(191)
ويتحقق مفهوم الاطعام عن طريقين :
الاول : دعوة العدد المحدد من الفقراء دفعة واحدة ، او بالتدريج ، واطعامهم حتى الاشباع ، ذكوراً كانوا ام اناثاً ، صغاراً أم كباراً ، اصحاءً أم مرضى. و « لا يجزي اعطاء ما دون العدد المعتبر ، وان كان بقدر اطعام العدد. ولا يجوز التكرار عليهم من الكفارة الواحدة مع التمكن من العدد ويجوز مع التعذر » (1).
الثاني : اعطاء كل فرد مداً من القمح ، وهو ما قدر بحدود 750 ـ 800 غرام. وينبغي ان يكون الاطعام متناسباً مع مستوى الطعام الذي يأكله المطعم ، كما وصفته الآية الشريفة : ( من اوسط ما تطعمون اهليكم ) (2). و « لا يجزي دفع القيمة في الكفارة ، لاشتغال الذمة بالخصال [ الاطعام ] ، لا بقيمتها التي لا تندرج في اطلاق الامر بالاطعام مثلاً حتى في الفرد الذي يراد منه التمليك للاطعام ، والاجتزاء بها في الزكاة ونحوها للدليل [ الخاص ] ، ومن هنا لم يكن خلاف في ذلك عندنا ، بل في المسالك هو اجماع » (3).
(1) شرائع الاسلام ح3 ص76.
(2) المائدة : 89.
(3) الجواهر ج33 ص291.
(192)
اما الكسوة ، فقد اختلف الفقهاء في نوعيتها ، فمنهم من قال بالاجتزاء بثوب واحد لكل مسكين ، ومنهم من قال بثوبين لكل مسكين ، لاختلاف الروايات. وقيل أن الثوب الاول واجب والثاني مستحب. ولكن الاصل المتفق عليه في الكسوة هو تحقق مفهومها.
ملحق : اطعام الفقراء ـ الروايات الواردة في ذلك
1 ـ عن رسول الله (ص) قال : (خيركم من اطعم الطعام ، وافشى السلام...) (1).
2 ـ وعن ابي عبدالله (ع) قال : (من الايمان حسن الخلق واطعام الطعام) (2).
3 ـ وورد عن ابي الحسن الرضا (ع) في تلاوته للآية الكريمة : (فلا اقتحم العقبة وما ادريك ما العقبة فك رقبة ) (3) ، قوله : (علم الله ليس كل يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيلاً الى الجنة باطعام الطعام) (4).
4 ـ وورد ان علياً امير المؤمنين (ع) كان يقول : (انا اهل بيت أمرنا ان نطعم الطعام ، ونؤدي في النائبة ، ونصلي اذا نام الناس) (5).
(1) و (5) الكافي ج4 ص50.
(2) و (4) المحاسن للبرقي ص389.
(3) البلد : 11 ـ 13.
(193)
5 ـ وورد أن ابا الحسن الرضا (ع) اذا أكل أتي بصفحة فتوضع بقرب مائدته فيعمد الى اطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء منه شيئاً فيوضع في تلك الصفحة ثم يأمر للمساكين ثم يتلو : ( فَلا اقتَحَمَ العَقَبَةَ ) الآية (1).
6 ـ وعن الامام ابي جعفر (ع) قال : (من اطعم جائعاً اطعمه الله من ثمار الجنة) (2).
7 ـ وعن الإمام ابي عبدالله (ع) قال : (من اطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الاجر في الآخرة لا ملك مقرب ولا نبي مرسل الاّ الله رب العالمين. ثم قال : من موجبات المغفرة اطعام المسلم السغبان ، ثم تلا قول الله عز وجل : ( اَو اِطعامٌ في يَوم ذي مَسغبةٍ يَتيماً ذا مَقربةٍ اَو مسكيناً ذا مَتربةٍ ) (3)) (4).
8 ـ وعن ابي عبد الله (ع) قال : (من اشبع كبداً جائعاً وجبت له الجنة) (5).
9 ـ وورد عن رسول الله (ص) قوله : (ما آمن بي من أمسى شبعاناً وأمسى جاره جائعاً) (6).
