الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: 61 ـ 70
(61)
ضيعتمونا والوصايا ضيعت يا فاطم الزهراء قومي وانظري أكفانه نسج الغبار وغسله وشبوله نهب السيوف تزورها وعلى السنان سنان رافع رأسه والوحش يندب وحشة لفراقه والأرض ترجف والسماء لأجله والدهر من عظم الشجى شق الردا يا للرجال لظلم آل محمد يضحى الحسين بكربلاء مرملا وعياله فيها حيارى حسـر يسري بهم أسرى إلى شر الورى ويقاد زين العابدين معللا ما يكشف الغماء إلا نفحة نبوية علوية مهدية يضحى مناديها ينادي : يا لثارات والجن والأملاك حـول لوائه فينا وسهم الحور سار سارح وجه الحسين له الصعيد مصافح بدم الوريد ولم تنحه نوائح بين الطفوف فراعل وجوارح (1) ولجسمه خيل العداة روامح (2) والجن إن جن الظلام نوايح تبكي معا والطير غاد رايح أسفا عليه وفاض جفن دالح (3) ولأجل ثارهم وأين الكادح ؟ (4) عريان تكسوه التراب صحاصح (5) للذل في اشخاصهن ملامح (6) من فوق أقتاب الجمال مضابح (7) بالقيد لم يشفق عليه مسامح يحيى بها الموتى نسيم نافح يشفى برياها العليل البارح الحسين وذاك يوم فارح والرعب يقدم والحتوف تناوح (8)

1 ـ فراعل ج الفرعل : والد الضبع. الجوارح ج الجارحة : ذات الصيد من السباع والطير والكلاب.
2 ـ روامح من رمحته الدابة : رفسته.
3 ـ الدالح : الكثير الماء.
4 ـ الكادح : الذي جهد نفسه في العمل.
5 ـ صحاصح ج الصحصح : الأرض الجرداء المستوية ذات حصى صغار.
6 ـ الملاح : ما بدى من محاسن الوجه ومساويه.
7 ـ المضابح : المقالى والمخاصم.
8 ـ تناوح : تقابل.


(62)
و    و    في جذعيهما و    و    والإثم وال لعنوا بما اقترفوا وكل جريمة يا بن النبي صبابتي لا تنقضي أبكيكم بمدامع تترى إذا برسية كملت عقود نطامها مدت إليك يدا وأنت منيلها يرجو بها ( رجب ) القبول إذا أتى أنت المعاذ لدى المعاد وأنت لي صلى عليك الله ما سكب الحيا خفضا ونصب الصلب رفع فاتح عدوان في ذل الهوان شوائح شبت لها منهم زناد قادح كمدا وحزني في الجوانح جانح بخل السحاب لها انصـباب سافح حلية ولها البديع وشايح يا بن النبي وعن خطاها صافـح وهو الذي بك واثق لك مادح إن ضـاق بي رجب البلاد الفاسـح دمعا وما هب النسيم الفائـح
    وله في رثاء الإمام السبط صلوات الله عليه قوله :
ما هاجني ذكر ذات البان والعلم ولا صبوت لصب صاب مدمعه ولا على طلل يوما أطلـت به ولا تمسكت بالحادي وقلت له : لكن تذكرت مولاي الحسين وقد ففاض صبري وفاض الدمع وابتـ وهام إذ همت العبرات من عدم (5) ولا السلام على سلمى بذي سلم من الصبابة صب الوابل الرزم (3) مخاطبا لأهيل الحي والخيم إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم (4) أضحى بكرب البلا في كربلاء ظمي ـعد الرقاد واقترب السهاد بالقسم قلبي ولم أستطع مع ذاك منع دمي

1 ـ الجوانح : الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. الجانح من جنحت السفينة : لزقت بالأرض فلم تمض.
2 ـ وشايح ج وشاح شبه قلادة يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها.
3 ـ صبوت من صبا يصبو : حن. الصب : العاشق. الصبابة. الشوق ورقة الهوى. الوابل المطر الشديد. الرزم الذي لا ينقطع رعده.
4 ـ مطلع بديعية صفي الدين الحلي. راجع ج 6 : 44 ط 2.
5 ـ همت من همى يهمى هميا : سال لا يثنيه شئ.


