الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: 171 ـ 180
(171)
هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد. ووددت أني إذا وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله. ومد يديه.
    ووددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة فإن في نفسي منهما شيئا.
    أخرجه أبو عبيد في الأموال ص 131 ، والطبري في تاريخه 4 ص 52 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 ص 18 ، والمسعودي في مروج الذهب 1 : 414 ، وابن عبد ربه في السد الفريد 2 : 254.
    والإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ربعة منهم من رجال الصحاح الست.
    قال الأميني : إن في هذا الحديث أمورا تسعة ، ثلاثة منها فات الخليفة فقهها يوم عمل بها ، وقد بسطنا القول في إحراق الفجاءة منها.
    وأما تمني قذف الأمر في عنق أحد الرجلين فإنه ينم عن أن الخليفة انكشف له في أخريات أيامه أن ما ناء به من الأمر لم يكن على القانون الشرعي في الخلافة والوصية ، لأن المخلف والموصي يجب أن يكون هو المعين لمن ينهض بأمره من بعده ، وهو الذي تنبه له الخليفة الثاني بعد ردح من الزمن فقال : كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (1).
    ولا أدري أن ما تنبها له هل هو قصور في المختار ( بالفتح ) أو فيه ( بالكسر ) أو فيهما معا ؟ أو في كون الاختيار موجبا لتعيين الخليفة ؟ وأيا ما أراد فلنا فيه المخرج.
    وهؤلاء زمر الأنبياء والرسل لم يعدهم التنصيص بالخليفة من بعدهم ، ولن انتخبت أممهم خلفاء لهم.
    وهل هنا لك ذو حجى يزعم أن وصاية الفقيد المبيحة للتصرف فيما تركه من بعده موكولة إلى أناس أجانب لا يعرفون ما يرتأيه في شئونه ، بعداء عن مغازيه وما يروقه في ماله وأهله ، والفقيد عاقل رشيد يعرف الصالح من غيره ، ويعلم بنوايا من
1 ـ راجع الجزء الخامس ص 370 ط 2 وهذا الجزء ص 79.

(172)
يلتاث به ، ومن يحدوه الجشع ، وترقل به النهمة ، ويستفزه الطمع ، أفتراه والحالة هذه يترك الوصية ؟ فيدع ما تركه اكلة للآكل ؟ ومطمعا للناهب ؟ لا.
    لا يفعل ذلك وهو يريد خيرا بآله وصلاحا في ماله ، وعلى ذلك جرت سنة المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا الحاضر ، وأقرته الشريعة الإسلامية ، وشرعت للوصايا أحكاما ، وجاء في الصحيحين (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده.
    كذا في لفظ البخاري ، وفي لفظ مسلم : يبيت ثلاث ليال ، قال ابن عمر : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
    قال النووي في رياض الصالحين 156 : متفق عليه.
وصى الإله وأوصت رسله فلـذا لولا الوصية كان الخـلق في عمـه فاعمل عليها ولا تهمل طريقتها ذكرت قوما بما أوصى الإله به كان التأسي بهم من أفضل العمل وبالوصية دام الملك في الدول إن الوصية حكم الله في الأزل وليس إحداث أمر في الوصية لي (2)
    فإذا كانت الوصية ثابتة في حطام زائل ؟ فما بالها تنفى في خلافة راشدة ، وشريعة خالدة ، مكتفلة بصلاح النفوس والنواميس والأموال والأحكام والأخلاق والصالح العام والسلام والوئام ؟ ومن المسلم قصور الفهم البشري العادي عن غايات تلكم الشئون فلا منتدح والحالة هذه عن أن يعين الرسول الأمين عن ربه خليفته من بعده ليقتص أثره في أمته.
    وقد مر في صفحة 132 رأي عائشة وعبد الله بن عمر ومعاوية وحديث الناس بأن راعي إبل أو غنم أو قيم أرض لأي أحد لا يسعهم ترك رعيتهم هملا ، ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم فالأمة لماذا صفحت يوم السقيفة عن هذا الحكم المتسالم عليه بينها ؟ ولماذا نبأت عنه الاسماع ؟ وخرست الألسن ؟ وذهلت الأحلام عنه يوم ذاك ، ثم حدث به الناس ونبأته الأمة ؟ ولماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته سدى هملا ؟ وفتح بذلك أبواب الفتن المضلة المدلهمة ؟ واستحقر أمته ورأى
1 ـ صحيح البخاري 4 : 2 كتاب الوصية ، وصحيح مسلم 2 : 10.
2 ـ الجزء الأخير من الفتوحات المكية لابن العربي ص 575.


