 |
الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: 251 ـ 260 |
 |
(251)
وأبو
الطاهر المقدسي كذبه أبو زرعة وأبو حاتم.
وقال
النسائي ليس بثقة و قال ابن حبان : لا تحل الرواية عنه كان يضع الحديث.
وقال ابن
عدي : كان يسرق الحديث.
وقال
العقيلي : يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات ، منكر الحديث وقال منصور بن إسماعيل :
كان يضع الحديث على مالك. راجع المصادر المذكورة ج 5 ص 231 ط 2 ].
جبريل يسجد مهابة من أبي
بكر
حدث عالم
الأمة الشيخ يوسف الفيشي المالكي قال : كان جبريل إذا قدم أبو بكر على النبي صلى
الله عليه وسلم وهو يحادثه يقوم إجلالا للصديق دون غيره ، فسأله النبي صلى الله عليه
وسلم عن ذلك ؟ فقال جبريل : أبو بكر له علي مشيخة في الأزل ، وما ذاك إلا إن الله
تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم حدثتني نفسي بما طرد به إبليس فحين قال الله
تعالى : اسجدوا.
رأيت قبة
عظيمة عليها مكتوب أبو بكر أبو بكر.
مرارا وهو
يقول.
اسجد.
فسجدت من
هيبة أبي بكر فكان ما كان.
ذكره
العبيدي المالكي في عمدة التحقيق هامش روض الرياحين ص 111 فقال : وحدثني أيضا شيخنا
الأستاذ محمد زين العابدين البكري بما يقارب ما قاله الفيشي و سمعتها من غالب
مشايخنا بالأزهر.
قال
الأميني : عجبا لهؤلاء القوم لم يسلم منهم حتى أمين الله على وحيه ـ جبرائيل ـ
المعصوم من الزلل من أول يومه فجعلوه في عداد إبليس اللعين الطريد لو لا أن أبا بكر
تدارك أمره.
عجبا لهذا
الملك المزعوم يأتمنه المولى سبحانه ثم يرتاب في أمره ، ولا يصلح ذلك الشنار القول
بأنه إنما أئتمنه بعد زلته تلك ، فإنه سبحانه لا يأتمن من يمكن في حديث نفسه الكفر ،
فلعل تلك الخاطرة دبت فيه ولم يحصل من يسدده فتعود هاجسته كفرا صريحا.
عجبا لهذا
الملك المقرب تروعه هيبة أبي بكر ولا تأخذه هيبة الإله العظيم فيطيع أبا بكر وهو
يهم أن يطيع الله في أمره بالسجدة ، وأي سجدة هذه وما قيمتها من مثل
(252)
جبرئيل وقد وقعت من هيبة أبي بكر لا بصفة القربان إلى المولى سبحانه والزلفى لديه والامتثال
لأمره فكأن هيبة أبي بكر في الملأ الأعلى أعظم وأفخم من هيبة بارئه جلت عظمته.
ثم أين
كانت قبة أبي بكر من مستوى عالم الملكوت ؟ ومن الاحرى أن تضرب هنالك قبة نبي العظمة
حتى يسدد فيها من شارف الزلة لا قبة إنسان من الممكن أن تكتنفه المئاثم ، وتموت بضعة
المصطفى وهي واجدة عليه.
ومن أين
علم أبو بكر بهاجسة جبرئيل وحديث نفسه ؟ أو هل كان يعلم الغيب ؟ أو أوحي إليه
بواسطة غير أمين الوحي ؟ لك الحكم في هذه كلها أيها القارئ الكريم.
ثم العجب
من مشايخ الأزهر الذين أخبتوا إلى هذه الخزاية فأثبتوها في الكتب ولهجوا بها في
الأندية ، وخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى فنشروها في الملأ
العلمي وشوهوا بها صفحة التاريخ وسمعة الاسلام المقدس ، نعم : أرادوا نحت فضيلة
للخليفة فأعماهم الغلو في الفضائل فنحتوها رذيلة لجبرئيل الأمين ، كل ذلك لأنهم
افتعلوها من غير بصيرة في الدين ، أو روية شاعرة في المبادئ الإسلامية.
