(71)
صحيح كما لا يخفى .
ثمّ أنّه لم يصرّح الطبرسي بجواز ذلك في هذا الكلام كما ترى ، مع أنّ الآية محتملة لكون الخطاب عاماً كما في( وَلَو تَرَى إذ وَقَفُوا ) (1) أو الخطاب للنبي صلّى الله عليه و آله ، و المراد غيره كما في قوله تعالى( لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبطَنَْ عَمَلُكَ ) (2) .
و يحتمل كون النسيان بمعنى الترك (3) ، و ابن بابويه أيضاً لابدّ من تأويله للآية كما يأتي إن شاء الله .
(1) سورة الأنعام : 27 و 30 .
(2) سورة الزمر : 65 .
(3) وهو إحتمال بعيد لا يوافق سياق الآية و معناها .
(72)
(73)
الفصل الثالث
في ذكر جملة ممّا يدلّ على نفي السهو والشك
والنسيان عن النبي والائمة عليهم السلام
و بطريق العموم و الإطلاق الشامل للعبادة و غيرها ، من الآيات القرآنيّة ، و حجّيتها على العصمة و غيرها معلومة . وذلك ممكن من آيات كثيرة ، بعضها دالّ مع ضميمة مقدّمة اُخرى ثابتة ، أو رواية اُخرى معتمدة ، و لنقتصر من ذلك على اثني عشر آية :
الاُولى : قوله تعالى :
(إنَْ اللهَ اصطَفَى آدَمَ وَ نُوحَاً وَ آلَ إبرَاهيمَ وَ آلَ عِمرانَ عَلَى العَالَمينَ ) (1).
قال رئيس المفسّرين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدّس سرّه في كتاب مجمع البيان :
الاصطفاء و الاجتباء و الاختيار نظائر ، و هو افتعال من الصفوة ، و هذا من
(1) سورة آل عمران : 33 .
(74)
أحسن (1) البيان الّذي يمثّل به المعلوم بالمولى (2) ، و ذلك أنّ الصافي هو الخالص (3) من شوائب الكدر فيما يشاهد ، فمثّل الله خلوص هؤلاء القوم من الفساد ظاهراً و باطناً بخلوص الصافي من شوائب الأدناس ـ إلى أن قال ـ و آل عمران ؛ قيل : هم آل إبراهيم و في قراءة أهل البيت عليهم السلام و آل محمد . وقالوا أيضاً : آل إبراهيم : آل محمد ، و يجب ان يكونوا معظّمين ، معصومين ، منزّهين عن القبائح و النقص ، لأنّ الله لا يختار الأمر يكون كذلك (4) ، و يكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة و العصمة .
و في الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة ، لأنّ العالمين يعمّ الملائكة و غيرهم من المخلوقات ، و الله سميع لما تقوله الذرّيـّة ، عليم بما يضمرونه ، فلذلك فضّلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أفعالهم و أقوالهم . (5) ((انتهى)) .
أقول : و الاستدلال بالآية من وجوه .
أحدها : دلالتها على العصمة التي يلزمها وجوب اتّباعهم في أقوالهم و أفعالهم .
وثانيها :استلزامها لاستحالة الخطأ عليهم مطلقاً .
وثالثها : دلالتها على طهارة ظاهرهم وباطنهم ، كما ذكر ، و صفائهم
(1) في د : من حسن .
(2) في د : بالمرئي .
(3) كذا في النسخ ، وفي المصدر : النقي .
(4) كذا في النسخ : وفي المصدر : ولا يصطفي إلّا من كان كذلك .
(5) مجمع البيان 3 : 433 .
(75)
عن [جميع] (1) شوائب الكدر ، فلا يتطرّق إليهم سهو و لا نسيان ، لعدم سببه و موجبه .
و رابعها : أنّ الاستقامة في الأقوال و الأفعال الذي يستفاد من الآية ينافيه تجويز السهو ، لأنّه يستلزم عدم استقامة الأفعال و الأقوال ، إذ صلّى الصلاة ركعتين على قولهم ، و سلّم و تكلّم و ترك ركعتين واجبتين ، وأين هذا من الاستقامة ؟
الثانية : قوله تعالى :
( قُل إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللهُ ) (2) .
دلّت على وجوب متابعته عليه السلام في أفعاله و أوامره و أقواله ، فلو جاز عليه السهو لوجبت متابعته فيه ، وهو باطل قطعاً و أقلّه أنّه يلزم جواز المتابعة ، وبطلانه أيضاً واضح على أنّه لو جاز السهو لاحتمل كلّ من أفعاله و أقواله ذلك ، فلا يكون حجّة أصلاً ، وهو ظاهر الفساد اتّفاقاً و خلاف مدلول الآية قطعاً و مناف لوجب العصمة في النبي و الإمام .
