(101)
أحدكم و لا يكثرن نقص الصلاة ، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ .
و قال زرارة : إنّما يريد الخبيث أن يطاع ، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم . (1)
أقول : هذا كالصريح في أنّ الشكّ إنّما هو من الشيطان ، و قد مرّ تمام الكلام ، و يأتي له مزيد تحقيق إن شاء الله .
التاسع و العشرون :
ما رواه الكليني في باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها .
عن جماعة ، عن أحمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كلّ سهو في الصلاة يطرح منها ، غير أن الله يتمّ بالنوافل .
إنّ أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة ، فإن قبلت قُبل ما سواها ، إنّ الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها و هي بيضاء مشرقة تقول : حفظتني حفظك الله ، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير (2) حدودها ارتفعت (3) و هي سوداء مظلمة تقول : ضيّعتني ضيّعك الله . (4)
أقول : المراد انّ كلّ سهو ينقض الصلاة فلا تقبل كلّها و كذلك تأخيرها
(1) الكافي 3 : 358 ح 2 .
(2) في ب : يعني .
(3) كذا في النسخ ، وفي المصدر : رجعت إلى صاحبها .
(4) الكافي 3 : 268 ح 4 .
(102)
عن وقتها ، و معلوم انّه يستحيل كون صلاة النبيّ صلّى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام غير مقبولتين ، فينا في ذلك حديث ذي الشمالين .
الثلاثون :
ما رواه الكليني في باب ما يقبل من صلاة الساهي .
عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام بن سالم ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : من صلّى فأقبل على صلاته لم يحدّث يفسه و لم يسه فيها ، أقبل الله عليه ما أقبل عليها ، و ربّما رفع ربعها أو نصفها ، أو ثلثها ، أو خمسها . (1) الحديث .
أقول : فهل يجوز أن يقال : إنّ صلاة النبيّ صلّى الله عليه و آله كانت ناقصة غير كاملة و غير مقبولة ، و إنّ الله لم يكن مقبلاً عليه فيها كلها ، بل كان معرضاً عنه بسبب عدم اقباله في صلاته ، وإلّا فإنّه مع الاقبال لا يتصوّر وقوع السهو الحقيقي ، و إذا كان على قولكم قد ترك نصف صلاته ، فكيف يكون أتى بالاقبال فيها كلّها كما ينبغي .
الحادي و الثلاثون:
ما رواه أيضاً في الباب المذكور .
عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام ابن سالم ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : انّ العبد ليرفع
(1) الكافي 3 : 263 ح 1 .
(103)
له من صلاته نصفها , أو ثلثها ، أو ربعها , أو خمسها ، فما يرفع له إلّا أقبل عليه بقلبه . (1) الحديث .
الثاني و الثلاثون :
ما رواه أيضاً فيه عنه ، عن أحمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث أنّ رجلاً قال له : ما أظنّ أحداً أكثر سهواً منّي .
فقال أبو عبدالله عليه السلام : يا بامحمد ، أنّ العبد ليرفع له ثلثا(2) صلاته و نصفها و ثلاثة أرباعها و أقل و أكثر على قدر سهوه فيها . (3)
الثالث و الثلاثون :
ما رواه أيضاً فيه عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ؛ و محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعاً ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر و أبي عبدالله عليه السلام انّهما قالا : إنّما لك من صلاتك ما أقبلت عليه فيها (4) ، فإن أوهمها كلّها أو غفل عن أدابها لعنت (5) فضرب بها وجه صاحبها . (6)
أقول : و الأحاديث في هذا المعنى أيضاً كثيرة و دلالتها ظاهرة كما مرّ .
(1) الكافي 3 : 362 ح 2 .
(2) كذا في النسخ ، وفي المصدر : ثلث .
(3) الكافي 3 : 363 ح 3 .
(4) كذا في ((ب ، د)) ، و في ((ج)) : فيهما ، و في المصدر : منها .