وأحسب أن
من اختلق هذه الرواية أراد إثباتها تجاه ما يروى لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام
من تسديده لجبرئيل يوم خاطبه الله سبحانه : من أنا ومن أنت ؟ فتروى قليلا وقد أخذته
هيبة الجليل سبحانه حتى أدركته نورانية مولانا الإمام عليه السلام ، فعلمه أن يقول :
أنت الجليل وأنا عبدك جبرئيل.
وقد نظم
ذلك الشاعر المبدع الشيخ صالح التميمي من قصيدة له في مدح مولانا أمير المؤمنين
عليه السلام وخمسها الشاعر المفلق عبد الباقي أفندي العمري كما في ديوانه ص 126 وفي
ديوان صاحب الأصل ص 4 قالا :
|
روضة
أنت للعقول ودوح
ومتى
هب من عبيرك نفح
| |
يجتنى من طوباك رشد ونصح
شمل الروح من نسيمك روح
|
حين
من ربه أتاه النداء
|
طالما
للأملاك كنت دليلا
يـوم نادى
رب السما جبرئيلا
| |
ولناموسهم هديت سبيلا
قائلا : من أنا فروى قليلا
|
وهو لولاك
فاته الاهتداء (1)
1 ـ يعني
الاهتداء إلى ذلك الجواب الحسن الجميل.
(253)
|
لك
شكل نتيجة للقضايا
لك فعل
حوى رفيع المزايا
| |
لك قلب للعالمين مرايا
لك إسم رآه خير البرايا
|
مذ تدلى وضمه الاسراء
وليست هذه
كقصة أبي بكر ، فليس فيها أن جبريل نوى ما نواه إبليس من المروق عن أمره سبحانه ، ولا
فيها أن أمير المؤمنين أنبأ عن مغيب ، ولا أن هيبته غلبت هيبة الله العظيم ولا أن
جبريل سجد من هيبته ، ولا أن له هنا لك قبة عظيمة مكتوب عليها : علي علي ، ولا أنه هتف
مخاطبا : لجبرئيل بقوله : اسجد.
و روعه
بذلك ليست فيها هذه كلها لأن الشيعة في المنتأى عن الغلو في الفضائل.
قصة فيها كرامة لأبي بكر
أخبر أبو
العباس ابن عبد الواحد عن الشيخ الصالح عمر بن الزغبي قال : كنت مجاورا بالمدينة
المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام فخرجت يوم عاشوراء الذي تجتمع فيه الإمامية
في قبة العباس وقد اجتمعوا في القبة قال : فوقفت أنا على باب القبة وقلت : أريد في
محبة أبي بكر شيئا.
فخرج إلي
شيخ منهم وقال : اجلس حتى نفرغ ونعطيك ، فجلست حتى فرغوا ثم خرج ذلك الرجل وأخذ بيدي
ومضى بي إلى داره وأدخلني الدار وأغلق ورائي الباب وسلط علي عبدين فكتفاني وأوجعاني
ضربا ، ثم أمرهما بقطع لساني فقطعاه ، ثم أمرهما فحلا كتافي وقال : اخرج إلى الذي طلبت
في محبته ليرد إليك لسانك.