الثالثة : قوله تعالى :
( لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرجُوا اللهَ وَ اليَومَ الآخِرَ وَ ذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) (3) .
استدلّ بعض علمائنا بها على وجوب الاقتداء بالنبيّ صلّى الله عليه و آله ،
(1) ليس في ج .
(2) سورة آل عمران : 31 .
(3) سورة الأحزاب : 21 .
(76)
و مطلبنا حاصل و ان لم تثبت تلك المقدّمات لصراحتها في حسن الاقتداء به و ترجيحه ، و لو احتمل فعله السهو لما جاز الاقتداء به عموماً ، بل مطلقاً و لا كان فعله حجّة على الجواز ، ولا تركه حجّة على نفي الوجوب مع انّ فعله كلّه نوع من التبليغ ، فانّ عبادته لا يتميّز منها ما هو تبلغ عن غيره ، بل ينبغي الجزم بأنّ جميعها تبليغ ، وإلّا لما علم دوام التكليف .
الرابعة : قوله تعالى :
( إنَّمَا يُرِيدُ اللهَ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البَيتِ وَ يُطَهِّرَكُم تَطهِيراً ) (1) .
و هي دالّة على عصمتهم بالوجوه المقرّرة في الاُصول و التفاسير و الروايات الكثيرة من العامّة و الخاصّة باختصاصها بأهلها (2) ، و هي شاملة للتطهير من كلّ عيب و نقص و كذب و خطأ و غلط ، و منافية لحديث ذي الشمالين كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
الخامسة : قوله تعالى :
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إن هُوَ إلّا وَحيٌ يُوحَى) (3) .
(1) سورةالأحزاب : 32 .
(2) من الكتب التي ذكرت اختصاص الآية بأهل البيت عليهم السلام راجع على سبيل المثال : مسند أحمد 3 : 259 و 3 : 285 ، تفسير الطبري 22 : 6 ، اسد الغابة 5 : 521 و ج 5 : 176 ، الدر المنثور 5 : 199 ، كنز العمّال 5 : 96 ، مشكل الآثار 1 : 332 ، مستدرك الحاكم 3 : 172 ، كفاية الطالب : 93 ، مقاتل الطالبيين : 51 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 11 ، مجمع الزوائد 9 : 146 ، الجامع الصحيح 5 : 360 ، تفسير ابن كثير 3 : 483 ، سنن البيهقي 2 : 152 ، المناقب لابن المغازلي : 301 ، أسباب النزول : 239 ، ذخائر العقبى : 21 ، شواهد التنزيل 2 : 10 ـ 92 ، فضائل الخمسة 1 : 224 ، الصواعق المحرقة : 143 ، تهذيب التهذيب 2 : 297 ، تاريخ بغداد 10 : 278 ، الرياض النضرة 2 : 188 ، الاستيعاب 2 : 598 ، مسند أبي داود 8 : 274 ، رشفة الصادي : 12 .
(3) سورة النجم : 3و4 .
(77)
دلّت على إنّ الرسول صلّى الله عليه وآله لا ينطق إلّا عن وحي فيستحيل أن يسلّم في الصلاة في غير محلّه ، ثمّ يتكلّم قبل تمام صلاته ، ثمّ يكذّب ذا الشمالين و هو صادق على قولكم ، ثمّ يعترف بخطأه ، و كلّ ذلك ينافي مدلول الآية .
السادسة : قوله تعالى :
( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولَ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهاكُم عَنهُ فَانتَهُوا ) (1) .
دلّت على وجوب التسليم و الانقياد لأقواله وأفعاله وجه العموم و الإطلاق ، فلو جاز السهو لاحتمل كلّ فعل وقول ذلك ، و منافاته لمدلول الآية واضح ، و منافاة حديث ذي الشمالين له أوضح .
السابعة : قوله تعالى :
(وَتَعِيهَا اُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (2) .
روى الطبرسي و غيره من طرق العامّة و الخاصّة أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنّه قال : (( ما سمعت شيئاً من رسول الله صلّى الله عليه و آله فنسيته )) (3) .
وهذا عام مطلق في التبليغ و غيره ، فيستحيل النسيان على النبي صلّى الله عليه و آله بطريق الأولويّة مع الوجوه السابقة و الآتية .
الثامنة : قوله تعالى :
(1) سورة الحشر : 7 .
