(171)
ملحق : اخلاقية الدولة في استلام الزكاة
عن الامام الصادق (ع) قال : (بعث امير المؤمنين مصدقاً من الكوفة الى باديتها فقال له : يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له ، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك ، وكن حافظاً لما ائتمنتك عليه راعياً لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان ، فاذا قدمت فانزل بمائهم من غير ان تخالط ابياتهم ثم امض اليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ، ثم قل لهم : يا عباد الله ارسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في اموالكم ، فهل لله في اموالكم من حق فتؤدوه الى وليه ، فان قال لك قائل : لا. فلا تراجعه وان انعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير ان تخيفه او تعده الا خيراً ، فاذا اتيت ماله فلا تدخله الا باذنه فان اكثره له ، فقل : يا عبد الله اتأذن لي في دخول مالك ؟ فان اذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به ، فاصدع المال صدعين ثم خيره اي الصدعين شاء ، فايهما اختار فلا تعرض له ، ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فايهما اختار فلا تعرض له ، ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله ، فاذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه ، وان استقالك فاقله ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت اولاً حتى تأخذ حق الله في ماله ، فاذا قبضته فلا توكل به الا ناصحاً شفيقاً اميناً حفيظاً غير معنف بشيء منها ، ثم احدر كل ما اجتمع عندك من كل ناد الينا نصيره حيث امر الله عز وجل ، فاذا انحدر بها رسولك فاوعز اليه ، الا يحول بين ناقة وبين فصيلها ، ولا يفرق بينهما ولا يمصرن
(172)
لبنها فيضر ذلك بفصيلها ، ولا يجهدنها ركوباً ، وليعدل بينهن في ذلك وليوردهن كل ماء يمر به ، ولا يعدل بهن عن نبت الارض الى جواد الطرق في الساعة التي تربح فيها وتعبق وليرفق بهن جهده حتى تأتينا بأذن الله سبحانه سحاحاً سماناً غير متعبات ولامجهدات فيقسمن باذن الله على كتاب الله وسنة نبيه على اولياء الله ، فان ذلك اعظم لاجرك وأقرب لرشدك ينظر الله اليها واليك والى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته ، فان رسول الله (ص) قال : ما ينظر الله الى ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة له ولامامه الا كان معنا في الرفيق الأعلى) (1).
(1) الكافي ج1 ص151.
(173)
4 ـ الانفال
ولمّا كان رسول الله (ص) يتحمل مسؤولية قيادة الدولة الاسلامية ، فان الشريعة وضعت كل الموارد الطبيعية تحت تصرفه لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية بين الافراد. فالدولة لا تستطيع القيام بواجباتها الاجتماعية ما لم يتوفر لها رصيد من الموارد الطبيعية تستثمره لتشغيل الافراد واعالتهم. وهذا هو دور الانفال في النظام الاجتماعي. فالانفال هي كل ما يختص برسول الله (ص) من الموارد الطبيعية ، كما ورد في النص المجيد : ( يَسألُونَكَ عَن الاَنفالِ قُل الاَنفال للهِ وَالرَسُولِ فَاتَقُوا اللهَ وَاَصلِحُوا ذاتَ بَينِكَم ) (1) ، وما ورد عن الامام (ع) : (الانفال كل ارض خربة باد اهلها ، وكل ارض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ولكن صالحوا صلحاً ، واعطوا بايديهم على غير قتال ، وله رؤوس الجبال ، وبطون الاودية ، والآجام (2) ، وكل ارض ميتة لا رب لها ، وله صوافي الملوك ، ما كان في ايديهم من غير وجه الغصب ، لان الغصب كله مردود. وهو وارث من لا وارث له يعول من لاحيلة له) (3) ، وفي رواية اخرى : (كل قرية يهلك اهلها او يجلون عنها فهي نفل لله عز وجل ، نصفها يقسم بين الناس ونصفها لرسول الله (ص)) (4).
واتفق الفقهاء على ان الانفال ، بكافة انواعها ، للامام (ع) منتقلة اليه من
(1) الانفال : 1.
(2) الاجام : ارض برية غير منزرعة تتكاثف فيها الاشجار.
(3) التهذيب ج1 ص386.
(4) التهذيب ج1 ص387.