(173)
رعيتها أهون من رعية الإبل والغنم ؟ حاشا النبي الأعظم عن هذه الأوهام ، فإنه صلى الله عليه وآله وصى واستخلف ونص على خليفته وبلغ أمته غير أنه عهد إلى وصيه من بعده : إن الأمة ستغدر به بعده كما ورد في الصحيح (1) وقال له أيضا : أما إنك ستلقى بعدي جهدا ، قال ( علي ) : في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك (2) و قال لعلي : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها إلا من بعدي (3) وقال له : يا علي إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن.    ( كنوز الدقائق للمناوي ص 188 ) ، ثم إن الخليفة النادم لماذا تمنى التسلل عن الأمر يوم السقيفة ؟ وقذفه في عنق أحد الرجلين : أبي عبيدة أو عمر ؟ أكان ندمه عن حق وقع ؟ فالحق لا ندم فيه.
    و إن كان عن باطل سبق ؟ فهو يهدم أساس الخلافة الراشدة.
    ثم الذي وده من قذفه إلى عنق أحد الرجلين فإنا لا نعرف وجها لتخصيصهما بالقذف وفي الصحابة أعاظم وذو وفضائل لا يبلغ الرجلان شأو أي منهم ، وهذان بالنظر إلى ما عرفناه من أحوال الصحابة إن لم نقل إنهما من ساقتهم ، فإنا نقول بكل صراحة إنهما لم يكونا من الأعالي منهم وفيهم من فيهم ، وقبل جميعهم سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام صاحب السوابق والمناقب والصهر والقرابة والغناء والعناء ، وصاحب يوم الغدير ، والأيام المشهودة ، والمواقف المشهورة ، نفس النبي الأعظم بنص من الكتاب العزيز (4) المطهر من كل رجس بآية التطهير (5).
    فهلا ود أن يقذفه إليه ؟ فيسير بالأمة سيرا سجحا ، ويحملهم على المحجة البيضاء ، ويأخذ بهم الطريق المستقيم ، ويجدونه هاديا مهديا ، يدخلهم الجنة.
    كما أخبر بهذه كلها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وقد مر شطر منها في الجزء الأول صفحه 12 ، 13 ط 2.
1 ـ مستدرك الحاكم 3 : 140 ، 142 ، وصححه هو والذهبي في تلخيصه ، تاريخ الخطيب 1 ص 216 ، تاريخ ابن كثير 6 : 219 ، كنز العمال 6 : 157.
2 ـ مستدرك الحاكم 3 : 140 وصححه هو وأقره الذهبي.
3 ـ أخرجه ابن عساكر ، والمحب الطبري في الرياض 2 : 210 نقلا عن أحمد في المناقب والحافظ الكنجي في الكفاية ص 142 ، والخوارزمي في المقتل 1 : 36.
4 ـ بآية المباهلة في سورة آل عمران : 61.
5 ـ في سورة الأحزاب : 33.


(174)
    وأما كشف بيت فاطمة سلام الله عليها فإنه لا يروقنا ها هنا خدش العواطف بتلكم النوائب ، غير أنه سبقت منا بعض القول في الجزء الثالث ص 102 ـ 104 ط 2 وفي هذا الجزء ص 77 ، 86.
    وفذلكة ذلك النبأ العظيم أن الصديقة سلام الله عليها قضت وهي واجدة على من ارتكبه ، وكانت صلوات الله عليها تدعو عليه بعد كل صلاة صلتها (1).
    وإن تعجب فعجب أن القوم ارتكب ما ارتكب من تلكم الفظايع وارتبك فيها وملأ الاسماع هتاف النبي صلى الله عليه وآله بقوله : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي بضعة مني ، هي قلبي وروحي التي بين جنبي ، فمن آذاها فقد آذاني.
    بقوله : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها.
    وبقوله : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.
    وبقوله : فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها (2).
    وبقوله : فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها (3).
    وبقوله : يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك (4).
    وبهذا الهتاف تعلم أن ندم الخليفة كان في محله ، غير أنه ندم ولات حين مندم ، ندم وقد قضى الأمر ووقع ما وقع ، ندم والصديقة الطاهرة مقبورة وملأ اهابها موجدة.

