(21)
أيدي جماعة من أصحاب عليّ عليه السلام اعتزلوا السياسة و اعتزلوا كلّ الناس بعد الصلح الذي تمّ بين الحسن عليه السلام و معاوية بن أبي سفيان (1).
     ـ فيما نسبهم آخرون إلى الجماعة الذين اعتزلوا الحرب في خلافة عليّ عليه السلام ، و منهم : سعد بن أبي وقّاص ، و عبدالله بن عمر ، و محمّد بن مسلمة ، و اُسامة بن زيد ، فقالوا : هؤلاء هم سَلَف المعتزلة إلى الأبد (2).
     في حين ليس لهذين الاعتزإلين أي صلة بجملة العقائد التي ميّزت فرقة المعتزلة!
     و أيضاً فإذا كان مجرد الاعتزال هو الأصل الذي يصحّ أن تُنسب إليه الفرقة المعروفة ، فلماذا لا يكون سعد بن عبادة هو أمام المعتزلة و سلفها؟
     فسعد بن عبادة ، شيخ الأنصار ، هو أوّل من اعتزل الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و بقي معتزلاً حتّي قُتل بعد سنين في عهد عمر!
     ـ أمّا عبدالرحمن بدوي ، فقد ذهب إلى أنّ انطلاق أوّل مبادئ المعتزلة ـ و هو القول بالمنزلة بين المنزلتين في مرتكب الكبيرة ـ إنّما كان فكرةً سياسية بحتة اتّخذوها ذريعة لا عتزال التنازع المحتدم بين أهل السنّة و الخوارج في هذه المسألة السياسية الدينية الخطيرة (3).
     ـ بينما ذهب بعض المستشرقين إلى أنّهم سمّوا معتزلة لأنّهم كانوا زهّاداً
(1) المذاهب الإسلامية : 207 نسبه إلى أبي الحسن الطرائفي في كتابه (ردّ أهل الأهواء و البدع).
(2) فِرق الشيعة/ النوبختي : 5ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف ـ 1936 م.
(3) مذاهب الإسلاميّين/ عبدالرحمن بدوي 1 : 37ـ دارالعلم للملايين ـ ط 3 ـ 1983 م.

(22)
أتقياء ، ابتعدوا عن الدنيا و ملاذّها (1).
     ـ ويزداد الأمر غموضاً في الرأي الذي يضيفه أحمد أمين بقوله : لنا فرض آخر بتسمية المعتزلة ، لَفَتَنا إليه ما قرأناه في (خطط الشام) للمقريزي ، من أنّ بين الفرق إليهودية التي كانت منتشرة في ذلك العصر و ما قبله طائفة يقال لها <الفروشيم> و أنّ معناها : المعتزلة!
     قال : وذكر بعضهم أنّ هذه الفرقة كانت تتكلّم في القدر ، فلا يبعد أن يكون هذا اللفظ قد أطلقه على المعتزلة قوم ممّن أسلموا من إليهود لما رأوا الفرقتين من الشبه (2) !
     ـ و هذا مخالف لما قال به آخرون من أنّ شيوخ المعتزلة الأوائل قد تأثّروا أسلم بمعبد الجهني الذي كان قد أخذ عقيدته في القَدَر عن سوسن النصرانى ألذي ثمّ ارتدّ نصرانياً (3).
     و خالف القولين معاً الشيخ أبو زهرة حين رأي أنّ عقائد المعتزلة قد ظهرت نتيجة التأثّر بالفلسفة القديمة ، يونانية و هندية و فارسية ، لا إليهودية و لا النصرانية (4).
     ـ و خالف الجميع من نَسَب المعتزلة إلى أبي الأسود الدؤلي (69 هـ ) صاحب الإمام علي عليه السلام (5).
(1) المذاهب الإسلامية : 208 ـ 209.
(2) المذاهب الإسلامية : 209 عن فجر الإسلام لأحمد أمين.
(3) الملل و النحل 1 : 35.
(4) المذاهب الإسلامية : 18 ـ 19.
(5) الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية / محمّد عمارة : 180 ـ المؤسسة العربية

(23)
     و هكذا تتعّدد التفسيرات و تتناقض لحقيقة واحدة!
