(11)
كلمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله الطاهرين.
وبعد : يقول العبد الجاني محمد حسن الموسوي الطباطبائي؛ هذه رسالة وجيزة أوردت فيها من الكتاب والسنة المعتبرة عند المسلمين ما يفصح عن بطلان ما لفقته الطائفة الوهابية من كتاب ( منهاج السنة ) لأحمد بن تيمية ، وقبل الشروع فيها لابد من تمهيد مقدمتين :
الأولى : أن من القواعد المضروبة شرعا إصالة الإباحة في الأفعال والأقوال ما لم ينه عنها الشارع خصوصاً أو عموماً من غير معارض.
وعليها الأدلة من الإجماع وحكم العقل والنقل ، وقد اعترف بها ابن تيمية قائلاً ـ في منهاج السنة في الرد على الأشاعرة القائلين بتعذيب من لاذنب له ـ : « بأن هذا مخالف للكتاب والسنة والعقل أيضاً ».
أقول : والإجماع أيضاً ، وذلك لأن المسلمين طراً ، بل وسائر أهل الملل والنحل ـ كما تفصح عنه الآيات التي ستتلى عليك ـ على إباحة فعل عند فقط بيان من الشارع على المنع وعدم الرخصة ، والعقل ناطق بأن من القبيح عقاب العبد على فعل فعله قبل أني ينهاه عنه مولاه ، أو قبل وصول نهيه إليه والنقل مصرح كتاباً وسنة :
فمن الكتاب : قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (1) )
(1) الإسراء : 15.
(12)
دل على نفي التعذيب مطلقاً عمن لم يبعث إليه الرسول ولم تقم عليه الحجة ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولئلا يكون للناس على الله حجة وإلا كانت لهم الحجة ، كما قال عز من قائل : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل و نخزي ) وقوله تعالى : ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا .. ) إلخ الآية دلت على أن جميع من يلقى في النار إنما هو بعد تمامية الإنذار ، وقوله سبحانه : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ) إلى قوله تعالى : ( ( إن لم يكن ربك مهلك القرى وأهلها غافلون ) صرح فيه تبارك وتعالى باعتراف المخاطبين من الجن والإنس بأنهم جاءتهم الرسل وقصوا عليهم الآيات ، وبينوا لهم التكاليف ، لكنهم حيث كفروا بآيات ربهم وعصوا رسلهم أهلكوا الله بهذا السيب ، وإلا فلا يعذب من لم يكن عالماً بالآيات ، أو لم يأتهم النذير لقوله عز شأنه : ( ( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) أي من الأمر بالطاعة ، والنهى عن المعصية ، فلو عذبهم لكان ظلماً. نزه سبحانه نفسه عن الظلم بقوله تعالى : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) وبين أن المعذبين في النار هم الظالمون لأنفسهم بالمعصية ، وترك الطاعة ، فمن لم يكن ظالماً لا تجوز عقوبته. ولو عوقب لكان ظلماً عليه.
وبالجملة دلت الآيات على أن كل من صنع مثل صنع الأمم الخالية ، فأنكروا على الله آياته ورسله ، وفعلوا المنكرات والقبائح بعدما تمت عليهم الحجة ، وظهرت لهم التكاليف الإلهية والزواجر الشرعية عوقب عن إنكاره
(13)
وإقدامه على القبائح المنهى عنها ، حيث يقول سبحانه : « ولقد جاء آل فرعون النذر ، فكذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر » فالمؤاخذة لا تكون إلا بالبيان وظهور الزواجر الإلهية ، فلو لم تظهر لم تكن لله على الناس حجة.
قال ابن تيمية : الأصل الذي عليه السلف والجمهور : أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، فالوجوب مشروط بالقدرة ، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور أو محظور بعد قيام الحجة ، انتهى.
وهذا هو الذي نسبه في ص20 من الجزء الثالث من « منهاج السنة » إلى أبي حنيفة والشافعي وابن حزم ، وهذا هو المطابق لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه الكل ، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « رفع عن أمتي تسعة أشياء : الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه .. إلخ.
وفي سنن ابن ماجة ، باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وفيه عن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما أمرتكم بشيء فخذوه ، وما نهيتكم عنه فانتهوا » وفي أيضاً عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم
فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا » ومثل ذلك رواية البخاري ، وفي سنن ابن ماجة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما
حرم رسول الله مثل ما حرم الله ».
(14)
قوله : ألا وإن ما حرم رسول الله .. إلخ ، يدل على أن ما لم يحرمه الرسول لم يكن حراماً من جانب الله ، ولم يكن مثل ما حرم الله ، وهذا و سابقه تفسير لقوله تعالى : ( ما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) .
