ثانياً : نظرية الخوف
وهي لا تختلف كثيراً عن النظرية الأُولى ، غير أنّها تُركز على عنصر
الخوف عند الإنسان من الظواهر الطبيعية ، أو الصراعات ما بين الإنسان
والحيوان ، أو ما بين الإنسان وأخيه الإنسان ، ولاَنّه لا ملجأ له إلاّ
الاستعانة بقوة غيبية يستمدُّ منها العون والمساعدة ، فيخضع لها لتساعده
على كل ذلك . أو أنّه يرى أن سبب هذه الظاهرة قوة خفية تغضب عليه
فتعاقبه بتلك الكوارث ، لذلك ونتيجة خوفه منها يتجه إليها بالعبادة
والخضوع ، ومن هنا نشأ الدين .
ومن القائلين بهذه النظرية « اك برن وليم كف » في كتابه « مبادىَ علم
الاجتماع » حيث يقول : « لقد كان الدين يشبه السحر إلى حدٍ كبير في
المراحل المتقدمة من تاريخ الإنسان ، فإن الساحر والمتدين كانا يعملان معاً
في إرضاء الطبيعة الساخطة ، وتوفير الأمن لأنفسهم » (1).
ومن هؤلاء أيضاً « برتراند راسل » الفيلسوف الانگليزي المعروف ،
الذي يقول: « في عقيدتي ، أن الاقبال على الدين والتدين في تاريخ الإنسان ،
ينشأ عن الخوف ، فإن الإنسان يرى نفسه ضعيفاً إلى حدٍ ما في هذه
الحياة.. وعوامل الخوف في حياة الإنسان ثلاثة :
فهو يخاف ـ أولاً ـ من الطبيعة الّتي قد تحرقه بصاعقة من السماء ، أو
تبتلعه بزلزال في الأرض تحت قدميه . ويخاف ـ ثانياً ـ من الإنسان الّذي
قد يسبب له الدمار والخراب والهلاك ، بما يثير من حروب . ويخاف ـ ثالثاً
____________
1) دور الدين في حياة الإنسان | الآصفي : 74 .
( 23 )
ـ من شهواته الّتي قد ينجرف معها ، وتتحكم في سلوكه ، وتفوّت عليه ما
يندم عليه من ساعات استقراره وهدوئه . ويكون الدين سبباً في تعديل
هذا الخوف والرعب ، والتخفيف منه » (1).
مناقشة النظرية :
نعلق ـ أولاً ـ على كلام « اك برن وليم كف » الذي شبه الدين بالسحر ،
وجعل المتدين كالساحر ، يعملان معاً لارضاء الطبيعة الساخطة .
فنقول : إنّ من الواضح جداً أنّ هناك فرقاً كبيراً بين ما يعتقده المتدين
ويتوجه إليه ، وبين ما يعتقده الساحر ويعمل فيه ، وذلك لاَنّ « القوى
السرية الّتي يدعوها الساحر والكاهن أو مُناجي الأرواح ، لا تقع صورتها
في أخيلتهم على أنها شيء يعلوهم فيتطاولون إليه ، بل على أنّها قرن
ينازلونه ، أو قرين يخاذلونه ، وقد يرون لاَنفسهم من العلو والسلطان على
تلك القوى بوسائلهم الخاصة ، ما يستطيعون به أن يقتنصوها ، ويخضعوها
لاَوامرهم ، ويسخروها لرغباتهم ، كما يسخر الكيمياوي عناصر الطبيعة
المادية لمآربه . أما العابد ، فإنّه يقف من معبوده موقف الخاضع المتواضع ،
الساعي في إرضاء سيده المشفق من غضبه وسخطه .
فالفاصل الأخير الّذي يتم به تصوير القوة التي يؤمن بها المتدين ، أنها
قوة علوية قاهرة ، غير مقهورة ، يخضع هو لها ولا تخضع له ) (2).
ولكي نسلط الضوء أكثر على الموضوع ينبغي توضيح معنى السحر :
____________
1) المصدر السابق .
2) الدين | دراز : 45 .