     جذور التسميةُ و أسبابها :
     كيف وقع الاختيار على تلك المسمّيات التي عُرفت بها الفِرق الإسلامية؟ من المسّلم أنّ الاسم لم يولد مع الفرقة ، و إنّما يُطلق عليها بعد ولادتها ، فكيف تمّ اختيار هذا الاسم أو ذاك؟
     هل كان زعيم كلّ فرقة هو الذي يتولّى تسمية فرقته؟ أم كان أصحاب الرأي فيها يتشاورون ليتّخذوا لفرقتهماسماً تُعرف به؟
     إنّه ليس من المعقول أبداً أن ينبري زعماء فرقةٍ ما و كبراؤها ـ و هم بلا شكّ يعتقدون أنّهم أولى الناس بالحقّ لأنّهم دون سواهم علي هدى القرآن و السنّة ـ ثمّ ينتخبون لأنفسهم اسماً مثل : (المعطّلة) أو (المعتزلة) أو (الخوارج)!
     فكيف مع أسماء اُخرى هي أشدّ فظاظة و أدعي للنُفرة ، من مثل : (الخشبية) أو (الشيطانيّة) ؟!
     إنّ نظرة واحدة إلى تلك الأسماء و نظائرها تبعث إلى يقين لا شكّ فيه بأنّها أسماء لا تصدر عن أصحاب هذه الفرقة ، أو تلك ، أنفسهم ، ولا عن جهة محايدة تنظر إلى شتّى الفرق بعين واحد ، إنما يستطيع المرء أن يقطع بأنّها لا تصدر إلا عن خصم لا يعرف اللين والمداهنة.
     فأي خصم ٍ هذا الذي إذا أذاع بياناً ذاع و انتشر ، و إذا أطلق على طائفة اسماً نفذ واشتهر ، حتى تستجيب له تلك الفرقة نفسها و ترتضيه عَلَماً عليها؟!
للدراسات و النشر ـ ط 1 ـ 1977 م.
(24)
     لابُدّ أن يكون هو الخصم الأقوي فى الميدان!!
     ـ صحيح أنّه فد تأتي التسمية نسبةً إلى الرجل الذي تنتسب إليه الطائفة ، فقيل : (الزيدية) ، نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين عليه السلام ، و (الجهمية) نسبةً إلى الجهم بن صفوان ، و (الكرّامية) نسبة إلى محمّد بن كرّام ، و هكذا..
     ـ أو قد تلاحظ في الطائفة مناسبة ما ، فتُشتق التسمية من تلك المناسبة ، فقيل : ( الخوارج) لأنّهم خرجوا على الإمام الواجب الطاعة ، و (الرافضة) لأنّهم رفضوا زيد بن عليّ ، و (الخشبية) لأنّهم قاتَلوا بالخشب ، أو طافوا حول الخشبة التي صُلب عليها زيد..
     غير أنّه في الحإلىن لم يخرج الأمر عن تلك القاعدة الواقعية ، فهي تسميات صدرت من خارج تلك الطوائف لا من أصحابها ، و من الخارج الغالب ، فليس من شأن المغلوب أن يفرض دعاياته على الغالب الأقوى ، كما ليس من المعقول أن تختار تلك الطوائف لأنفسها مثل تلك الأسماء المنفّرة ، بل لو ترك الأمر إليها لما انتخبت إلا أتّم الأسماء و أكثرها دلالة على ملازمة الصراط المستقيم!
     ولو قُدّر أن يكون المغلوب غالباً لكان من الطبيعي أن تتبدّل الأسماء بتبدّل المواقع!
     و هذه أمثلة من الواقع شاهدة على تلك الحقيقة :
     1ـ في أثناء ثورة زيد الشهيد جاءته طائفة من جُنده فطلبوا إليه أن يبرأ من الخليفتين أبي بكر و عمر ، فرفض ذلك ، فرجع اُولئك عنه و رفضوا القتال معه.
     ففي هذه الواقعة ـ على فرض صحّتها ـ رفضان : زيد يرفض مبدأ اُولئك ، و اُولئك رفضوا قيادة زيد.. و يلا حظ أيضاً أنّ زيداً رضي الله عنه هو الذي ابتدأ بالرفض ،


(25)
فلمّا رفض ما طلبوه منه اعتزلوه..