قال : فخرجت
من عنده إلى الحجرة الشريفة النبوية وأنا أبكي من شدة الوجع والألم فقلت في نفسي :
يا رسول الله ! قد تعلم ما أصابني في محبة أبي بكر فإن كان صاحبك حقا ؟ فأحب أن
يرجع إلي لساني وبت في الحجرة قلقا من شدة الألم فأخذتني سنة من النوم فنمت فرأيت
في منامي أن لساني قد عاد إلى حاله كما كان فاستيقظت فوجدته في في صحيحا كما كان
وأنا أتكلم فقلت : الحمد لله الذي رد علي لساني وازددت محبة في أبي بكر رضي الله
عنه ، فلما كان العام الثاني في يوم عاشوراء اجتمعوا على عادتهم فخرجت إلى باب القبة
وقلت : أريد في محبة أبي بكر دينارا ، فقام إلي شاب عن الحاضرين وقال لي : اجلس حتى
نفرغ. فجلست فلما
(254)
فرغوا خرج
إلي ذلك الشاب وأخذ بيدي ومضى بي إلى تلك الدار فأدخلني فيها و وضع بين يدي طعاما ،
ولما فرغنا قام الشاب وفتح علي بابا على بيت في الدار وجعل يبكي فقمت لأنظر ما سبب
بكائه فرأيت في البيت قردا مربوطا فسألته عن قضيته فزاد بكاء فسكنته حتى سكن ، فقلت
له : بالله أخبرني عن حالك فقال : إن حلفت لي أن لا تخبر أحدا من أهل المدينة أخبرتك ،
فحلفت له ، فقال : اعلم أنه أتانا في عام أول رجل و طلب في محبة أبي بكر رضي الله عنه
شيئا في قبة العباس يوم عاشوراء فقام إليه أبي و كان من أكابر الإمامية والشيعة
فقال له : اجلس حتى نفرغ.
فلما فرغوا
أتى به إلى هذه الدار وسلط عليه عبدين فضرباه ، وأمر بقطع لسانه فقطع ، وأخرجه فمضى
لسبيله ولم نعرف له خبرا ، فلما كان الليل ونمنا صرخ أبي صرخة عظيمة فاستيقظنا من
شدة صرخته فوجدناه قد مسخه الله قردا ففزعنا منه وأدخلناه هذا البيت وربطناه ،
وأظهرنا للناس موته وهو ذا نبكي عليه بكرة وعشيا.
فقلت له :
إذا رأيت الذي قطع أبوك لسانه تعرفه ؟ قال : لا والله فقلت : أنا هو والله ، أنا الذي
قطع أبوك لساني ، وقصصت عليه القصة فأكب علي يقبل رأسي ويدي ثم أعطاني ثوبا ودينارا
وسألني كيف رد الله علي لساني ؟ فأخبرته وانصرفت.
مصباح
الظلام للجرداني ص 23 من الطبعة الرابعة المصرية المطبوعة بمطبعة الرحمانية بمصر
سنة 1347 ه ، ونزهة المجالس للصفوري 2 ص 195.
قال
الأميني : ما أحوج القوم إلى اختلاق هذه الأساطير المشمرجة وهي لا يصدقها أي قار
وباد مهما يقرها قصاص في أذنيه ولا يصير بها الأمر إلى قراره مهما حبكت نسقه يد
الإفك وأبدعت في نسجه مهرة الافتعال.
أنى يصدق
ذو مسكة بأن رجلا شهيرا يعد من علية قوم ومن أكابر أمة تمسخ ويربط في داره وهو بعد
مجهول لا يعرف اسمه ، ولا ينبئ عنه خبير ، و يسع لخلفه إخفاء أمره بدعوى موته ، ولم
يسأل أهله عن تجهيزه وتشييعه ودفنه ومقبره وسبب موته ، وتتأتى لولده الغشية عليها عن
أعين الناس وأسماعهم كأن في آذانهم صمما وفي أبصارهم عمى.
ولماذا
أخذه ابن الجاني ـ الذي لم يخلق بعد لا هو ولا أبوه ضيفه إلى والده
(255)
وهو لا
يعرف الرجل ولم يخش من الفضيحة ، ولماذا أوقفه على أمر أبيه وعواره وقد كان يستخفيه
ويظهر للناس موته ؟ وأنى يصدق بأن رجلا قطع لسانه دون مبدئه وحبه لخليفته قد استخفى
قصته ، وما أشاع بها ، وما صاح وما باح بمظلمته ، وما أبان أمره عند قومه ، وما أفاض عن
شأنه بكلمة ، ولا يمم قاضيا ولا حاكما ولا الدوائر الحكومية الصالحة للنظر في مظلمته
من عدلية أو دائرة شرطة ، وعقيرته مرفوعة من شدة الألم ، ولم يزل القوم يتربص الدوائر
على الشيعة ، ويختلق عليهم طامات كهذه.
