(81)
الفصل الرابع
في ذكر ما يدلّ على نفي السهو و الشكّ و النسيان
عن أهل العصمة عليهم السلام من الأحاديث
المعتبرة المنقولة من الكتب المعتمدة

     و ذلك أيضاً كثير جدّاً ، ولا يحضرني جميع تلك الأحاديث ، فأنا أذكر تيسّر منها و الله الموفق .
     الحديث الأوّل :
     ما رواه الشيخ الجليل رئيس المحدّثين محمد بن علي بابويه في آخر كتاب من لا يحضره الفقيه ، الذي لم يورد فيه ألّا ما يفتي به ، و يحكم بصحّته ، و يعتقد أنّه حجّة بينه و بين ربّه ، و كلّ ما فيه مستخرج من اُصول معتمدة ، عليها المعوّل ، وإليها المرجع .
     فروى فيه عن محمد بن إبراهيم بن أسحاق الطالقاني ، عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي ، قا ل: حدّثنا على بن الحسن بن فضال ، عن أبيه ،عن أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليه السلام : للإمام علامات ،
(82)
يكون أعلم الناس ، وأحكم الناس ، و أتقى الناس ، وأحلم الناس ، [وأشجع الناس ، وأسخى الناس ،] (1) وأعبد الناس ، [ويولد مختوناً ،] (2) ويكون مطهّراً ، و يرى من خلفه كما يرى من بين يديه ، [ ولا يكون له ظلّ ، وإذا وقع على الأرض من بطن اُمّه وقع على راحتيه ، رافعاً صوته بالشهادتين ، ] (3) ولا يحتلم ، و تنام عينيه و لاينام قلبه ، و يكون محدّثاً ، [ويستوي عليه درع رسول الله صلّى الله عليه و آله ، ] (4) و لا يرى له بول ولا غائط ، لأنّ الله عزّ وجلّ و كّـل الأرض بابتلاع ما يخرج (5) منه . (6) ((الحديث)) .
     ووجه دلالته على المقصود هنا ظاهر ، و حال النبي صلّى الله عليه وآله يجب أن يكون أعظم من الإمام عليه السلام .
     ورواه أيضاً في كتاب عيون الأخبار (7) في باب ما جاء عن الرضا عليه السلام من علامات الإمام ، و الطريق واحد .
     الثاني :
     ما رواه الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب العقل و الجهل .
     عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد عن علي بن حديد ، عن
(1 ـ 4) من المصدر .
(5) كذا في((ب،ج)) ، و في المصدر : يجري .
(6) من لا يحضره الفقيه 4 : 418 مفصلاً .
ورواه في معاني الأخبار : 102 ح 4،الخصال : 527 ح 1،و أخرجه الطبرسي في الاحتجاج : 436 ،عنها بحار الأنوار 25 : 116 ح 1 .
(7)عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 212 ح 1 عنه بحارالأنوار 25 : 116 ح 1 .

(83)
سماعة بن مهران قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام و عنده جماعة من مواليه ، [فجرى ذكر العقل و الجهل ] (1) فقال : اعرفوا العقل و جنوده ، و الجهل و جنوده تهتدوا .
     قال سماعة : فقلت : جعلت فداك ، لا نعرف إلّا ما علّمتنا (2) . فقال أبوعبدالله عليه السلام : أنّ الله خلق العقل ـ إلى ان قال : ـ ثمّ جعل للعقل خمسة و سبعين جنداً ...
     [فقال الجهل : يا ربّ ، هذا خلق مثلي فأعطني من الجند مثل ما أعطيته ، فقال : نعم ، فأعطاه خمسة و سبعين جنداً ،] (3) فكان ممّا أعطى الله العقل الخمسة و السبعين الجند (4) الخير ، و جعل ضدّه الشر ـ إلى أن قال : ـ و العلم و ضدّه الجهل ، والتسليم و ضدّه الشكّ ، و التذكّر و ضدّه السهو ، و الحفظ و ضدّه النسيان ، ـ وذكرباقي جنود العقل والجهل ثم قال : ـ فلا تتّم (5) هذه الخصال كلّها من اجناد العقل إلّا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان ،وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلومن أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل ، وينقّى من جنود الجهل ، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء و الأوصياء .(6) الحديث .
(1) من المصدر .
(2) في الكافي : عرّفتنا .
(3) من المصدر .
(4) المذكور في الرواية ثمانية و سبعون جنداً ، ولكنه تكرر ذكر بعض الجنود .
(5) كذا في النسخ ، و في المصدر : تجتمع .
(6) الكافي 1 : 20 ح 14 ، مفصلاً .
وأخرجه الشيخ الصدوق في الخصال : 558 ح 13 .