ثم إن الغرض من وضع هذه المقدمة بيان أنه لا وجه لإنكار الطائفة الوهابية على فرق المسلمين ـ خصوصاً الإمامية ـ أموراً لم يرد من الشرع فيها نهى وزجر ، وإن الحكم فيها بالانتهاء والارتداع جزماً و حتما خلاف ما عليه كتاب الله و سنة رسوله ، بل يكون بدعة لأنه إدخال ما ليس من الدين في الدين ، وحكم بغير علم ، واحتمال كونه من
الدين لا يصيره من الدين ، وإلا لما كان معنى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « وما نهيتكم عنه فانتهوا » بنحو القضية الشرطية المستفاد منها عدم الانتهاء عند عدم النهى.
المقدمة الثانية : في بيان أن من القواعد الشرعية أصولاً وفروعا قاعدة التأويل والاجتهاد ، والغرض من تمهيد هذه المقدمة بيان أن أناساً من هذه الأمة أخذتهم العصبية و الجهالة ، فزعموا أنها الهداية والديانة ، فجعلوا يخاطبون من عداهم ـ ممن ليس على مذهبهم و على طريقتهم ـ يا كافر و يامشرك و يتعدون عليهم في أماكنهم ،
والبقاع التي تحت سلطتهم ، بالضرب والسب والشتم خلافاً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، واعتداءاً منهم على المسلمين ، إذ ليس فيما أقدموا عليه من التعدي في الكتاب و السنة عين ولا أثر !
والعجب : مع ذلك أنهم يجعلون أنفسهم من أهل السنة ، والحال أن السنة النبوية ، والشريعة العامة المحمدية ـ مضافاً إلى سيرة المسلمين والعلماء و أئمة المذهب ـ على خلاف صنعهم ، والإنكار على أفعالهم !!
قال ابن تيمية في ص19 من الجزء الثالث من ( منهاج السنة ) ، في الجواب
(15)
عن المطاعن في الجماعة. إن أكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير يخرجها عن أن تكون ذنوباً ، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر ، وعامة المنقول الثابت من الخلفاء الراشدين من هذا الباب ، انتهى.
أقول : وذلك كما في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ». قال : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، فقال : هكذا.
وقال في ص20 : قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن على وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطأ ، لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية ، كما ذكر ذلك ابن حزم عنهم وغيره ، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ، ويصححون الصلاة خلفهم ، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ،
ولا يصلى خلفه.
وقالوا : هذا القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين : أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ، ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين ، لا في مسألة علمية ولا عملية ، انتهى.
وقال ابن حزم في ص247 من أواخر الجزء الثالث من كتاب « الفصل في الأهواء والملل والنحل » ما هذه ألفاظه : « وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال ، إن أصاب فأجران ، وإن أخطأ فأجر واحد ، انتهى.
(16)
أقول : إن كان ما ذكره أئمة الدين هو الأساس والأصل المعتمد عليه عند المسلمين فبأي وجه صحيح شرعي يقدمون أقوام على رفض من عداهم من المسلمين ورميهم بالكفر والشرك ؟؟ حتى قاموا يسومونهم سوء العذاب ويجعلون بلادهم بلاد حرب. وقد قال عز من قائل : ( إنما المؤمنون أخوة ) وقال تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) وقال عز شأنه : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ) وقال سبحانه : ( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) وقوله تعالى : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ) وقال عز شأنه : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ، ونفصل الآيات لقوم يعلمون ) .
الإسلام موجب لحفظ النفس
وفي الصحاح ما هي ناطقة بأن من قال : لا إله إلا الله. محمد رسول الله كان محترم المال والعرض والدم. ويكفيك ما في البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل ، حين بعثه إلى اليمن : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله. فإن هم
أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم.
وفي البخاري في باب فضائل علي عليه السلام : أنه عليه السلام حين أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الراية يوم خيبر صرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟
(17)
قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم.
وفي البخاري عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر بالإيمان بالله وحده قال : أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تعطوا من المغنم الخمس.. الحديث.
قلت : وأنت أيها المطلع على الكتاب المبين ، والواقف على شريعة سيد المرسلين هل ترى لأعمال العداوة والنصب لأهل الحق وأخيك المسلم من جهة غير التعدي لحدود الله ؟
ومعلو : أن مذهب الإسلام وما جاء به خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم بمجنب ( بمعزل ) عن أمثال هذه التعديات : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) . فمن حكم بما يراه فقد اتبع هواه الذي نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله عز شأنه : ( ولا تتبع
أهواءهم ) وأمر أن يحكم بما أنزل الله ، فمن خرج عن ذلك فقد أنكر على الله بعدما جاءه الحق ، وأتته البينات ، فالميزان في متابعة الحق : المصير إلى ما حكم به القرآن ، وإلا فما من طائفة إلا وهي على زعمها تأمر بالعدل والحسان كما هو الغالب المتداول بين الجهلة ، حيث أن المطاع منهم والشيخ فيهم يحكم بالعادات الجارية ، لا
بما يقوله الكتاب والسنة ، فيشملهم قوله سبحانه : ( فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيراً من الناس لفاسقون ) وقوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) إن لم يستحلوا خلاف قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلا فإن استحلوا ذلك فأولئك هم الكافرون حيث يقول سبحانه ( ومن لم يحكم
(18)
بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) نعم لو فرض أن المسلمين تنازعوا أو اختلفوا إلى شيء فالواجب عليهم أن يردوه إلى الله والرسول لقوله تعالى : ( وإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) وقوله سبحانه :
( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ومع ذلك لو طعن طاعن في طائفة من المسلمين وجعلوا يرمونهم بالسب والشتم ونسبة الكفر والإلحاد كان ذلك تفرقاً منهياً عنه بقوله عز شأنه : « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ) وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق
تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) وقوله سبحانه : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) فالله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بالاعتصام بحبله ، ونهاهم عن التفرق ، وفسر الاعتصام بحبله بالتمسك بدينه ، ولا ريب أن
دينه الأسلام لقوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) والإسلام هو الإيمان المفسر بالشهادتين.