(5) كذا في النسخ ، و في المصدر : أدائها لفت .
(6) الكافي 3 : 363 ح 4 .
(104)
الرابع و الثلاثون :
ما رواه ابن بابويه في عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا عليه السلام في علامات الإمام بعدما أورد الحديث السابق في أوّل الفصل قال :
و حديث آخر إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس ، و بينه و بين الله عزّوجلّ عمود من نور ، يرى فيه أعمال العباد ، و كلّما احتاج إليه لدلالة اطلّع عليها و الإمام يولد و يلد ، و يصحّ و يمرض ، و يأكل و يشرب و يبول و يتغوّط ، و ينكح و ينام ، و لاينسى و لا يسهو (1) ، ويفرح و يحزن . (2) الحديث .
أقول : هذا دالّ على المقصود في أوله و آخره صريحاً إلّا أنّ في بعض النسخ و ينسى و يسهو بالاثبات و النسخ الصحيحة كما ذكرنا بالنفي و سقوط لفظ ((لا)) أقرب إلى الاعتبار من زيادتها بغير أصل ، خصوصاً مع كون الجمل السابقة مثبتة و كذا الآتية ، فيجري الناسخ على الاثبات في الجميع مع انّ النسخ الصحيحة كما قدّمنا ، و هذا موجود في الخصال (3) خال من هذه اللفظة ، لم يتعرّض لها باثبات و لا نفي ، و على تقدير صحّة الاثبات يجب تأويله لما مضى و يأتي ، و معلوم أنّ النسيان ورد بمعنى الترك كثيراّ ، و السهو ورد بمعنى النسيان ايضاّ كثيراّ . (4)
(1) في بعض نسخ العيون : و ينسى و يسهو . وهو موافق لرأي الصدوق .
(2) عيون أخبار الرضا 1 : 214 مفصلاّ ، عنه البحار 14 : 338 ح 11 و 25 : 117 ح 2 ، البرهان 1 : 285 ح 3 ، كشف الغمّة 3 : 81 .
(3) الخصال : 528 ح 2 .
(4) قال الصدوق رحمه الله : اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الأئمّة و الملائكة انّهم معصومون مطهّرون من كلّ دنس ، و أنّهم لا يذنبون ذنباً لا صغيراً و لا كبيراً ، و ( لا يَعصُونَ الله مَا أَمَرَهُم ، وَ يَفعَلُون مَا =
(105)
قال صاحب القاموس (1) : سها في الأمر سهواً نسيه .
و قال أيضاّ : النسيان و النسوة الترك .
ووردت الأحاديث بتفسير النسيان في القرآن بالترك في قوله تعالى : ( وَ لَقَد عَهِدنَا إلى آدَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ ) (2) و غير ذلك .
فمعنى رواية الصدوق من قوله : و ينسى و يسهو انّه قد يترك شيئاً لاشتغاله بغيره ردّاً على الغلاة القائلين بأنّه لا يشغله شيء ، و يحتمل الحمل (3) على التقيّة ، و يحتمل كونه من كلام ابن بابويه لا من الحديث المرسل ، و حينئذٍ لا حجّة فيه ، و أمّا أوّله فمعلوم انّه من جملة الحديث و هو دال على المطلوب .
الخامس و الثلاثون :
ما رواه ابن بابويه في الخصال عن أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي ، عن أحمد بن زكريا [ القطّان ] (4) ، عن بكر بن عبدالله بن حبيب ، عن تميم بن بهلول ، عن معاوية (5) ، عن سليمان بن مهران ، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام قال : عشر خصال من صفات الإمام العصمة و النصوص ، و أن يكون أعلم الناس و أتقاهم لله ، [ و أعلمهم بكتاب الله ، وأن يكون صاحب الوصيّة
= يُؤمَرُون ) [ سورة التحريم : 6 ] ، و من نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم فهو كافر ، و اعتقادنا فيهم انهم معصومون موصوفون بالكمال و التمام و العلم من اوائل اُمورهم و أواخرها ، و لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص و لا عصيان و لا جهل . (( الاعتقاجات : 99 )) .