وأنى يصدق
أنه لما خرج من دار من جنى عليه وهو مقصوص اللسان وقد ملأ فمه دمه ، ولاذ بالحجرة
الشريفة باكيا قلقا من شدة الألم ، ما باه له أي أحد ، وما عرفت مع هذه كلها من أمره
قذ عملة ، ولا تنبه لأمره سدنة الحضرة الشريفة ؟ وما بال الرجل لم يمط الستر في وقته
عن جناية عدو خليفته ، ولم يفش سره ، ولم يعلن كرامة الصديق ، ولم يفضح عدوه ، ولم
يعرب عن هذه المكرمة الغالية ، ولم يقرط الآذان بسماعها ، وينبس أمره ولم ينبشه ، كأن
لسانه بعد مقطوع ، وأنه لم يجده في فيه صحيحا ؟ أو رضي بأن يفشفش (1) بعده أعلام قومه
؟ وإن تعجب فعجب عود هذا الشحاذ الجرئ إلى سؤاله مرة ثانية في سنته القابلة بعد أن
رأى ما رأى قبل أن أعوم ، ووقوفه في ذلك الموقف الخطر في قبة العباس يوم عاشوراء ،
ومضيه من دون أي تحاش إلى تلك الدار التي وقعت فيها واقعته الخطرة الهائلة ، ودخوله
فيها رابطا جأشه ، وإلقاءه نفسه إلى التهلكة ، ولم يكن يعرف شيئا من قصة الشيعي
ومسخه ، ولا من حنو الشاب وعطفه ، وقد قال الله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
ولعله كان
في هذه كلها على ثقة وطمأنينة من أنه قط لا يبقى بلا لسان ، وأن لسانه مهما قطع يرد
إليه كما كان من بركة الخليفة ، وهو في حسبانه هذا وقدومه إلى المهالك مجتهد وله
أجره وإن أخطأ كاجتهاد سلفه.
1 ـ فشفش :
أفرط في الكذب ، وانتحل ما لغيره.
وقد أنصف
الشيخ الصالح المدني في اختلاق هذه القصة على شيعي كبير لم يولد بعد ولم تسمه
أمه.
وجاء غيره
بأسطورة معتوه قموص الحنجرة (1) وافتجر (2) في القول و أفجس (3) ألا وهو الشيخ عليا
المالكي ، قال الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في عمدة التحقيق المطبوع بمصر في هامش
روض الرياحين ص 133 : سمعت خالي العالم الشيخ عليا المالكي يقول : إن الرافضي إذا
أشرف على الموت يقلب الله صورة وجهه وجه خنزير فلا يموت إلا إذا مسخ وجهه وجه
خنزير ، ويكون ذلك علامة على أنه مات على الرفض ، فيستبشرون بذلك الروافض ، وإن لم
يقلب وجهه عند الموت يحزنون ويقولون : إنه مات سنيا ، إنتهى.
وتخرق بعض
الثقات في تاريخ حلب شاهدا على هذه المخرقة فقال : لما مات ابن منير (4) خرج جماعة من
شبان حلب يتفرجون فقال بعضهم لبعض : قد سمعنا أنه لا يموت أحد ممن كان يسب أبا بكر
وعمر إلا ويمسخه الله تعالى في قبره خنزيرا ولا شك أن ابن منير كان يسبهما ، فأجمعوا
رأيهم على المضي إلى قبره ، فمضوا ونبشوه فوجدوا صورته خنزيرا ووجهه منحرفا عن جهة
القبلة إلى جهة الشمال ، فأخرجوا على قبره ليشاهده الناس ثم بدا لهم أن يحرقوه
فأحرقوه بالنار وأعادوه في قبره وردوا عليه التراب وانصرفوا ، وذكره العلامة
الجرداني في مصباح الظلام المؤلف سنة 1301 والمطبوع بمصر سنة 1347 وقرظه جمع من
الأعلام ألا وهم كما في آخر الكتاب : العالم العفيف السيد محمود أنسي الشافعي
الدمياطي ، والعلامة الشيخ محمد جودة ، والعلامة الأوحد الشيخ محمد الحمامصي ، وحضرة
الفاضل اللبيب الشيخ عطية محمود قطارية ، والعالم العامل الشيخ محمد القاضي ، وحضرة
الشاعر اللبيب محمد أفندي نجل العلامة الشيخ محمد النشار.
