|
|||
|
161
قائل فاعل .
قال : كيف ذلك ؟ قال : كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق ، ولا يلفظ بشقّ فم ولسان ، ولكن يقول له : ( كن ) فكان بمشيئته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردّد في نفس » (1) الخبر . 4 ـ وفي الخصال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنّ الله ناجى موسى (عليه السلام) بمئة ألف كلمة وأربعة وعشرين ألف كلمة في ثلاثة أيّام ولياليهنّ ، ما طعم فيها موسى (عليه السلام) ولا شرب فيها ، فلمّا انصرف إلى بني إسرائيل وسمع كلامهم مقتهم لما كان وقع في مسامعه من حلاوة كلام الله عزّ وجلّ » (2). 5 ـ وفي التوحيد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في حديث : « فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح الجبل ، وصعد موسى إلى الطور وسأل الله تعالى أن يكلّمه ويُسمعهم كلامه ، فكلّمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام . إنّ الله عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة ثمّ جعله منبعثاً منها حتّى يسمعوه من جميع الوجوه » (3). 6 ـ وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (1) بحار الأنوار : (ج4 ص152 ب6 ح4) . (2) تفسير الصافي : (ج1 ص521) . (3) تفسير الصافي : (ج1 ص522) . 162
« كلّم الله موسى تكليماً بلا جوارح وأدوات وشفة ولا لَهَوات ، سبحانه وتعالى عن الصفات » (1).
7 ـ في حديث إحتجاج اليهود مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « ... قالت اليهود : موسى خير منك . قال النبي (صلى الله عليه وآله) : ولِمَ ؟ قالوا : لأنّ الله عزّ وجلّ كلّمه بأربعة آلاف كلمة ولم يكلّمك بشيء . فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : لقد اُعطيتُ أنا أفضل من ذلك . قالوا : وما ذاك ؟ قال : هو قوله عزّ وجلّ : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (2) وحُملت على جناح جبرئيل حتّى انتهيت إلى السماء السابعة ، فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى ، حتّى تعلّقت بساق العرش فنوديت من ساق العرش : ( إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر الرؤوف الرحيم ) ورأيته بقلبي وما رأيته بعيني فهذا أفضل من ذلك . قالت اليهود : صدقت يا محمّد وهو مكتوب في التوراة » (3). وأمّا العقل : فلأنّ الكتب الإلهيّة والصحف السماوية والأحاديث القدسية والتكلّم (1) نفس المصدر . (2) سورة الإسراء : (الآية 1) . (3) الإحتجاج للطبرسي : (ج1 ص55) . 163
والمناجات مع بعض المقامات النبوية ، كرسول الله أو كليم الله ، لا تتحقّق إلاّ بخطاب الله وكلامه وتكلّمه ، فهذه الاُمور من اللازم البيّن فيها أن يتكلّم بها الله تعالى .
فيكون العقل حاكماً بكونه متكلّماً .. له قدرة الكلام ، بل أحدث الكلام ، ومن كماله هذا التكلّم بهذه الاُمور القدسيّة ، فتكلّمه ثابت بالأدلّة الثلاثة الصريحة . 8 ) أنّه تعالى صادق الصدق لغةً ضدّ الكذب ، ويكون أصله في القول ، فيقال : قول صدق وكلام صدق ، وصاحبه صادق . وذكر في المفردات : « أنّ الصدق والكذب لا يكونان في القول إلاّ في الكلام الخبري دون غيره من أصناف الكلام كالإنشاء » (1). لكن هذا غير صحيح ، فمقتضى التحقيق أنّه يطلق الصدق والكذب عرفاً على الإنشاء أيضاً إذا كان منبئاً عن شيء إلزاماً ، وكان ذلك المدلول الالتزامي مطابقاً للواقع أو غير مطابق كما تلاحظه في طلب الفقير المال حيث ينبئ عن فقره فيوصف بأنّه صادق أو كاذب . وكذلك من قال شيئاً واعتقد خلافه ، فإنّه يكون كذباً ، كما أفاده في المجمع (2) إستشهاداً بقوله تعالى : ( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) (3). فيكون الصدق والكذب محقّقاً نيّةً وقولا وعملا . (1) المفردات للراغب : (ص277) . (2) مجمع البيان : (ج10 ص290) . (3) سورة المنافقون : (الآية 1) . 164
وأضاف في مجمع البحرين : « إنّ الصدق يكون بالقول وغيره ، فقوله تعالى : ( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (1) معناه الذين صدقوا في دين الله نيّةً وعملا وقولا ، وكذا ( صَادِقَ الْوَعْدِ ) (2) يعني إذا عمل بشيء وفى به . وقد جاء وصف الصدق في صفات الله العليا وأسمائه الحسنى » (3).
