(11)
الفصل الأول
في تسمية المذاهب و الفرق
لقد اجتهد الكثير ممّن كتب في الفِرَق الاسلامية و الملل و النحل أن يقسّم المسلمين إلى ثلاث و سبعين فرقةً ، تمشيّاً مع الحديث الوارد بافتراق الاُمّة على ثلاث و سبعين فرقة. (1)
     و لأجل هذا فقد وضعوا قواعد ، و أصّلو اُصولاً اعتمدوها في تمييز الفِرَق ليبلغوابها هذا العدد ، ظانّين أنّهم إن لم يبلغوه و يَقِفوا عنده فقد أخطأوا في الإحصاء ، و طعنوا في الحديث المذكور! و كأنّهم تعجّلوا قيام الساعة ، فحين أخبر الحديث بحصول هذا العدد فلا بدّ أن يكون قد تمّ ذلك على عهد هذا المصنّف أو ذاك! و هذا تعجّل ، فالزمن لم يتوقّف عندهم, و الأحقاب التي أعقبتهم قد أفرزت فِرقاً جديدة لم يعرفوها ، فإذا كان تقسيمهم صحيحاً فقد زاد العدد بعدهم على الثلاث و السبعين!
(1) أخرجه الترمذي و أبو داود و ابن ماجة ، من حديث ابي هريرة ، و نصّه : ( افترقت إليهود على احدى و سبعين فرقة ، و تفرقّت النصاري على اثنين و سبعين فرقة ، و تفترق اُمّتي على ثلاث و سبعين فرقة) سنن الترمذي : ح /2640 ، دار إحياء التراث _ بيروت ، سنن ابن ماجة : ح / 3991 ، دارالفكر _ بيروت ، السمتدرك 1 : 128 ، حيدرآباد _ الهند.
(12)
إنّهم لم يعرفوا البابيّة (1) ، و لا البهائيّة (2) ، و لا القاديانيّة (3) ، بل لم يعرفوا إلىزيديّة و العَدَوية التي نجمت في أواخر القرن السادس الهجري ، و ربّما أتى الزمان بعدهم بفرق جديدة اخرى كالوهابية التي لم تدخل ـ و قتئذ ـ في حساباتهم.
     أسس خاطئة في التمييز :
     و ثَمَّ خطأ آخر قادهم إليه هذا الظنّ ، إذ وجدوا أنفسهم مضطرّين إلى التوسّع في التفريع ، حتي عدّوا فِرقاً و ميّزوها في حين لم تكن تملك شيئاً من مقوّمات الفِرقه المستقلّة ، و غالباً ما تكون قول رجل واحد أو بضعة رجال (4).
     و قد طعن الشهرستاني هذه الطريقة ، فقال : من المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميّز عن غيره بمقالةٍ من عُدَّ صاحب مقالة ، و الا فتكاد تخرج المقالات عن حدّ الحصر و العدّ ، فلا بدَّ من ضابط في مسائل هي اُصول و قواعد يكون الاختلاف فيها اختلافاً يعتبر مقالةً ، و يُعدّ صاحبه صاحب مقالة (5).
     لكنّ الشهرستاني حين وضع هذا الضابط ، خرج عليه بالنحو الذي ينتهي بالفِرق إلى ثلاث و سبعين فرقة!! في حين أن بعضها لا يمتلك من الأصول
(1) فرقة أنشأها الميرزا علي بن محمد الشيرازي سنة 1843 م ، و هو آنذاك ابن تسع عشرة سنة ، و تلقّب بالباب.
(2) فرقة أسّسها خليفة الباب صاحب البابيّة ، و تلقَّب بالبهاء ، و توفّي سنة 1892 م.
(3) فرقة أسّسها ميرؤا غلام أحمد القادياني ، المتوفّى سنة 1908 م.
(4) انظر مثلاً : فِرق الشيعة/ للنوبختي ـ من أعلام القرن الثالت الهجري ، الفِرق بين الفرق/ للإسفرائيني (429 هـ ).
(5) الملل و النحل / الشهرستاني 1 : 21ـ مكتبة الانجلو مصرية ـ القاهرة.