(63)
لم أنسه وجيوش الكفر جـائشة تطوف بالطف فرسان الضلال به وللمنايا بفرسان المنى عجل مسائلا ودموع العين سائلة ما إسم هذا الثرى يا قوم ! فابتدروا بكربلا هذه تدعى فقال : أجل حطوا الرحال فـحال الموت حل بنا يا للرجال لخطب حل مخترم فهاهنا تصبح الأكباد من ظمأ وها هنا تصبح الأقمار آفلـة وها هنا تملك السـادات أعبدها وها هنا تصبح الأجساد ثاوية وها هنا بعد بعد الدار مدفننا وصاح بالصحـب هذا الموت فابتدروا من كل أبيض وضاح الجبين فتى من كل منتدب لله محتسب وكل مصطلم الأبطال مصطلم وراح ثم جواد السبط يندبه فمذ رأته النساء الطاهرات بدا برزن نادبة حسرى وثاكلة فجئن والسبط ملقى بالنصال أبت والشمر ينحر منه النحر من حنق والجيش في أمل والدين في ألم والحق يسمع والأسماع في صمم والموت يسعى على ساق بلا قدم وهو العليم بعلم اللوح والقلم : بقولهم يوصلون الكلم بالكلم : آجالنا بين تلك الهضب والاكم دون البقاء وغير الله لـم يدم الآجال معتديا في الأشهـر الحرم حرى وأجسادها تروى بفيض دم والشمس في طفل والبدر في ظلم ظلما ومخدومها في قبضة الخدم على الثرى مطعما للبوم والرخم (1) وموعد الخصم عند الواحد الحكم أسدا فرائسها الآساد في الأجم يغشي صلى الحرب لا يخشى من الضرم في الله منتجب بالله معتصم الآجال ملتمس الآمال مستلم عالي الصهيل خـليا طالب الخيم يكادم (2) الأرض في خد له وفم عبرى ومعلولة بالمدمع السجم من كف مستلم أو ثـغر ملتثم والأرض ترجف خوفا من فعالهم

1 ـ البوم. طائر يسكن الخراب. الرخم : طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع.
2 ـ يكادم : يعض.


(64)
فتستر الوجه في كلم عقيلته تدعو أخـاها الغريب المستظام أخي من اتكلت عليه في النساء ومن هذي سكينة قد عزت سكينتها تهوي لتقبيله والدمع منهمر فيمنع الدم والنصل الكسـير به تضمه نحوها شوقا وتلثمه تقول من عظم شكواها ولوعتها : أخي لقد كنت نورا يستضاء به أخي لقد كنت غوثا للأرامل يا يا كافلي هل ترى الأيتام بعدك في يا واحدي يا بن أمي يا حسين لقد وبردوا غلل الأحقاد من ضغن أين الشفيق وقد بان الشقيق وقد مات الكفيل وغاب الليث فابتدرت وتستغيث رسول الله صارخة : يا جد لو نظـرت عيناك من حزن مشردين عن الأوطـان قد قهروا يسرى بهن سبايا بعد عزهم هذا بقية آل الله سيد أهل وتنحني فوق قلب وآله كلم (1) يا ليت طـرف المنايا عن علاك عم أوصيت فينا ومن يحنو على الحرم ؟ وهذه فاطم تبكي بفيض دم والسبط عنها بكرب الموت في غمم (2) عنها فتنصل لم تبرح ولم ترم ويخضب النحر منه صدرها بدم وحزنها غير منقض ومنفصم فما لنور الهدى والدين في ظلم غوث اليـتامى وبحر الجود والكرم أسر المذلة والأوصاب (3) والألم نال العدى ما تمنوا من طلابهم وأظهروا ما تخفى في صدورهم جار الرفيق ولج الدهر في الأزم (4) عرج الضباع على الأشبال في نهم يا جد أين الوصايا في ذوي الرحم ؟ للعترة الغر بعد الصون والحشم ثكلى أسارى حيارى ضرجوا بدم فوق المطايا كسبي الروم والخدم الأرض زين عباد الله كلهم