قال الشيخ الصدوق : إنّ معنى كونه صادقاً هو : « أنّه صادق في وعده ، ولا يبخس ثواب من يفي بعهده » (4). وقال الشيخ الكفعمي : « الصادق : الذي يصدق في وعده ، ولا يبخس ثواب من يفي بعهده ، والصدق خلاف الكذب » (5). وقد ثبتت هذه الصفة الكريمة لله تعالى كتاباً وسنّةً وعقلا : أمّا الكتاب : ففي مثل : 1 ـ قوله تعالى : ( وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) (6). 2 ـ قوله تعالى : ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللهِ حَدِيثاً ) (7). 3 ـ قوله تعالى : ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللهِ قِيلا ) (8). (1) سورة التوبة : (الآية 119) . (2) سورة مريم : (الآية 54) . (3) مجمع البحرين : (ص437 مادّة ـ صدق ـ ) . (4) التوحيد : (ص207) . (5) المصباح : (ص342) . (6) سورة الحجر : (الآية 64) . (7) سورة النساء : (الآية 87) . (8) سورة النساء : (الآية 122) . 165
وأمّا السنّة ; ففي أحاديث كثيرة منها :
1 ـ خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، جاء فيها توصيف الله تعالى ، بقوله (عليه السلام) : « الذي صدق في ميعاده ، وارتفع عن ظلم عباده » (1). 2 ـ حديث سليمان بن مهران ، المتقدّم (2) ، عدّ فيها « الصادق » من أسمائه الحسنى . 3 ـ الأدعية المأثورة الشريفة ، كدعاء الجوشن الكبير ، المروي عن سيّد الساجدين عن آبائه الطاهرين ، وجاء فيه توصيف الله تبارك وتعالى بالصادق (3). وأمّا العقل : فإنّه يقضي وبديهة العقل تحكم بقبح الكذب ، والقبيح لا يصدر من الله تعالى الحكيم الكامل الواجب المنزّه عن جميع القبائح والنقائص ، مع أنّه غير محتاج إليه وغني عنه . والعقل يحكم بقبح الكذب من البشر المخلوق الناقص ، فكيف بكونه من الله تعالى الغني الكامل ؟ فهو تعالى صادق لا يكذب ولا يخلف أبداً ، وله الأسماء الحسنى وهو السميع البصير . هذا تمام الكلام في ذكر ما تشرّفنا ببيانه من ذكر صفاته الكمالية الثبوتية . (1) نهج البلاغة : (ص138 رقم الخطبة 180 من الطبعة المصرية) . (2) التوحيد : (ص194 ب29 ح8) . (3) البلد الأمين : (ص404) . 166
عرفت أنّ الله تعالى منزّه عن جميع صفات النقص ولوازم النقصان ، فهو الكامل الذي لا سبيل للنقص إليه ، وهو القادر الذي لا طريق للعجز فيه ، وهو الغني الذي لا حاجة إلى شيء له .