تحريم التفرق والاختلاف
فإذن : المسلمون على ملة واحدة ، نعم جعل لهم حدوداً وحرمات لا يجوز التعدي عنها لقوله تعالى : ( وتلك حدود الله فلا تعتدوها ) فحرم عليهم الظلم ، وحرم عليهم دمائهم وأعراضهم وأموالهم ، ففي الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال في حجة الوداع : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا : هل بلغت ؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب.
وفي البخاري ـ بطرق عديدة ـ عن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال في حجة
(19)
الوداع : أنظروا ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.
والمقصود من هذه المقدمة أن عمل الوهابية خلاف ما عليه الكتاب والسنة ، لتطابقها على لزوم التودد والتحابب بين المسلمين ، لا على التنافر والتعاند ورمي بعضهم بعضاً بالكفر ، والتعدي بالضرب والشتم. وما علينا إلا البلاغ المبين ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ، إذا عرفت ما مهدناه لك فنقول : ان هذه الرسالة مشتملة على مسائل ،
وخاتمة.
قالت الوهابية : الشفاعة للأنبياء والأولياء منقطعة في الدنيا ، وإنما هي ثابتة لهم في الآخرة ، فلو جعل العبد بينه وبين الله تعالى وسائط من عباده يسألهم الشفاعة كان ذلك شركا ، وعبادة لغير الله تعالى ، فاللازم أن يوجه العبد دعاءه إلى ربه ويقول : اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد صلى الله عليه واله وسلم ولا يجوز له أن يقول :
يا محمد اشفع لي عند الله.
محتجين عليه بقوله تعالى : ( وان المساجد لله ، فلا تدعوا مع الله أحداً ) وقوله سبحانه : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) وقوله جل شأنه : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) وقوله عز من قائل : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن
عهداً ) .
قال محمد بن عبد الوهاب في رسالته « كشف الشبهات » : فإن قال : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الشفاعة ، واطلبه مما أعطاه الله. فالجواب : أن الله أعطاه الشفاعة ، ونهاك عن هذا ! وقال : فلا تدع مع الله أحداً ، وأيضاً : فإن الشفاعة أعطاها غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصح أن الملائكة يشفعون ، والأولياء يشفعون ،
(20)
والأفراط يشفعون ، أتقول : إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم ؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين.
وقالت الإمامية : إن الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصالح المؤمنين والملائكة المقربين ، فيجوز الاستشفاع بهم إلى الله تعالى ، لنهوض الكتاب والسنة عليه ـ
الآيات الدالة على جواز الاستشفاع
فمن الكتاب قوله سبحانه : ( ولو أنهم إذا ظلموا جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما ) دلت الآية على أن العاصين متى جاؤوا إلى الرسول تائبين ، وجعلوا يتوسلون به في طلب المغفرة من الله ، واستغفر عند ذلك لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما ، فلو كان الاستشفاع من النبي
صلى الله عليه وآله شركاً لله لما وجدوا الله تواباً رحيما ، لأن الله سبحانه لا يغفر أن يشرك به.
قال الفخر الرازي في التفسير : يعني لو أنهم عند ما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت ، والفرار من التحاكم الى الرسول ، جاؤوا إلى الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه ، وتابوا عنه ، واستغفروا منه ، واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرلهم عند توتبهم لوجدوا الله تواباً رحيما ، انتهى.
وقال أيضاً عند ذكر الفائدة للعدول عن الخطاب الى الغيبة : وإنما قال : واستغفر لهم الرسول. ولم يقل : واستغفرت لهم. إجلالا للرسول وأنهم إذا جاؤوه فقد جاؤوا من خصه الله برسالته ، وأكرمه بوحيه وجعله سفيراً بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فالله لا يرد شفاعته... الخ.
أقول : وما ذكره من كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سفيراً بين الله تعالى وبين