ليست هذه
النفثات إلا كتيت (5) الإحن ، ونغران (6) الشحناء. وإن شئت
قلت :
1 ـ يقال
فلان قموص الحنجرة : أي كذاب.
2 ـ افتجر
في الكلام : أي اختلقه وذكره من غير أن يسمعه من أحد.
3 ـ أفجس :
افتخر بالباطل.
4 ـ أحد
شعراء الغدير مرت ترجمته في الجزء الرابع ص 279 ـ 289 ط 2 مات في دمشق ثم نقل إلى
حلب فدفن بها.
5 ـ
الكتيت : صوت غليان القدر والنبيذ ونحوهما.
6 ـ نغر
الرجل على فلان نغرا ونغرانا : غلا جوفه عليه غضبا.
(257)
إنها سكرة
الحب ، وسرف المغالاة.
قد أعمت
الأهواء بصاير أولئك الرجال فجاؤا بهذه المخاريق المخزية ، والأفائك المزخرفة ،
بيتوها غير مكترثين لمغبة صنيعهم ، و لا متحاشين عن معرة قيلهم ، وشتان بينها وبين
أدب الدين ، أدب العلم ، أدب التأليف ، أدب العفة ، أدب الدعاية والنشر.
إنهم
ليقولون منكرا من القول وزورا ، ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى
من القول.
كأن هؤلاء
يحدثون عن أمة بائدة لم يبق لها الملوان من يشاهده أحد من الأجيال الحاضرة ، أو ليست
الشيعة هؤلاء الذين هم مبثوثون في أرجاء العالم وأجواء الأمم ، يشاهدهم كل ذي بصر
وبصيرة أحياء وأمواتا ؟ فمن ذا الذي شهد أحدهم أنه انقلب عند موته خنزيرا غير أولئك
الشبان الموهومين الذين شاهدوا ابن منير في قبره ؟ وهل الشيخ عليا المالكي هو وجد
أحدا من الشيعة كما وصفه ؟ أو روي له ذلك الإفك فوثق به كما وثق العبيدي ؟ وهل كان
يمكنه أن يقف على الموتى جميعا أو أكثرهم وليس هو بمغسل الموتى أو من حفاري القبور
ولا من نباشيها ؟ على أن التشيع ليس من ولائد تلكم العصور وإنما بدء به منذ العهد
النبوي ، فهل كان السلف الشيعي من الصحابة والتابعين يموتون كذلك وكان فيهم من يعرف
بالتشيع كأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد وأبي الطفيل ؟ فهل يسحب هذا الرجل ذيل
مزعمته إلى ساحة أولئك الأعاظم ؟ قطعت جهيزة قول كل خطيب (1).
أبو بكر شيخ يُعرف ، والنبي شاب لا
يُعرف
عن أنس بن
مالك قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأبو بكر شيخ يعرف والنبي
صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبا بكر (2) فيقول : يا أبا بكر ! من هذا
الذي بين يديك ؟ فيقول : يهديني السبيل ، فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق وإنما يعني
سبيل الخير.
1 ـ مثل
يضرب لمن يقطع على الناس ماهم فيه بحماقة يأتي بها.
2 ـ في الانتقال من بني
عمرو. كذا قاله
القسطلاني في إرشاد الساري 6 ص 214 وبنو عمرو ابن عوف هم من الأنصار النازلين بقباء
كان قد نزل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله في هجرته إلى المدينة كما يأتي
تفصيله.
