(141)
الزوجين يعملان على الاغلب في شتى المجالات الانتاجية والخدماتية ، مما يسبب توزيعاً غير عادل للاعمال بين الاسر ، فقد تستحوذ اسرة واحدة على عدة وظائف انتاجية ، بينما تبقى اسرة اخرى دون عمل ، فيكون دخل الاسرة الاولى عدة اضعاف الدخل الاعتيادي ، بينما يكون دخل الاسرة الثانية صفراً (1) ؛ وهذا يسبب انعداماً في المساواة الاجتماعية والاقتصادية مما يؤدي الى حالات تبذير من جهة ، والى حالات حرمان من جهة اخرى.
     تاسعاً : ان الاسلام يحث افراده على العمل ، ويحثهم في الوقت نفسه على القناعة ، باعتبار ان السعادة حالة نفسية تشبع عن طريق التهذيب النفسي ، فقبول وضع معين يشجع الانسان على الاحساس بالسعادة الداخلية وهي قضية نفسية لا يمكن اشباعها بالاموال ؛ بينما تشجع النظرية الرأسمالية افرادها على المنافسة الاجتماعية دون حدود (2) ، غير ملتفتة الى الكآبة النفسية التي يولدها الخسران ، او عدم الربح في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
     عاشراً : ان الاسلام ينهى الأفراد عن التبذير ، فقد وضع القرآن الكريم المبذّرين للاموال والشياطين على درجة واحدة ، فقال تعالى : (انَّ المُبذِّرينَ كانُوا اِخوانَ الشَّياطِينِ ) (3). ولا شك ان هذا التشبيه اكبر ادانة
(1) (ديفيد فيثرمان). « انعدام العدالة والتحرك الاجتماعي ». فصل علمي في كتاب (وضع علم الاجتماع). تحرير : جيمس شورت. بيفرلي هيلز ، كاليفورنيا : سيك ، 1981 م.
(2) (كريك دنكان). من الذي يسبق ؟ ومن الذي يبقى في المؤخرة ؟ مقالة علمية في المجلة (الاحصائية السكانية الامريكية) ، عدد 4 ، 1982 م. ص 38 ـ 41.
(3) الاسراء : 27.



(142)
للافراد الذين لا يضعون اموالهم في مواضعها الشرعية الصحيحة. فلما كان المجتمع يملك كمية محدودة من العملة النقدية فان تبذير هذه الكمية يساهم في سوء توزيع الثروة الاجتماعية ؛ الا ان النظرية الرأسمالية تشجع اصحاب الرأسمال والثروة على صرف اموالهم وتبذيرها (1) لسببين ؛ الاول : ان الاموال المكدّسة تعطّل عجلة النمو الاقتصادي ، فكان الافضل صرفها حتى لو كان في صرفها تبذير من قبل الطبقة العليا ، والثاني : انها تشجع ارباب العمل والانتاج بعرض وسائل كمالية على درجة عالية من الكلفة والبذخ والترف للمستهلكين وباسعار مرتفعة. وهذا التبذير يؤدي بالتأكيد الى حركة الاموال في المجتمع الرأسمالي ، ولكنه يحرم الطبقة الفقيرة من حقوقها في استثمار المال الفائض الذي وضع اساساً لخدمتها ورفع الحيف عنها حتى تلحق بعامة الناس.
(1) (روبرت هاوسر) و (ديفيد فيثرمان). عملية الظلم الاجتماعي : اتجاهات وتحليل. نيويورك : المطبعة الاكاديمية ، 1977 م.


(143)
وسـائل عـلاج الفـقر في الاسـلام
     وبطبيعة الحال ، فان موارد المجتمع محدودة بحجم الانتاج الصناعي ، وعدد الانعام الراعية ، وكمية الغلات المحصودة. وما النقد المسكوك او المطبوع الا وسيلة من وسائل التداول ، التي يتمكن من خلالها الانسان اشباع نفسه وعياله من الحاجات المختلفة. ولا ريب ان تراكم الثروة عند فرد معين سيؤدي حتماً الى حرمان مجموعة من الافراد من اشباع حاجاتهم الاساسية. فيختل عندها التوازن الاجتماعي والاقتصادي بين الافراد الذين يملكون وبين الذين لا يملكون. ولما كانت قدرات الافراد في انجاز الاعمال وادارة الانتاج مختلفة ، اصبحت الواردات المالية للعاملين متباينة من عامل لآخر. ومن هذا المنظار بالتحديد ، نظر الاسلام الى مشكلة الفقر فاعتبرها مشكلة انسانية تتعلق بتوزيع الثروة بين الافراد ، لا باعتبارها قضية تتعلق ببذل الجهد البدني فحسب ، كما تؤمن النظرية الرأسمالية. وقد فندّها رأي الرأسمالية بهذا الخصوص ، فيما سبق.
     ولاجل تضييق الفوارق الطبقية وايجاد نظام عادل بين الافراد ، حسب النظرية الاسلامية ، فانه لا بد من معالجة مشكلة سوء توزيع الثروة عن طريق جعل حصة ثابتة للفقراء في اموال الاغنياء في التكليف الوجوبي والاستحبابي ، وربط تكليف تسديد الحقوق الشرعية للمستحقين بالعمل