     إذن كان بمقدور اُولئك أن يطلقوا على زيد الشهيد و أتباعه اسم (الرافضة)! لكنّ الذي حصل هو العكس تماماً ، فإنّ زيداً و أتباعه هم الذين أطلقوا على اُولئك هذا الاسم ليثبت علماً عليهم فلا يُعرفون إلا به!
     والسبب في ذلك واضح ، و هو أنّ زيداً و أتباعه كانوا هم أصحاب الرأي الغالب و أصحاب الثورة التي استمرّت بعد تخاذل اُولئك و انسحابهم من الميدان.
     و لا يفهم من هذا أنّنا ندين زيداً الشهيد ، معاذ الله ، و إنّما نسجّل تلك الواقعة التي أفرزت طائفةً جديدةً واسماً جديداً ، نسجّلها كما هي.
     ـ و المذكور آنفاً في أصل الرافضة هو المشتهر بين أصحاب الفِرق (1) و بعض أصحاب التاريخ (2) ، لكنّه لا يصمد للتحقيق رغم شهرته ، و كم من مشهور ٍ لا أصل له!!
     فالرفض مصطلح سياسي يراد به مخالفة الحاكم و ترك طاعته ، و أصحاب هذا الموقف يسمّون : <الرافضة>.
     قال ابن منظور : الروافض جنود تركوا قائدهم و انصرفوا ، فكلّ طائفة منهم
(1) الفّرق بين الفِرق / البغدادي : 25 ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ، الملل و النحل 1 : 139 ، منهاج السنّة 1 : 8.
(2) تاريخ الطبري 7 : 180 ـ 181 ـ دار التراث ـ بيروت ـ 1967 م ، الكامل في التاريخ / ابن الأثير 5 : 242 ـ 243 ـ دار صادر ـ بيروت ـ 1982 م ، تاريخ ابن خلدون 3 : 124 ـ تحقيق الاستاذين : خليلي شحادة و سهيل زكار ، البداية و النهاية / ابن كثير 9 : 361 ـ دار إحياء التراث العربي ـ 1413 هـ.

(26)
رافضة ، و النسبة إليهم رافضيّ (1). و قد أطلق معاوية هذا اللفظ على طائفة من أنصاره تركوا عليّاً عليه السلام و قدموا إليه يقودهم مروان بن الحكم ، فكتب معاوية إلى عمرو بن العاص ـ و كان في فلسطين ـ كتاباً قال فيه : أمّا بعد ، فإنّه كان من أمر عليّ و طلحة و الزبير ما قد بلغك ، و قد سقط إلىنا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة (2)..
     فهؤلاء الرافضة نواصب إذن!!
     و أيضاً فهم أسبق نشأةً من رافضة زيد ، فلماذا انصرف اسم الرافضة إلى اُولئك دون هؤلاء؟ إنّها مصداق آخر من مصاديق ما ذكرناه في تسمية الفِرق.
     و من ناحية اُخري فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني ثورة زيد مفصّلةً و لم يذكر فيها هذه القصّة ، بل الذي ذكره ـ و هو مذكور عند غيره أيضاً ـ يفيد تكذيبها ، إذ ذكروا أنّ زيداً قد اضطُرّ إلى المواجهة قبل الموعد الذي عينّه لأصحابه و أنّ الكثير منهم قد حبسهم الوإلى في المسجد الجامع قبل التحاقهم بالمعركة التي وقعت فجأةً قبل أوانها المحدّد عندهم ، فلمّا وجد زيد نفسه في قلّة من أصحابه يقاتل يوماً بعد آخر ، قال لأحد قادة جنده : أتخاف أن يكونوا قد فعلوها حسينية؟ يريد أنّهم يخذلوه كما خذلوا الحسين عليه السلام ! فلو كان يعلم أنّهم قد رفضوه ، و أنّ شيئاً من ذلك الحوار و الرفض قد حصل ، لما قال هذا.. ثمّ بعد ذلك توجّه بمن معه نحو المسجد الجامع لإخراج المحبوسين فيه فلم يتمكَن من
(1) لسان العرب / ابن منظور ـ (رفض).
