الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: 131 ـ 140
(131)
    بل فيما رواه الدارمي عن الحسن من أن الجد قد مضت سنته ، وأن أبا بكر جعل الجد أبا ، ولكن الناس تخيروا (1) إيعاز إلى أن السنة في الجد ماضية ثابتة وقد خالفها الخليفة ، وتخير الناس فخالفوه وعملوا بالسنة الشريفة.

ـ 5 ـ
رأي الخليفة في تولية المفضول
    قال الحلبي في السيرة النبوية 3 ص 386 : إن أبا بكر رضي الله عنه كان يرى جواز تولية المفضول على من هو أفضل منه وهو الحق عند أهل السنة لأنه قد يكون أقدر من الأفضل على القيام بمصالح الدين ، وأعرف بتدبير الأمر ، وما فيه انتظام حال الرعية.
    أجاب الحلبي بهذا عن تقديم أبي بكر عمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح على نفسه في الخلافة وقوله : بايعوا أي الرجلين إن شئتم ، وقال الباقلاني في التمهيد ص 195 عند الجواب عن قول أبي بكر : وليتكم و لست بخيركم : يمكن أن يكون قد اعتقد أن في الأمة أفضل منه إلا أن الكلمة عليه أجمع والأمة بنظره أصلح ، لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عن عارض يمنع من نصب الفاضل ، ولهذا قال للأنصار وغيرهم : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أحدهما : عمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح ، وهو يعلم أن أبا عبيدة دونه و دون عثمان وعلي في الفضل ، غير أنه قد رأى أن الكلمة تجتمع عليه ، وتنحسم الفتنة بنظره.
    وهذا أيضا مما لا جواب لهم عنه.
    قال الأميني : الذي نرتأيه في الخلافة أنها إمرة إلهية كالنبوة ، وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الإلهي ، وشأن الخليفة التبليغ والبيان ، وتفصيل المجمل.
    وتفسير المعضل ، وتطبيق الكلمات بمصاديقها ، والقتال دون التأويل (2) كما
1 ـ سنن الدارمي 2 ص 353.
2 ـ وبهذا عرف النبي صلى الله عليه وآله مولانا أمير المؤمنين بقوله : إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبو بكر : أنا هو يا رسول الله ؟! قال : لا قال عمر : أنا هو يا رسول الله ؟! قال : لا ولكن خاصف النعل ، وكان أعطى عليا نعله يخصفها. أخرجه جمع من الحفاظ وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي كما يأتي تفصيله.


(132)
يقاتل النبي دون التنزيل ، وإظهار ما لم يتسن للنبي الإشادة به إما لتأخر ظرفه ، أو لعدم تهيأ النفوس له ، أو لغير ذلك من العلل ، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية ، ولذلك خلقهم و استعبدهم وعلمهم ما لم يعلموا ، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل.
    ولكن خلقهم ليعرفوه ، وليمكنهم من الحصول على مرضاته ، وسهل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل ، وإنزال الكتب ، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة ، وبما أن أي نبي لم ينط عمره بمنصرم الدنيا ، ولا قدر له البقاء مع الأبد ، وللشرايع ظروف مديدة ، كما أن للشريعة الخاتمة أمد لا منتهى له ، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كل منهما نفوس لم تكمل بعد ، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة ، وأخرى لم تأت ظروفها ، ومواليد قدر تأخير تكوينها ، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه ، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف والواجب عليه سبحانه شرع سواء ، فيجب عليه جلت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه ، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه ، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه ، ويدرع عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه ، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه.
    ومهما كان للمولى جلت مننه عناية بعبيده ، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم ، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة ، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبأ الثقيل ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها ، فينص عليه بلسان ذلك النبي المبعوث ولا يجوز أن يخلي سربهم ، ويتركهم سدى ، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه : إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف ، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط ـ لرأيت أن قد ضيع ـ ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم ، ماذا تقول لله عز وجل إذ لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ (1) وقالت عائشة لابن عمر : يا بني أبلغ سلامي وقل له : لا تدع أمه محمد بلا
1 ـ سنن البيهقي 8 ص 149 عن صحيح مسلم ، سيرة عمر لابن الجوزي ص 190 ، الرياض النضرة 2 ص 74 ، حلية الأولياء 1 ص 44 ، فتح الباري 13 : 175 عن مسلم.

