(3)
مقدمة لابد منها
     من الأحاديث المتواترة الصحيحة الواردة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث « …وستفترق أمتي بعدي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة في الجنة والباقون في النار ». هذا الحديث من الأحاديث التي أثبتها المحدثون بكافة طبقاتهم من العامة والخاصة والسنة والشيعة. ولا حاجة إلى ذكر المصادر والمدارك لهذه الرواية …
     ومن المضحك أن كل فرقة من الفرق الإسلامية التي تولدت وتكونت خلال هذه القرون تعتبر نفسها هي الفرقة الناجية؛ وتعرف غيرها بأنها من أهل النار.
وكل يدعى وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
     ولسنا الآن في مقام الخوض في هذه المعركة المظلمة المدلهمة ، بل نعرج على ما نقصده من هذا الكلام وما هو معنون في الكتاب من المواضيع التي ستقف عليها.
     من جملة تلك المذاهب التي تولدت قبل قرون تقريبا هو مذهب محمد ابن عبدالوهاب ( الوهابية ) وقبل الشروع في ميدان البحث فلا بأس أن نذكر شيئاً يسيراً من ترجمة حياة محمد بن عبدالوهاب رئيس هذا المذهب الذي ستعرفه : ونقتبس ذلك عن كتاب تاريخ نجد لابن الآلوسي :


(4)
( هو محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي ، نشأ في بلدة العينية من بلاد نجد ، قرأ الفقه على مذهب أحمد بن حنبل ، وكان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون ، سافر إلى مكة ثم سار إلى المدينة ، واشتغل بالدراسة عند الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف ، وأظهر الإنكار على الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قبره ، ثم رحل إلى نجد ، ثم أتى البصرة يريد الشام ، فلما ورد البصرة أحس المسلمون بذلك فأخرجوه منها ، فخرج هارباً ، وبعد مدة جاء إلى بلدة حريملة من نجد ، وكان أبوه في تلك البلدة ، فجعل ينكر على مسلمي أهل نجد عقائدهم ، فنهاه أبوه فلم يمتنع حتى مات أبوه فتجرأ على إظهار عقائده والإنكار على المسلمين ، وتبعه حثالة من الناس ، إلى أن ضج الناس ، وهموا بقتله ، فخرج قاصداً العينية ، ورئيسها يومذاك عثمان بن أحمد بن معمر ، فأطمعه ابن عبدالوهاب في ملوكية نجد فساعده عثمان فتظاهر الرجل بنواياه ، وهدم قبر زيد بن الخطاب ، فعظم أمره ، وبلغ الخبر إلى صاحب الأحساء والقطيف سليمان بن محمد بن عزيز ، فأرسل سليمان كتاباً إلى عثمان يأمره بقتل الرجل ، فلما ورد الكتاب إلى عثمان أرسل إلى محمد بن عبدالوهاب وأخبره وأمره بالخروج من البلدة ، فخرج الرجل إلى الدرعية وذلك سنة 1160.
     الدرعية هو المكان الذي خرج منه مسيلمة الكذاب ، وأظهر الفساد ، وكان صاحبها محمد بن سعود من قبيلة عنيزة ( أحد أجداد الأسرة السعودية ) فتوسل الرجل بامرأة الحاكم إليه ، وأطعمه في العز والغلبة على بلاد نجد ، فبايعه محمد بن سعود على سفك دماء المسلمين ـ يسميه الجهاد في سبيل الله ـ وجعل ابن سعود يحز لنصرته الجيوش ، ويألب لترويج طريقته العساكر حتى استقام امره ، فكتب إلى رؤساء بلاد نجد وقضاتها يطلب منهم الطاعة