الثلاثة الوسطى
    وأما الثلاثة من هاتيك الأمور التسعة التي ندم عليها الخليفة على تركها فإنها تعرب عن أنه ارتكب ما ارتكب فيها لا عن ترو أو بصيرة في الأمر ، أو استناد إلى حكم شرعي ، حتى كشف له الخطأ فيها جمعاء ، وقد وقعت فيها عظائم ، وأعقبتها طامات ، و خليفة المسلمين يجب أن لا يرتكب ما يستتبعها ، ولا يفعل ما يوجب الندم في مغبته ، و قصة الأشعث بن قيس تعرب عن أن ندم الخليفة كان في محله ، فإن الرجل بعد ما ارتد
1 ـ الإمامة والسياسة 1 : 14 ، رسائل الجاحظ ص 301 ، أعلام النساء 3 ص 1215.
2 ـ راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 20 ، وسنوقفك على تفصيلها في هذا الجزء إنشاء الله (3) الأغاني 8 : 156.
4 ـ راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 180 ط 2 ، وسنفصل فيه القول إنشاء الله.


(175)
وأتى بمعرات وقاتل المسلمين وأخذ وأتي به أسيرا إلى الخليفة فقال : ماذا تراني أصنع بك ؟ فإنك قد فعلت ما علمت.
    قال : تمن علي فتفكني من الحديد ، وتزوجني أختك ، فإني قد راجعت وأسلمت.
    فقال أبو بكر : قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة ، فاخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملا ولا ناقة إلا عرقبه ، فصاح الناس : كفر الأشعث.
    فلما فرغ طرح سيفه وقال : إني والله ما كفرت ولكن زوجني هذا الرجل أخته ولو كنا في بلادنا كانت وليمة غير هذه ، وأهل المدينة ! كلوا ، ويا أصحاب الإبل ! تعالوا خذوا شرواها ، فكان ذلك اليوم قد شبه بيوم الأضحى وفي ذلك يقول وبرة بن قيس الخزرجي :
لقد أولم الكندي يوم ملاكه لقد سل سيفا كان مذ كان مغمدا فأغمده في كل بكر وسابح فقل للفتى الكندي يـوم لقائه وليمة حمال لثقل الجرائم لدى الحرب منها في الطلا والجماجم وعير وبغل في الحشا والقوائم ذهبت بأسنى مجد أولاد
    آدم وقال الأصبغ بن حرملة الليثي متسخطا لهذه المصاهرة :
أتيت بكندي قد ارتد وانتهى فكان ثواب النكث إحياء نفسه ولو أنه يأبى عليك نكاحها ولو أنه رام الزيادة مثـلها فقل لأبي بكر : لقد شنت بعدها أما كان في تيم بن مرة واحد ولو كنت لما أن أتاك قتلته فأضحى يرى ما قد فعلت فريضة إلى غاية من نكث ميثاقه كفرا وكان ثواب الكفر تزويجه البكرا وتزويجها منه لأمهرته مهرا لأنكحته عشرا وأتبعته عشرا قريشا وأخملت النباهة والذكرا تزوجه ؟ لولا أردت به الفخرا ؟ لأحرزتها ذكرا وقدمتها ذخرا عليك فلا حمدا حويت ولا أجرا (1)

الثلاثة الأخر
    إن الثلاثة الأخر التي تمنى الخليفة أن يكون استعلمها من رسول الله صلى الله عليه وآله فإنها تنبأنا بقصوره في علم الدين ، وإنه كان نابيا في فقهه ، لا يعرف أحكام المواريث
1 ـ تاريخ الطبري 3 : 276 ، ثمار القلوب للثعالبي ص 69 ، الاستيعاب : 1 : 51 ، الكامل لابن الأثير 2 : 160 ، مجمع الأمثال للميداني 2 : 341 ، الإصابة 1 : 51 و ج 3 : 630.