( 24 )
السحر : هو صناعة يقصد منها إحداث الخوارق بطرق خفية . وهو
فَنٌ قديم جدا ، ورد ذكره في القرآن الكريم ، وهو يتشعب إلى شُعب كثيرة.
لكنه على العموم فن يقوم على الاستعانة بالأرواح ، ودعائها لتحقيق
مآرب الساحر ، وهذا هو الّذي ينصرف إليه اسم السحر عند إطلاقه ،
وهو الّذي قد يشتبه جنسه بالأعمال الدينية ، بخلاف بعض الأعمال
السحرية التي تعتمد الوسائل المادية ، فمن هذا القسم نوع يقوم على المهارة
وخفّة اليد ، وهو المسمى بالشعبذة ( وهي إراءة غير الواقع واقعاً ، بسبب
الحركة السريعة الخارجة عن العادة ) (1).
ونوع ينتفع بالخصائص الطبيعية والكيماوية للأشياء ، وهذا هو سحر
علماء الصيدلة ونحوهم ، ونوع يعتمد على حساب سير الشمس والقمر ،
ومواقع النجوم ، وما يظّن من الارتباط بينها وبين حوادث الكون ، وهو
المسمى « التنجيم » (2).
( أما القسم الروحي ، فالفرق الرئيسي بينه وبين الديانات ، هو أنّ
الاستعانة بالأرواح فيه استعانة استخدام وتسخير ، لا استعانة عبودية
وتمجيد وتقديس .
هذا وقد ذكر دور كهايم ومتابعوهُ فروقاً اُخرى فقالوا : إنّ وجه
الانفصال بين الحقيقيتن هو : أنّ الأصل في الشعائر الدينية أن تُؤدّى في
الجماعة ، وأن الفكرة الدينية تؤلف بين معتنقيها في وحدة معنوية ، ولا كذا
السحر الذي هو عمل فردي سري ، فضلاً عن أنّه في الغالب ينتهك حرمة
____________
1) منهاج الصالحين | للسيد الخوئي : 7 ـ المعاملات .
2) منهاج الصالحين | السيد الخوئي : 7 ـ المعاملات .
( 25 )
المقدسات الدينية ، ويعكس أوضاعها » (1).
وبهذا يظهر بطلان هذا الرأي ، الذي شبّه الدين بالسحر ، وأن منشأ
تكوّن الدين هو الخوف .
ونناقش ـ ثانياً ـ كلام « راسل » في إثبات هذه النظرية ، فراسل يردّد
النغمة السابقة في نظرية الجهل من حيث لا يشعر ، لاَن الخوف غالباً ما
يكون بسبب الجهل وقد ناقشنا ذلك في النظرية الأولى .
ثم إن راسل ذيّل كلامه بقوله : ( وتفوّت عليه ما يندم عليه في ساعات
استقراره وهدوئه ) ، فهو يعترف أن في الإنسان بعدين ، هما الجانب
الغريزي ، والجانب الإنساني العلوي ، والذي منه استمدّ فكره وشخصيه .
ويمكن أن نسأل راسل ، أنّ هذا الندم من أي جانب من جانبي
الإنسان يصدر ؟ هل من جانبه الروحي العلوي ، أم من جانبه الغريزي
الحيواني ؟.
فإذا كان الثاني ، فلماذا لا نرى هذا الشعور لدى الحيوانات ، على الرغم
من الاشتراك ما بين الحيوان والإنسان في هذا البُعد وهذا الجانب ؟ .
وإذا كان الأوّل ـ وهو الجانب الروحي ـ فلماذا لا يكون الواعز
الديني ، والانشداد إلى عالم الغيب صادراً منه ، كأيّ نتاج إنساني آخر ،
كالفن والفكر والصناعة وغيرها ؟
والعجب من راسل كيف لا يلتفت إلى أن طبيعة الإنسان الفطرية هي
البحث عن الحقيقة ، ومحاولة معرفة العلل المحيطة به ، وسبر المجهول
والغيب ؟ ألم يفكر الإنسان في ذلك الزمان في سبب وجوده ، ووجود
____________
1) هامش كتاب الدين | دراز : 47 .