(5)
والانقياد ، فأجابه قوم وأهمله آخرون ، فجهز الجيش من أهل الدرعية ، وقاتلهم وقتل من خالفه من المسلمين ، حتى دخل بعض إلى طاعته طائعين ومكرهين ، وتمت إمارة بلاد نجد لآل السعود بالسيف والغلبة حتى مات ابن عبدالوهاب سنة 1206 … )
     بقي دينه الجديد ، وحامت الحكومة السعودية عن هذا المبدأ … وقاتلوا المسلمين ، وقتلوا ودمروا ، وأحرقوا ، وأفسدوا في البلاد والعباد وجرت منهم الويلات على المسلمين ، وما قتلوا في هذه المدة خارجاً عن الدين ، بل كان جميع المقتولين مسلمين موحدين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وذنبهم الوحيد أنهم لا يعتنقون المبدأ الجديد الذي اخترعه ابن عبدالوهاب واعتقد به.
     عقائد ابن عبدالوهاب
     إنه يزعم أنه هو الموحد الوحيد ، وغيره من المسلمين كفار مشركون ، وهذا بعض مظاهر توحيده :
     إنه يعتقد أن الله جالس على العرش حقيقة ، وأن له يداً ورجلا ، وساقاً وجنباً ، وعيناً ووجهاً ولساناً ونفساً ، وأنه يتكلم بحرف وصوت ، وخلاصة القول أنه يعتقد التجسم الذي أطبق المسلمون على كفره.
     وإن لابن عبدالوهاب عقائد وأحكاماً حول القبور اختص بها ، وأفتى بها من غير دليل شرعي ، بل الأدلة قائمة على خلاف ما حكم به ، وأن مذهبه حول القبور أنه يحرم عمارتها والبناء حولها ، وتعاهدها والدعاء والصلاة عندها ، بل يجب هدمها وطمسها ومحو آثارها ، حتى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويزعم


(6)
هو وأتباعه أن المشاهد المشرفة والقبور التي فيها بمنزلة الأصنام ، ويقولون في قبر النبي أنه الصنم الأكبر.
     وبالجملة فإن الوهابيين كتلة إرهابية شعارها التدمير والتحطيم ، والقسوة والهمجية ، وأنهم يبذلون كل ما لديهم من نشاط وقوة لمكافحة فئة واحدة من المسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلون ويحجون.
     وإن في تاريخ حياتهم المظلمة فجائع ومآسي لا تنسى مدى الدهر ، ومنها هجومهم على مدينة كربلاء المقدسة في سنة 1216هـ المصادف 1801م ، وإليك الواقعة كما ذكرها المرحوم البحاثة القدير الأستاذ الدكتور السيد عبدالجواد الكليدار في كتابه : « تاريخ كربلاء » نذكره حرفياً :
     الحائر والهدم والحرق والنهب والتقل على يد الوهابيين في 18 ذي الحجة سنة 1216.
     إن أعظم فاجعة بعد واقعة الطف مرت على كربلاء في التاريخ؛ هي غزو الوهابيين لها في عام 1216 ، تلك الفاجعة التي لا تزال تردد صداها البلاد الإسلامية والأوربية معاً ، فأسهب في فظاعتها المؤرخون من مسلمين وأوربيين … فعدوها وقعة طف ثانية في التاريخ … فندع المجال أولاً للأوربيين .. فنعطى دور الكلام أولا للمستر ستيفن هميسلي ، لو نكريك الإنكليزي أن يتكلم أمام المرأى العام العالمي والتاريخ بصراحته وحريته … يقول في كتابه « أربعة قرون من تاريخ العراق » :
     « لم تكن أعراب نجد تختلف في العقيدة والمذهب عن بقية المسلمين إلى أواخر القرن الثاني عشر الهجري حين نشر بينهم محمد بن عبدالوهاب تعاليمة الجديدة التي جاءت موافقة لميول أمة بدوية تعيش على الفطرة معتمدة على الغزو في معيشتها ، ولاقت قبولاً حسناً من محمد بن سعود أميرهم ، وقد تلقى