(84)
     أقول : كما ترى صريح في أنّ الأنبياء و الأوصياء جامعون لجميع جنود العقل التي من جملتها العلم و التسليم و التذكّر و الحفظ ، وخالون خالصون منزّهون عن جميع جنود الجهل التي من جملتها الجهل و الشكّ و السهو و النسيان ، وهو واضح الدلالة على ما قلنا .
     الثالث :
     ما رواه الكليني أيضاً في باب اختلاف الحديث .
     عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبان بن أبي عبّاس ، عن سليم بن قيس الهلالي ، عن أميرالمؤمنين عليه السلام ـ في حديث طويل يذكر في آخره حاله مع رسول الله صلّى الله عليه و آله ، وانّه علّمه جميع علومه ـ قال: ودعا الله أن يعطيني علمها فهمها و حفظها ، فما نسيت آية من كتاب الله ، ولا علماً أملأه [عليّ] (1) و كتبته ، منذ دعا الله لي بما دعا ، و ما ترك شيئاً علّمه الله من حلال و لاحرام ، و لاأمر و لا نهي ، كان أو يكون ، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علّمنيه و حفظته ، فلم أنس حرفاً واحداً ، ثمّ وضع يده على صدري و دعا الله أن يملأ قلبي علماً و فهماً و حكماً و نوراً .
     فقلت : بأبي أنت واُمّي يا نبي الله ، منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئاً و لم يفتني شيء لم أكتبه ، أفتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد ؟
(1) من ((د)) و المصدر .
(85)
     فقال : لا ، لست أتخوّف عليك النسيان و الجهل (1) .
     أقول : معلوم إنّ حال النبي صلّى الله عليه و آله اعظم من حال الإمام عليه السلام ،وظاهر أنّ كثيراً من الأشياء المذكورة ليست من قسم التبليغ ، وأنّه يستحيل نسيانه لشيء منها فيبطل الفرق .
     و علم أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله يستحيل أن ينسى عدد صلاته و يحكم بأنّ الثنتين أربع ، مع علمه بأكثر ما كان ، وما يكون أن لم يكن كلّه ، وآخر الحديث مطلق عام في التبليغ و غيره .
     الرابع:
     ما رواه الشيخ رئيس الطائفة في التهذيب بإسناده عن عبدالله بن بكير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قلت له : هل سجد رسول الله صلّى الله عليه وآله سجدتي السهو قط ؟
     قال : لا ، ولا يسجدها فقيه . (2) قال الشيخ رحمه الله : الّذي أفتي به ما تضمّنه هذا الحديث . وأمّا الأخبار الّتي قدّمناها من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله سهى فسجد فأنّها موافقة للعامّة .(3) انتهى .
     وهو دالّ على محلّ النزاع بخصوصه صريح في معارضة حديث ذي الشمالين وردّه غير محتمل للتقيّة مع احتمال حديث ذي الشمالين أن
(1) الكافي 1 : 62 ذيل ح 1 ، مفصلاً .
(2) التهذيب 2 : 351 ، عنه بحار الأنوار 17 : 102 ح 8 .
(3) التهذيب 2 : 351 .