(144)
العبادي ، باعتبار ان دفع الزكاة والخمس وزكاة الفطر والكفارة والهدي واجبة من الناحيتين الدينية والاخلاقية كوجوب الصلاة والصيام والحج.
     وبسبب اهمية تحصيل الاموال الشرعية وتوزيعها على الفقراء ، فقد قسمت الشريعة ، تلك الحقوق الشرعية المفترض دفعها من قبل الاغنياء الى اقسام متنوعة منها : الزكاة الواجبة والمستحبة ، والخمس ، والكفارات ، والنذور ، والوصايا. وسنتعرض لكل منها بشيءٍ من التفصيل.
1 ـ الزكاة المالية
     فمن اجل اشباع حاجات الفقراء ، والمساواة بينهم وبين الآخرين ورفعهم الى مستوى الطبقة العامة من الناس فقد اوجب الاسلام الزكاة ، وهي الصدقة الواجبة من المال على الانعام الثلاثة والغلات الاربع والنقدين ؛ وحث على اخراج الزكاة المستحبة ما دون ذلك ؛ وخصّص الانعام الثلاثة بالابل والبقر والغنم ، والغلات الاربع بالحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والنقدين بالذهب والفضة ، كما ورد في الرواية المروية عن الامام (ع) : « فرض الله عز وجل الزكاة مع الصلاة في الاموال ، وسنّها رسول الله (ص) في تسعة اشياء ، وعفى عما سواهن : في الذهب ، والفضة ، والابل ، والبقر ، والغنم ، والحنطة ، والشعير ، والتمر ، والزبيب ، وعفى رسول الله عمّا سوى ذلك » (1). و « لا تجب فيما عدا ما ذكرناه بدليل الاجماع ، ولان الاصل براءة الذمة ، وشغلها بايجاب الزكاة من غير ما عددناه يفتقر الى
(1) التهذيب ج1 ص348.


(145)
دليل شرعي وليس في الشرع ما يدل على ذلك » (1). ولكن من المؤكد انها تستحب في غير ذلك من الحبوب كالذرة والرز ، والخضروات كالبقول والخضر ، والاملاك التي تستثمر بالايجار كالبساتين والحوانيت لانها تدخل في مال التجارة. والدليل على ذلك ، روايات مختلفة عن اهل البيت (ع) حملها الفقهاء على الاستحباب والندب.
     واشترط فيمن تجب عليه الزكاة بالبلوغ ، والعقل ، والحرية ، والملك ، والتمكن من التصرف. فدليل وجوب كونه بالغاً رواية يونس بن يعقوب ، قال : (ارسلت الى ابي عبد الله (ع) ان لي اخوة صغاراً ، فمتى تجب على اموالهم الزكاة ؟ قال : اذا وجبت عليهم الصلاة ، وجبت عليهم الزكاة...) (2). وفي رواية اخرى : (ليس في مال اليتيم زكاة ، وليس عليه صلاة ، وليس على جميع غلاته من نخل او زرع او غلة زكاة ، وان بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة ، ولا عليه لما يستقبل ، حتى يدرك ، فاذا ادرك كانت عليه زكاة واحدة ، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس) (3). فالرواية المتقدمة تربط بشكل صريح وجوب الزكاة بالبلوغ. اما العقل فقد اختلف الفقهاء في وجوبه ، فمنهم من قال بثبوت الزكاة في مال المجنون ، ومنهم من قال غير ذلك. حيث ذهب المشهور الى ان حكم المضطرب عقلياً حكم الطفل في جميع ما تقدم ، ولكن الفرق بين المجنون والطفل متجه لوجوه منها : « الاول : ان عبارة الصبي معتبرة في مواضع كالهدية والدخول. الثاني : انه قيل بصحة
(1) الغنية لابن زهرة الحلبي ص44.
(2) الكافي ج1 ص153.
(3) التهذيب ج1 ص356.