(7)
محمد بن عبدالوهاب دروسه في كليات بغداد الدينية ، فأتيح له أن يجلب الأخطار العظيمة على هذه البلاد التي أقام فيها ، وانتقل من بغداد إلى المدينة ثم إلى عوينة في نجد..
     إلى أن يقول : على أن الفاجعة الكبرى كانت على قاب قوسين أو أدنى ، تلك الفاجعة التي دلت على منتهى القسوة والهمجية والطمع الأشعبي ، واستعملت باسم الدين ، وأن الجيوش الوهابية تحركت للغزو المختص بالربيع … انتشر خبر اقتراب الوهابيين من كربلاء عشية اليوم الثاني من نيسان 1801 عندما كان معظم سكان البلدة ( كربلاء ) في النجف يقومون بالزيارة ، فسارع من بقي في المدينة لإغلاق الأبواب ، غير أن الوهابيين وقد قدروا بستمائة هجان وأربعمائة فارس ، نزلوا فنصبوا خيامهم وقسموا قوتهم إلى ثلاثة أقسام ، وفي ظل أحد الخانات ( من ناحية محلة باب المخيم فتحوا ثغرة في السور فدخلوا أحد الخانات فجأة ) هاجوا أقرب باب من أبواب البلد ، فتمكنوا من فتحه عسفاً ودخلوا ، فدهش السكان وأصبحوا يفرون على غير هدى ، أما الوهابيون الخشن فقد شقوا طريقهم إلى الأضرحة المقدسة وأخذوا يخربونها؛ فاقتلعت القصب المعدنية ، والسياج ثم المرايا الجسيمة ، ونهبت النفائس والحاجات الثمينة من هدايا الباشوات والأمراء وملوك الفرس وكذلك سلبت زخارف الجدران وقلع ذهب السقوف ، وأخذت الشمعدانات والسجاد الفاخر ، والمعلقات الثمينة ، والأبواب المرصعة وجميع ما وجد من هذا الضرب ، وقد سحبت جميعها ونقلت إلى الخارج.
     وقتل زيادة على هذه الأفاعيل قراب خمسين شخصاً بالقرب من الضريح ، وخمسمائة أيضاً خارج الضريح في الصحن ، أما البلدة نفسها فقد عاث الغزاة المتوحشون فيها فساداً وتخريباً ، وقتلوا من دون رحمة جميع من صادفوه ،


(8)
كما سرقوا كل دار ، ولم يرحموا الشيخ و لا الطفل ، ولم يحترموا النساء ولا الرجال ، فلم يسلم الكل من وحشيتهم ولا من أسرهم ، ولقد قدر البعض عدد القتلى بألف نسمة ، وقدر الآخرون خمسة أضعاف ذلك ، عدا الجرحى.
     إلى آخر ما ذكره المؤرخون من فجائع هذه الطائفة الوحشية القاسية الظالمة.
     وفي سنة 1344 أفتى فقهاء المدينة بوجوب هدم القبور في البقيع وغير البقيع في المدينة وخارجها ، وفي اليوم الثامن من شهر شوال من تلك السنة صدر الأمر ونفذ الحكم ، فأهووا على قبر الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهدموا قبرها ، فكأنها ما كفاها المصائب التي جرت عليها من الأولين أيام حياتها ، حتى قام الآخرون بإتمامها بعد وفاتها ، ثم هدموا مرقد الأئمة الأربعة من أهل البيت وهم :
     سبط الرسول الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
     الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام.
     الإمام الباقر محمد بن علي عليه السلام.
     الإمام الصادق ، جعفر بن محمد عليه السلام ، وقبة العباس عم النبي ، وقبر سيدنا إبراهيم ابن رسول الله ، وقبور زوجاته وعماته ، وقبر فاطمة بنت أسد وحمزة سيد الشهداء عم رسول الله وغيرهما من قبور أهل البيت ، ولعلهم إنما أقدموا على تلك الجرائم عملا منهم بالآية الشريفة : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلاً المودة في القربى ) .
     وقد كتب المغفور له آية الله السيد محمد حسن القزويني كتاباً في الرد على فتاوى رئيس هذه الفئة الباغية الطاغية ونفدت نسخ الكتاب ، وقد


(9)
انتشرت في هذه الأيام أباطيلهم وكلماتهم المسمومة في بلاد الإسلام أكثر فأكثر ، فإنهم استغلوا كتاباً مأجورين ، فجعلوا يدعون البسطاء من المسلمين المساكين إلى هذا الدين الجديد الخطر ، فرأيت لزاماً على أن أعيد طبع الكتاب لما فيه من فوائد ومنافع إرشاداً للجاهل وتنبيهاً للغافل ، ولئلا يكون للناس على الله حجة والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
     كربلاء المقدسة

السيد محمد كاظم القزويني
غرة رجب / 1382هـ