( 26 )
الأشياء من حوله ، فيدرك بعقله النير ، وفطرته التي تهديه ، بأنّه لا بدّ وأن
يكون له خالقٌ مدبرٌ حكيم ، فيتوجه إليه بالعبادة والخضوع ؟! أم إن راسل
ومن يوافقه يريدون أن يسلبوا من الإنسان الأوّل حتّى التفكير الّذي يميزه
عن الحيوان ؟!
وإذا كان كلامه صحيحاً ، فلماذا نرى كبار الفلاسفة والمفكرين ، منذ
الزمن القديم ، منشدّين إلى الله بكل وجودهم ، على الرغم من اختلاف
تصورهم عن الله ؟ إن نظرة واحدة إلى التاريخ الفلسفي في العصور القديمة
تُجلّي الحقيقة بأبهى صورها .
ونسأل مرة أُخرى : هل إن الالتجاء إلى الله تعالى ، والاطمئنان به ،
تخلّصاً من الخوف الناشيء من الاختلاف أو الكوارث ، فيه ما يعيب ؟!
وماذا يقول راسل عندما يقرأ آخر الأبحاث النفسية التي تؤكد أن الإيمان
بالله تعالى علاج ناجح جداً ، للتخفيف من المعاناة والعقد النفسية ، الناتجة
عن الكوارث وغيرها ؟
إنّ التوجه إلى الله تعالى في حالة الخوف ليس فيه ما يعيب ، لاَنّه من
فطرة الإنسان ، التي فطرها فاطر السموات والأرض ، قال تعالى : ( هُوَ
الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ
طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ ) (1).
جاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام فقال له : يابن رسول الله دلّني على
____________
1) سورة يونس : 10|22 .
( 27 )
الله ما هو ، فقد كثر عليّ المجادلون وحيروني ؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام : « هل
ركبت سفينة قط ؟ » قال : نعم . قال « فهل كُسِر بك حيث لا سفينة
تنجيك ؟ » قال : نعم . قال : « فهل تعلّق قلبك هنالك ، أنّ شيئاً من الأشياء
قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ » قال : نعم . قال الإمام الصادق عليه السلام :
« فذلك الشيء هو الله ، القادر على الانجاء حيث لا منجي ، وعلى الاغاثة
حيث لا مغيث » (1).
ثمّ إن الالتجاء إلى الله تعالى في حالات الخوف لا يكون دليلاً على أن
وجود الواعز الديني عند الإنسان هو نفس الخوف ، وإنما يكون ذلك
السلوك من الإنسان دليلاً على أنه لو لم يكن الإنسان قد آمن بهذا الخالق
العظيم في طيات نفسه وضميره ، واعتقد ذلك بما لا يقبل الشك ، لما كان قد
تعلق قلبه في وقت الشدة والخوف به ، حيث لا منجي إلاّ هو لاَن الإنسان
قد يعتريه التكبّر والجحود ، لا لكونه ليس مؤمناً في واقع فطرته ، وإنما
بسبب نزعة التمرد عنده ، وهذا ما يشير إليه القرآن صريحاً بقوله:
( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ) (2). وقوله : ( وَكَانَ
الاِِْنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) (3).
إذن فالإنسان الذي يلتجىَ في حالات الخوف إلى الله ( إنما يكون
تصور الخوف سبباً للانتباه إلى وجود الإله الخالق عبر ذلك الإذعان
الفطري ، وذلك البرهان العقلي ، لا سبباً موجداً له في الذهن ، وكم فرق بين
____________
1) نوادر الأخبار : ص65 ، بحار الأنوار | للعلامة المجلسي 3 : 41 .
2) سورة النمل : 14 .
3) سورة الكهف : 54 .
( 28 )
كون الشي داعياً إلى أمر بسبب ملازمة عقلية أو عرفية بينهما ، وبين كون
الشيء موجداً لذلك الأمر في رحاب الذهن ومبدعاً له ، والصحيح في المقام
هو الأول دون الثاني) (1).
ثالثاً : النظرية الماركسية
تذهب الماركسية في تعليلها لظهور الدين ، إلى أن الدين من صنع
الطبقات البرجوازية التي سيطرت على رؤوس الأموال ، وامتلكت
الأراضي ووسائل الانتاج واتخذت من الدين وسيلة لتخدير العمال
والفلاحين ، لئلا يقوموا بثورات تحررية ضدهم .