(133)
راع ، إستخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا ، فإني أخشى عليهم الفتنة (1) فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم.
    وقال عبد الله بن عمر لأبيه : لو استخلفت ؟ قال : من ؟ قال : تجتهد فإنك لست لهم برب ، تجتهد ، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض ؟ قال : بلى.
    قال : أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلا حتى يرجع ؟ (2).
    وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد ويقول : إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضان لا راعي لها ] (3).
    ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لم أهملته الأمة في استخلاف النبي الأعظم واتهمته بالصفح عنه ؟ أنا لا أدري.
    ولا يجوز أيضا توكل الأمر إلى أفراد الأمة ، أو إلى أهل الحل والعقد منهم لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفا بشرايط بعضها من النفسيات ـ الخفية الملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر (4) كالعصمة والقداسة والروحية ، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات ، والعلم الذي لا يضل معه في شيء من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس ، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها ، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. ( سورة القصص 69 ) والله يعلم حيث يجعل رسالته.
    فالأمة المنكفئ علمها عن الغيوب لا يمكنها تشخيص من تحلى بتلك الصفات فالغالب على خيرتها الخطأ ، فإذا كان نبي كموسى على نبينا وآله وعليه السلام تكون وليدة اختياره من الآلاف المؤلفة سبعين رجلا ، وإنهم لما بلغوا الميقات قالوا : أرنا الله جهرة ؟ فما ظنك بأفراد عاديين واختيارهم ، وأناس ماديين وانتخابهم ، وما عساهم أن ينتخبوا غير أمثالهم ممن هو وإياهم سواسية كأسنان المشط في الحاجة إلى المسدد ،
1 ـ الإمامة والسياسة 1 ص 22.
2 ـ طبقات ابن سعد 3 ص 249.
3 ـ تاريخ الطبري 6 : 170 ، الإمامة والسياسة 1 : 151.
4 ـ وقد أشبعنا القول في البرهنة على لزوم هذه الملكات الفاضلة في الإمامة في غير هذا المورد.


(134)
وليس من المأمون أن يقع انتخابهم على عائث ، أو يكون التيائهم بمشاغب ، أو يكون انثيالهم وراء من يسر على الأمة حسوا في ارتغاء (1) أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام فيرتكب العظام ، ويأتي بالجرائم ، ويقترف المآثم وهو لا يعلم ، أو يعلم ولا يكترث لأن يقول زورا ، ويحكم غرورا ، فيفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا ، و يقعوا في الهلكة وهم لا يشعرون ، كما وقعت أمثال ذلك في البيعة لمعاوية ويزيد وخلفاء الأمويين.
    فعلى البارئ الرؤف الذي يكره كل ذلك في خلقه أن لا يجعل لأحد من خلقه الخيرة فيها وقد خلقه ظلوما جهولا (2) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (3) ، و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة في الأمر (4) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا. ( الأحزاب 36 ).
    وقد أخبر به النبي الأعظم من أول يومه يوم عرض نفسه على القبائل فبلغ بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله فقال.
    له قائلهم : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء (5).
    أني تسوغ أن تكون للخلق خيرة في الأمر مع شيوع الغايات والأغراض والدعاوي والميول والشهوات في الناس حول الانتخاب ، مع اختلاف الأنظار وتضارب الآراء والمعتقدات في تحليل نفسيات الرجال والشخصيات البارزة ، مع كثرة الأحزاب والفرق والأقوام والطوائف المتشاكسة ، مع شقاق القومية والطائفية والشعوبية الذايع الشايع في المسكين ابن آدم من أول يومه.
1 ـ مثل يضرب لم يظهر أمرا ويريد غيره ـ تاج العروس. 1 ص 153.
2 ـ راجع الأحزاب : 72.
3 ـ سورة الملك آية 14.
4 ـ سورة القصص آية 67.
5 ـ سيرة ابن هشام 2 ص 32 ، الروض الأنف 1 ص 264 ، بهجة المحافل لعماد الدين العامري 1 : 128 ، السيرة الحلبية 2 ص 3 ، سيرة زيني دحلان 1 ص 302 هامش الحلبية ، حياة محمد لهيكل ص 152.


