الامام المهدي (ع) ::: 16 ـ 30
(16)
إثنا عشر ، لا ريب ولا خلاف في هذه الناحية ، فإنّ القيود التي ذكرت في رواية الائمّة إثنا عشر ، تلك القيود كلّها منطبقة على المهدي سلام الله عليه ، لانّ هذا الامام عندما يظهر يجتمع الناس على القول بإمامته ، وأنّ الله سبحانه وتعالى سيعزّ الاسلام بدولته ، وأنّه سيظهر دينه على الدين كلّه ، وجميع تلك القيود والمواصفات التي وردت في أحاديث الائمّه اثنا عشر كلّها منطبقة على المهدي سلام الله عليه.
    وببالي أنّي رأيت في بعض الكتب التي حاولوا فيها ذكر الخلفاء بعد رسول الله من بني أُميّة وغيرهم ، يعدّون المهدي أيضاً من أُولئك الخلفاء الاثني عشر ، الذين أخبر عنهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الاحاديث التي درسناها في الليلة الماضية.
    وإلى الان عرفنا الاتفاق على ثلاثة نقاط :
    النقطة الاُولى : أنّ في هذه الاُمّة مهدياً.
    النقطة الثانية : أنّ لكلّ زمان إماماً يجب على كلّ مسلم معرفته والايمان به والالتزام بطاعته والانقياد له.
    النقطة الثالثة : أنّ المهدي ( عليه السلام ) الذي أخبر عنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تلك الاحاديث الكثيرة ، نفس المهدي الذي يكون الامام الثاني عشر من الائمّة الذين أخبر عن إمامتهم من بعده في أحاديث الائمّة إثنا عشر.
    وإلى الان عرفنا المشتركات بين المسلمين ، فإنّه إلى هنا لا خلاف بين طوائف المسلمين ، ويكون المهدي حينئذ أمراً مفروغاً منه ومسلّماً في هذه الاُمّة ، والمهدي هو الثاني عشر من الائمّة الاثني عشر ، فهو الامام الحق الذي يجب معرفته والاعتقاد به ، وأنّ من مات ولم يعرف المهدي مات ميتة


(17)
جاهلية.
    وهنا قالت الشيعة الامامية الاثنا عشرية : إنّ الذي عرفناه مصداقاً لهذه النقاط هو ابن الحسن العسكري ، ابن الامام الهادي ، ابن الامام الجواد ، ابن الامام الرضا ، ابن الامام الكاظم ، ابن الامام الصادق ، ابن الامام الباقر ، ابن الامام السجاد ، ابن الحسين الشهيد ، ابن علي بن أبي طالب ، سلام الله عليهم أجمعين.
    فهذه عقيدة الشيعة ، فهم يطبّقون تلك النقاط الثلاثة المتفق عليها على هذا المصداق.
    فهل هناك حديث عند الجمهور يوافق الشيعة الاماميّة ، ويدلّ على ما تذهب إليه الشيعة الاماميّة في هذا التطبيق ؟
    هل هناك حديث أو أحاديث من طرق أهل السنّة توافق هذا التطبيق وتؤيّد هذا التطبيق أو لا ؟
    من هنا يشرع البحث بين الشيعة وغير الشيعة ، هذه عقيدة الشيعة ولهم عليها أدلّتهم من الكتاب والسنّة وغير ذلك ، وما بلغهم وما وصلهم عن أئمّة أهل البيت الصادقين سلام الله عليهم.
    لكن هل هناك ما يدلّ على هذا الاعتقاد في كتب أهل السنّة أيضاً ، لتكون هذه العقيدة مؤيَّدة ومدعمة من قبل روايات السنّة ، ويمكن للشيعة الاماميّة أنْ تلزم أولئك بما رووا في كتبهم أو لا ؟
    نعم وردت روايات في كتب القوم مطابقة لهذا الاعتقاد ، إذن ، يكون هذا الاعتقاد متفقاً عليه حسب الروايات وإن لم يكن القوم يعتقدون بهذا الاعتقاد بحسب الاقوال ، إلاّ أنّا نبحث أوّلاً عن العقيدة على ضوء الادلّة ، ثمّ