(1) المحاسن ص392.
(2) المحاسن ص393.
(3) البلد : 14 ـ 16.
(4) ثواب الاعمال للشيخ الصدوق ص70.
(5) المحاسن ص390.
(6) المحاسن ص98.
(194)
والملاحظ من خلال عرض الاحكام الرئيسية لصندوق الصدقات والحقوق الشرعية في النظام الاسلامي ، ان هذا يستند في تعامله مع المال على اربعة عوامل :
الاول : العامل التعبدي ، حيث يتضح من استعراض الاحكام الشرعية الخاصة بالزكاة المالية وزكاة الفطر والخمس والانفال والاضاحي والكفارات والصدقات المستحبة ، ان الانفاق يعتبر من صميم الاعمال التعبدية التي يجازى عليها المكلف او يعاقب. فلا يستقيم ايمان المرء ولا تتكامل عدالته الدينية الا بالانفاق المأمور به ، الذي يصب اصلاً في مجرى مساعدة الطبقة الفقيرة ليرفع واردها الى مستوى الوارد الاجتماعي العام.
الثاني : العامل الاخلاقي ، الذي يعتبر المال مجرد وسيلة من وسائل نفع النظام الاجتماعي ، واشباع حاجات الافراد الاساسية. فيوصي ـ مثلاً ـ برد المال المأخوذ حراماً الى صاحبه ، وصرفه على الفقراء اذا عجز عن معرفة مالكه الاصيل. ويوصي ايضاً بمساعدة الافراد الذين ركبتهم الديون ، بتسديدها من بيت المال.
الثالث : عامل الاعتدال في حجم الضريبة المفروضة على اموال الاغنياء. والتأكيد على كون الضريبة تخص الفائض من الارباح السنوية ،
(195)
حيث تستثنى المؤونة ومصاريف العمل من النسبة المئوية لاموال الاغنياء. وفي الوقت ذاته يوصي الاسلام بالاعتدال في صرف الزكاة بالنسبة للفقراء ، فلا يحق للفقير تبذير المال الذي يستلمه من الحقوق الشرعية ، بل لا يحق للافراد اطلاقاً ، الاسراف والتبذير. ويوصي ايضاً بصرف المال الزائد في جميع طرق الخير التي اقرها العقلاء للترفيه عن الانسانية المعذبة ونشر العدالة بين جميع افراد النظام الاجتماعي.
الرابع : ان كمية المال الواردة عن طريق الزكاة المالية والخمس والكفارات والاضاحي والصدقات المستحبة التي درسناها سابقاً ، تعتبر كمية هائلة. وتشديد الاسلام على صرف هذه الكمية الضخمة من المال على الفقراء والمساكين بالخصوص لاشباع حاجاتهم الاساسية في المأكل والملبس والمسكن ، تضعه على صدر الانظمة الاجتماعية التي تنجح في معالجة مشكلة الفقر معالجة حقيقية. وهذا الدور الاسلامي في معالجة المشكلة الاجتماعية مستند على فهم حقيقة التفاوت في القابليات الانتاجية بين الافراد ، وحقيقة الانسان الداخلية في العطاء ، وحقيقة التكليف الالهي للافراد في التعاون والتضامن الاجتماعي.