(174)
النبي (ص) تماماً كما تنتقل الولاية الشرعية منه (ص) بعد وفاته الى الامام (ع). ودليل ذلك قوله (ع) : (الانفال لله وللرسول ، فما كان لله فهو للرسول ، يضعه حيث يحب) (1) ، و(ما كان لرسول الله (ص) فهو للامام) (2). وهي على انواع ، منها :
1 ـ الارض التي يتملكها المسلمون من غير المسلمين ، دون قتال ، سواء انجلى عنها اهلها وتركوها ، او مكنوا المسلمين منها مع بقائهم فيها.
2 ـ الارض الموات ، المملوكة اصلاً ثم باد اهلها ، او غير المملوكة بالاصل ، كسواحل البحار ونحوها.
3 ـ رؤوس الجبال ، وبطون الاودية ، والاجام.
4 ـ ميراث من لا ميراث له.
5 ـ ما اختص به سلطان الحرب ، منقولاً كان او غير منقول.
6 ـ اصطفاء النبي (ص) ، او الامام (ع) لنفسه من غنائم الحرب قبل القسمة ، يعتبر من الانفال ايضاً.
وفي زمن الحضور ، تكون الانفال كلها بيد النبي (ص) او الامام (ع). اما في زمن الغيبة ، فـ « المصرح به في كلام الشهيدين وغيرهم : تحليل الانفال للشيعة ، وربما نسب ذلك الى المشهور... ويدل على التحليل خبر الحرث بن المغيرة النضري : (دخلت على ابي جعفر (ع) فجلست عنده ، فاذا نجية قد استأذن عليه فأذن له ، فدخل فجثا على ركبتيه ، ثم قال : جعلت فداك ، اني اريد ان اسألك عن مسألة ، والله ما اُريد فيها الا فكاك رقبتي من النار.
(1) و (2) التهذيب ج1 ص387.
(175)
فكأنه رق له فاستوى جالساً ، فقال : يا نجية سلني ، فلا تسألني عن شيء الا اخبرتك به. قال : جعلت فداك ، ما تقول في فلان وفلان ؟ قال : يا نجية ، ان لنا الخمس في كتاب الله ، ولنا الانفال ، ولنا صفو المال. وهما والله اول من ظلمنا حقنا في كتاب الله تعالى.... الى ان قال : اللهم انا قد احللنا ذلك لشيعتنا) وما في خبر ابي سيار : (يا ابا سيار ، الارض كلها لنا ، فما اخرج الله تعالى منها من شيء فهو لنا... الى ان قال (ع) : وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون ، ومحلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا » (1). و « ظاهر جملة من متأخري المتأخرين القول بالتحليل مطلقاً ، وهو الظاهر من اخبار اهل البيت (ع) ، ويدل عليه جملة من الروايات ، كرواية يونس بن ظبيان ، ومعلى بن خنيس ، وصحيحة ابي خالد الكابلي ، وصحيحة عمر بن يزيد ، ومنها الاخبار الكثيرة الواردة في احياء الموات ، وميراث من لا وارث له ، ونحو ذلك » (2).
5 ـ الكفارات
وهي ضرائب تفرضها الشريعة في حالات مخالفة الافراد للاحكام الشرعية ، وتأمرهم بصرفها لصالح الفقراء ، كالاطعام والكسوة ، او حل المشاكل الاجتماعية كعتق الرقيق ، او تهذيب النفس كالصيام. حيث تنقسم ، بحسب اسبابها ، الى الاقسام التالية :
(1) مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم ج9 ص604.
(2) الحدائق الناظرة ـ آخر باب الخمس.
(176)
اولاً : كفارات الصوم
أ ـ كفارة الافطار في شهر رمضان : ويوجب الكفارة انتهاك الفرد المكلف حرمة النظام الشرعي للصيام كتناوله شيئاً من المفطرات او نحوها ، في شهر رمضان عالماً مختاراً دون اذن او مبرر شرعي. اما اذا كان المفطر جاهلاً بحرمة الافطار ، فقد اختلف الفقهاء في وجوبها ، ولكن المشهور بينهم ان عليه الكفارة ايضاً.
والمعنى العملي لكفارة الافطار في شهر رمضان ، هو التخيير بين صيام شهرين متتابعين ، او عتق نسمة ، او اطعام ستين مسكيناً. ويطلق على هذه الكفارة شرعاً كفارة التخيير الكبرى. واضافة الى كفارة التخيير هذه ، ثمة كفارة اخرى تسمى كفارة الجمع. فاذا افطر الفرد على محرم ، تكون كفارته الجمع بين الخصال الثلاث.
والحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن ، تفطران وتكفران بمد لكل يوم وعليهما القضاء ، والدليل ما روي عن الامام الباقر (ع) : (الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما ان تفطرا في شهر رمضان ، لانهما لا تطيقان الصوم ، وعليهما ان تتصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطر فيه بمد ، وعليهما قضاء كل يوم افطرتا فيه تقضيانه بعد) (1).
ب ـ كفارة قضاء شهر رمضان : وهو الافطار عمداً بعد الزوال ، فكفارته اطعام عشرة مساكين ، ومع العجز عن الاطعام صيام ثلاثة ايام ، لنص الامام (ع) عن رجل اتى اهله في يوم يقضيه من شهر رمضان : (ان كان اتى
(1) من لا يحضره الفقيه ج1 ص46.
(177)
اهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه الا يوماً مكان يوم ، وان كان اتى اهله بعد زوال الشمس فان عليه ان يتصدق على عشرة مساكين ، فان لم يقدر صام يوماً مكان يوم ، وصام ثلاثة ايام كفارة لما صنع) (1).
ج ـ كفارة النذر بالصوم المعين : وهو اذا نذر بصوم يوم معين بالذات فافطر ، ولم يف بالنذر فعليه كفارة التخيير الكبرى ، وهو المشهور ، بل عن الانتصار الاجماع عليه ، « لقول الامام الصادق (ع) في رجل جعل لله عليه ان لا يفعل محرماً سماه فركبه ، فليعتق رقبة ، او يصوم شهرين متتابعين ، او يطعم ستين مسكيناً » (2).
د ـ كفارة صوم الاعتكاف : ومثالها ان من جامع ايام صوم الاعتكاف ، ليلاً او نهاراً ، فعليه كفارة كبرى ، لانه بمنزلة من افطر يوماً من شهر رمضان.
هـ ـ كفارة افطار الشيخ او الشيخة الطاعنين في السن : وهي اطعام مسكين عن كل يوم ، لقوله تعالى : ( وعلى الَذين يُطيقونَهُ فِدية طَعام مسكين فَمن تَطوّع خَيراً فَهو خَير له وأَن تَصوموا خَيرٌ له وأن تَصُوموا خَيرٌ لكُم إن كَنتم تَعلمُون ) (3) ، وفي الرواية عن الامام محمد الباقر (ع) : (الشيخ الكبير ، والذي به العطاش لا حرج عليهما ان يفطرا في شهر رمضان ، ويتصدق كل منهما عن كل يوم بمد من طعام ، ولا قضاء عليهما ، وان لم يقدرا فلا شيء
(1) الكافي ج1 ص196.
(2) الجواهر ج35 ص366.
(3) البقرة : 184.
(178)
عليهما) (1).
و ـ كفارة المريض الذي يستمر مرضه من شهر رمضان الى شهر رمضان القادم ، وهي مد طعام عن كل يوم يعجز عن صيامه.
ثانياً : كفارات الحج
أ ـ كفارة صيد المحرم ، لقوله تعالى : (يا اَيُّها الَّذين اَمنُوا لا تَقتلوا الصَيد وَانتُم حُرُم وَمن قَتله منكُم متعمداً فَجزاء مثلُ ما قَتل منَ النَّعم يَحكم بهِ ذَوا عَدل مِنكم هَدياً بالغَ الكعبةِ او كَفارة طعامُ مَساكينَ اَو عَدلُ ذلِكَ صياماً ) (2).
والمراد بالصيد « هو كل الوحش اكل او لم يؤكل وهو قول اهل العراق واستدلوا بقول علي (ع) :
|
صيد الملوك ارانب وثعالب
| |
فاذا ركبتُ فصيدي الابطال
|
وهو مذهب اصحابنا رضي الله عنهم. وقوله (وانتم حرم) اي وانتم مُحْرِمون بحج او عمرة. وقوله : (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فالذي عليه معظم اهل العلم ان المماثلة معتبرة في الخلقة ، ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش وشبهه بقرة وفي الظبي والارنب شاة ، وهو المروي عن اهل البيت (ع) وقوله : (يحكم به ذوا عدل منكم) يحكم في الصيد بالجزاء ، رجلان صالحان منكم اي من اهل ملتكم ودينكم فقيهان عدلان فينظران الى اشبه الاشياء به من النعم فيحكمان به. وقوله : (هدياً بالغ الكعبة) اي
(1) الكافي ج1 ص194.