(18)
على ضوء الاقوال والاراء ، فلنقرأ بعض تلك الروايات :
    الرواية الاُولى : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّوجلّ ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي ، فقام سلمان الفارسي فقال : يا رسول الله ، من أيّ ولدك ؟ قال : من وَلَدي هذا. وضرب بيده على الحسين ».
    هذه الرواية في المصادر عن أبي القاسم الطبراني (1) ، وابن عساكر الدمشقي ، وأبي نعيم الاصفهاني ، وابن قيّم الجوزية ، ويوسف بن يحيى المقدسي (2) ، وشيخ الاسلام الجويني (3) ، وابن حجر المكي صاحب الصواعق (4).
    الحديث الثاني : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبضعته الزهراء سلام الله عليها وهو في مرض وفاته : « ما يبكيك يا فاطمة ، أما علمت أنّ الله اطّلع إلى الارض إطّلاعة أو اطْلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبيّاً ، ثمّ اطّلع ثانية فاختار بعلك ، فأوحى إليّ فأنكحته إيّاك واتّخذته وصيّاً ، أما علمت أنّكِ بكرامة الله إيّاك زوّجك أعلمهم علماً ، وأكثرهم حلماً ، وأقدمهم سلماً. فضحكت واستبشرت ، فأراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يزيدها مزيد الخير ، فقال لها : ومنّا مهدي الاُمّة الذي يصلّي عيسى خلفه ، ثمّ ضرب على منكب الحسين فقال : من هذا مهدي الاُمّة ».
1 ـ المعجم الكبير 10/166 رقم 10222 باختلاف.
2 ـ عقد الدرر في أخبار المنتظر : 56 ـ انتشارات نصايح ـ قم ـ 1416 هـ.
3 ـ فرائد السمطين 2/325 رقم 575 عن حذيفة بن اليمان ـ مؤسسة المحمودي ـ بيروت ـ 1400 هـ.
4 ـ الصواعق المحرقة : 249 وما بعدها.


(19)
وهذا الحديث رواه كما في المصادر : أبو الحسن الدارقطني ، أبو المظفر السمعاني ، أبو عبدالله الكنجي ، وابن الصبّاغ المالكي (1).
    الحديث الثالث : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « يخرج المهدي من ولد الحسين من قبل المشرق ، لو استقبلته الجبال لهدمها واتّخذ فيها طرقاً ».
    وهذا الحديث كما في المصادر عن نعيم بن حمّاد ، والطبراني ، وأبي نعيم ، والمقدسي صاحب كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر (2).
    هذا بحسب الروايات.
    وأمّا بحسب أقوال العلماء المحدّثين والمؤرّخين والمتصوفين ، هؤلاء أيضاً يصرّحون بأنّ المهدي ابن الحسين ، أي من ذريّة الحسين ، ويضيفون على ذلك أنّه ابن الحسن العسكري ، وأيضاً مولود وموجود ، هؤلاء عدة كبيرة من العلماء من أهل السنّة في مختلف العلوم ، أذكر أشهرهم :
    أحمد بن محمّد بن هاشم البلاذري ، المتوفى سنة 279 هـ.
    أبو بكر البيهقي ، المتوفى سنة 458 هـ.
    ابن الخشّاب ، المتوفى سنة 567 هـ.
    ابن الازرق المؤرخ ، المتوفى سنة 590 هـ.
1 ـ البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي : 502 ( ضمن كفاية الطالب ) ـ دار احياء تراث أهل البيت ـ طهران ـ 1404 هـ.
    الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي : 296 ـ منشورات الاعلمي ـ طهران.
2 ـ عقد الدرر للسلمي الشافعي : 223. سبط ابن الجوزي الحنفي ، المتوفى سنة 654 هـ.


(20)
    ابن عربي الاندلسي صاحب الفتوحات المكية ، المتوفى سنة 638 هـ.
    ابن طلحة الشافعي ، المتوفى سنة 653 هـ.
    الكنجي الشافعي ، المتوفى سنة 658 هـ.
    صدر الدين القونوي ، المتوفى سنة 672 هـ.
    صدر الدين الحموي ، المتوفى سنة 723 هـ.
    عمر بن الوردي المؤرخ الصوفي الواعظ ، المتوفى سنة 749 هـ.
    صلاح الدين الصفدي صاحب الوافي بالوفيات ، المتوفى سنة 764 هـ.
    شمس الدين ابن الجزري ، المتوفى سنة 833 هـ.
    ابن الصبّاغ المالكي ، المتوفى سنة 855 هـ.
    جلال الدين السيوطي ، المتوفى سنة 911 هـ.
    عبد الوهاب الشعراني الفقيه الصوفي ، المتوفى سنة 973 هـ.
    ابن حجر المكي ، المتوفى سنة 973 هـ.
    علي القاري الهروي ، المتوفى سنة 1013 هـ.
    عبد الحق الدهلوي ، المتوفى سنة 1052 هـ.
    شاه ولي الله الدهلوي ، المتوفى سنة 1176 هـ.
    القندوزي الحنفي ، المتوفى سنة 1294 هـ.
    فظهر إلى الان :
    أوّلاً : أنّ المهدي ( عليه السلام ) من هذه الاُمّة.
    ثانياً : المهدي ( عليه السلام ) من بني هاشم.
    ثالثاً : المهدي ( عليه السلام ) من عترة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ).