(196)
وواجب الدولة في النظام الاسلامي ضمان معيشة الافراد ، وهي بذلك تتبع احد هذه الطرق الثلاث : اولاً : ان توفر لهم اعمالاً يرتزقون بها الى حد الكفاية. ثانياً : ان تضمن معيشتهم الاساسية في حال عدم توفر فرص العمل. ويتم هذا الضمان من خلال صندوق الحقوق الشرعية الذي لاحظنا فعالياته المعاشية سابقاً. ثالثاً : ان تنشىء لهم هيئات ولجان متخصصة لاستحداث مختلف الاعمال في الزراعة والصناعة والاعمال التجارية. وكل هذه الطرق التي تهدف الى ضمان معيشة الافراد يمكن ايجادها ضمن حدود الدولة والنظام الاجتماعي ، لان الارض بكل خيراتها لا تبخل على الانسان بعمل ، وان العقل البشري ـ بكل طاقته الجبارة ـ يفتح آفاقاً واسعة لتطوير مصادر الغذاء في البحار والمحيطات والانهار. وهذه الخيرات تستطيع اشباع ملايين الافراد ، خصوصاً اذا استخدمت وسائل الانتاج الزراعي والحيواني الميكانيكية التي تستطيع مضاعفة الانتاج الغذائي بكلفة اقل. وكل هذا النشاط والاستثمار يقع تحت عنوان حق الجماعة في التمتع بمصادر الثروة الاجتماعية ، فتضمن الدولة حقوق القاصرين والعاجزين عن العمل فضلاً عن حقوق عموم الافراد باستثمار مصادر الثروة الطبيعية بكافة انواعها المعروفة. فالأرض بخيراتها الهائلة انما خلقت للجميع كما ورد في
(197)
قوله تعالى : (هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُم ما في الارضِ جَميعاً) (1).
وهذا الضمان ينبع من جوهر النظرية الاسلامية للانسان. فالفرد ـ حسب النظرة الاسلامية ـ ليس كياناً مادياً فحسب ، بل هو كيان مادي وروحي شريف ، والجوع يمزق هذا الكيان ويحط من قدره ، وبذلك فلا بد من اشباع حاجاته الاساسية في العيش الكريم. والى هذا التفضيل اشار القرآن الكريم بقوله : (وَلقد كَرمنا بني آدم وَحملناهُم فِي البَر وَالبحر وَرزقناهم مِن الطيَّبات وَفضلناهم على كَثير ممَّن خَلقنا تَفضيلاً) (2). فمن حق المخلوق على الخالق اشباعه وكسوته ، واي نقض لهذا القانون الكوني انما هو نقض لصميم مفهوم العبودية بين المربوب والرب. فالجائع لا يستطيع عبادة الله ، ولا يقدر على تحمل التكاليف الشرعية ، فكيف يأمره الخالق اذن ، بالعبادة ولا يضمن له العيش الكريم ؟ ولا شك ان المولى عز وجل خلق للافراد مصادر غذائهم وكسوتهم ، ولكن سوء التوزيع الذي يقوم به الانسان هو الذي يحرم البعض من حقوقهم ويتخم البعض الآخر. وهذا يفسر ـ الى حد ما ـ تأكيد الاسلام المستمر على الانفاق الواجب والمستحب على الفقراء والمساكين ، خصوصاً في موارد الانفاق التي درسناها سابقاً ، كالصدقات الواجبة ، والكفارات ، والاضحية ، والانفال.
ولا تتوقف النظرية الاسلامية بمساعدة الفقراء عند الضمان الاجتماعي فحسب ، بل تتعدى في نظرتها الشمولية الى التكافل العام بين جميع افراد
(1) البقرة : 29.
(2) الاسراء : 70.
(198)
المجتمع الانساني ، الذي ينبغي أن يقوم على مبدأين ، هما :
الاول : مبدأ كفالة الافراد بعضهم البعض كفاية ، وهذا المبدأ لا يمكن تجزئته او فصله عن بقية احكام الاسلام التي تفرض على المكلفين ضرائب وغرامات مالية او عينية يرد اغلبها الى الفقراء ، خصوصاً القاصرين والعاجزين.
الثاني : مبدأ الاخوة الذي يعتبره الاسلام حجر الاساس في بناء العلاقات الاجتماعية النظيفة. وقد اشارت الاحكام الشرعية الاسلامية في اكثر من موضع الى ضرورة التحسس لآلام الآخرين واهمية مشاركة الافراد شعورهم الانساني من افراح واتراح. فالمصائب الجماعية اخف ثقلاً على كاهل الفرد من تلك التي ينوء بحملها الانسان منفرداً دون صديق او حميم. ولذلك كان مفهوم الاُخوة في الاسلام ، وما يترتب عليه من آثار اقتصادية في توزيع الثروة ، من اكثر وسائل التكافل الاجتماعي تأثيراً وامضاها فعالية في تضييق الفوارق الطبقية بين الافراد. ولئن كان « المذهب الفردي » الذي تدعي النظرية الرأسمالية تفوقه على بقية المذاهب الاجتماعية ، قد نجح في دفع الافراد نحو العمل والابداع (1) ، الا أن التأثيرات الاجتماعية السلبية التي اوقعها ذلك المذهب بالمجتمع الرأسمالي ، تجعله من اكثر المذاهب الاجتماعية فشلاً في تحقيق سعادة الانسان ، وطموحه في تحقيق مجتمع سعيد متكاتف ، يقوم على اساس المساواة والعدالة الانسانية.