(176)
التي يكثر ابتلاء خليفة المسلمين بها طبعا ، وإنه كان شاكا في أصل الخلافة هل هي بالنص أو الاختيار ؟ وعلى الثاني هل تخص المهاجرين فحسب ؟ أو أنه يشاركهم فيها الأنصار ؟ وعلى أي فهو في تسنمه عرش الخلافة غير متيقن بالرشد من أمره ، ولا نحكم ها هنا غير ضميرك الحر ، وليس في الحق مغضبة.
    ثم إني لا أعرف لهذا التمني محصلا لأنه لو كان سأله صلى الله عليه وآله عن ذلك لما كان يجيبه إلا بمثل قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه. غ ج 1 (1).
    وقوله : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي (2).
    وقوله : إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي (3).
    وقوله : علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غ 3 : 199.
    وقوله لعلي : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. غ 3 : 172.
    وقوله : أوحي إلي في علي ثلاث : إنه سيد المسلمين. وإمام المتقين. وقائد الغر المحجلين : مستدرك الحاكم 3 : 138.
    وقوله : إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منه أباك فبعثه نبيا ، ثم اطلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصياً. غ 2 : 318 و ج 3 : 23.
    وقوله : علي الصديق الأكبر وفاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، ويعسوب المؤمنين ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي. غ 2 : 213.
    وقوله : علي راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، والكلمة التي ألزمتها المتقين ، من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني. غ 3 : 118.
    وقوله : علي أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي. غ 2 : 279 ـ 281.
    وقوله : علي سيد مبجل ، مؤمل المسلمين ، وأمير المؤمنين ، وموضع سري وعلمي ، وبابي الذي يؤوى إليه ، وهو الوصي على أهل بيتي ، وعلى الأخيار من أمتي ، وهو أخي في الدنيا والآخرة. غ 3 : 116.
1 ـ هذا رمز كتابنا هذا ( الغدير ) في هذا الجزء وبقية الأجزاء.
2 و 3 ـ مر الايعاز إلى حديث الثقلين غير مرة وسنفصل القول فيه إنشاء الله.


(177)
    وقوله : علي أخي ووزيري وخير من أترك بعدي. غ 2 : 313.
    وقوله : علي مع الحق والحق مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. غ 3 : 177.
    وقوله : علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه يدور حيثما دار علي. غ 3 : 178.
    وقوله : علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض. غ 3 : 180.
    وقوله : علي مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي غ 3 : 22 ، 215.
    وقوله : علي مولى كل مؤمن بعدي ومؤمنة غ 1 : 15 ، 51 وقوله : علي أنزله الله مني بمنزلتي منه. غ 1 : 22.
    وقوله : علي وليي في كل مؤمن بعدي ، مسند أحمد 1 : 231.
    وقوله : علي مني بمنزلتي من ربي ، السيرة الحلبية 3 : 391 وقوله : علي ولي المؤمنين من بعدي. تاريخ الخطيب 4 : 339.
    وقوله : من كان الله ورسوله وليه فعلي وليه. غ 1 : 38.
    وقوله : لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني. غ 6 : 338 ـ 350.
    وقوله : ما من نبي إلا وله نظير وعلي نظيري. غ 3 : 23.
    وقوله : أنا وعلي حجة على أمتي يوم القيامة. تاريخ الخطيب 2 : 88.
    وقوله : من أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن عصى عليا فقد عصاني ، مستدرك الحاكم 3 : 121 ، 128 كيف تمنى الخليفة ما تمنى مع هذه النصوص ؟ أو كان في الآذان وقر يوم هتف صلى الله عليه وآله بهاتيك الكلم الجامعة المعربة عن الخلافة بكل ما يمكن من التعبير ؟ أم أن في القوم من تصامم عنها لأمر دبر بليل.
    أولم يكف الخليفة أنه صلى الله عليه وآله لما عرض نفسه على القبائل وكان معه علي أمير المؤمنين ومعهما أبو بكر وبلغ بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله فقال له قائلهم : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء (1) ؟
1 ـ مرت مصادره في هذا الجزء ص 134.