(2) وقعة صفّين / نصر بن مزاحم : 34 ـ المؤسسة العربية الحديثة ـ مصر ـ 1382 هـ.

(27)
إخراجهم (1).. و أيضاً فقد سبق من أهل الكوفة مثل هذا الخذلان مع عليّ و الحسن و الحسين عليهما السلام و لم يكن هناك أثر لهذه النغمة ، نغمة البراءة من أبي بكر و عمر!
     فمن كان وراء هذه التسمية إذن؟!
     2ـ أيُّ الفريقين كان أولي باسم (القّدرية) : القائلين بالجبر ، أم القائلين بالتخيير؟
     إنّ القائلين بالجبر كانوا يقولون : إنّ كلّ فعل يفعله المرء ، من طاعة أو معصية ، فإنّما هو بقضاء و قَدَر.. و قد رأيناقبل قليل أنّهم قالو ذلك تبريراً لأعمال خلفاء بني اُميّة ، فالخليفة حين يقتل الخيرة من الصحابة و التابعين فهو بقضاء و قَدَر! و حين يستبدّ بأموال المسلمين و يترك عامّتهم يقرض الجوع أمعاءهم قرضاً ، فهو بقضاء و قدر! و إذا استوى على الخلافة الرجل الفاسق ، فبقضاء و قدرّ و ما علينا إلا الطاعة و التسليم و الرضا بالقضاء و القدر!!
     و في مقابل هؤلاء ظهرت الطائفة التي تقول : إنّ الله بريء من معاصي عباده و ظلمهم و عدوانهم ، منزّه عن القبائح ، و قد فوّض لعباده اُمورهم و ترك لهم الخيار ، فإنّ شاء العبد فعل الطاعات فاستحقّ الثواب ، وان شاء فعل المعاصى فاستحق العقاب.
     فأيُّ الفريقين كان أولي باسم (القدرية) ؟
     إنّ الفريق الأوّل لهو أوْلى الناس بهذا الاسم ، و لا يشاركه فيه أحد ، و إنّ
(1) مقاتل الطالبيّين / أبو الفرج الأصفهاني : 34 و 35 ـ مؤسسة الأعلمي ـ ط 2 ـ 1408 هـ ، تاريخ الطبري 7 : 184 ، الكامل في التاريخ 5 : 244.
(28)
الفريق الثاني لهو أبعد الطوائف عن هذا الاسم.
     لكنّ الذي حصل قديماً و ثبت إلى إلىوم هو العكس من ذلك ، فأصحاب التفويض و التخيير هم الذين سُمُّوا <قدريّة>! تماماً كما يسمى الأبيض أسود ، و الأسود أبيض!
     إنّها تسمية للشيء بضدّه ، و لكن لا كما يقال للأعمى : بصير. و للّديغ : سليم ، فشتّان بين الأمرين!!
     و السبب في ذلك أكثر و ضوحاً ، فالقائلون بالقضاء و القدر هم فئة الخلافة ، و قد كان يبلغهم الحديث المروي : ( القدرية مجوس هذه الاُمّة ) (1) ! فمن يا ترى يستطيع أن يقول إنّ هؤلاء هم القدرية الذين أخبر عنهم ذلك الحديث النبويّ؟!
     إنّ ذلك يعني أنّ الخلفاء الذين قامت هذه العقيده لأجل نصرتهم و تبرير سياساتهم هم كبار مجوس هذه الامّة!! و هل يستطيع أحد أن يشير إلى هذا بأدنى أشارة؟
     ثمّ على أيّ الطوائف سيقع هذا الاسم إن لم يقع على الطائفة التي انبرت للردّ على تلك العقيدة و تفنيدها؟ حتّى لو كانت هذه الطائفة هي أبعد الطوائف عن هذه التسمية و مصاديقها!!
     و هكذا أصبح القدرية هم الذين ينفون القدر اللازم و يقولون بالتخيير ، ليصبحوا هم مجوس هذه الاُمّة!!
     و بعد أن أطلقت الفئة الغالبة هذا الاسم علي خصومها أدركت أنّها قد أوقعت
(1) سنن أبي داود : ح 4691 ـ دارالتراث العربي ـ بيروت.