فالدين وليد حاجة الطبقة البرجوازية وذلك للاِبقاء على الفوارق
الطبقية في المجتمع عن طريق خداع الكادحين بجرعات الأمل
الكاذب ، واليأس من السعادة في هذه الدنيا ، من خلال شدّهم إلى عالم
الوهم والخيال ، وهو عالم الآخرة .
يقول ماركس : ( إن التعاسة الدينية ، في الوقت الذي تكشف فيه عن
التعاسة الحقيقية ، بمثابة اعتراض على هذه التعاسة ، الدين عبارة عن أنين
كائن بائس ، وقلب عالم قاسٍ ، وروح وجود لا روح فيه ، الدين أفيون
الشعوب .
إن اختفاء الدين الذي هو بمثابة سعادة الناس الوهمية ، يعتبر من
مقتضيات سعادتهم ، إننا نريد أن نهبَ الناس سعادة حقيقية ، فلا بدَّ من
أخذ هذه السعادة الوهمية منهم ، .... وعليه فإن انتقاد الدين يعني ـ حتماً ـ
____________
1) الله خالق الكون | جعفر الهادي : 34 .
( 29 )
انتقاد بحار الدموع الّتي يؤلف الدين هالة حولها . انتقاد الدين ، يخرج
الإنسان من الخطأ ، لكي يستطيع أن يفكر كإنسان أدرك خطأه ، وأصبح
متمسكاً في عقله ، فيعمل وفق ذلك ، ويخلق واقعه ، لكي يدور حول
الشمس الحقيقية ، أي حول نفسه ) (1).
مناقشة النظرية :
إن خواء وهزل هذه النظرية واضحٌ كلَّ الوضوح ، حيث اعتبر
ماركس أن الدين عبارة عن مخدر للشعوب المستضعفة ، وهو من صنع
طبقة تتحكم برؤوس الأموال ، وتسيطر على مقدرات الشعوب ، وهي
الطبقة البرجوازية ، فمن خلال الدين ـ المخدر ـ يستطيع أبناء هذه الطبقة
المحافظة على عروشهم ، ومصّ النقمة الجماهيرية الرافضة للاستعباد .
ولا أدري كيف غفل ـ أو تغافل ـ ماركس عن حقائق مهمة قبل
طرح هذه النظرية ، وكيف ساوى بين جميع الأديان بهذه التهمة القاسية ؟!
وللجواب على هذا الرأي نقول :
1 ـ إن الدين كما هو ثابت في علوم الآثار والانثروبولوجيا متأصّلٌ في
الوجود الإنساني ، وقد أظهرت الآثار الصحيحة للحضارات البالية ، وتلك
النقوش التي وجدت على جدران الكهوف ، بما لا يقبل الشكّ ، وجود
الدين والتدين منذ أقدم العصور ، وحتّى الشيوعية الأولية أو الأُولى ـ على
حد تعبير الماركسيين ـ قبل أن يكون هناك أصحاب رؤوس أموال أو
برجوازيين ، وقبل أن تكون هناك طبقة البروليتاريا الثائرة في وجوههم.
____________
1) الفطرة | المطهري : 164 ، دور الدين في حياة الانسان | الآصفي : 2 .
( 30 )
فهل لماركس والماركسيين ، أن يوضّحوا لنا سبب وجود ظاهرة
التدين في ذلك العصر ؟! ولكنهم لا يستطيعون الإجابة على مثل هذا
السؤال ، فليس أمامهم خيار إلاّ التخلّي عن هذا الرأي ، الذي خدعوا به
الناس عشرات السنين ، حتّى بان وهنه ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ
الْعَنكَبُوتِ ) (1) أو أن يتغافلوا عن هذه الحقيقة ويخادعون أنفسهم ، وهكذا
فعلوا !!
2 ـ ونحن نسأل ثانياً ، هل إنَّ كل الأديان كانت تخدّر أتباعها عن
القيام بالثورات التحررية ، وتمنعهم عن التصدي لظلمة ، والمستغلين ،
وتُمنّيهِمْ وتبشّرهم بجنات النعيم ؟... عوضاً عن العذاب الذي يلاقونه في
هذه الدنيا ، وتلقّنهم أن من الواجب عليهم الصبر والتحمل ، والرضوخ
لقضاء الله وقدره ، لاَنّه خلقهم للسعادة والنعيم في الحياة الآخروية .