1 ـ الكلم من كلمه كلما : جرحه.
2 ـ غمم بضم المعجمة ج الغمة : الحيرة واللبس.
3 ـ الأوصاب ج الوصب راجع ص 55.
4 ـ الأزم : من أزم الدهر القوم : استأصلهم. وأزم بصاحبه : لزم. وأزم الحبل : أحكم فعله. والأزم ج الأزمة : الشدة.


(65)
نجل الحسين الفتى الباقي ووارثه يساق في الأسر نحو الشام مهتظما أين النبي وثغر السبط يقرعه أينكت الرجس ثغرا كان قبله ويدعي بعدها الاسلام من سفه يا ويله حين تأتي الطهر فـاطمة تأتى فيطرق أهل الجمع أجمعهم وتشتكي عن يمين العرش صارخة هناك يظهر حكم الله في ملأ وفي يديها قـميص للحسين غدا أيا بني الوحي والذكر الحكيم ومن حزني لكم أبدا لا ينقضي كمدا حتى تعود إليكم دولة ـ وعدت فليس للدين من حام ومنتصر القائم الخلف المهدي سيدنا بدر الغياهب تيار المواهب منصور يا بن الإمام الزكي العسكري فتى يا بن الجواد ويا نجل الرضا ويا خليفة الصادق المولى الذي ظهرت خليفة الباقر المولى خليفة زين نجل الحسين شهيد الطف سيدنا نجل الحسين سليل الطهر فاطمة والسيد العابد السجاد في الظلم بين الأعادي فمن باك ومبتسم يزيد بعضا لخير الخلق كلهم ؟ من حبه الطهر خير العرب والعجم ؟ وكان أكفر من عاد من إرم ؟ في الحشر صارخة في موقف الأمم منها حياء ووجه الأرض في قتم وتستغيث إلى الجبار ذي النقم عضوا وخانوا فيا سحقا لفعلهم مضمخا بدم قرنا إلى قدم ولاهم أملي والبرء من ألمي حتى الممات ورد الروح في رمم مهدية تملأ الأقطار بالنعم إلا الإمام الفتى الكشاف للظلم الطاهر العلم ابن الطاهر العلم الكتائب حامي الحل والحرم (1) الهادي التقي علي الطاهر الشيم سليل كاظم غيظ منبع الكرم علومه فأنارت غيهب الظلم العابدين علي طيب الخيم وحبذا مفخر يعلو على الأمم وابن الوصي علي كاسر الصنم (2)

1 ـ الغياهب جمع الغيهب : الظلمة الشديد السواد من الليل. التيار : موج البحر الهائج. الكتائب ج الكتيبة : القطعة من الجيش أو الجماعة من الخيل.
2 ـ راجع من هذا الجزء ص 9 ـ 13.