(2) سورة الحاقة : 12 .
(3) مجمع البيان 29 : 345 ، عنه بحار الأنوار 7 : 82 ـ 85 .
(78)
( سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى ) (1) .
وهي عامّة ، فأن المفعول لا يتعيّن تقديره بالقراءة ، و لا قائل بالفرق بين ما قبل نزول الآية وقبل القراءة و ما بعدها ، فالفارق خارق للاجماع .
التاسعة : قوله تعالى :
( يَا أيُّهَا الََّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَ سَلِّمُوا تَسلِيماً ) (2).
روي في عدّة أحاديث إنّ المراد التسليم له صلّى الله عليه و آله و الانقياد لأقواله و أفعاله و دلالته ، ذلك على المراد ظاهرة ممّا مرّ و أدلّـة التسليم من القرآن الحديث كثيرة و لوجاز السهو لنا في وجوب التسليم .
العاشرة : قوله تعالى :
( وَ رَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّـقُونَ وَ يُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَ الَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النّبِيَْ الاُمِّيَ ) (3) الآية .
و دلالتها ظاهرة ممّا مرّ .
الحادية عشرة : قوله قعالى :
( فآمِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ النّبِيِْ الاُمّي الّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وَ كَلِمَاتِهِ وَ اتّبِعُوهُ لَعلّكُم تَهتَدُونَ ) (4) .
و دلالتها أوضح ممّا تقدّم .
(1) سورة الأعلى : 6 .
(2) سورة الأحزاب : 56 .
(3) سورة الأعراف : 156 و 157 .
(4) سورة الأعراف : 158 .
(79)
الثانية عشرة : قوله تعالى :
( فَوَيلٌ لِلمُصَلّينَ الّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ ) (1) .
ولو كان الرسول صلّى الله عليه وآله سهى في صلاته لدخل في هذا التهديد والذمّ ، وهو محال .
وأمّا مثل قوله تعالى :( وَ لَقَد عَهِدنَا إلى آدَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَ لَم نَجِدُ لَهُ عَزماً ) (2) ، فقد نقل الطبرسي رحمه الله ، عن ابن عبّاس ، إنّ معناه : فترك (3) .
و روة الكليني رحمه الله هذا المعنى في حديث طويل عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ((إنّما هو : فترك)) ، و ذلك في باب فيه نكت و نتف من التنزيل في الولاية (4) ، و في غيره من المواضع أيضاً (5) .
فتأويلهم عليهم السلام للنسيان هنا بالترك ، مع أنّه لا تعلّق له بالتبليغ دالّ على ما قلناه ، و مناف لجواز النسيان على المعصوم ، مضافاً ألى ما مضى و يأتي مع عدم ما يدلّ على الاثبات صريحاً .
ومثلها قوله تعالى حكاية عن موسى :( لا تُؤاخِذني بِمَا نَسيتُ ) (6) .
وقوله تعالى حكاية عن فتاة :( فَإنّي نَسيتُ الحُوتَ وَمَا أنسَانِيَهُ إلّا
(1) سورة الماعون : 4و5 .
(2) سورة طه : 115 .
(3) مجمع البيان 16 : 32 .
(4) الكافي 1 : 416 ـ 436 .
(5) الكافي 2 : 8 ح 1 .
(6) سورة الكهف : 73 .
(80)
الشَّيطَانُ ) (1) .
فقد روى المفسّرون المحدّثون إنّ المراد في الآيتين بالنسيان : الترك (2) ، و هو دالّ على ما قلناه ، و لاشكّ أنّه أحد معانيه اللغوية ، فيجب الحمل عليه هنا لما مضى ، و يأتي .
و العجب ممّن يتأوّل جميع الآيات و الروايات المنافية بظاهرها للعصمة ، ثمّ يتوقّف في مثل هذا مع وضوحه وظهورها و قرب تأويله جداً ، و الآية الأخيرة لابدّ من تأويلها على قول ابن بابويه أيضاً ؛ أمّا بأن يقول : فتاه غير معصوم ، وأما بأن يقول : المراد ما ألزمني بتركه عمداً اشتغالي بمجاهدة الشيطان ، وأنما كان التأويل لازماً لابن بابويه أيضاً ، لأنّه لا يجوزعليهم السهو و النسيان الحاصلين من الشيطان ، بل يقول : إنّ سهوهم من الله كما مرّ .
(1) سورة الكهف : 63 .
(2) انظر : مفاتيح الغيب 4 : 92 ، أنوار التنزيل 2 : 598 .