(13)
و القواعد ما يبرّر عدّه فرقة مستقّلة.
     تحديد اُصول المذاهب و تاريخ تسميتها :
     ثمّ ظهرات ألوان خطيرة من التعسّف حين ذهب المتكلّمون و المؤرّخون إلى تحديد تأريخ نشأة كلّ واحدة من الفِرق ، و تعيين الاُصول التي استقت منها عقائدها.
     فعند غياب المعالم الثابتة لذلك التاريخ ، و غياب الأدلّة القطعية علي انتسابها إلى تلك الاُصول ، فسوف يضطرّ هؤلاء إلى إقحام آرائهم الشخصيّة في ذلك ، و لم تخلُ الآراء دائماً من ميل ٍ إلى فئة ، و هوىً مع طائفة ، و تحامل على اخرى.
     فأدّى ذلك إلى ظهور أخطاء كثيرة ، و قاد إلى مزيد من الغموض ، كما حمّل كثيراً من الفرق أبعاداً غريبةً عليها.
     و من أمثلة ذلك : ما ذهب إليه البعض من إرجاع الكثير من الفِرق الإسلامية إلى اُصول غريبةً عن الإسلام ، كإليهودية و النصرانية و المجوسية و إلىونانية و الهندية.
     و قد ظهر هذا الاتّجاه قديماً في كتب الملل و النحل ، و مضى عليه ابن تيميّة و تطرّف فيه (1).
     و أخذ به الكثير من المتأخّرين ، و أكثر المستشرقين (2).
(1) كما في : (الحمويّة الكبرى) و (اقتضاء الصراط المستقيم) و (منهاج السنّة : ج 1) و من عباراته المتكرّرة في وصف بعضهم قوله : (هؤلاء أفراخ الفلاسفة ، و أتباع الهند و إلىونان ، و ورثة المجوس و المشركين و ضلّال إليهود و النصارى و الصابئين).
(2) من أمثال : فلها وزن ، وجولد تسهير ، و نيكلسون.

(14)
بينما ذهب بعض المتأخّرين إلى نظرية مضادّة نفت ذلك النوع من التأثّر ، ورأت أصالة الفِرق الإسلامية على اختلافها ، فقال الدكتور النشّار ملخّصاً وجهة نظره في هذه المسألة : إنّ فلسفة أيّة اُمّة من الاُمم هي انبعاث داخلي عقلي يعبّر عن الروح الحضارية لهذه الاُمّة ، و أنّه ليس من المعقول أن تتشابه الانبعاثات الداخلية العقلية لاُمّتين مختلفتين أشدّ الاختلاف جنسياً و عقلياً و لغوياً ، و إنّ فلسفة امّةٍ ما من الاُمم لا تخرج عن دائرة السنّة التي تضعها هذه الاُمّة ، و من خرج عن هذه الفلسفة لُفظ حتماً من الدائرة العقلية ، و لم يَعُد يمثّل فلسفياً سوى فكره الذاتي (1).
     و قال الدكتور محسن عبدالحميد : إنّنا لو راجعنا بدء تحرّك الأحداث السياسية و الاجتماعية الكبرى في صدر الإسلام ، لحصل عندنا يقين كامل أنّه هو الذي ولّد الحركة الفكريّة التي حدثت في ما بعد ، و التي أرادت أن تلتمس من القرآن الكريم اُسس انطلاقها في المجتمع (2).
     ـ فبينما ذهب أصحاب الرأي الأوّل إلى أنّ عقيدة الجبريّة ، التي دعا إليها الجهم بن صفوان ، ترجع إلى أصل يهودي ، و أنّ أوّل من تكلّم بها : طالوت بن أعصم إليهود ، و قد بثّها إلى إبان بن سمعان ، و بثّها إبان إلى الجعد بن درهم ، و أخذها الجهم بن صفوان من الجعد بن درهم (3).
(1) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام/ سامي علي النشار 1 : 211 ـ الطبعة الثانية ، و عنه الدكتور أحمد محمود صبحي/ نظرية الإمامة : 10ـ دار المعارف بمصر.
(2) تطوّر تفسير القرآن / الدكتور محسن عبدالحميد : 100ـ جامعة بغداد ـ 1408 هـ.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية/ جمع و ترتيب : عبدالرحمن بن قاسم النجدي