(21)
    رابعاً : المهدي ( عليه السلام ) من ولد فاطمة ( عليها السلام ).
    خامساً : المهدي ( عليه السلام ) من ولد الحسين ( عليه السلام ).
    ولكلّ واحد من هذه النقاط : كونه من هذه الاُمّة ، كونه من بني هاشم ، كونه من عترة النبي ، كونه من ولد فاطمة ، كونه من ولد الحسين ، لكلّ بند من هذه البنود ، روايات خاصة ، ولم نتعرض لها لغرض الاختصار.
    فانتهينا إذن من الفصل الاول.


(22)

(23)
    هناك بحوث تدور حول روايات في كتب السنّة تخالف هذا الذي انتهينا إليه ، ولربّما اتّخذ بعض العلماء من أهل السنّة ما دلَّت عليه تلك الروايات عقيدةً لهم ، ودافعوا عن تلك العقيدة ، إلاّ أنّنا في بحوثنا حقّقنا أنّ تلك الروايات المخالفة لهذا العقيدة ، إمّا ضعيفة سنداً ، وإمّا فيها تحريف ، والتحريف تارةً يكون عمداً ، وتارة يكون سهواً ، وتلك البحوث هي :
    أوّلاً : الخبر الواحد الذي ورد في بعض كتبهم في أنّ « المهدي هو عيسى ابن مريم » (1) ، فليس من هذه الاُمّة ، وإنّما المهدي هو عيسى بن مريم ، فالمهدي الذي أخبر به رسول الله في تلك الروايات الكثيرة المتواترة التي دوّنها العلماء في كتبهم ، وأصبحت روايات موضع وفاق بين المسلمين ، وأصبحت من ضمن عقائد المسلمين ، المراد من المهدي في جميع تلك الروايات هو عيسى بن مريم.
    وهذه رواية واحدة فقط موجودة في بعض كتب أهل السنّة.
    وثانياً : الخبر الواحد الذي ورد في بعض كتبهم من أنّ « المهدي من ولد
1 ـ المنار المنيف لابن قيم الجوزية : 148 ، كنز العمال 14/263 ح 38656.

(24)
العباس » (1) ، فليس من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ).
    وهذا كأنّه وضع في زمن بني العباس لصالح حكّام بني العباس.
    وثالثاً : الخبر الواحد الذي في كتبهم من أنّه « من ولد الحسن » (2) ، لا من ولد الحسين.
    و هذا ايضا خبر واحد.
    ورابعاً : الخبر الواحد الذي في بعض كتبهم من أنّ « اسم أبي المهدي اسم أبي النبي » (3) ، وأبو النبي اسمه عبدالله ، فلا ينطبق على المهدي ابن الحسن العسكري سلام الله عليهم ، فتكون رواية مخالفة لما ذكرناه واستنتجناه من الادلة.
    وخامساً :
    ما عزاه ابن تيميّة إلى الطبري وابن قانع من « أنّ الحسن العسكري قد مات بلا عقب » وإذا كان الحسن العسكري قد مات بلا عقب ، فليس المهدي ابن الحسن العسكري.فهذه بحوثٌ لابدّ من التعرّض لها وإثبات ضعف هذه الاحاديث المخالفة ، أو إثبات أنّها روايات محرّفة.
    أمّا ما نسبه ابن تيميّة إلى الطبري صاحب التاريخ ، وإلى ابن قانع ، فهو كذب ، وقد حققته بالتفصيل في بعض مؤلفاتي.
    وأمّا بالنسبة إلى البحوث الاُخرى ، فلو أردنا الدخول في تحقيقها
1 ـ المصدر نفسه : 149 ، كنزالعمال : 14/264 ح 38663.
2 ـ المنار المنيف لابن قيّم الجوزية : 151.
3 ـ كنز العمال 14/268 ح 38678.