واخيراً ، لابد من القول ان اهم المراكز التي ينبغي ان تتحمل مسؤولية
(1) (ريتشارد ادوارد) وآخرون. النظام الرأسمالي. نيوجرسي : برنتس ـ هول ، 1978 م.
(199)
التكامل الاجتماعي في الدولة الاسلامية هي المؤسسات الدينية والاجتماعية كالمساجد والمدارس. فمسجد المحلة يمثل قلبها النابض دينياً وادارياً واجتماعياً ، وهو عين الاسلام الحقيقية التي ترى الساحة الاجتماعية دون غطاء. ولا بد لهذا المركز الروحي والاجتماعي من مساعدة الافراد في سد حاجاتهم الاساسية ، وتبيان حالهم حتى يبقى الامداد المعاشي مستمراً لكل الافراد. فامام المسجد اقرب الناس الى قلوب افراد المحلة ، باعتباره رجل العلم والتقوى والعدل ، يفتش عن الفقراء ، ويتعرف على احوالهم ، وعند الحاجة يشبعهم ويغنيهم عن طريق دفع الحقوق الشرعية لهم. اما المدرسة ، وهي عقل المحلة وعصبها الفكري النابض بقوة العلم والمعرفة ، فلها دور مهم ايضاً في استبيان وضع الفقراء من خلال استبيان حال ابنائهم. فلابد ان يكون دور المدرسة هنا دوراً مساعداً في استكشاف الفقراء ذوي العفة ، الذين يحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء من التعفف لا يسألون الناس الحافاً ، كما وصفهم القرآن الكريم بذلك. ومن خلال تعاون المسجد والمدرسة تمتد يد العطاء والرحمة الى كل الفقراء فتنتشلهم من اجواء الحرمان لتضعهم في موضع التكريم الذي اراده لهم خالقهم الكريم منذ بداية الخلق والانشاء.
(200)
ان اول صنم يحاول الاسلام اخراجه من الساحة السياسية وتحطيمه هو صنم الطبقة الاجتماعية العليا المرتكز على اساس العوامل الثلاثة المذكورة سابقاً ، وهي الثروة والقوة السياسية والمنزلة الاجتماعية ؛ ويجعل الميزان الاساسي للاستخلاف في الارض : الايمان والعمل الصالح الذي يخدم الانسانية جميعاً ، المتمثل بقوله تعالى : (وَعد الله الذين اَمنوا منكُم وَعملوا الصّالحات لَيستخلفنَّهم في الاَرضِ كَما استَخلفَ الَّذين مِن قَبلهم وَليُمكنن لهُم دينَهُم الذي ارتَضى لَهُم وَليبدِّلنهم مِن بَعدِ خَوفِهم اَمناً يعبدونني لا يُشركون بي شَيئاً ) (1). فالاستخلاف والولاية المطلقة للحاكم الشرعي مسؤولية الهية لابد وان يتولاها من هو أهل لقيادة الاُمة الاسلامية بل قيادة البشرية بكل افرادها وقطاعاتها المختلفة. فلا تلعب الثروة دوراً في بناء شخصية القائد السياسي ، كما هو الحال في النظام الرأسمالي ، بل ان اغلب قادة الاسلام منذ بزوغ فجر الرسالة الالهية ولحد اليوم ، من الفقراء. بل ان اغلب الانبياء عاشوا حالة من الفقر باستثناء قلة قليلة منهم. وحتى تلك القلة ، كسليمان وداود عليهما السلام ، لم تثنيهما متطلبات الملك من الابتعاد عن ملاذ الدنيا ومغرياتها. فالثروة في الاسلام اذن ليست عاملاً من
(1) النور : 55.