(146)
تصرف الصبي المميز اذا بلغ عشراً وقيل ثماني وقيل خمسة اشبار دون المجنون. الثالث : ان الظاهر ان عبادة الصبي المميز شرعية. الرابع : ان العلامة قال في قواعده ان المجنون ابعد في اعتبار عمده من الصبي ، فان اراد ان الفرق مدخول في خصوص الزكاة ، قلنا : لانص فيه ولا اولوية ولا تنقيح لما ذكرنا » (1). وكون المال ملكاً تاماً لصاحبه ، يتمكن من التصرف فيه ، هو احد شروط الزكاة ايضاً. فلا زكاة في المال المرهون ولا الموقوف ، ولا الموهوب قبل ان يقبضه ، ولا في الموصى له ، ولا في الدين ، ولا المال الغائب الا بعد التسلط عليه ، لقوله (ع) : (لاصدقه على الدين ، ولاالمال الغائب عنك ، حتى يقع في يديك) (2) ، وفي رواية ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال : سألته عن رجل يكون نصف ماله عيناً ونصفه ديناً فتحل عليه الزكاة ، قال : (يزكي العين ويدع الدين ، قلت : فانه اقتضاه بعد ستة اشهر ، قال : يزكيه حين اقتضاه) (3). والمدار في دفع الزكاة وجود المال في حوزة الفرد المكلف ، فاذا اقترض شخص نصاباً من الاعيان الزكوية وبقي عنده سنة كاملة ، فزكاة القرض على المقترض لا على المقرض. واضافة الى شروط فيمن تجب عليهم الزكاة ، هناك شروط خاصة في اخراج الزكاة المتعلقة بالغلات الاربع والنقدين والانعام الثلاثة.
الانعام الثلاثة :
     وتعتبر الانعام الثلاثة (الابل والبقر والغنم) من اهم مصادر الغذاء
(1) مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة ج3 ص9.
(2) التهذيب ج1 ص357.
(3) الكافي ج1 ص147.



(147)
الانساني. فعن طريقها يتم تأمين اللحوم والحليب والزبدة والاجبان. وجلودها واوبارها تستخدم لصناعة الملبوسات. وقبل ظهور الآلة كانت الحمير والبغال والخيل تستخدم للنقل والحرث ونقل الماء ، فعن طريقها ازدهرت الزراعة وازداد الانتاج الزراعي. ولكن ظهور الآلة قلل من اهمية الحمير والبغال ، ولكن لم يقلل من اهمية الانعام الثلاثة. فالانعام الثلاثة تعتبر من اهم مصادر الثروة الحيوانية والزراعية. ولما كانت هذه الانعام بهذه الدرجة من الاهمية ، اصبح تملّكها من اهم مصادر الثروة الاجتماعية في كل زمان وفي جميع الحضارات ، وبضمنها الحضارة الحديثة. وليس عجباً اذن ملاحظة نكتة مهمة وهي ان الزكاة المالية في الاسلام اختصت بالانعام الثلاثة دون غيرها من البغال والحمير ، لان هذه الانعام الثلاثة ستبقى اهم مصادر الثروة الغذائية للانسان الى النهاية. ولا ريب ان تعويض النسبة المستهلكة من الانعام من قبل الافراد يتم انتاجها عن طريق التكاثر والاستيلاد الحيواني ، فتبقى الثروة الحيوانية ـ حينئذٍ ـ محافظة على نسبتها الثابتة لاشباع حاجات الافراد.
     وعلى الصعيد الشرعي ، فيشترط في اخراج الزكاة في الانعام الثلاثة الشروط التالية :
     اولاً : بلوغ النصاب ، وهو الحد الادنى الذي يجب فيه دفع الزكاة ، ودليله نص عن الامام الصادق (ع) : (ليس فيما دون الخمس من الابل شيء ، فاذا كانت خمساً ففيها شاة الى عشرة...) (1). وتجب الزكاة في الابل والبقر والغنم
(1) من لا يحضره الفقيه ج1 ص8.