(135)
    وقد اقترن الانتخاب من بد بدءه بالتحارش والتلاكم والتكالم والتشازر و التصاخب والتخاصم حتى قدت برود يمانية (1) ووقع البرح براحا (2) وكم بالانتخاب هتكت حرمات ؟ وأهينت مقدسات ، وأضيعت حقايق ، ودحض الحق الثابت ، و دحس الصالح العالم ، واختل الوئام ، وأقلق السلام ، وسفحت دماء زكية ، و تشلشلت أشلاء الاسلام الصحيح ، فجاء يطمع في الأمر من لا خلاق له من سوقي بردي ، أو مبرطش ألهاه الصفق بالأسواق ، أو بزاز يحمل بني أبيه على رقاب الناس ، أو حفار قبور لا يعرف عرضه من طوله ، أو طليق غاشم ، أو خمار سكير ، أو مستهتر مشاغب ، من الذين اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله نحلا ، وكتاب الله دغلا. ودين الله حولا.
    ومقتضى هذا البيان الضافي أن يكون الخليفة أفضل الخليفة أجمع في أمته لأنه لو كان في وقته من يماثله في الفضيلة أو من ينيف عليه استلزم تعيينه الترجيح بلا مرجح أو التطفيف في كفة الرجحان.
    على أن الإمام لو قصر في شيء من تلك الصفات لأمكن حصول حاجته إلى المورد الذي نبأ عنه علمه ، أو تضائلت عنه بصيرته ، أو ضعفت عنه منته ، فعندئذ الطامة الكبرى من الفتيا المجردة ، والرأي لا عن دليل ، أو الأخذ عمن يسدده ، وفي الأول العيث والفشل ، وفي الثاني سقوط المكانة ، وقد أخذ في الإمام مثل النبي أن يكون بحيث يطاع ، وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله (3) وقرنت طاعة الإمام بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (4) وذلك ليمكنه إقامة الحدود الإلهية ، ودحض الأباطيل وربما تسربت الشبهة عن جهله إلى نفس الدعوة وحقيقة الدين إن كان عميده الداعي إليه يقصر عن الدفاع عنه وإزاحة الشكوك المتوجهة إليه.
    فكل هذا يستدعي كماله في الصفات الكمالية كلها فيفضل على الأمة جمعاء.
1 ـ مثل يضرب في شدة الخصومة ، أي تخاصموا حتى تشاقوا الثياب الغالية.
2 ـ البرح : الشدة والأذى والشر ، والبراح : الصر / ح البين.
3 ـ سورة النساء آية : 64.
4 ـ سورة النساء آية 59.


(136)
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (1) قل هل يستوي الأعمى والبصير ، أم هل تستوي الظلمات والنور (2) أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (3).

    الخلافة عند القوم
    نعم الخلافة التي تقول بها الجماعة لا تستدعي كل ما ذكرنا فإنهم يحسبون الخليفة أي مستحوذ على الأمة يقطع السارق ، ويقتص القاتل ، ويكلأ الثغور ، ويحفظ الأمن العام إلى ما يشبه هذه ولا يخلع بفسق ، ولا ينتقد بفاحشة مبينة ، ولا يعاب بجهل ، ولا يؤاخذ بعثرة ، ولا يشترط فيه أي من الملكات الكريمة ، وله العتبى في كل ذلك ، وليس عليه من عتب.
    كلمة الباقلاني
    قال الباقلاني في التمهيد ص 181 : باب الكلام في صفة الإمام الذي يلزم العقد له.
    فإن قال قائل : فخبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم ؟ قيل لهم : يجب أن يكون على أوصاف : منها أن يكون قرشيا من الصميم ، ومنها : أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين ، ومنها : أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب ، وتدبير الجيوش والسرايا ، وسد الثغور ، وحماية البيضة وحفظ الأمة ، والانتقام من ظالمها ، والأخذ لمظلومها ، وما يتعلق به من مصالحها : ومنها : أن يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع لضرب الرقاب والأبشار.
    ومنها : أن يكون من أمثلهم في العلم وسائر هذه الأبواب التي يمكن التفاضل فيها ، إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفضول ، وليس من صفاته أن يكون معصوما ، ولا عالما بالغيب ، ولا أفرس الأمة وأشجعهم ، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قبائل قريش.
    وقال في صفحة 185 : فإن قالوا : فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام وبيان شيء
1 ـ سورة الزمر آية 9.
2 ـ سورة الرعد آية 16.
3 ـ سورة يونس آية 135.