إن مشكلة هؤلاء وأمثالهم هي التغاضي والاعراض عن الحقائق
الموضوعية ، وإلاّ ألا يتسنّى لماركس وأتباعه ، الاطلاع على تعاليم الإسلام
الّتي أشرقت الأرض بنورها ، والّتي صنعت حضارة تعتزّ الإنسانية بها ؟!
علماً أنَّ أساس تلك الحضارة والرقي في كافة الأصعدة ليس إلاّ الجهاد
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فالإسلام لا يقبل بالخنوع والخضوع والتذلل للظلمة وأعوانهم ، بل
يضرب بيدٍ من حديد كلّ الأصنام الّتي تريد من الناس أن يكونوا عبيداً
لها ، فهذا رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بنفسه بمقاتلة الكفرة والظالمين ، حتّى
ربتْ غزواته على السبعين ، وتُوّج ذلك بالنصر المؤزّر على كل اُولئك
____________
1) سورة العنكبوت : 29|41 .
( 31 )
الطغاة ، مع العلم بأن الذين حاربوه لم يحاربوه من أجل الدين بما هو دين
وإنّما بسبب كون الدين الإسلامي يساوي بين السيد والعبد ، والفقير
والغني ، فما زال شعاره « كلكم لآدم وآدم من تراب » و« المسلمون سواسية
كأسنان المشط ، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى » ، ونفس المبدأ
سار عليه أصحابه من بعده ، حتّى فتحوا الحصون والدول ، فانتشر
الإسلام في بقاع الأرض بتعاليمه النيرة ، حتّى بلغ الشرق والغرب .
فالإسلام يحرّم القعود والخنوع والتميّع ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ
تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي
الاََْرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فُيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيراً ) (1). وقال تعالى : ( إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ
حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالاِِْنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ... ) (2). وقال تعالى : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) (3).
إنّ الإسلام على خلاف أغلب الأديان ـ إذا لم نقل كلها ـ يجعل
التقاعس عن مقارعة الظالمين إثماً ووزراً يعاقب عليه أتباعه ، قال تعالى :
( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ) (4).
أما الأحاديث والروايات الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ، فإنها
تشدّد على وجوب الجهاد وحرمة تركه بشكل كبير . نأتي منها بهذا
____________
1) سورة النساء : 4|97 .
2) سورة التوبة : 9|111 .
3) سورة الحج : 22|39 .
4) سورة هود : 11 | 113 .
( 32 )
الحديث:
1 ـ عن أبي عبدالرحمن السلمي ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : « أما
بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه » ـ إلى ان
قال ـ : « هو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنّته الوثيقة ، فمن تركه
ألبسه الله ثوب الذُلّ ، وشمله البلاء.. » (1).
وهكذا نجد أن النصوص الإسلامية طافحة في الحثّ على الجهاد ،
وعدم القعود والتقاعس ، بل ان بعض النصوص تؤكّد أنّه يجب أن يدافع
الإنسان بكلّ قوته عن ماله وأهله (2). فضلاً عن عرضه ووطنه وعزّته .
فالإسلام ليس أفيون الشعوب ، بل نراه يحثّ على الثورة
والمجاهدة ، ففي نظر الإسلام أنّ الإنسان إذا تسلط على الغير بالقوة ، وفرض
سيطرته على الآخرين بالقهر ، فذلك هو « الطاغوت » الذي لا بدّ من
إشعال الثورة ضده ، حتّى يتم تحطيمه وأسقاطه ، فالطاغوت هو من يطغى
بنفسه مستكبراً على سنّة ربِّه ، ويريد هو وحفنة من أمثاله أن يفرضوا
على الناس طاعتهم ، ويسلّموا مصيرهم إليهم . فعندما يكون في المجتمع
شخص أو فئة من هذا القبيل فالإسلام يأمر أتباعهُ حينئذٍ بمحاربته
ومقاومته بكلّ ما أُوتوا من قوة ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (3). وقال تعالى : ( فَمَن يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) (4).