(148)
اذا بلغت النصاب.
أ ـ نصاب الابل :
     1 ـ اذا بلغت خمساً ، فيها شاة.
     2 ـ اذا بلغت العشرة ، فيها شاتان.
     3 ـ اذا بلغت خمسة عشرة ، فيها ثلاث شياه.
     4 ـ اذا بلغت العشرين ، فيها اربع شياه.
     5 ـ اذا بلغت خمساً وعشرين ، فيها خمس شياه.
     6 ـ اذا بلغت ستاً وعشرين ، فيها بنت مخاض ، وهي من الابل التي دخلت السنة الثانية.
     7 ـ اذا بلغت ستاً وثلاثين ، فيها بنت لبون ، وهي التي دخلت في السنة الثالثة.
     8 ـ اذا بلغت ستاً واربعين ، فيها حقة ، وهي التي دخلت في السنة الرابعة.
     9 ـ اذا بلغت احدى وستين ، فيها جدعة ، وهي التي دخلت في السنة الخامسة.
     10 ـ اذا بلغت ستاً وسبعين ، فيها بنتا لبون.
     11 ـ اذا بلغت احدى وتسعين ، فيها حقتان.
     12 ـ اذا بلغت مائة واحدى وعشرين ، ففي كل خمسين حقة ، وفي كل اربعين بنت لبون ، يختار المزكي فيها ما هو الا رجح للفقراء.
ب ـ نصاب البقر :
     1 ـ اذا بلغ ثلاثون بقرة ، فالزكاة فيها تبيع او تبيعة ، وهو ما دخل في


(149)
السنة الثانية.
     2 ـ اذا بلغ اربعين بقرة ، فيها بقرة مسنة ، وهو ما دخل في السنة الثالثة. وحكم الجاموس كحكم البقر.
ج ـ نصاب الغنم :
     1 ـ اذا بلغت اربعين ، فيها شاة.
     2 ـ اذا بلغت مائة واحدى وعشرون ، فيها شاتان.
     3 ـ اذا بلغت مائتان وواحدة ، فيها ثلاث شياه.
     4 ـ اذا بلغت ثلاثمائة وواحدة ، فيها اربع شياه.
     5 ـ اذا بلغت اربع مائة فما زاد ، واحدة في كل مائة شاة ، وليس ما بين النصابين شيء.
     ولا يتعين على المزكي دفع الزكاة من النصاب ، بل له الخيار في دفع ثمنه نقداً للفقراء ، فـ « يجوز للمالك ان يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية ، اجماعاً. ويشهد له صحيح محمد بن خالد البرقي : كتبت الى ابي جعفر الثاني (ع) هل يجوز أن اخرج عما يجب في الحرث من الحنطة والشعير ، وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يساوي ، أم لا يجوز الا أن يخرج من كل شيء ما فيه ؟ فاجاب (ع) : ايّما تيسّر يخرج. وصحيح علي بن جعفر : عن الرجل يعطي عن زكاته من الدراهم دنانير وعن الدنانير دراهم بالقيمة ، أيحل ذلك ؟ قال (ع) : لا بأس به » (1).
     ثانياً : السوم طول الحول ، وهو الرعي الطبيعي طول السنة. فاذا كانت
(1) مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم ج9 ص83.


(150)
معلوفة في بعض ايام السنة لم تجب الزكاة فيها ، لرواية سُئل فيها (ع) عن الفرس والجمل التي يركبها الفرد شيء من الزكاة ؟ فقال : (لا ، ليس على ما يعلف شيء ، انما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها ، عامها الذي يقتنيها الرجل ، فاما ما سوى ذلك ، فليس فيه شيء) (1). وقال الفقهاء بان الحول الشرعي هو « مضي احد عشر شهراً كاملة فاذا دخل الثاني عشر وجبت ان استمرت شرائط الوجوب طول الحول لقول النبي (ص) : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول » (2).
     ثالثاً : ان لا تكون من الحيوانات التي تستخدم في العمل ، كالركوب والحرث والحمل ، فاذا كانت كذلك فلا تجب عليها الزكاة ، لما ورد عن الامام الصادق (ع) في حديث زكاة الابل : (ليس على العوامل شيء ، انما ذلك على السائمة الراعية) (3). و « هذا الشرط مجمع عليه بين العلماء كافة » (4).
     رابعاً : ان يمضي عليها حول كامل ابتداءً من استغنائها عن حليب امها بالرعي ، بالشروط السابقة.
الغلات الاربع :
     ويشترط في اخراج الزكاة في الغلات الأربع شروط :
     اولاً : بلوغ النصاب ، وهو تقريباً ثمانمائة وسبعة وأربعين كيلو غراماً من
(1) الكافي ج1 ص150.
(2) ايضاح الفوائد لفخر المحققين ج1 ص172.
(3) الكافي ج1 ص150.
(4) مفتاح الكرامة ج3 ص42.