(137)
خص به دونهم ، وكشف ما ذهب علمه عنهم ؟ قيل لهم : لا ؟ لأنه هو وهم في علم الشريعة وحكمها سيان.
    فإن قالوا : فلماذا يقام الإمام ؟ قيل لهم : لأجل ما ذكرناه من قبل من تدبير الجيوش ، وسد الثغور ، وردع الظالم ، والأخذ للمظلوم ، وإقامة الحدود ، وقسم الفئ بين المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم ، فهذا الذي يليه و يقام لأجله ، فإن غلط في شيء منه ، أو عدل به عن موضعه كانت الأمة من ورائه لتقويمه والأخذ له بواجبه.
    وقال في ص 186 : قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث : لا ينخلع الإمام ( بفسقه وظلمه بغصب الأموال ، وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ، و تضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ) ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه و ترك طاعته في شيء مما يدعو إليه من معاصي الله ، واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال ، وإنه قال عليه السلام : إسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع ، ولو لعبد حبشي ، وصلوا وراء كل بر وفاجر.
    وروي أنه قال : أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك ، وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.
    في أخبار كثيرة وردت في هذا الباب وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب ( إكفار المتأولين ) وذكرنا ما روي في معارضتها وقلنا في تأويلها بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.
    وقال في 186 : وليس مما يوجب خلع الإمام حدوث فضل في غيره ويصير به أفضل منه ، وإن كان لو حصل مفضولا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل ، لأن تزايد الفضل في غيره ليس بحدث منه في الدين ، ولا في نفسه يوجب خلعه ، و مثل هذا ما حكيناه عن أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه ، وإن كان ما لو حدث فيه عند ابتداء العقد لبطل العقد له ووجب العدول.
    قال الأميني : ومما أو عز إليه الباقلاني من الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال ولا ينعزل الإمام بالفسق ما يلي.
    1 ـ عن حذيفة بن اليمان قال : قلت يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه ، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال : نعم. قلت : وهل وراء هذا الشر


(138)
خير ؟ قال نعم : قلت : فهل وراء ذلك الخير شر ؟ قال : نعم. قلت : كيف يكون ؟ قال : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس.
    قلت : كيف أصنع يا رسول الله ! إن أدركت ذلك ؟ قال : تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. صحيح مسلم 2 ص 119 ، سنن البيهقي 8 : 157.
    2 ـ عن عوف بن مالك الأشجعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم يصلون عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ، قال : قلنا : يا رسول الله ! أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، ألا ومن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا تنزعن يدا من طاعة.
    صحيح مسلم 2 ص 122 ، سنن البيهقي 8 : 159.
    3 ـ سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا ؟ قال : فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فقال : إسمعوا وأطعيوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. صحيح مسلم 2 ص 119 سنن البيهقي 8 : 158.
    4 ـ عن المقدام : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أطيعوا أمراءكم ما كان ، فإن أمروكم بما حدثتكم به ؟ فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتكم ، وإن أمروكم بشيء مما لم آمركم به فهو عليهم وأنتم منه برءاء ، ذلك بأنكم إذا لقيتم الله قلتم : ربنا لا ظلم. فيقول : لا ظلم. فيقولون : ربنا أرسلت إلينا رسلا فأطعناهم بإذنك. واستخلفت علينا خلفاء (1) فأطعناهم بإذنك. وأمرت علينا أمراء فأطعناهم. قال : فيقول : صدقتم هو عليهم وأنتم منه برءاء. سنن البيهقي 8 ص 159.
    5 ـ عن سويد بن غفلة قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا أبا أمية لعلك أن تخلف بعدي ، فأطع الإمام وإن كان عبدا حبشيا ، إن ضربك فاصبر ، وإن
1 ـ هذا افتراء على الله ، إن الله قط لم يستخلف ولم يأمر على الأمة أولئك الخلفاء والأمراء وإنما هم خيرة أمتهم ، والشكر والعتب عليها مهما صلحوا أو جاروا.

