(1)
سلسلة المعارف الاسلامية
المذاهب و الفرق فى الاسلام
النشاْة والعالم
صائب عبدالحميد
تحظي اصدارات المركز
بالمتابعة و التقويم و الاشراف العلمي


(2)

(3)
بسم الله الرحمن الرحيم

(4)

(5)
كلمة المركز
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين نبيّنا محمد ، و آله الطيّبين الطاهرين ـ ـ و بعد.
     إنّ التطورات السياسية المتلاحقة التي طراْت على الأمّة قبل تدوين تاريخها ، ابتداءً من السقيفة و إلى نهاية القرن الثاني من الهجرة كان لها اْكبر الأثر في تشويه معالم التاريخ إلاسلامي ، لمحاولة السلطات السياسة ــ لاسيما في العهدين الأموي و العباسي ــ توجيه حوادث التاريخ الإسلامي بما يخدم سياستها و يعزّز من وجودها و من هنا أنزلت عقوبتها باتّباع الفكر المعارض ، ولجمت الاْفواه عن قول الحق ، و سخّرت جملة ممّن عاشوا على موائدها لأن يضعوا لها تفسيراً يتلائم مع رغبتها و تبريراً يستر فصائحها علي حساب المفاهيم الإسلامية سواء كان ذلك على مستوى رواية الحديث في تمجيد من يشاء الحاكم أو ذمّ من يريد أو على مستوى صياغة الحدث التاريخي اْو روايته بما يناسب توجه السلطة و طموحها ، الأمر الذي أدّى بطبيعته إلى وقوف السلطة إلي جانب الفكر المساعد علي بقاء منهجها و ديموميّة سياستها و تاْييده بكلّ قوّة ولو كان شاذّاً.
     و ما تاريخ أمّتنا السياسي و الثقافي الا حصيلة اْدوار مختلفة بين انحراف و استقامة و خطاْ و صواب ، و لهذا علقت بمسيرته خرافات و اْساطير ، و شوائب كثيرة ، و اْلوان دخيلة حتى وصل الينا و هو يجّر خطواته في و هن وضعف مكبّلاً بأغلال المعطيات السياسية و تقلباتها ، و المنعطفات المذهبية و طائفيتها ، حاملاً اْثقال ما جنته على حوادثه في القرون الثلاثة الاْولي من عمره ، و بصورة أثّرت اكثيراً على فهم حقائقه ، و من هنا وجب الاحتراز


(6)
من كتب التاريخ نفسها لأنّها قد اْسهمت و بشكل مباشر في تصطيح الوعي العالم بجملة واسعة من الحقائق التاريخية لما لحقها من تزوير و تشويش.
     ولا يعني هذا الحكم ببطلان مصادر التاريخ الاسلامي كلّها ، بل على العكس؛ إذ تضمّنت حقائق كثيرة لم تطلها يد التحريف و التزوير ، بقدر ما يعني أنّ بحث أيّة فكرة على أساس تاريخي واقعي يستدعي قبل كلّ شيء التخلي عن الهالة القدسية التي أحيطت بالتاريخ بكل ما فيه من انحرافات و أخطاء و تعريته عمّا علق به ، و النظر إليه علي أساس كونه مادّة أوّلية لم تنقّح كما ينبغي ، و أنه مجرد أداة من أدوات و عي الفكرة موضوع البحث لا أن يكون خاضعاً لأصل الفكرة ، و إلا ستكون نصوصه المعتمدة مشوّهة في مرحلة سابقة لنتائجه0 فالمطلوب إذن هو القراءة الواعية للتحوّلات السياسية و الفكرية التي طراْت في تاريخ امّتنا ، و كيف كان اْثرها على المجتمع ، و أن يكون التعامل مع كلّ وضع بما يناسب حجمه في إطار موضوعي ، لا أن تختلط الأْوراق بشكل عجيب كما نلاحظ في بعض الدراسات التاريخية التي لم تلتفت حتي الي صدق قانون العلّية العامّة في ربط كلّ حادث بسببه و كل معلول بعلّتة. الأْمر الذي يجب أن يلحظ في كلّ دراسة تاريخية خصوصاً إذا ما كان موضوع البحث هو تاريخ المذاهب و الفرق الاسلامية ، لمايختزنه هذا الموضوع من حسّاسيّة كبيرة و ما يتطلّبه من إجابة علمية على كثير من التساؤلات ، من قبيل السؤال عن الأسباب الحقيقية في نشأة المذاهب و الفرق, و معرفة علّة وجودها, و ما هي حركة المفاهيم الإسلامية بينها, و ما مقدار حيويّتها و حرارتها, و درجة نجاحها, و قدرتها على التأثير أو إخفاقها؟ و هل كانت تلك المذاهب و الفرق كلّها ــ على التفاوت الملحوظ بينها ــ تمثّل تجربة عملية لمفاهيم الإسلام و انزالها إلي الواقع اليومي في التطبيق ، و ما هو التقييم العلمي الموضوعي لتلك التجارب من خلال الظروف التي أحاطت بها عند نشأتها؟ و ما مدى ارتباطها بالعوامل السياسية المعاصرة لها ، و نوعيّة الأساليب التي


