ذلك ، و رغم ذلك فقد بقي الانتماء للجماعة رهناً بطاعة الحاكم و الانصياع لأمره حتّي بالباطل ، و من تمرّد على الحاكم في إحياء سنّة أماتها الحاكم أو إطفاء بدعة أحياها ، فهو خارج على الطاعة مفارق لـ (الجماعة) مستحقّ للعقاب النازل على المفسدين في الأرض! فهكذا كان قضاؤهم على الصحابي الجليل حُجربن عديّ الذي كان ينكر على المغيرة و زياد سبَّهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، و كلّما تمادوا في ذلك صعّد من إنكاره ، فكتب زياد إلى معاوية في حُجر و أصحابه : إنّهم خالفوا <الجماعة> في لعن أبي تراب ، وزروا على الولاة ، فخر جوا بذلك من الطاعة! (2) فقتلهم معاوية ، و احتجّ بقوله : إنّي رأيتُ قتلهم صلاحاً للاُمّة ، و أنّ بقاء هم فساد للاُمّة! (3) يقول ابن العربي : جعله معاوية ممّن سعى في الأرض فساداً ـ يعني حُجر الخير ـ (4) !!
(1) اُنظر : أهل السنة و الجماعة معالم الانطلاقة الكبرى / محمّد بن عبدالهادي المصري : 60 ـ مكتبة الغرباء ـ استانبول ـ 1992 م.
(2) تاريخ إلىعقوبي 2 : 230 ـ دار صادر ـ بيروت.
(3) مختصر تاريخ دمشق / ابن منظور 6 : 241 ـ دارالفكر ـ 1984 م.
(4) العواصم من القواصم / ابن العربي : 220 ـ دار الجيل ـ بيروت ـ ط 2 ـ 1407 هـ.

(40)
     هكذا كان! فالصلاح و الفساد إنّما يحدّده معاوية ، و ليس لله حكم و لا شريعة! شأن أيّ حكم استبدادي ليس له أدنى صلة بالدين..
     و ما زالت مخالفة أهواء الاُمراء تُعدّ خروجاً على (الجماعة) و دخولاً في الفتنة حتّى لو كان المخالف لهم سبط رسول الله صلي الله عليه و آله و ريحانته سيد شباب أهل الجنّة!
يقول ابن العربي في تبرير قتل الحسين عليه السلام : (ما خرج عليه أحد إلا بتأويل ، و ما قاتلوه إلا بما سمعوه من جدّه المهيمن على الرسل ، المخبر بفساد الحال ، و المحذِّر من الدخول في الفتن! و أقواله في ذلك كثيرة ، منها قوله صلي الله عليه و آله : ( إنّه ستكون هنات و هنات ، فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الاُمّة و هي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان) (1) ! و كأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يخاطب الحكّام الذين سيملكون و إن كانوا فراعنة الزمان ، و لم يكن خطابه للمؤمنين الذين أخذ عليهم الميثاق (لتأمرونّ بالمعروف و لتنهونّ عن المنكر ، و لتأخذنّ على يد الظالم ، و لتأطرنَّه علي الحقّ أطراً)!!
     هكذا قُلب الدين رأساً علي عقب حين جُرِّدت كلمة (الأمير) من كلّ مقوّماتها و ضوابطها الشرعية لتصبح لقباً من نظير (الفرعون) و (النمرود) و (القيصر) و (كسري) التي كانت الأمم الاُخرى تُلقّب بها الحاكمين! و يصبح (الَّذِينَ يَأٌمُرُونَ بِالٌقِسٌطِ مِنَ النَّاسِ) (2) مفسدين في الأرض ، خارجين علي (الجماعة) ساعين في الفتنة!
     و بقيت الجماعة رهناً بطاعة (الخليفة) دون النظر إلى طريقة استخلافه ،
(1) العواصم من القواصم : 244 ـ 245.
(2) سوره آل عمران : 3/ 21.