(15)
و أنّ عقيدة القدرية ، التي دعا إليها معبد الجهني ، و غيلان الدمشقي ، إنّما ترجع إلى اصل نصراني ، فإنّ رجلاً نصرانيّاً يدعي سوسن كان قد أظهر الإسلام فأخذ عنه غيلان الدمشقي هذه العقيدة ، و أخذها معبد عن غيلان ، ثمّ إنّ ذلك النصراني قد ارتدّ و عاد إلى نصرانيّته (1).
     فإنّ اصحاب الرأي الثاني القائل بالأصالة قد ذهبوا إلى غير ذلك ، فقالوا : إنّ ظهور الجبرية و القدرية معاً كان من داخل المجتمع الإسلامي ، و من أثر الأحداث السياسية و الاجتماعية الكبرى فيه ، و ذلك : أن انتهاء حكم الخلافة و انتقاله إلى الاُمويّين و تسلّطهم على العباد و ابتعادهم عن تطبيق العدالة الإسلامية ، كان مقدّمة منطقية للحركات المضادّة التي قامت ضدّهم ، ممّا دفعهم إلى العنف الدموي ، فاحتاجوا حينئذٍ إلى تأويل بعض الآيات القرانية التي يدلّ ظاهرها على الجبر لتسويغ أعمالهم و القول بإن الارادة الإلهية اقتضت أن يفعلوا ذلك ، و أنّهم مجبورون في أعمالهم.. أو أنّ تلك الإرادة هي التي قدّرت أن يأتوا إلى الحكم ليفعلوا ما يفعلوا..
     ثمّ إنّ دعوة الاُمويين لتثبيت دعائم هذه النظرية ، كانت سبباً مهمّاً لظهور الاتّجاه القدري الذي أنكر الجبر و نادى بحرية الاختيار الانساني ، و أوّل من نادى بذلك : التابعي الجليل و المحدّث الصدوق مَعبد الجهني (2).
     فمعبد الجهني حسب النظرية الاُولى واحد من فراخ النصارى ، و أمّا في هذه
5 : 20 ، المذاهب الإسلامية/ محمّد أبوزهرة : 174ـ المطبعة النموذجية ـ القاهرة.
(1) المذاهب الإسلامية : 187.
(2) نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام 1 : 314ـ 336 ، تطوّر تفسير القران : 101.

(16)
النظرية فهو التابعي الجليل و المحدّث الصدوق!
     ـ و يذهب أصحاب الرأي الأوّل إلى أنّ التصوّف يعود إلى اُصول غير إسلامية ، إذ صنّف أحمد أمين الصوفيّة إلى ثلاثة أصناف : صنف تأثّر بالفلسفة إلىونانية ، و صنف تأثّر بالفلسفة الهندية ، و أخذ الصنف الثالث اُصوله من النصرانية.
     و عن الصنف الثالث يقول : أخذوا : (شيخ الطريقة) و (المريد) كما عند النصاري : (الكاهن) و (المهتدي)! و أخذوا منهم نظام الرهبنة ، و أخذوا منهم أيضاً حلقات الذكر و نظامها (1).
     و هذا التصنيف أقرب إلى تصنيف المستشرقين منه إلى تصنيف ابن تيميّة ، فابن تيميّة يستثني طائفة من الصوفية فيصحّح عقائدهم و سلوكهم ، و يذكر من أمثلتهم : الجُنيد ، و عبد القادر الجيلي ، و سهل التستري (2).
     أمّأ المستشرقون : فمنهم من ذهب إلى أنّ الصوفية اُخذت عن النصرانية (3) ، و منهم من جعلها يونانيّة الأصل حتّي من حيث التسمية ، حين رأى مناسبةً بين كلمة (صوفية) و كلمة (سوفيا) إلىونانية التي تعني : الحكمة. فهي تُشابه الصوفية لفظاً و معنىً (4) !
(1) يوم إلاسلام/ أحمد أمين : 86ـ87ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة.
(2) الفرقان بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان/ ابن تيمية : 98 ، جماعة الدعوة إلى القران و السنّة ـ بيشاور ، و غيره.
(3) مثالهم نيكلسون ، اُنظر : تطوّر تفسير القران : 100.
(4) اُنظر : التصوّف في الإسلام / عمر فرّوخ : 24ـ دارالكتاب العربي ـ بيروت ـ 1401هـ.