(29)
نفسها موقع السخرية ، فتداركت الأمر بوضع أحاديث تفسّر معنى القدرية المذكورة في الحديث الأوّل على النحو الذي أرادوه ، و بِلُغةٍ تناسب أفهام العامّة و تستهويهم ، فيتعلّقون بها و يتّخذونها ديناً!
     و من تلك ألاحاديث التفسيرية :
     حديث يقول : ( القدرية يقولون : الخير و الشرّ بأيدينا ) (1) !
     و حديث يقول : ( القدرية يقولون : لا قَدَر ) (2) !
     و قول ابن حبّان في راوي الحديث الأخير ( إنّه كان يقلب الأخبار ) لهو أدقّ بيان لهذا الحديث ، و الذي قبله أيضاً ، إذ يتّحد معه معنى أحاديث تشهد على أنفسها أنّها موضوعة لإتمام اللعبة ، و إحكام الطوق حول الخصم ، و سَلْبِهِ أيّ قدرة على النفوذ في الوسط الاجتماعي.
     3ـ هكذا ظهر أنّ السنّة النبويّة لم تكن قادرة على أن تفرض أحكامها و أهدافها على ذلك الواقع ، بل كان الواقع هو الذي يُخضع السنّة لإرادته و يوجّهها في خدمته ، و إن تطلّب ذلك قلب المعاني الظاهرة ، و وضع الحديث!!
     4ـ و مرّة اُخرى يمحو الواقع آثار السنّة :
(1) راجع : العلل المتناهية / ابن الجوزي 1 : 162/ 248 ـ دارالكتب العلمية ـ ط 1 ـ 1403 هـ.
(2) العلل المتناهية 1 : 152/ 227. الحديث في سنن أبي داود ح 4692 و في إسناده ضعف و جهالة ، ففيه : عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار. فهذا الرجل مجهول ، و عمر مولى غفرة ضعّفه ابن معين و النسائي ، و تركه مالك ، و قال فيه ابن حبّان : كان يقلب ألأخبار ، لا يُحتجّ بحديثه! تهذيب التهذيب/ ابن حجر 7 : 415ـ دار الفكر ـ ط 1 ـ 1984 م.

(30)
ذلك مع طائفتين جاءت بذكر هما السنّة ، حيث ورد بطرق عديدة عن عليّ عليه السلام أنّه قال غير مرّة : ( عهد إلىَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن اُقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين ) (1).
     لقد عُرف المارقون بالخوارج..
     أمّا الناكثون ، فهم الذين قاتلوا عليّاً يوم الجمل ، بعد أن بايعوه ، فقد نكثوا بيعتهم..
     و أمّا القاسطون فهم معاوية و أصحابه الذين قسطوا ، أي جاروا و ظلموا و اعتدوا.
     فإذا كان أصحاب الجمل لم يُظهروا شيئاً من العقائد تميّز هم كفرقة مستقلّة ، فليس القاسطون كذلك ، بل استحقّ القاسطون أن يُفْرَزوا كفرقة بأسباب ثابتة فيهم ، فحين وُجِدَ نظير تلك الأسباب عند غيرهم أصبحوا فرقاً متميّزة ، فمن تلك الأسباب :
     أـ رفضوا الإمام الذي تمّت له البيعة ، و أظهروا سبّه و البراءة منه و من أهل بيته : الحسن و الحسين عليهما السلام ، سبطي النبيّ صلي الله عليه و آله و سيديّ شباب أهل الجنّة ، ولم يكتفوا بذلك حتّى قاتلوه و قاتلوا أبناءه من بعده ، و في أقلّ من ذلك تميزّت الفرقة التي عُرفت بالرافضة كما تقدّم عند أصحاب الفرق و التاريخ!
     فلماذا لا تكون براءة هؤلاء من عليّ و سبطي النبيّ كافية في جعلهم فرقة
(1) أخرجه ابن كثير في البداية و النهاية 7 : 338 ـ 340 ـ دار إحيا التراث العربي ـ 1413 هـ. بأسانيد عديدة عن عليّ عليه السلام و ابن مسعود و أبي سعيد الخدري و أبي أيّوب الأنصاري.