(7)
استخدمت في سبيل دعمها و تمكينها, أهي فكر السلطة ، أو سلطة الفكر وقوّته؟
     و إذا كانت تلك التجارب بأسرها قد جعلت من الإسلام بكلّ مبادئه و مسلماته مقياساً تقاس عليه الأشياء و ميزاناً توزن به الأمور ، فلماذا نرى إذن في تلك الآراء (الإسلامية) مخالفات صريحة للإسلام في منعطفات شتى؟!
     أليس من الضرورة إذن معرفة القواعد التي انطلقت منها الشرارة الأولى لتلك المذاهب و الفرق ، و فهم الأسس التي شيّدت عليها بنيانها ، و الدائرة التي اتّسعت لحركتها ، والعوامل التي شاركت في استمرار وجودها أو عدمه و علاقة ذلك بالحاكم سلباً أو إيجاباً ، و دور السلطة السياسية في توفير القوّة الفاعلة في ايجاد الخلاف المذهبي ، و إثارة الحقد الطائفي الذي بلغ من الخسّة و الوضاعة درجة افرزت قول بعضهم : آكل ذبيحة اليهودي و آكل ذبيحة المسلم من المذهب الفلاني؟!!
     إن التفاوت المنظور بين المذاهب و الفرق في النشأة و المعالم و المنهج و المحتوي يجب أن يكون محفزاً قوّياً للمسلم على اكتشاف الأصلح منها ، و أما كيف يكون ذلك ، فبقياس درجة تقبّله فكر الاخر و سماعه و إن لم يكن صحيحاً في الواقع ، مع القدرة على التنازل عما يثبت له خطأ مذهبه بالدليل.
     و يمكن للحقيقة أن تنمو في عقيدته من خلال تجربته مع الحلول التي قدّمها مذهبه لمشاكل الأمّة في إطار عقيدتها بالإسلام فكراً و سلوكاً و مقارنتها بالحلول الإسلامية الأخرى ، فإذا امارآه مثلاً يربّي أتباعه علي انخفاض درجة الإرادة في مقاومة الحاكم الظالم ، و تسميته بولي الأمر مثلاً سيدرك إخفاقات المذهب من خلال تجربته مع تلك الحلول و تلمّس نتائجها الوخيمة على أرض الواقع.
     و هكذا سيدرك بأن تلك المذاهب و الفرق لم تقدّم ــ كلها ــ لاتّباعها مزيداً من الوعي الإسلامي بسبب ما أحدثته من تغيير ، و إن الضمانات التي قدّمتها لاتّباعها لم تكن


(8)
بتلك الدرجة المطلوبة لتجاوز الامتحان العسير المرتقب ، بل كان بعضها علي درجة كبيرة من الضلال و الإضلال كما رأينا ذلك في (مفتي الذبيحة).
     و الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القاري له مسوّغات كثيرة فاجمة عن طبيعة بعض الفرق المنتسبة للإسلام والتى تعثّرت خطوات مسيرتها كثيراً منذ نشأتها المتأخرة و إلي يوم الناس هذا ، و قد عُرِفَت بتكفيرها سائر المسلمين لمجرّد الاعتقاد بالزيارة ، و التوسّل ، و الشفاعة ، حيث اعتبرت كلّ هذا كفراً بواحاً! و أباحت لاجله دماء المسلمين! و لا زالت تتخبّط في تصر فاتها حتى صارت سبباً مباشراً لاتّهام الإسلام بكل سماحته و إنسانيته بالتعسّف و الإرهاب!
     و سيجد القاريء في هذا الكتاب جهوداً علمية كثيرة و نتائج جديدة تفرّد بها مؤلّفه المحترم ، و هي جديرة بالعناية و الاهتمام ، و البحث ، و النقد بهدف التطوير, و التأمّل أيضاً.
     آملين أن يحقّق أهدافه في الثقافة المطلوبة ، و الهداية إلى الصراط المستقيم
و الله الهادي إلي سواء السبيل
مركز الرسالة