(2) المائدة : 95.
(179)
يهديه هدياً يبلغ الكعبة قال ابن عباس : يريد اذا اتى مكة ذبحه وتصدق به. وقال اصحابنا ان كان اصاب الصيد وهو محرم بالعمرة ذبح جزاءه او نحره بمكة قبالة الكعبة ، وان كان محرماً بالحج ذبحه او نحره بمنى. وقوله : (او كفارة طعام مساكين) ان يقوّم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاماً ويتصدق به. وقوله : (او عدل ذلك صياماً) ان يصوم عن كل مُدَّيْنِ يوماً ، وهو المروي عن ائمتنا (ع) » (1).
ب ـ كفارة الجماع والاستمتاع وقت الاحرام ، وهي بدنة ، ويفسد حجه ، ولكن عليه المضي في حجه الى أن يتمه ، ثم القضاء في العام القادم ، وعندها يجب التفريق بين الزوجين في حج القضاء.
ج ـ كفارة تطيب المحرم عمداً ؛ شاة.
د ـ كفارة تقليم اظافره ؛ شاة.
و ـ كفارة ازالة شعره متعمداً ؛ شاة.
ر ـ كفارة قلع الشجرة النابتة بشكل طبيعي ودون توسط فرد ؛ في الكبيرة منها : بقرة ؛ وفي الصغيرة : شاة ؛ وفي ابعاضها : قيمته.
ز ـ كفارة الاستظلال حال السير : شاة. ونحوها من الكفارات.
ثالثاً : كفارة الظهار
وهي قول الرجل لزوجته : انت عليّ كظهر امي ، بحضور رجلين عدلين ، وهي في طهر لم يواقعها فيه ، فَتَحْرُمَ عليه ، ولا تحل له حتى يكفّر.
(1) مجمع البيان ج6 ص199.
(180)
وكفارتها ترتيبية كبرى ، وهي عتق رقبة ، فان عجز فصيام شهرين متتابعين ، فان عجز فاطعام ستين مسكيناً ، لقوله تعالى : (وَالذين يُظاهرون مِن نِسائهم ثُم يَعودون لِما قالوا فَتحرير رَقبة مِن قَبل اَن يَّتماسّا ، ذلِكم تُوعظون به وَالله بما تَعملون خَبير ، فَمن لَم يَجد فَصيام شهرينِ مُتتابعين مِن قَبل اَن يَتماسّا فَمن لم يستَطع فَاطعام ستينَ مِسكيناً ) (1).
وقد ورد عن الامام علي (ع) نقلاً عن كتاب تفسير النعماني قوله : (واما المظاهرة في كتاب الله فان العرب كانت اذا ظاهر رجل منهم من امرأته حرمت عليه الى آخر الابد فلما هاجر رسول الله (ص) كان بالمدينة رجل من الانصار يقال له : اوس بن الصامت ، وكان اول رجل ظاهر في الاسلام فجرى بينه وبين امرأته كلام فقال لها : انت علي كظهر امي ثم انه ندم على ما كان منه ، فقال : ويحك انا كنا في الجاهلية تحرم علينا الازواج في مثل هذا قبل الاسلام ، فلو اتيت رسول الله (ص)تسأليه عن ذلك ، فجاءت المرأة الى رسول الله (ص) فاخبرته فقال لها : ما اظنك الا وقد حرمت عليه الى آخر الابد ، فجزعت وبكت وقالت : اشكو الى الله فراق زوجي ، فانزل الله عز وجل : ( قَد سَمع الله قَول التي تُجادلك في زَوجِها ) الى قوله : (وَالَّذينَ يُظاهرُون مِن نِسائِهم ) الآية ، فقال رسول الله (ص) : قولي لاوس زوجك : يعتق نسمة ، فقالت : وأنّى له نسمة ، والله ما له خادم غيري ، قال : فيصوم شهرين متتابعين ، قالت : انه شيخ كبير لا يقدر على الصيام ، قال : فمريه فليتصدق على ستين مسكيناً ، فقالت : وانى له الصدقة ؟ فوالله ما بين
(1) المجادلة : 3 ـ 4.