(25)
لاحتجنا إلى وقت إضافي ، فإن شاء الله تعالى بعد أن أُكمل البحث في هذه الليلة في الفصل الثالث ، إن بقي من الوقت شيء ، ندخل في هذه البحوث لغرض التفصيل ، وإلاّ فلا ضرورة. وحينئذ نصل إلى الفصل الثالث.


(26)

(27)
    عنوانه سؤالات ؟
    السؤال الاول : مسألة طول العمر ؟
    السؤال الثاني : لماذا هذه الغيبة ؟
    السؤال الثالث : ما الفائدة من إمام غائب ؟
    السؤال الرابع : أين يعيش المهدي ؟
    السؤال الخامس : متى يظهر ؟
    السؤال السادس : ما هو تكليف المؤمنين تجاهه وتجاه الاحكام الشرعية في زمن الغيبة ؟
    السؤال السابع : ما هي الحوادث الكائنة عند ظهوره وبعد ظهوره ؟
    السؤال الثامن : مسألة الرجعة ؟
    وقد تكون هناك أسئلة أُخرى.
    ولابدّ من الاجابة على هذه الاسئلة ولو بنحو الاجمال ، لئلاّ يبقى البحث ناقصاً.
    أقرأ لكم عبارة السعد التفتازاني أوّلاً ، وندخل في البحث ونشرع في الجواب عن هذه الاسئلة ولو بنحو الاجمال كما ذكرت.


(28)
    يقول السعد التفتازاني (1) : زعمت الامامية من الشيعة أنّ محمّد بن الحسن العسكري اختفى عن الناس خوفاً من الاعداء ، ولا استحالة في طول عمره كنوح ولقمان والخضر ( عليه السلام ). يقول : وأنكر ذلك سائر الفرق ، لانّه ادّعاء أمر مستبعد جدّاً ، ولانّ اختفاء إمام هذا القدر من الانام بحيث لا يذكر منه إلاّ الاسم بعيد جدّاً ، ولانّ بعثه مع هذا الاختفاء عبث ، ولو سلّم فكان ينبغي أنْ يكون ظاهراً ، فما قيل أو فما يقال : إنّ عيسى يقتدي بالمهدي أو بالعكس شيء لا مستند له ، فلا ينبغي أنْ يعوّل عليه.
    هذا غاية ما توصّل إليه متكلّمهم سعد الدين التفتازاني.
    أقول : إن تطرح هذه الاسئلة كبحوث علمية ومناقشات ، فلا مانع ، ويا حبّذا لو تطرح كذلك ويلتزم فيها بالاداب والاخلاق والمتانة ، ولا يكون هناك شتم وسبّ وتهجّم وتهريج واستهزاء ، وهكذا فعل بعض العلماء وبعض الكتّاب المعاصرين.
    إلاّ أنّنا إذا راجعنا منهاج السنّة وجدناه في فصل البحث عن المهدي قد ملا كتابه حقداً وبغضاً وعناداً وسبّاً وشتماً وتهريجاً وتكذيباً للحقائق !!! بحيث لو أنّكم أخرجتم من كتاب منهاج السنّة ما يتعلّق بالمهدي وما اشتمل عليه من السب والشتم لجاء كتاباً مستقلاً.
    وقد تبعه أولياؤه في هذا المنهج من كتّاب زماننا وفي خصوص المهدي سلام الله عليه واعتقاد الشيعة في المهدي ، تراهم يتهجّمون ويسبّون وينسبون إلينا الاكاذيب ، ويخرجون عن حدود الاداب ، ومع الاسف يكون لكتبهم قرّاء ومن يروّج لها في بعض الاوساط.
1 ـ شرح المقاصد 5/313.