(9)
المقدمة
ليست قليلة الكتابات و البحوث التي كُتبت في تاريخ الفرق و المذاهب الاسلامية ، منذ أوائل القرن الرابع ، حيث ظهرت أول التصانيف في هذا الموضوع ، و حتي يومنا هذا غير أن القليل منها بل النادر هو الذي احتوى جهداً تحقيقّياً جادّاً ، يُخضع للتحقيق العلمي حتى القضايا المشهورة و التي أخذت طريقها إلي سائر ما كُتب في هذا الباب و كأنها ثوابت تاريخية لا نقاش فيها0 اذ درجت سائر الكتابات على اعتماد أقوال الكثير من المتقدمين ، من مؤرخين و متكلمين علي أنها الحقائق النهائية في موضوع البحث ، بحجّة قول المؤرّخ أو المتلكم الموثّق في قضايا اخري دخلت في إطار تخصّصه0 لكن كم من أمر مشهور و قضية استمرّ التعامل معها على أنها مسلّمة قد أثبت التحقيق في أصلها و عرضها على الأسئلة الجادّة أنها قضية لا أصل لها ، و أن الحقيقة في الأمر شيء آخر لم يأخذ نصيبه من الشهرة و لا حظّه في التداول؟
     و في تاريخ نشأة المذاهب العيقيدية الاسلامية تواجهنا هذه الحقيقة في مواضع متعدّدة, و جدير بنا أن نتوقّع ذلك منذ الوهلة الأولى ، فالتاريخ تاريخ مذاهب و فرق عاشت في ما بينها فترات طويلة ، و ربّما متّصلة من النزاعات و الخلافات التي تبلغ ذروتها أحياناً في حروب طاحنة ، و تقف أحياناً أخرى عند مستوى التكفير والتفسيق و القذف بشتي ألوان التُّهم و الطعون0 و من ناحية اُخرى فان الكتّاب الذين كتبوا في تواريخها هم كتّاب ينتمون سلفاً إلى إحداها ، و يتعصبون لها ، و يذبون عنها ، و يصوبون مقولاتها ، و يقفون موقفاً سلبياً إزاء سائر الفرق الاخري التي تختلف معها في مقولاتها ، أو في تاريخها السياسي ، أو في الاثنين معاً0 فكيف لا نتوقّع غياب الروح الموضوعية و الانصاف في أحوال كهذه؟
     إن السبيل الوحيد للخروج من هذه الاشكالية هو اعتماد التجرّد و الموضوعية و الحياد في قراءة التاريخ ، لوضع كل شيء في محلّه ، واعطاء كلٍّ نصيبه ، و وضع كل قضية في إطارها الموضوعي الصحيح ، دون مزايدة أو تنقيص.
     إنّ السجال و الصراع العقائديين اللذين اتّسما بالعنف و الخشونة غالباً في القرن الأول و الثاني من الهجرة قد أفرزا الشيء الكثير مما ينبغي إعادة النظر فيه بروح موضوعية متجرّدة من دواعي ذلك النزاع ، لا سيّما مع ما ينبغي أن يكون تأثّره بتلك الا جواء


(10)
شديد الوضوح الي حدّ لا ينبغي التغافل عنه ، بل لا يتمّ التغافل عنه الا مع الخضوع لأدوات النزاع السالفة نفسها و التحزّب لها.
     في تلك المرحلة أفرزت هذه النزاعات العديد من الأحاديث الموضوعة لرمي طائفة من الناس بسمة ما ، تنفّر الآخرين منها ، و تقصيها عن دائرة الإسلام و التوحيد. و لئن وضع الكثير من المحققين القدماء و المحدثين الأصابع على طائفة من هذه الأحاديث ، الا أنها ما زالت هي الأكثر رواجاً في تصنيف عدد غير قليل من الطوائف الإسلامية ، الأمر الذي يستدعي المزيد من التحقيق في إرجاع كل شيء إلي أصله.
     و لعلّ من أكثر القضايا وضوحاً ما نشهده من تسميات منفّرة للعديد من الفرق ، نقطع منذ اللحظة الأولى أنها تسميات أطلقت من الخارج ، و لم تكن منتخبة من أصحابها على الاطلاق.
     فلا نستطيع أن نقبل أن طائفة تنسب إلى الإسلام تطلق على نفسها اسم (الشيطانية) مثلاً, بل حتى تسميات مثل : (المسجمة) و (المعطلة) و (الرافضة) و (الخشبيه) هي تسميات لا يمكن أن تكون مختارة, بل لا يمكن الا أن تكون من وضع فئة قوية لها كلمة نافذة, استطاعت تعميم هذه التسميات لتكون مفروضة على أصحابها0 بل لنا أن نتوقّع أنه لو ترك الأمر لفرقة (المعتزلة) لما اختاروا لأنفسهم هذه التسمية و هم يعتقدون _ كسائر الفرق _ أنهم على الحق ، دون سواهم ، أو أنهم علي الأقل أقرب إلى الحق من سواهم ، فإذا علمنا من ناحية أخرى أن المؤرّخين يضعون ستة أسباب لنشأة (المعتزلة) وحدها ، علمنا كم دخلت في هذا الموضوع من آراء و اتجاهات جديرة بالبحث و التحقيق. (br>     و هذه الدراسة التي نقدّمها في هذا الكتاب ، بتقسيم جديد ، بعد أن كانت قد توزّعت على مباحث في كتابنا ( تاريخ الإسلام السياسي و الثقافي _ مسار الإسلام بعد الرسول و نشأة المذاهب) ، تأخذ على عاتقها هذه المهمة ، على أمل أن تكون قد قدّمت للقارئ أقرب الصور إلى الحقيقة في موضوع نشأة المذاهب و الفرق و في معالمها الأساسية.
و ما توفيقي الا باللّه, عليه توكلت و إليه اُنيب.