(178)
    أفكان يزعم الخليفة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أناط الأمر بعده إلى المولى سبحانه ومشيئته كان لو سأله عن ذلك أجابه بالترديد بين اختيار الأمة ولو لم تكتمل فيه شرايط الإجماع والانتخاب الصحيح كما في البيعة الأولى ؟ وبين وصية الخليفة واستخلافه كما وقع في أمر الثاني ؟ وبين الشورى مع إرهاب المخالف بالقتل كما كان في منتهى الثلاثة ؟ لكنه لو كان يحسب ذلك لما ود أن لو كان سأله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يعلم أيضا أن الترديد في الجواب على فرضه إغراء للأمة بالفوضى ، وفي ذلك مسرح لكل مدع محق أو مبطل ، ولاحتج به كل ناعب وناعق حتى تنتهي النوبة إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء أمثال معاوية و يزيد وهلم جرا.

تحفظ على كرامة
    حذف أبو عبيد من الحديث ذكر الأمر الأول من الثلاثة الأول وهو : كشف بيت فاطمة وجعل مكانه قوله : فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا ـ لخلة ذكرها ـ فقال : لا أريد اذكرها.
    وما حرف ما حرف إلا تحفظا على كرامة الخليفة ، والأسف على أن غيره ما شاركه فيما فعل ، فظهرت خيانته على ودائع التاريخ.

ـ 12 ـ
سؤال يهودي أبا بكر
    عن أنس بن مالك قال : أقبل يهودي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فأشار القوم إلى أبي بكر فوقف عليه فقال : أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي قال أبو بكر : سل عما بدا لك.
    قال اليهودي : أخبرني عما ليس لله ، وعما ليس عند الله ، وعما لا يعلمه الله.
    فقال أبو بكر : هذه مسائل الزنادقة يا يهودي ! وهم أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما أنصفتهم الرجل.
    فقال أبو بكر : أما سمعت ما تكلم به ؟ فقال ابن عباس إن كان عندكم جوابه وإلا فاذهبوا به إلى علي رضي الله عنه يجيبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب : أللهم اهد قلبه ، وثبت لسانه ، قال : فقام أبو بكر ومن حضره حتى أتوا علي بن أبي طالب


(179)
فاستأذنوا عليه فقال أبو بكر : يا أبا الحسن ! إن هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة. فقال علي : من تقول يا يهودي ؟ قال : أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال له : قل. فرد اليهودي المسائل : فقال علي رضي الله عنه : أما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود ! إن العزيز ابن الله ، والله لا يعلم أن له ولدا. وأما قولك : أخبرني بما ليس عند الله. فليس عنده ظلم للعباد ، وأما قولك : أخبرني بما ليس لله فليس له شريك. فقال اليهودي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر والمسلمون لعلي عليه السلام : يا مفرج الكرب. ( المجتنى لابن دريد ص 35 ) قال الأميني : إقرأ واحكم.

ـ 13 ـ
وفد النصارى وأسئلتهم
    أخرج الحافظ العاصمي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : لما قبض النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت النصارى إلى قيصر مالك الروم فقالوا له : أيها الملك أنا وجدنا في الانجيل رسولا يخرج من بعد عيسى إسمه أحمد وقد رمقنا خروجه وجائنا نعته فأشر علينا فإنا قد رضيناك لديننا ودنيانا قال : فجمع قيصر من نصارى بلاده مائة رجل وأخذ عليهم المواثيق أن لا يغدروا ولا يخفوا عليه من أمورهم شيئا وقال : وانطلقوا إلى هذا الوصي الذي من بعد نبيهم فسلوه عما سئل عنه الأنبياء عليهم السلام وعما أتاهم به من قبل ، والدلايل التي عرفت بها الأنبياء ، فإن أخبركم فآمنوا به وبوصيه واكتبوا بذلك إلي ، وإن لم يخبركم فاعلموا أنه رجل مطاع في قومه ، يأخذ الكلام بمعانيه ، ويرده على مواليه ، وتعرفوا خروج هذا النبي.
    قال : فسار القوم حتى دخلوا بيت المقدس واجتمعت اليهود إلى رأس جالوت فقالوا له مثل مقالة النصارى بقيصر ، فجمع رأس جالوت من اليهود مائة رجل ، قال سلمان فاغتنمت صحبة القوم فسرنا حتى دخلنا المدينة وذلك يوم عروبة (1) وأبو بكر قاعد في المسجد رضي الله عنه يفتي الناس فدخلت عليه فأخبرته بالذي قدم له النصارى واليهود فأذن لهم بالدخول عليه فدخل عليه رأس جالوت
1 ـ يعني يوم الجمعة وكان يسمى قديما بيوم عروبة ، ويوم العروبة. والأفصح ترك الألف واللام.