(29)
    والحقيقة ، إنّه تارةً يشك الباحث في أحاديث المهدي ، أو يُناقش في أحاديث « الائمّة الاثنا عشر » ، أو لا يرتضي حديث « من مات ولم يعرف إمام زمانه » ، فهذا له وجه ، بمعنى أنّه يقول : بأنّي لا أُوافق على صحّة هذه الاحاديث ، فيبقى على رأيه ، ولا يتكلّم معه إن لم يقتنع بما في الكتب ، لاسيّما بروايات أبناء مذهبه.
    وأمّا بناء على قبول هذه الاحاديث لكونها مخرّجة في الصحاح ، وفي السنن ، والمسانيد ، والكتب المعتبرة ، وأنّها أحاديث متّفق عليها بين المسلمين ، وأنّ الاعتقاد بالمهدي ( عليه السلام ) أو الاعتقاد بالامام في كلّ زمان واجب ، وأنّ المهدي هو الثاني عشر في الحديث المعروف المتفق عليه ، فيكون البحث بنحو آخر ، لانّه إنْ كان الباحث موافقاً على هذه الاحاديث ، وعلى ما ورد من أنّ المهدي ابن الحسن العسكري ، فلا محالة يكون معتقداً بولادة المهدي ( عليه السلام ) ، كما اعتقدوا ، وذكرنا أسماء كثيرين منهم.
    نعم منهم من يستبعد طول العمر ، بأنْ يبقى الانسان هذه المدة في هذا العالم ، وهذا مستبعد كما عبّر السعد التفتازاني ، فإن التفتازاني لم يكذّب ولادة المهدي من الحسن العسكري سلام الله عليه ، وإنّما استبعد أن يكون الامام باقياً هذه المدة من الزمان ، ولذا نرى بعضهم يعترف بولادة الامام ( عليه السلام ) ثمّ يقول : « مات » ، يعترف بولادته بمقتضى الادلّة الموجودة ، لكنّه يقول بموته ، لعدم تعقّله بقاء الانسان في هذا العالم هذا المقدار من العمر ، لكن هذا يتنافى مع « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » حيث قرّرنا أنّ هذا الحديث يدلّ على وجود إمام في كلّ زمان.
    ولذا نرى البعض الاخر منهم يلتفت إلى هذه النواحي ، فلا يقول مات


(29)
، بل يقول : « لا ندري ما صار » ، ولد ، إلاّ أنّه لا ندري ما صار ، ما وقع عليه ، لا يعترف ببقائه ، لانّه يستبعد البقاء هذه المدة ، ولا ينفي البقاء لانّه يتنافى مع الاحاديث ، يعترف بالولادة فيقول : لا ندري ما صار ، وأين صار ، وما وقع عليه ، ممّا يظهر أنّهم ملتزمون بهذه الاحاديث ، ومن التزم بهذه الاحاديث لابدّ وأن يلتزم بولادة المهدي ( عليه السلام ) ووجوده.
    ثمّ الاستبعاد دائماً وفي كلّ شيء ، وفي كلّ أمر من الاُمور ، الاستبعاد يزول إنْ حدث له نظير ، لو أنّك تيقّنت عدم شيء أو عدم إمكان شيء ، فوقع فرد واحد ومصداق واحد لذلك الشيء ، ذلك الاعتقاد بالعدم الذي كنت تجزم به مائة بالمائة سيكون تسعين بالمائة ، لوقوع فرد واحد ، فإذا وقع فرد آخر ، وإذا وقع فرد ثالث ، ومصداق رابع ، هذا الاعتقاد الذي كان مائة بالمائة ثمّ أصبح تسعين بالمائة ، ينزل على ثمانين ، وسبعين ، و ، و ، إلى خمسين وتحت الخمسين ، فحينئذ ، نقول للسعد التفتازاني :
    إنّ الله سبحانه وتعالى أمكنه أنْ يعمّر نوحاً هذا العمر ، أمكنه أن يبقي خضراً في هذا العالم هذه المدة ، أمكنه سبحانه وتعالى أنْ يبقي عيسى في العالم الاخر هذه المدّة ، الذي هو من ضروريات عقائد المسلمين ، ومن يمكنه أنْ ينكر وجود عيسى ؟! وأيضاً : في رواياتهم هم يثبتون وجود الدجال الان ، يقولون بوجوده منذ ذلك الزمان ، فإذا تعدّدت الافراد ، وتعدّدت المصاديق ، وتعدّدت الشواهد ، يقلّ الاستبعاد يوماً فيوماً ، وهذه الاكتشافات والاختراعات التي ترونها يوماً فيوماً تبدل المستحيلات إلى ممكنات ، فحينئذ ليس لسعد التفتازاني وغيره إلاّ الاستبعاد ، وقد ذكرنا أنّ الاستبعاد يزول شيئاً فشيئاً.
الامام المهدي (ع) ::: فهرس