فهو عزّ شأنه أجلّ منها وأرفع من الإتّصاف بها .. وتلك هي الصفات السلبيّة التي عُبّر عنها بالجلالية ، ونذكر جملةً منها فيما يلي بعون الله الكريم : الاُولى : إنّه تعالى لا شريك له ومنزّه عن الشركة وقد تقدّم دليله من الكتاب والسنّة والعقل ، مضافاً إلى الفطرة في بحث وحدانية الله حيث تقدّم أنّه واحد لا شريك له بالأدلّة المتقدّمة فراجع (1). الثانية : أنّه تعالى ليس بمركّب ، ولا سبيل للتركيب إلى ذاته المقدّسة فهو ليس ذا أجزاء خارجية ، كالمداد المتركّب من الماء والدواة ، ولا ذا أجزاء ذهنية كالإنسان المركّب من الحيوان والناطق ، وإلاّ لزم إحتياجه إلى تلك الأجزاء ، والإحتياج من صفات الممكنات لا من صفات الواجب الغني بالذات . (1) ص44 من الكتاب وبعدها . 167
فهو ليس بجسم حتّى يمكن فيه التركيب الخارجي ، ولا تحيط عقولنا به حتّى يمكن فيه التركيب الذهني .
وإستدلّ له العلاّمة أعلى الله مقامه ، بأنّه يستحيل أن يكون مركّباً ; لأنّ المركّب يحتاج إلى الأجزاء ، وهو تعالى غنيّ ، ويستحيل أن يتركّب منه غيره ; لأنّه يستلزم الإنفعال في وجوده وهو تعالى ذاتي الوجود . قال (قدس سره) ما نصّه : « إنّه تعالى يستحيل أن يكون مركّباً ; لأنّ كلّ مركّب مفتقر إلى جزئه والجزء مغاير للكلّ فيكون ممكناً . ويستحيل أن يتركّب عنه غيره لإستحالة إنفعاله عن الغير فلا جزء له ، فلا جنس له ولا فصل له ، فلا حدّ له ولا يكون واجباً لذاته ولغيره معاً ; لأنّ وجوبه بذاته يستدعي إستغناءه عن غيره ووجوبه لغيره يستدعي إفتقاره إليه ، فيكون واجباً مفتقراً » (1). الثالثة : أنّه تعالى ليس بجسم لأنّ الجسم هو ما يستلزم الأبعاد الثلاثة الطول ، والعرض ، والعمق ، وبهذا يحتاج إلى التحيّز ، وبالتحيّز يحتاج إلى المكان والمكان مخلوق ممكن ، وهذا مستحيل على الله تعالى لأنّه خالق المكان ، والمكان مخلوق له ومتأخّر عنه فلا يكون متحيّزاً فيه . ولا يمكن أن يكون المكان حيّزاً للخالق تعالى ، لأنّه يستلزم قِدم المكان كقِدم الله تعالى ، وتعدّد القدماء مستحيل لقاعدة الفُرجة المتقدّمة (2). وعليه فلا يمكن التحيّز لله تعالى ويستحيل عليه الجسميّة . (1) نهج المسترشدين : (ص45) . (2) تقدّمت في الدليل العقلي الثالث من أدلّة التوحيد ووحدانيّة الله تعالى . 168
وباب المعرفة في نفي الجسميّة ، ومرجع الخليقة في بيان جميع الصفات التنزيهية هو باب العلم المبين أعني عترة النبي الأمين صلوات الله عليهم أجمعين في أحاديثهم الشافية وبياناتهم الوافية الآتية :
1 ـ حديث محمّد بن سماعة قال : سأل بعض أصحابنا الصادق (عليه السلام) فقال له : « أخبرني أي الأعمال أفضل ؟ قال : توحيدك لربّك . قال : فما أعظم الذنوب ؟ قال : تشبيهك لخالقك » (1). 2 ـ حديث يونس بن ظبيان قال : دخلت على الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقلت : « يا بن رسول الله ! إنّي دخلت على مالك وأصحابه فسمعت بعضهم يقول : إنّ لله وجهاً كالوجوه ، وبعضهم يقول : له يدان ! واحتجّوا لذلك بقول الله تبارك وتعالى : ( بِيَدَىَّ اسْتَكْبَرْتَ ) (2) وبعضهم يقول : هو كالشاب من أبناء ثلاثين سنة ! فما عندك في هذا يا بن رسول الله ؟ قال : ـ وكان متّكئاً فاستوى جالساً ـ وقال : اللهمّ عفوك عفوك . ثمّ قال : يا يونس ! من زعم أنّ لله وجهاً كالوجوه فقد أشرك ، ومن زعم أنّ لله جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله فلا تقبلوا شهادته ولا تأكلوا ذبيحته ، تعالى الله عمّا يصفه المشبهون بصفة المخلوقين . فوجه الله أنبياؤه ، وقوله ( خَلَقْتُ بِيَدَىَّ اسْتَكْبَرْتَ ) فاليد القدرة (1) بحار الأنوار : (ج3 ص287 الباب13 ح1) . (2) سورة ص : (الآية 75) . 169