(17)
لكن هذه النظرية الأخيرة بالخصوص تعرّضت للنقض من قِبَل مستشرق آخر ـ تيودورنولدكه ـ حين رأى أنّ السين إلىونانيّة تثبت عند التعريب سيناً ، و لا تقلب صاداً ، فكلمة (فيلوسوفيا) تصبح بالتعريب (فلسفة) لا (فلصفة) (1).
     بينما ذهب أصحاب الرأي الثاني إلى أنّ حركة الزهد و التصوّف الإسلامي كانت ثمرة طبيعية للمبادئ الأخلاقية التي رسمها القران الكريم للحياة البشرية و طبّقها الرسول الكريم و صحابته في حياتهم (2).
     و الحقّ أنّه ينبغي أن يضاف إلى هذا ما كان للأوضاع السياسية من أثر كبير في لجوء الكثير من أهل العلم إلى طلب العزلة و حياة الزهد ، و الذي يعدّ النواة الاُولى لحركة التصوّف في الإسلام.
     و قد أشار الغزإلى إلى هذا إشارة واضحة في قوله : إنّه لمّا انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قومٍ تولّوها بغير استحقاق و لا استقلال بعلم الفتاوى و الأحكام, فاضطرّوا إلى الاستعانة بالفقهاء و إلى استصحابهم في جميع أحوالهم ، و قد كان بقي من العلماء من هو مستمرّ على الطراز الأوّل و ملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طُلبوا هربوا و أعرضوا (3).
كما ساعد علي نموّ التصوّف إليأسُ الذي أصاب الناس من الحكومات المتعاقبة المتطاحنة ، و البعدُ عن حقيقة الفقه في الدين ، فدفعهم كلّ ذلك إلى الانزواء عن حياة يرونها مليئة بالمظالم و المفاسد, مع غياب الأمل في

(1) التصوّف في الإسلام : 24.
(2) تطوّر تفسير القران : 100.
(3) حجّة الله البالغة/ الدهلوي 1 : 322ـ دار الكتب الحديثة ـ القاهرة.

(18)
الإصلاح ، فوجدوا في الصوامع و التكايا اُنساً في العبادة ينقذهم من كلّ اضطراب يبعثه في النفوس أزيز الدنيا و تناقضاتها.
     بين التأصيل و التهجين :
     إنّ النظرية الاُولى و إن بدت و كأنّ لها شواهد من الواقع ، الا أنّها لم تكن موفّقة تماماً , لأنّها جاوزت حدّ الاعتدال أحياناً كثيرة ، إذ إنّ ما اعتمدته من شواهد واقعيّة هو في الغالب لا يصلح دليلاً على ما قطعت به تلك النظرية من قول ، كما أنّه كثيراً ما يكون من رصيد النظريه الثانية ، نظرية التأصيل.
     ـ فإذا كانت السبئيّّة (1) و الراوندية من اثار الديانات القديمة (2) ، فإنّ مصيرهما هو النبذ و الطرد من الدائرة العقلية الإسلامية..
     ـ و إذا كان المعتزلة قد تأثّروا بالفلسفة القديمة ، فهم لم يأخذوا عقائد إلىونان و الهنود و الفرس ، و إنّما أخذوا منا هج البحث و الاستنباط, فتأثّروا مثلاً بالمنطق الأرسطي ، و المنطق لغة نافعة في البحوث العقلية ، و ليس هو لغة عقيدة ، أي أنّهم أخذوا آلة البحث ، و لم يأخذوا سَيره و نتائجه.
     و لكن كلّ هذا لا يعني انعدام التأثر بالعقائد الغريبة بالكامل ، و أظهر ما يكون هذا التأثّر لدي الفرق الغإلية على وجه الخصوص ، و مع هذا فالغلو ليس كلّه اقتباس ، بل لمّا كان الغلوّ هو منتهى التطرّف الديني ، فقد يصيب الشذّاذ من كلّ ملّة دون أن يقتبس بعضهم من بعض.
     ربما نرى في النقطة اللاحقة بعض آثار التأثّر و الاقتباس عند غير الغلاة..