(86)
يكون ورد عن الصادق عليه السلام على طريق التقية في الرواية ، كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى .
     الخامس :
     الحديث المشهور المستفيض بين العامّة و الخاصّة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : صلّوا كما رأيتموني اُصلّي (1) .
     وجه الدلالة فيه : أنّه أمر بالاقتداء به في صلاته ، ومتابعته فيها غير مقيّد بصلاة خاصّة ، فلو كان احتمال السهو و الغلط و الخطأ و النسيان جائزاً عليه ، لما جاز الإقتداء به في شيء منها ، و لجاز على كلّ صلاة منها أن تكون سهواً إلّا صلاة واحدة ، وهي التي يقصد التبليغ مع اشتباهها ، و احتمال كلّ واحدة من الصلاة لها ، و يلزم على تقدير تجويز السهو عدم إمكان العلم بنسخها أو امتناع نسخها مع أنّ النسخ جائز اتّفاقاً بخلاف السهو على انّه لم يعيّن صلاة واحدة للتبليغ .
     السادس :
     الحديث المشهور أيضاً بين الخاصّة والعامّة من قول عليه السلام : خذوا عنّي مناسككم (2).
     وجه دلالته كما تقدّم .
     و اعلم أنّي لم أجد هذين الخبرين في كتب حديث الإمامية و انّما وجدتهما في كتب الاستدلال و يمكن كون أصلهما من روايات العامّة
(1) تقدّمت تخريجاته في ص : 63 .
(1) تقدّمت تخريجاته في ص : 63 .

(87)
لكن مضمونهما يوجد في عموم الروايات السابقة و الآتية .
     السابع :
     ما رواه الكليني في أوّل كتاب الحجّة .
     عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن إبراهيم ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث أنّه قال لهشام بن الحكم : ألا تخبرني كيف صنعت بعمر بن عبيد و كيف سألته ؟
     فذكر حديثه معه ـ يقول في آخره هشام : ـ فقلت له : أنّ الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً تتيقّن به ما شككت فيه (1) ، و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم ، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم و حيرتهم ؟
     قال : فسكت و لم يقل لي شيئاً .
     قال : فضحك أبو عبدالله عليه السلام و قال : من علّمك هذا ؟
     قال هشام : هذا شيء أخذته منك و ألفته .
     قال : هذا و الله مكتوب في صحف إبراهيم و موسى (2) .
     أقول : هذا دالّ على ان ّعلّة الاحتياج إلى النبيّ و الإمام عليهما السلام هو إزالة الشكّ ، فلو جاز الشكّ عليهما لاحتاجا إلى الرعيّة كما احتاج الرسول صلّى الله عليه وآله ذي الشمالين على قولكم ، فتنتفي الفائدة المذكورة .
(1) كذا في النسخ ، وفي المصدر: يتيقّن به ما شكّ فيه .
(2) الكافي 1 : 169 ح 3 ، مفصّلاً .

(88)
     الثامن :
     ما رواه أيضاً في باب نادر جامع في فضل الإمام و صفاته .
     عن أبي محمد القاسم بن العلاء ، رفعه عن عبد العزيز بن مسلم ، عن الرضا عليه السلام ـ في حديث طويل يقول فيه : ـ الإمام عالم لا يجهل ، راع لا ينكل ـ إلى أن قال : ـ
     الإمام واحد دهره ، لا يدانيه عالم (1) ، و لا يوجد منه بدل ، [ولا له مثل] (2) و لا نظير .
     أنّ الأنبياء و الائمّة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله و يؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق أهل زمانهم (3) . ـ ثم قال : ـ
     إنّ العبد إذا اختاره الله عزّ و جلّ لاُمور عباده شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، و ألهمه العلم إلهاماً ، فلم يع بعده بجواب ، ولا يحيّر فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيّد ، موفّق مسدد ، قد أمن من الخطأ و الزلل و العثار (4) ، يخصّه الله بذلك ليكون حجّة (5) على عباده.(6) الحديث .
(1) كذا في النسخ ، وفي المصدر : لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم .
(2) من المصدر .
(3) هكذا في الأصل : و في الكافي : الزمان .
(4) في ((ب ، ج)) : العناد .
(5) كذا في النسخ ، وفي المصدر : حجّته .
(6) الكافي 1 : 198 ـ 203 ح 1 ، مفصلاً .
ورواه في عيبة النعماني : 216 ـ 224 ح 6 بإسناده عن محمد بن يعقوب .
وأورده في تحف العقول : 438 عن عبد العزيز بن مسلم .