(258)
وفي لفظ :
إن أبا بكر كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم وكان أعرف بذلك الطريق فيراه الرجل
يعرفه فيقول : يا أبا بكر ! من هذا الغلام بين يديك ؟ وفي لفظ أحمد : كانوا يقولون :
يا أبا بكر ! ما هذا الغلام بين يديك ؟ فيقول : هذا يهديني السبيل.
وفي لفظ :
قالوا : يا أبا بكر ! من هذ الذي تعظمه هذا الاعظام ؟ قال : هذا يهديني الطريق وهو
أعرف به مني.
وفي
رواية : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء أبي بكر ناقته.
وفي
التمهيد لابن عبد البر : إنه لما أتي براحلة أبي بكر سأل أبو بكر رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنت اركب وأردفك
أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته.
فكان إذا
قيل له : من هذا وراءك ؟ قال : هذا يهديني السبيل ].
وفي لفظ :
لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة تلقاه المسلمون فقام أبو بكر للناس ، وجلس النبي
صامتا ، وأبو بكر شيخ والنبي شاب ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى
الله عليه وسلم يجئ أبا بكر فيعرفه بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك.
صحيح
البخاري باب هجرة النبي 6 : 53 ، سيرة ابن هشام 2 : 109 ، طبقات ابن سعد 1 : 222 ، مسند
أحمد 3 : 287 ، معارف ابن قتيبة ص 75 ، الرياض النضرة 1 : 78 ، 79 ، 80 ، المواهب اللدنية
1 : 86 ، السيرة الحلبية 2 : 46 ، 61.
قال
الأميني : ما أنزل الدهر نبي الاسلام حتى قيل : إنه شاب لا يعرف.
كأنه غلام
نكرة اتخذه شيخ انتشر صوته كصيته بين الناس دليلا في مسيره يرتدفه تارة و يمشيه بين
يديه أخرى ومهما سأل عنه قول : هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني ، كأن نبي الاسلام
صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم فعرفوه
على بكرة أبيهم من آمن منهم ومن لم يؤمن ، خصوصا الأنصار المدنيون منهم وفيهم رجال
الأوس والخزرج ، وقد بايعوه عند العقبة الأولى مرة ، وبايعه منهم مرة ثانية عند
العقبة ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان ، وكأنه صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي أمر
أصحابه بالهجرة إلى المدينة قبله ، وكان بتلك الهجرة غلقت أبواب ، وخلت دور أناس من
السكنى ، وهاجر أهلها رجالا ونساءا
(259)
وكان في
مقدم المهاجرين ما يناهز ستين رجلا ، فلم يبق في مكة المعظمة من أسلم معه صلى الله
عليه وآله إلا أمير المؤمنين وأبو بكر وكأن المدينة ليست بدار بني النجار وهم خؤولة
النبي الأقدس.
وكأنه صلى
الله عليه وآله وسلم لم يكن الذي إتخذ المدينة قاعدة ملكه ، وعاصمة حكومته ، ومعسكر
نهضته ، فبث فيها رجاله وخاصته من أهلها ومن المهاجرين فكانوا يرقبون مقدمه الشريف
في كل حين حتى ، إذا وافوه مقبلا عليهم استقبلوه بقضهم وقضيضهم وفيهم أهل البيعتين
ومن تقدمه من المهاجرين وكلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، وإنه صلى الله عليه وآله
مكث في قباء عند بني عمرو بن عوف أياما وليالي حتى أسس مسجده الشريف فيها ، فعرفه
كل من في قباء ممن لم يكن يعرفه قبل من رجال الأوس والخزرج ، واتصل به كل من قدمها
من المدينة فعرفوه جميعا ، وقد صلى الجمعة في قباء وفي بطن الوادي وادي رانونا وائتم
به من حضر المسلمين عامة.