(66)
يا بن النبي ويا بن الطهر حيدرة أنت الفخار ومعناه وصورته أيامك البيض خضر فهي خاتمـة متى نراك فلا ظلم ولا ظلم أقبل فسبل الهدى والدين قد طمست يا آل طاها ومن حبي لهم شرف إليكم مدحة جاءت منظمة بسيطة إن شذت أو انشدت عطرت بكرا عروسا ثكولا زفها حزن يرجو بها ( رجب ) رحب المقام غدا يا سادة الحق مالي غيركم أمل ما قدر مدحي والرحمن مادحكم حاشاكم تحرموا الراجي مكارمكم أو يختشي الـزلة ( البرسي ) وهو يرى إليكم تحف التسليم واصلة صلى الإله عليكم ما بدا نسم (1) يا بن البتول ويا بن الحل والحرم ونقطة الحكم لا بل خطة الحكم الدنيا وختم سعود الدين الأمم والدين في رغد والكفر في رغم ؟ ومسها نصب والحق في عدم أعده في الورى من أعظم النعم ميمونة صغـتها من جوهر الكلم بمدحكم كبساط الزهر منخرم على المنابر غير الدمع لم تسم بعد العناء غـناء غير منهدم وحبكم عدتي والمدح معتصمي في هل أتى قد أتى مع نون والقلم ويرجع الجـار عنكم غير محترم ولاكم فوق ذي القربى وذي الرحم ومنكم وبكم أنجـو من النقم وما أتت نسمات الصبح في الحرم
    وله قوله :
أما والذي لـدمي حللا لئن أسق فيه كـؤس الحمام فموتي حياتي وفي حبه فمن يسل عنه ؟ فإن الفؤاد مضت سنة الله في خلقه وخص أهيل الولا بالبلا لما قال قلبي لساقيه : لا يلذ افتضاحي بين الملا تسلى وما قط آنا سلا بأن المحب هو المبتلى
    وله قوله :
لقد أظهرت يا حافظ سرا كان مخفيا

1 ـ نسم ج النسمة : الانسان أو كل دابة فيها روح.

(67)
وأبرزت من الأنوار به قد صرت عند الله ومقبولا ومسعودا فطب نفسا وعش فردا غريبا يألـف الخلوة غدا في الناس بالخلوة وإن أصبحت مرفوضا فلم يبغـضك إلا من عمانيا مراديا لهذا قد غدا يبغض وفي المولد والمحتد نورا كان مطويا والسادات علويا محسودا ومرضيا وكن طيرا سماويا لا يقرب إنسيا والوحدة منسيا بسهم البغض مرميا أبوه الزنج بصريا مجوسيا يهوديا ذاك الطين كوفيا برسيا وحليا
    وله في الغزل قوله :
لقد شاع عني حب ليلى وإنني وأصبحت أدعى سيدا بين قومها ألاقي الورى في حبها في تنكر وذا عابس وجها يطول أنفه ولا ذنب لي في هجرهم لي وهجرهم ولو عرفوا ما قد عرفت ويمموا وظنوا وبعض الظن إثم وشنعوا فوالله ما وصفي لها جاز حده كلفت بها عشقا وهمت بها وجداً كما أنني أصبحت فيهم لها عبدا فذا مانح صـدا وذا صاعـر خدا علي كأني قد قتلت له ولدا سوى إنني أصبحت في حبها فردا حماها كما يممتـه أعذروا حدا بأن امتداحي جاوز الحد والعدا ولكنها في الحسن قد جازت الحدا
    هذه جملة ما وقفنا عليه من شعر شيخنا الحافظ البرسي وهي 540 بيتا ولا يوجد فيها كما ترى شيء مما يرمى به من الارتفاع والغلو فالأمر كما قال هو :
وظنوا وبعض الظن إثم وشنعوا فوالله ما وصفي لها جاز حده بأن امتداحي جاوز الحد والعدا ولكنها في الحسن قد جازت الحدا
    توجد ترجمته في أمل الآمل. ورياض العلماء. ورياض الجنة في الروضة الرابعة.


(68)
وروضات الجنات. وتتميم الأمل للسيد ابن أبي شبانة. الكنى والألقاب. وأعيان الشيعة. والطليعة. والبابليات.
    ولم نقف على تاريخ ولادة شاعرنا الحافظ ووفاته ، غير أنه أرخ بعض تآليفه بقوله : إن بين ولادة المهدي عليه السلام وبين تأليف هذا الكتاب خمسمائة وثمانية عشر سنة. فيوافق 773 ، أخذا برواية 255 في ولادة الإمام المنصور صلوات الله عليه ، ومر في تاريخ بعض كتبه أنه أرخه ب‍ 813 ، ولعله توفي حدود هذا التاريخ والله العالم.