(89)
     أقول : هذا الموصوف بهذه الصفات و غيرها ممّا هو أعظم منها ، تضمّنها الحديث المذكور و غيره ، كيف يتصوّر أن يجهل فعل نفسه في الحال ؟ و كيف يحتاج إلى علم غيره ؟ و كيف يعني بالجواب ، و يتحيّر عن الصواب ، و يقع في الخطأ و الزلل و العثار (1) ، كما تضمّنه حديث ذي الشمالين على قول من حمله على ظاهره ؟
     التاسع :
     ما رواه الصدوق في كتاب العلل في باب العلّة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن عليهم السلام .
     عن أبيه،عن سعد بن عبدالله،عن أحمد بن محمد بن عيسى،عن الحسين بن سعيد،عن حمّادبن عيسى،عن إبراهيم بن عمراليماني،عن الفضيل (2) ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله [لأمير المؤمنين عليه السلام] (3) : اكتب ما أملي عليك (4) .
     قال عليه السلام : يا نبيّ الله ، أوتخاف عليّ النسيان ؟
     فقال صلّى الله عليه و آله : لست أخاف عليك النسيان ، وقد دعوت الله
ورواه الصدوق في كمال الدين : 175 ح 31 ، و معاني الأخبار : 98 ح 2 ، و الأمالي : 536 ح 1 ، و عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 216 ح 1 . وأورده في الاحتجاج : 433 عن القاسم بن مسلم . و أخرجه في بحار الأنوار 25 : 120 ـ 129 ح 4 عن جميع المصادر أعلاه .
(1) في ((ب،ج)) : العناد .
(2) كذا في النسخ ، و في المصدر : أبي الطفيل .
(3) من المصدر .
(4) في هامش ج : يعني أميرالمؤمنين عليه السلام .

(90)
لك ان يحفظك و لا ينسيك ، ولكن اُكتب لشركائك .
     قال : قلت : ومن كان شركائي [يا نبيّ الله ] (1) ؟ قال : الائمة من ولدك . (2) الحديث .
     أقول : معلوم من تتبع الأحاديث إنّ تلك العلوم التي كتبها ليست كلّها ممّا يتعلّق بالتبليغ على ان النسيان في الموضعين مطلق غير مقيّد بشيء فكيف لا يخاف على الوحي النسيان ، ويقع ذلك من النبيّ صلّى الله عليه وآله فينسى نصف صلاته و يحتاج إلى رعيّته ليذكّروه ما نسي ، و يدلوه على الخطأه ، و يعرفوه جهله وتركه للواجب و فعله للحرام ـ أعني التسليم و الكلام ـ ، و يردّوه عن الشك ّوالسهو ؟
     العاشر:
     ما رواه الكليني رحمه الله في باب إنّ الائمّة ورثوا علم النبيّ و جميع الأنبياء والأوصياء .
     عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن إبراهيم ، عن يونس ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث قال : إنّ الله لا يجعل حجّة (3) في أرضه يسأل عن شيء فيقول : لا أدري . (4)
     أقول : فكيف يسأل عن صلاته التي صلّاها في تلك الساعة فيقول : لا
(1) من المصدر .
(2) علل الشرائع : 208 ح 1 .
(3) كذا في النسخ ، وفي المصدر : حجّته .
(4) الكافي 1 : 227 ح 1 مفصلاً ، عنه بحار الأنوار 48 : 114 ح 25 ، و العوالم 2 : 306 ح 1 .
و أخرجه الشيخ الصدوق في التوحيد : 273 ح 1 .