(180)
فقال : يا أبا بكر إنا قوم من النصارى واليهود جئناكم لنسألكم عن فضل دينكم فإن كان دينكم أفضل من ديننا قبلناه وإلا فديننا أفضل الأديان ؟ قال أبو بكر : سل عما تشاء أجبك إن شاء الله قال : ما أنا وأنت عند الله ؟ قال أبو بكر : أما أنا فقد كنت عند الله مؤمنا وكذلك عند نفسي إلى الساعة ولا أدري ما يكون من بعد.
    فقال اليهودي : فصف لي صفة مكانك في الجنة ، وصفة مكاني في النار ، لأرغب في مكانك وأزهد عن مكاني.
    قال : فأقبل أبو بكر ينظر إلى معاذ مرة وإلى ابن مسعود مرة ، وأقبل رأس جالوت يقول لأصحابه بلغة أمته : ما كان هذا نبيا : قال سلمان : فنظر إلي القوم ، قلت لهم : أيها القوم ! ابعثوا إلى رجل لو ثنيتم الوسادة لقضى لأهل التوراة بتوراتهم ، ولأهل الانجيل بإنجيلهم ، ولأهل الزبور بزبورهم ، ولأهل القرآن بقرآنهم ، ويعرف ظاهر الآية من باطنها ، وباطنها من ظاهرها.
    قال معاذ : فقمت فدعوت علي بن أبي طالب وأخبرته بالذي قدمت له اليهود والنصارى فأقبل حتى جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن مسعود : وكان علينا ثوب ذل : فلما جاء علي بن أبي طالب كشفه الله عنا قال علي : سلني عما تشاء أخبرك إن شاء الله قال اليهودي : ما أنا وأنت عند الله ؟ قال أما أنا فقد كنت عند الله وعند نفسي مؤمنا إلى الساعة فلا أدري ما يكون بعد. وأما أنت فقد كنت عند الله وعند نفسي إلى الساعة كافرا ولا أدري ما يكون بعد. قال رأس جالوت : فصف لي صفة مكانك في الجنة وصفة مكاني في النار فأرغب ، في مكانك وأزهد عن مكاني قال : علي : يا يهودي ! لم أر ثواب الجنة ولا عذاب النار فأعرف ذلك ، ولكن كذلك أعد الله للمؤمنين الجنة وللكافرين النار ، فإن شككت في شيء من ذلك فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم ولست في شيء من الاسلام.
    قال : صدقت رحمك الله فإن الأنبياء يوقنون على ما جاؤا به فإن صدقوا آمنوا ، وإن خولفوا كفروا.
    قال : فأخبرني أعرفت الله بمحمد أم محمدا بالله ؟ فقال علي : يا يهودي ! ما عرفت الله بمحمد ولكن عرفت محمدا بالله لأن محمدا محدود مخلوق وعبد من عباد الله اصطفاه الله واختاره لخلقه وألهم الله نبيه كما ألهم الملائكة الطاعة ، وعرفهم نفسه بلا كيف ولا شبه.
    قال صدقت قال : فأخبرني الرب في الدنيا أم في الآخرة ؟ فقال علي : إن ( في ) وعاء فمتى ما كان بفي كان محدودا ولكنه يعلم ما في الدنيا والآخرة ، وعرشه في هواء الآخرة وهو محيط بالدنيا ، والآخرة بمنزلة القنديل في وسطه إن خليت يكسر ، إن أخرجته لم يستقم
الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: فهرس