(69)
المغالاة في الفضائل
    لما وقع غير واحد من شعراء الغدير نظراء المترجم البرسي ـ في شبك النقد والاعتراض ، ورموا بالغلو ، وجاء غير واحد من المؤلفين (1) فشن عليهم الغارات بالقذف والسباب المقذع فيهمنا إيقاف الباحث على هذا المهم حتى لا يستهويه اللغب و الصخب ، ولا يصيخ إلى النعرات الطائفية الممقوتة ، وقول الزور فنقول : الغلو على ما صرح به أئمة اللغة كالجوهري والفيومي والراغب وغيرهم هو تجاوز الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاء ، وغلا الرجل غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها قال الحرث بن خالد المخزومي :
خمصانة قلق موشحها رود الشباب غلابها عظم
    ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تغالوا في النساء فإنما هن سقيا الله (2) وقول عمر : لا تغالوا في مهور النساء (3) والغلو ممقوت لا محالة أينما كان وحيثما كان في أي أمر كان ، ولا سيما في الدين وعليه ينزل قوله تعالى في موضعين (4) من الذكر الحكيم : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم. ويعني في ذلك كما ذكره المفسرون (5) غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا. فالافراط والتقصير كله سيئة. والحسنة بين السيئتين كما قاله مطرف بن عبد الله ، وقال الشاعر :
وأوف ولا تستوف حقك كله ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد وصافح فلم يستوف قط كريم كلا طرفي قصد الأمور ذميم

1 ـ كابن تيمية وابن كثير ، والقصيمي وموسى جار الله. ومن لف لفهم.
2 ـ البيان والتبيين 2 ص 21.
3 ـ راجع الجزء السادس من الكتاب ص 96 ط 2.
4 ـ النساء : 171 ، المائدة : 77.
5 ـ تفسير القرطبي 6 ص 21.


(70)
    وقال آخر :
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
    وقال مولانا أمير المؤمنين : إن دين الله بين المقصر والغالي فعليكم بالنمرقة الوسطى فيها يلحق المقصر ، ويرجع إليها الغالي (1) غير أن من الواجب تعيين الحد الذي لا يجوز في الدين أن يتجاوزه الانسان لاستلزام الغلو الكذب تارة ، والاغراء بالجهل أخرى ، وبخس الحقوق الواجبة آونة ، لا ما دأبت عليه أمة من الرمي بالغلو كل قائل ما لا يروقها ، وتحدوها العصبية العمياء إلى التجهم أمام القول بما لا يلائم ذوقها ، ومن هذا الباب أكثر ما ترمى به الشيعة الإمامية من الغلو لاعتقادهم أو روايتهم فضائل لأئمة أهل البيت عليهم السلام ، وقد طفحت بها الصحاح والمسانيد ، وتدفقت بنقلها الكتب والمؤلفات ، حيث لم يقم من نبزهم به لأئمة الهدى وزنا تقيمه الحقيقة ويقتضيه مقامهم الأسمى ، ذلك المقام الشامخ المستنبط من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح والقضايا الخارجية الصادقة المتسالم عليها بين الأمة ، لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتك ، أو تقصر منته العلمية عن تحليل الفلسفة الصحيحة ، أو يقصر باعه عن الإحاطة بالكائنات التاريخية ، من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه والضلال ، فعدوا من الغلو الفاحش القول بعلم الغيب فيهم أو إخبارهم عما في الضمير ، أو تكلم الموتى معهم ، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات ، أو إحياء الله الموتى بدعائهم ، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص ، وبل كل ذي عاهة ، أو القول بالرجعة لهم ، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة ، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم ، والتبرك بتربتهم ، والدعاء والصلاة عند مراقدهم ، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب ، إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية مما أنكرته أبناء حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ومن حذا حذوهم ولف لفهم.
    ولعل لهم العذر في ذلك بأن الذي يرتأونه في الخليفة لا يزيد على أنه رجل يقطع
1 ـ ربيع الأبرار للزمخشري.
الغدير في الكتاب والسنة والأدب ـ الجزء السابع ::: فهرس