(1) القاموس المحيط للفيروزآبادي 4 : 346 .
(2) سورة طه : 115 .
(3) كذا في النسخ ، و في المصدر : حمله .
(4) من المصدر .
(5) كذا في النسخ ، و في المصدر : أبي معاوية .
(106)
الظاهرة ، يكون له المعجز الدليل ،] (1) و تنام عينه و لا ينام قلبه ، و يرى من خلفه كما يرى من بين يديه . (2) الحديث .
السادس و الثلاثون:
ما رواه الكليني في باب مولد أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام .
عن علي بن محمد ؛ و محمد بن أبي عبدالله ، عن إسحاق بن محمد النخعي ، عن الأقرع قال : كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الإمام هل يحتلم ؟ و قلت في نفسي [ بعد ما فصل الكتاب ] (3) : الاحتلام شيطنة ، و قد أعاذ الله تبارك و تعالى أولياءه من ذلك .
فورد في الجواب : حال الأئمّة في المنام حالهم في اليقظة ، لا يغير النوم شيئاً منهم ، وقد أعاذ الله أولياءه من لمّة (4) الشيطان كما حدّثتك نفسك . (5)
السابع و الثلاثون :
ما رواه ابن بابويه في عيون الأخبار في أوائل الجزء الثاني بإسناده عن الرضا عليه السلام قال : ما يتقلّب جناح طائر في الهواء إلّا و عندنا منه علم . (6)
أقول : فكيف يجوز على من هذا شأنه أن يكون جاهلاً بفعل نفسه ؟!
(1) من المصدر .
(2) الخصال : 397 .
(3) من المصدر .
(4) كذا في (( ج ، د )) و المصد ر، و في ب : ملّة .
(5) الكافي 1 : 509 ح 12 .
(6) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 333 ، عنه البحار 26 : 19 .
(107)
الثامن و الثلاثون :
ما رواه علي بن عيسى في كشف الغمّة نقلاّ من كتاب الدلائل لعبدالله ابن جعفر الحميري في دلائل الرضا عليه السلام قال : يا حسن ، مَنامُنا و يقظتنا واحد . (1)
التاسع و الثلاثون :
ما رواه ابن بابويه في كتال من لا يحضره الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه و آله قا ل : و روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله توضّأ ثم مسح على نعليه ، فقال له المغيرة أنسيت يا رسول الله ؟ فقال : بل أنت نسيت هكذا أمرني ربّي . (2)
أقول : هذا يفهم منه الإنكار و الغضب و نفي النسيان عن نفسه مطلقاً ؛ إذ لو كان جائزاً لما جاز الإنكار و الغضب و نفي النسيان عن نفسه مطلقاً ، إذ لو كان جائزاً لما جاز الإنكار على من يستفهم عنه ، ألا ترى إلى قوله : بل أنت نسيت ، مع أنّه بحسب الظاهر لم يقع منه نسيان ، فلابدّ من حمله على المجاز أو على أنّ المراد أنّ السهو من شأنك لا من شأني ، ولعلّه أقرب .
الأربعون :
ما رواه السيّد المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه (3) نقلاً عن تفسير
(1) كشف الغمّة 2 : 303 .
(2) من لا يحضره الفقيه 1 : 37 .
(3) رسالة المحكم و المتشابه : 181 و المطبوعة ضمن جامع الأخبار و الآثار للسيد الأبطحي الأصفهاني .
(108)
النعماني باسناده عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث صفات الإمام : فمنها أن يعلم الإمام المولى عليه انّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها و كبيرها لا يزلّ في الفتيا و لا يخطىء في الجواب و لا يسهو و لاينسى و لا يلهو بشيء من اُمور الدنيا ـ ألى أن قال : ـ و عذلوا من أخذ الأحكام من أهلها ممّن فرض الله طاعتهم ممّن لا يزلّ و لا يخطىء و لا ينسى .