(139)
أمرك بأمر فاصبر ، وإن حرمك فاصبر ، وإن ظلمك فاصبر ، وإن أمرك بأمر ينقص دينك فقل : سمع وطاعة ، دمي دون ديني.
    (1) وأخذا بهذه الأحاديث قال الجمهور بعدم عزل الإمام بالفسق قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 8 : 36 في ذيل هذه الأحاديث المذكورة عن صحيح مسلم : ومعنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد إسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم ، وقولوا بالحق حيثما كنتم ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته ، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ـ إلى أن قال : فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم : يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب ، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ، ولا يخلع ، ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه.
    قال الأميني : فما عذر عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم من الناكثين والمارقين في الخروج على مولانا أمير المؤمنين ؟ هبه صلوات الله عليه آوى قتلة عثمان ، وعطل الحدود ( معاذ الله ) فأين العمل بهذه الأحاديث التي أخذتها الأمة المسكينة سنة ثابتة مشروعة : أنا لا أدري.
كلمة التفتازاني
    وقال التفتازاني في شرح المقاصد 2 : 71 : ولا يشترط أن يكون ( الإمام ) هاشميا ولا معصوما ولا أفضل من يولى عليهم ، وقال في ص 272 : إذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكة انعقدت له الخلافة له ، وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر إلا أنه يعصى فيما فعل ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جائرا.
1 ـ سنن البيهقي 8 : 159.

(140)
كلمة القاضي الإيجي (1)
    قال في المواقف : الجمهور على أن أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين ، ذو رأي ليقوم بأمور الملك ، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة وقيل : لا يشترط هذه الصفات لأنها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بما لا يطاق ومستلزما للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها.
    نعم : يجب أن يكون عدلا لئلا يجور. عاقلا ليصلح للتصرفات. بالغا لقصور عقل الصبي. ذكرا إذ النساء ناقصات عقل ودين. حرا لئلا يشغله خدمة السيد ، ولئلا يحتقر فيعصى ، فهذه الصفات مشروط بالاجماع.
    وها هنا صفات في اشتراطها خلاف ، الأولى أن يكون قرشيا. الثانية : أن يكون هاشميا ، شرطه الشيعة. الثالثة : أن يكون عالما بجميع مسائل الدين ، وقد شرطه الإمامية الرابعة : ظهور المعجزة على يده إذ به يعلم صدقه في دعوى الإمامة ، والعصمة وبه قال الغلاة. ويبطل الثلاثة : إنا ندل على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيء مما ذكر (2) الخامسة : أن يكون معصوما اشترطه الإمامية والاسماعيلية ، و يبطله : إن أبا بكر لا يجب عصمته اتفاقا (3).
كلمة أبي الثناء
    قال في مطالع الأنظار ص 470 : صفات الأئمة هي تسع.
    الأولى : أن يكون الإمام مجتهدا في أصول الدين وفروعه.
    الثانية أن يكون ذا رأي وتدبير ، يدير الوقايع ، أمر الحرب والسلم وساير الأمور السياسية.
    الثالثة : أن يكون شجاعا قوي القلب لا يجبن عن القيام بالحرب ، ولا يضعف قلبه عن إقامة الحد ولا يتهور بإلقاء النفوس في التهلكة.
    وجمع تساهلوا في الصفات الثلث وقالوا : إذا لم يكن الإمام متصفا بالصفات الثلاث ينيب من كان موصوفا بها.
1 ـ إمام الشافعية القاضي عبد الرحمن الإيجي المتوفى 756.
2 ـ دليل يضحك الثكلى لأنه لا يعدوه أن يكون مصادرة بالمطلوب ، وأخذ المدعى دليلا.
3 ـ اقرأ واضحك أو اعطفه على ما قبله.
4 ـ شمس الدين بن محمود الاصبهاني المتوفى 749.
الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: فهرس