وبقضاء من
الطبيعة أن الناس عند التطلع إلى رؤيته صلى الله عليه وآله كان يومي إليه كل عارف ،
ويسأل عنه كل جاهل ، ويتقدم المبايعون إلى التعرف به والتزلف إليه ، فلا يبقى في
المجتمع جاهل به حتى يسأل أبا بكر عنه في انتقاله من بني عمرو وبقوله : من هذا
الغلام بين يديك يا أبا بكر ؟! فكأن القادم رجل عادي ما دوخ صيته الأقطار ، ولم يره
بشر من ذلك الجمع الحافل ، ولم يحتفل به ذلك الاحتفال ، ولا احتفى به تلك الحفاوة ،
وما صعدت ذوات الخدور على الاجاجير (1) وما هزجت الصبيان والولائد بقولهن.
|
طلع
البدر علينا
وجب
الشكر علينا
أيها
المبعوث فينا
| |
من ثنيات الوداع
ما دعا لله داعي
جئت بالأمر المطاع
|
وكأنه قدم
في صورة منكرة بلا أي تقدمة إلى بلد لا يعرفه فيه أحد حتى خص السؤال عنه بأبي بكر
فحسب.
ثم ما هذه
التعمية في جواب أبي بكر بقوله : إنه يهديني السبيل يريد سبيل
1 ـ جمع
الإجار بكسر الأول وتشديد الجيم : السطح.
السعادة
فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق ؟ الخوف كانت ؟ ولم يرد رسول الله صلى الله عليه
وآله إلا على العدة والعدد والمنعة والعزة ، وقد بايعته الأنصار على التفاني
دونه.
أو كان
يخاف أبو بكر قريشا وهو في حصن الدين المنيع ودرعه الحصينة ؟ أم كانت لغير ذلك ؟
فاسأل عنه خبيرا.
والعجب كل
العجب أن رجلا هذه سيرته في التقية عن الناس في عاصمة الاسلام بين فرسان المهاجرين
والأنصار كيف صح عنه ما جاء عن ابن مسعود وما روي عن مجاهد مرسلا من قولهم : إن أول
من أظهر الاسلام سبعة : رسول الله ، وأبو بكر. الخ (1).
على أن
الحالة كانت تقتضي أن يسأل كل قادم إلى المدينة يوم ذاك عن شخص رسول الله صلى الله
عليه وآله وأوان نزوله بها لا عن الغلام بين أيدي أبي بكر.
والعجب أن
الجهل برسول الله في مزعمة هذا الراوي ! كان مستمرا بين مستقبليه ( وكلهم نفوسهم
نزاعة إلى عرفانه والتبرك برؤيته ) حتى ظلله أبو بكر بردائه فعرفه الناس عند ذلك.
ومتى كان
أبو بكر شيخا والنبي شابا وهو صلى الله عليه وآله أكبر منه بسنتين وعدة أشهر كما
يأتي تفصيله إنشاء الله ؟ وابن قتيبة أخذ هذا الحديث بظاهره فقال في المعارف ص 75 :
هذا الحديث يدل على أن أبا بكر كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة
، والمعروف عند أهل الأخبار ما حكيناه.
وحكي قبل
هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو أكبر سنا من أبي بكر.
نعم : عرف
شراح البخاري من المتأخرين موضع الغمز فأولوا كون أبي بكر شيخا بظهور الشيب في
لحيته.
وكون النبي
شابا بسواد كريمته ، والعارف بأساليب الكلام يعلم أنه تمحل محض ، وأن المفهوم من تلك
كما فهمه ابن قتيبة : كون أبي بكر شيخا ورسول الله شابا لا غير ذلك.
وإلا فما
معنى قولهم : ما هذا الغلام بين يديك ؟ و : من هذا الغلام بين يديك ؟ ومن المعلوم أن
الغلام لا يطلق على من عمر خمسون سنة تقريبا مهما اسود عارضه.
وعلى صحة
هذا التأويل أين المأولون من صحيحة ابن عباس قال : قال أبو بكر :
1 ـ تاريخ
ابن كثير 3 : 58 ، تأريخ ابن عساكر 6 ص 448.
 |
الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: فهرس |
 |