(1) السبئيّة كما يصوّرها المؤرّخون ليس لها حقيقة تثبت أمام التحقيق.
(2) اُنظر : المذاهب الإسلامية : 18.

(19)
     أين يُصنّف أصاب التجسيم؟
     اتّفق أصحاب النظريّتين الاُولى و الثانية على أنّ القول بالتجسيم دخل إلى المسلمين من عقائد إليهود و إلىونان و غيرهم (1). و قد تجسّد هذا القول كمذهب خالص لدى الكرّامية ، أتباع محمّد بن كرّام (2). و قد اخترنا هذا الاتّفاق على اصل عقيدة المجسّمة بالذات لأنّه أمر يثير الا ستغراب حقّاً..
     إذ إنّ القائلين بالتجسيم هم أكثر الناس رجوعاً إلى الحديث ، حتى عُدّ التجسيم من خصائص الحشوية من أصحاب الحديث ، و الظاهرية المتمسّكين بظواهر النصوص (3) !
     فإذا كانت اُولى العقائد التى دُوّنت علي المجسّمة قولهم : إنّ الله تعالى على العرش اسقراراً ، و أنّه بجهة الفوق لا غير ، مماسّ للعرش من جهته العليا ، و أنًه قد امتلأبه العرش ، أو أنّه ـ تعالى شأنه ـ على بعض أجزاء العرش ، على قولين لهم ، كما جوّزوا عليه تعالى الانتقال و التحوّل و النزول (4)..
     إذا كانت تلك هي عقائد المجسّمة ، فهذه جميعها داخلة في عقائد أصحاب الحديث و الظاهرية ، بل قد تطرّقت إلى الفقهاء من أصحاب الحديث! و لعلّ
(1) اُنظر : الملل و النحل 1 : 84 ، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 : 331 ، تطوّر تفسير القران : 102.
(2) اُنظر : الملل و النحل 1 : 99.
(3) اُنظر : الملل و النحل 1 : 96 ، تلبيس إبليس/ أبو الفرج ابن الجوزي : 134ـ دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ 1407 هـ.
(4) الملل و النحل 1 : 99.

(20)
أشهرهم في ذلك ابن تيميّة..
     لقد نصر ابن تيميّة تلك العقائد بكلّ قوّة و كافح عنها طويلاً ، و صنّف فيها كثيراً ، و أثبت القول بالجهة و الاستواء و الانتقال و النزول (1). و دافع عن القول بامتلاء العرش به تعالى ، و مع ذلك فهو لم ينكر القول بأنّه تعالى على بعض العرش ، و لا عدّه في الأباطيل و الموضوعات!
     و احتجّ ابن تيميّة لتلك العقيدة برواية عبدالله بن خليفة التي تنصّ على : ( أنّ كرسيّة وسع السماوات و الأرض ، و أنّه ليقعُد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ، و إنّ له أطيطاً الرحل الجديد إذا رُكب ، من ثقله )!
     فقال ابن تيميّة : يروي هذا الحديث بالنفي ـ أي (ما يفضل منه أربع أصابع) ـ قال : و لفظ النفي لا يَرِِد عليه شيء (2) !
     غيبة المعايير الثابتة :
     و منهجيّاً : إنّ هنا حقيقة مهمّة ، و هي أنّه حين تُفتح الأبواب لإقحام الآراء من غير أن تكون هناك ضوابط محدّدة يتمّ التزامها ، فسوف تغيب معالم الحقيقة ، و تظهر للتاريخ وجوه شتّى قد لا تتشابه في شيء ، بل قد تكون متنافرة تماماً.
     نعرض هنا اُنموذجاً واحداً خإلياً من التعقيد يعطينا صورة عن تلك الوجوه المتنافرة لحقيقة واحدة ، و مثالنا هذا عن المعتزلة :
     ـ ففي تفسير نشأة المعتزلة ، قال بعض الكتّاب : إنّ منشأ الاعتزال كان على
(1) اُنظر له : الحموية الكبرى ، شرح حديث النزول ، مجموع الفتاوى ج 5 ، 6.
(2) منهاج السنّة/ ابن تيميّة 1 : 260 و 261 ـ المكتبة العلمية ـ بيروت.