كقوله : ( وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ) (1) فمن زعم أنّ الله في شيء أو على شيء أو تحوّل من شيء إلى شيء أو يخلو منه شيء أو يشغل به شيء فقد وصفه بصفة المخلوقين ، والله خالق كلّ شيء ، لا يقاس بالقياس ولا يشبه بالناس ، لا يخلو منه مكان ، ولا يشغل به مكان ، قريب في بعده ، بعيد في قربه ، ذلك الله ربّنا لا إله غيره ، فمن أراد الله بهذه الصفة فهو من الموحّدين ، ومن أحبّه بغير هذه الصفة فالله منه بريء ، ونحن منه براء ... » (2).
3 ـ ما عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال لهشام : « إنّ الله تعالى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء ، وكلّ ما وقع في الوهم فهو بخلافه » (3). 4 ـ ما عن الإمام العسكري (عليه السلام) انّه : « قام رجل إلى الرضا (عليه السلام) قال له : يا بن رسول الله صف لنا ربّك ، فانّ من قبلنا قد اختلفوا علينا فقال الرضا (عليه السلام) : إنّه من يصف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الإلتباس ، مائلا عن المنهاج ، ظاعناً في الإعوجاج ، ضالاًّ عن السبيل ، قائلا غير الجميل ، اُعرّفه بما عرّف به نفسه من غير رويّة ، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة ، لا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالناس ، معروف بغير تشبيه ، ومتدان في بعده لا بنظير ، لا يمثّل بخليقته ، ولا يجور في (1) سورة الأنفال : (الآية 26) . (2) بحار الأنوار : (ج3 ص287 ب13 ح2) . (3) بحار الأنوار : (ج3 ص290 ب13 ح4) . 170
قضيّته ... فهو قريب غير ملتزق ، وبعيد غير متقصّ ، يحقّق ولا يمثّل ، ويوحّد ولا يبعّض ، يعرف بالآيات ويثبت بالعلامات ، فلا إله غيره الكبير المتعال .
ثمّ قال (عليه السلام) ـ بعد كلام آخر تكلّم به ـ : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه عن أبيه (عليهم السلام) ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : ما عرف الله من شبّهه بخلقه ، ولا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده » (1). 5 ـ حديث ابن عبّاس قال : قدم يهودي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ يقال له : نعثل ـ فقال : يا محمّد ! إنّي سائلك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت على يدك . قال : « سل يا أبا عمارة ! فقال : يا محمّد ! صف لي ربّك . فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه ، وكيف يوصف الخالق الذي يعجز الحواسّ أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحدّه ، والأبصار عن الإحاطة به ، جلّ عمّا يصفه الواصفون ، نأى في قربه ، وقرب في نأيه ، كيّف الكيفية فلا يقال له : كيف ، وأيّن الأين فلا يقال له : أين ، هو منقطع الكيفوفية والأينونية ، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه ، والواصفون لا يبلغون نعته ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد . (1) بحار الأنوار : (ج3 ص297 ب13 ح23) . |
|||
|