الحادي والأربعون:
ما رواه محمد بن مسعود العيّاشي في تفسيره عن جميل بن درّاج ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما عليهما السلام قال : سألته كيف أخذ الله آدم بالنسيان ؟
فقال : انّه لم ينس ، و كيف ينسى و هو يذكّره و يقول له ابليس (1)( مَا نَهَا كُمَا رَبُّكُمَا عَن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلّا أن تَكُونَا مَلَكينِ أو تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ ) (2) . (3)
الثاني و الأربعون :
كل ما دلّ على العصمة في الأحاديث فهو دالّ على المقصود هنا ، و هذا القسم أكثر من أن يحصى ، و معلوم أنّ العصمة شاملة لنفي السهو مطلقاً لغة و عرفاً ، بدليل تبادر الفهم و عدم تبادر التفصيل و عدم قيام الدليل ، و يأتي ما يوضح هذا ان شاء الله .
(1) في ج : و يقول و ابليس ، و في د : و يقابله ابليس .
(2) سورة الأعراف : 20 .
(3) تفسير العيّاشي 2 : 10 ، البرهان 2 : 6 ، بحار الأنوار 11 : 187 ح 43 .
(109)
فيما يدل على نفي الخطأ و الغلط و السهو و الشكّ و النسيان عن
النبيّ صلّى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام مطلقاً
من الأدلّة العقليّة و إن كان بعصها منضمّاً
إلى مقدّمة نقليّة و ذلك وجوه :
الأوّل :
أنّه لو جاز شيء من ذلك عليهم لزم التنفير عنهم ، و عدمم قبول أقوالهم و أفعالهم و هو نقض للغرض ، و لا يقال : كيف يلزم التنفير و لم يحصل لمجوّزي السهو عليهم في العبادة ؟ لانّا نقول : تنفير الأكثر أو البعض كاف ، و هو معارض لوجوب العصمة ، مع أنّ من لا يقول بها لا ينفر منهم .
و هذا الوجه استدلّ به السيد المرتضى (1) و غيره و أوردوا له نظيراً و هو : انّ عبوس الوجه عند حضور الطعام منفر عن أكله ، ومع ذلك ليس بمانع منه ، لأنّ
(1) تنزيه الأنبياء : 119 .
(110)
بعضهم يأكل و لا ينفر منه .
الثاني :
إنّا مأمورون باتّباع النبيّ صلّى الله عليه و آله [ و الإمام عليه السلام ] (1) ، و ترك الاعتراض عليهما ، فلو جاز الخطأوالسهو و النسيان ، لوجب متابعتهم ، و كنّا مأمورين به ، و الأمر باتّباع الخطأ قبيح ، ولا يرد الراوي و المفتي والشاهد ، لعدم عموم حكمهم ، و عدم اشتراط العصمة هناك .
الثالث:
انّ وجه الاحتياج إلى النبي صلّى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام هو جواز الخطأ على الاُمّة ، فلو جاز عليهما لاحتاجا إلى نبي أو إمام لاشتراك العلّة ، و لزم الترجيح بلا مرجّح ، ثمّ أمّا أن يدور ، أو أن يتسلسل ، وهما باطلان كما تقرّر .
الرابع :
انّ تبليغ النبيّ صلّى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام عبادة ، و عبادتهما تبليغ لما علم وجوب المبايعة (2) و كون فعلهما و قولهما حجّة ، و المقدّمتان قطعيّتان ، فلا سهو و لا نسيان .
الخامس :
انّه لو جاز عليهما الخطأ و النسيان لاحتاجا إلى الرعيّة لينهوهم
(1) ليس في ب .
(2) في ج : المتابعة .