____________
1) المصدر السابق 15 : 14 .
2) الوسائل | الحر العاملي 15 : 141 .
3) سورة النحل : 16|36 .
4) سورة البقرة : 2|256 .
( 33 )
إذاً الإيمان بالله وحده غير كافٍ أبداً في نظر الإسلام ، بل لا بد أن
يقترن بالكفر بالطاغوت ، بل الكفر بالطاغوت يكون مقدمة للاِيمان بالله
تعالى ، لاَنّ من الواجب أوّلاً إزالة الأسباب الّتي تؤدي إلى الكفر ، ثمّ بناء
أساس الإيمان والتقوى .
فهل يصحّ بعد هذا كلّه لماركس أن يقول : ( إن الدين الإسلامي أفيون
الشعوب ) نعم المسيحية الكنسية واليهودية المحرفة قد يكونا أفيون
الشعوب ، فإنّ تلكما الديانتين الّتي عاش ماركس في وسطهما ، وارتضع من
ثدييهما ، تدعوان أتباعهما إلى الخضوع والذلة ، إلى درجة لا تجعل للكرامة
الإنسانية أي مكان فيهما ، فقد جاء في إنجيل متى ( أما أنا فأقول لكم لا
تقاوموا الشرير ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر ) .
وتجد في بعض النصوص أنهم يذهبون إلى الحرمة القطعية للثورة
والنضال ، فقد جاء في أناجيلهم المحرّفة ادعاؤهم أن عيسى عليه السلام قال
للقديس بطرس : ( أعد سيفك إلى مكانه ، لاَنّ كل الذين يأخذون السيف
بالسيوف يهلكون) بينما نرى الإسلام على عكس ذلك ، حيث يقول :
( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) (1) وهذا
تأريخ الإسلام والمسلمين زاخر بالحروب والثورات الجهادية ، حتّى أتُهِم
الإسلام بأنّه ما قام إلاّ بالسيف ، وأنّه دموي النزعة ، ولا يوجد مصداق
أوضح من ثورة الإمام الحسين عليه السلام الّتي سطّر فيها هو وأهل بيته
وأصحابه ، على قلّة العدد وخذلان الناصر ، أروع صور البطولة والفداء
والثورة والرفض للطغاة.
____________
1) سورة البقرة : 2|194
( 34 )
والعجيب أن هؤلاء يناقضون أنفسهم ، فبينما يتهمون الدين بأنّه أفيون
الشعوب ، يصرّحون بأن الإسلام قوة ثورية في وجه الطغاة ، فقد زار
خروشوف ، أحد القادة الشيوعيين في دولة الاتحاد السوفيتي ، الجزائر
يوماً ، وقابل ( بن بلاّ ) فشرح له بن بلاّ مكانة الإسلام في هذه المنطقة من
العالم ، وكيف استطاع أن يحرّر المسلمين بفضل تعاليمه من الاستعمار
الفرنسي ، فقال خروشوف : ( نعم إنّ الإسلام في هذه المنطقة يمثّل قوةً
ثورية )(1) .
وهكذا نرى وهن هذه النظرية ، التي لم تقم على أساسٍ موضوعي ،
لذلك فهي لا تصلح أبداً لتفسير نشوء ظاهرة الدين والتدين في حياة
الإنسانية .
ومن خلال استعراضنا لهذه النظريات ـ الغربية والشرقية ـ التي تفسّر
علة تكون ظاهرة الدين في حياة الإنسان ونقدها وإثبات خطئها ، يمكن لنا
أن نتساءل : إذن ما هي العلة الحقيقية الّتي دفعت الإنسان ، ومنذ أول
وجوده على هذه الأرض ، وإلى أن تنتهي الحياة ، إلى أن يعتنق الدين ،
ويؤمن بتلك القوة الملكوتية المهيمنة على هذا الوجود ، ويخضع لها بكل
جوارحه ؟
هذا ما سوف نتعرف عليه في المحور الثاني من هذا البحث إن شاء الله
تعالى .
____________
1) كتاب الفطرة : 163 .